HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٠٧

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بن وقاص، عن عمر ابن الْخَطَّابِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ. وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى. فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجر إليه).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص48
ج ٣ ص ١٥١٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٥٨
[٥٠٩] وحديث: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) ؛ فيه دلالة أن كل عمل تعرَّى من النية فهو باطل، وهو على العموم. * * * ومن باب من طلب الشهادة صادقا
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٥٨٦
(٤٥) - (بَابُ قَوْلِهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، وَغَيْرُهُ مِنَ الأَعْمَالِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩١٩] (١٩٠٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يُقدّمان عليه في «الموطّأ» أحدًا، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدّم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدّم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدّم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٥ - (عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ) الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] مات في خلافة عبد الملك (ع) تقدّم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٧/ ١٧٠٧. ٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفَيل بن عبد العُزَّى العدويّ، أبو حفص المدنيّ، ثاني الخلفاء الراشدين، اسُتشهد في آخر سنة (٢٣) ودفن في أول سنة (٢٤) وهو ابن (٦٣) سنة، وصَلَّى عليه صهيب - ﵄ -، ودُفِن في الحجرة النبوية (ع) تقدّم في «المقدمة» ٣/ ٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه ثلاثة من التابعين المدنيين روى بعضهم عن بعض: يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقّاص، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وفيه أن صحابيّه أحد فقهاء الصحابة - ﵃ -، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأول من سُمِّيَ بأمير المؤمنين، ذو مناقب جمّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) - ﵁ -، وفي رواية البخاريّ السّند كلّه متّصل بالتحديث، والإخبار، والسماع، ونصّه: «حدّثنا الحميديّ عبد الله بن الزبير، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيميّ، أنه سمع علقمة بن وقّاص الليثيّ، يقول: سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ - على المنبر قال: سمعت رسول الله - ﷺ -. . .» الحديث. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ) جمع عَمَل، مصدر قولك: عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا، والتركيب يدلّ على فَعَل يَفْعل، والفرق بينه وبين الفعل كما قال الصغاني: أن الفعل أعمّ من العمل؛ لأنَّ الفعل إحداث شيء من العمل وغيره، والفعل بالكسر: الاسم، وجمعه فِعال، وأفعالٌ، وبالفتح: مصدر قولك: فعلت الشيءَ أفعله فَعْلًا وفَعالًا، أفاده في»العمدة«. وفي«القاموس»و«شرحه»: العمل محرَّكة: الْمِهْنة، والفعل، جَمْعه أعمال، وزعم بعض أئمة اللغة والأصول: أن العمل أخصّ من الفعل؛ لأنه الفعل بنوع مشقة، قالوا: ولذا لا يُنسب إلى الله تعالى، وقال الراغب: العمل كل فعل يصدر من الحيوان بقصده، فهو أخصّ من الفعل؛ لأن الفعل قد يُنسب إلى الحيوانات التي يقع منها فِعل بقصد، وقد يُنسب إلى الجمادات، والعمل قلّما ينسب إلى ذلك، ولم يُستعمل في الحيوانات إلا في قولهم: الإبل والبقر العوامل، وقيل: العمل حركة البدن بكلّه أو بعضه، وربما أطلق على حركة النفس، فهو إحداث أمر، قولًا كان أو فعلًا بالجارحة، أو القلب، لكن الأسبق للفهم اختصاصه بالجارحة، وخضه البعض بما لا يكون قولًا، ونوقش بأن تخصيص الفعل به أَولى من حيث استعمالهما متقابلين، فيقال: الأقوال، والأفعال، وقيل: القول لا يسمى عملًا عُرْفًا، ولذا يُعطف عليه، فمن حلف لا يعمل، فقال، لم يحنث، وقيل: التحقيق: إنه لا يدخل في العمل، والفعل إلا مجازًا. انتهى . (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد، وسنبيّن اختلاف ألفاظه في المسائل إن شاء الله تعالى، و«النية»: مصدر نَوَى ينوي، قال الجوهري: نويت نيَّة ونَوَاةً؛ أي: عَزَمت، وانتويت مثله، وهي بالتشديد على المشهور، وحُكِي تخفيفها. وقال الفيّومّي - ﵀ -: نَوَيتُهُ أنويه: قصدته، والاسم: النيّة، والتخفيف لغة حكاها الأزهريّ، وكأنه حُذِفت اللام، وعُوِّض عنها الهاء على اللغة، كما قيل في ثُبَةٍ، وظُبَةٍ. وفي «المُحْكَم»: النيّة مثقّلةً، والتخفيف عن اللِّحيانيّ وحده، وهو على الحذف، ثم خُصِّصت النية في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور، والنية: الأمر، والوجه الذي تنويه. انتهى . واختلفوا في تفسيرها: فقيل: هو القصد إلى الفعل، وقال الخطابيّ: هو قصدك الشيء بقلبك، وتحري الطلب منك له، وقال التيميّ: هنا وِجْهة القلب، وقال البيضاويّ: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض، من جلب نفع، أو دفع ضر، حالًا أو مآلًا، وقال النوويّ: النية: القصد، وهي عزيمة القلب، وقال الكرمانيّ: ليس هو عزيمة القلب، لِمَا قال المتكلمون: القصد إلى الفعل، هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، والعزم قد يتقدم عليه، ويقبل الشدّة والضعف بخلاف القصد، ففرّقوا بينهما من جهتين، فلا يصح تفسيره به. قال صاحب «العمدة»: قلت: العزم هو إرادة الفعل، والقطع عليه، والمراد من النية هنا هو هذا المعنى، فلذلك فسّر النوويّ القصد الذي هو النية بالعزم، فافهم. على أن الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسيّ قد جعل في «أربعينه» النية، والإرادة، والقصد، والعزم بمعنًى، ثم قال: وكذا أزمعت على الشيء، وعمدت إليه، وتُطلق الإرادة على الله تعالى، ولا يُطلق عليه غيرها. انتهى . قال في «الفتح»: قال الكرمانيّ: هذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين، واختُلِف في وجه إفادته، فقيل: لأن «الأعمال» جمعٌ مُحَلًّى بالألف واللام، مفيدٌ للاستغراق، وهو مستلزم للقصر؛ لأن معناه كلّ عمل بنيّة، فلا عمل إلا بنيّة، وقيل: لأن «إنما» للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع، أو العرف، أو تفيده بالحقيقة، أو المجاز؟ ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعًا حقيقيًّا، بل نقله البلقينيّ عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة، إلا اليسير، كالآمديّ، وعلى العكس من ذلك أهل العربية. واحتج بعضهم بأنها لو كانت للحصر لَمَا حَسُن: إنما قام زيد، في جواب هل قام عمرو؟. وأجيب بأنه يصح أن يقع في مثل هذا الجواب: ما قام إلا زيد، وهي للحصر اتفاقًا. وقيل: لو كانت للحصر لاستوى: إنما قام زيد، مع: ما قام إلا زيد، ولا تردّد في أن الثاني أقوى من الأول. وأجيب بأنه لا يلزم من هذه القوّة نفي الحصر، فقد يكون أحد اللفظين أقوى من الآخر مع اشتراكهما في أصل الوضع، كَسَوْف والسين، وقد وقع استعمال «إنما» موضع استعمال النفي والاستثناء كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، وكقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ [الصافات: ٣٩]، وقوله: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢]، وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] ومن شواهده قول الأعشى: ولسْتَ بالأكْثَرِ منْهُمْ حَصًى … وَإنَّمَا الْعِزَّةُ لِلكَاثِرِ يعني: ما ثبتت العزة إلا لمن كان أكثر حصى. انتهى . وسيأتي هذا البحث مستوفًى في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى -. والمراد بالأعمال: الأعمال الصادرة عن المكلفين، وهل تخرج أعمال الكفار؟ الظاهر الإخراج؛ لأن المراد أعمال العبادة، وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطَبًا بها معاقبًا على تركها، ولا يَرِد العتق، والصدقة؛ لأنهما بدليل آخر. وقوله أيضًا: (بِالنِّيَّةِ) الباء للمصاحبة، ويَحْتَمِل أن تكون للسببية، بمعنى أنها مقوِّمة للعمل، فكأنها سبب في إيجاده، وعلى الأول فهي من نفس العمل، فيُشترط أن لا تتخلف عن أوله، قاله في «الفتح»، وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى -. (وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ) قال السنديّ - ﵀ -: قوله: «لامرئ» بمعنى لكلّ امرئ، كما جاء في الروايات الأخرى، وذلك لأن «إنما» يتضمن الإثبات في أول الكلام والنفي في آخر جزء منه، فالنكرة صارت في حَيِّز النفي، فتفيد العموم، على أن النكرة في الإثبات قد يُقْصَد بها العموم، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] ولا يخفى أنه يظهر على هذا المعنى تفريع «فمن كانت هجرته» على ما قبله أشدَّ ظهور. انتهى . وفيه لغتان: «امرء»، كزبْرج، و«مَرْء» كفَلْس، ولا جَمْع له من لفظه، وهو من الغرائب؛ لأن عَيْن فِعله تابع لِلَامِه في الحركات الثلاث دائمًا، وكذا في مؤنثه أيضًا لغتان: «امرأة»، و«مرأة»، وفي هذا الحديث استعمل اللغة الأولى منهما من كلا النوعين؛ إذْ قال: «لكل امرئ»، «وإلى امرأة». قاله في «العمدة» . وقال العراقي: المعروف في الرواية كسر الراء من قوله: «لكل امرئ»، وعلى هذا فإعرابه بحرفين من آخره الراء والهمزة، تقول: امرؤ جيد برفع الراء، ورأيت امرءًا بنصبها، وهذه هي اللغة الفصحى، وفيه لغتان أخريان: فتح الراء مطلقًا، حكاها الفراء، وضمّها مطلقًا، وتكون حركات الإعراب في الهمزة فقط. انتهى . (وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى)؛ أي: لكل رجل: الذي قَصَده، وكذا لكل امرأة لأن النساء شقائق الرجال، وفي «القاموس»: المرأ مثلث الميم: الإنسان، أو الرجل. وعلى القول بأن «إنما» للحصر، فهو هنا من حصر الخبر في المبتدإ، أو يقال: من قصر الصفة على الموصوف؛ لأن المقصور عليه في «إنما» دائمًا المؤخَّر، قاله القسطلانيّ، وفي هذه الجملة تحقيق لاشتراط النية، والإخلاص في الأعمال، قاله القرطبيّ. فتكون على هذا جملةً مؤكدةً لِمَا قبلها، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأُولى؛ لأن الأُولى نَبَّهَت على أن العمل تابع للنية، ويصاحبها، فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه. ثم فَصَّل ما أجمله فيما تقدم بقوله: (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ) - بكسر الهاء - فِعْلَةٌ من الهَجْر، وهو ضدُّ الوصل، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأُولى للثانية، قاله في «النهاية، لابن الأثير»، وفي «العباب»: الْهَجْرُ: ضدّ الوصل، وقد هَجَره يهجُرُه، بالضمّ هَجْرًا، وهِجْرَانًا، والاسم الْهِجْرة، ويقال: الهِجْرة: التركُ، والمراد بها هنا ترك الوطن، والانتقال إلى غيره، وهي في الشرع: مُفارقةُ دار الكفر إلى دار الإسلام خوفَ الفتنة، وطلبَ إقامة الدِّين، وفي الحقيقة مفارقة ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبه، ومن ذلك سُمِّيَ الذين تركوا مكة، وتحوَّلوا إلى المدينة من الصحابة - ﵃ - بالمهاجرين؛ لذلك، قاله في «العمدة» . أي: من كانت رحلته من بلد إلى بلد آخر، (إِلَى اللهِ) تعالى (وَرَسُولِهِ) - ﷺ - نيّةً وقصدًا، (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ) تعالى (وَرَسُولِهِ - ﷺ -) حُكمًا وشرعًا، أو ثوابًا وجزاءً، وإنما قدّرنا ذلك؛ ليتغاير الشرط، والجزاء؛ لأنه لا بُدّ من ذلك، وإلا لم يكن مفيدًا، وقيل: يجوز الاتحاد في الشرط والجزاء، والمبتدإ والخبر، إذا قصد التعظيم، أو التحقير كأنت أنت؛ أي: العظيم، أو الحقير، ومنه قول أبي النجم: وشعري شعري؛ أي: العظيم، وقيل: الخبر محذوف في الجملة الأُولى منهما؛ أي: فهجرته إلى الله ورسوله محمودة أو مثاب عليها، وفهجرته إلى ما هاجر إليه مذمومة أو قبيحة، أو غير مقبولة . (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا) - بضم الدال، وحَكَى ابن قتيبة كسرها، وهي فُعْلى، من الدُّنُوِّ؛ أي: القُرْب، سُمِّيت بذلك؛ لسبقها الأخرى، وقيل: لدنوّها إلى الزوال، وهي غير منوّنة على الأشهر، وحُكي تنوينها، وجَمْعها دُنَا، ككُبَر، جمع كُبْرَى، والنسبة إليها دنيويّ، ودنياويّ، ودنْييّ، بقلب الواو ياء، فتصير ثلاث ياءات، واختُلف في حقيقتها، فقيل: ما على الأرض، من الهواء والجوّ، وقيل: كلُّ المخلوقات من الجواهر، والأعراض، والأول أَولى، لكن يزاد فيه: مما قبل قيام الساعة، ويُطلق على كل جزء منها مجازًا . وقوله: (يُصِيبُهَا) جملة في موضع جرّ صفة لـ «دنيا»؛ أي: يُحَصِّلها؛ لأن تحصيلها كإصابة الغرض بالسهم، بجامع حصول المقصود . (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا) وفي لفظ: «ينكحها»، وخَصّ المرأة بالذِّكر بعد ذِكر ما يَعُمّها وغيرها؛ للاهتمام بها، والتحذير عنها؛ لأن الافتتان بها أشدّ. (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ«) من الدنيا والمرأة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ٤٩١٩ و٤٩٢٠] (١٩٠٧)، و(البخاريّ) في«بدء الوحي»(١) و«الإيمان»(٥٤) و«النكاح»(٥٠٧٠) و«العتق»(٢٥٢٩) و«المناقب»(٣٨٩٨) و«الأيمان والنذور»(٦٦٨٩) و«الحيل»(٦٩٥٣)، و(أبو داود) في«الطلاق»(٢٢٠١)، و(الترمذيّ) في«فضائل الجهاد»(١٦٤٧)، و(النسائيّ) في«الطهارة»(١/ ٥٨) و«الطلاق»(٦/ ١٥٨) و«الأيمان والنذور»(٧/ ١٣) و«الكبرى»(١/ ٧٩ و٣/ ١٣٠ و٣٦١)، و(ابن ماجه) في«الزهد»(٤٢٢٧)، و(مالك) في«الموطّأ»برواية محمد بن الحسن (٩٨٣)، و(ابن المبارك) في«الزهد»(١/ ٦٢)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(ص ٩)، و(الحميديّ) في«مسنده»(٢٨)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ٢٥ و٤٣)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(١/ ٧٣)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٣٨٨ و٣٨٩)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(٦٤)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤/ ٤٨٨)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(١/ ٣٦٩)، و(الطبريّ) في«تهذيب الآثار»(٢/ ٧٨٤ و٨٠٢)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(٣/ ٩٦)، و(البزّار) في«مسنده»(١/ ٣٨٠)، و(الدارقطنيّ) في«سننه»(١/ ٥٠)، و(أبو نعيم) في«الحلية»(٨/ ٤٢)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١/ ٤١ و٢٩٨ و٢/ ١٤ و٤/ ١١٢ و٥/ ٣٩ و٦/ ٣٣١ و٧/ ٣٤١) و«المعرفة»(١٨٩) و«شُعَب الإيمان»(٥/ ٣٣٦)، و(ابن منده) في«الإيمان»(١/ ١٥٤ و٣٦٣)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ العراقيّ - ﵀ -: أخرج حديث عمر - ﵁ - هذا الأئمة الستة، فأخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن يزيد بن هارون، فوقع بدلًا لهما عاليًا بدرجتين، واتَّفَق عليه الشيخان من رواية مالك، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وعبد الوهاب الثقفيّ. وأخرجه البخاريّ، وأبو داود، من رواية الثوريّ، ومسلم من طريق الليث، وابن المبارك، وأبي خالد الأحمر، وحفص بن غياث، والترمذيّ من رواية عبد الوهاب الثقفيّ، والنسائيّ من طريق مالك، وحماد بن زيد، وابن المبارك، وأبي خالد الأحمر، وابن ماجه أيضًا من رواية الليث، عشرتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، أورده البخاريّ في سبعة مواضع من «صحيحه» في «بدء الوحي»، و«الإيمان»، و«النكاح»، و«الهجرة»، و«ترك الحيل»، و«العتق»، و«النذور»، ومسلم في «الجهاد» ، وأبو داود في «الطلاق»، والترمذيّ في «الجهاد»، والنسائيّ في أربعة مواضع: في «الطهارة»، و«الإيمان»، و«العتاق»، و«الطلاق»، وابن ماجه في «الزهد». انتهى كلام العراقيّ - ﵀ - ببعض زيادة . وقال في «العمدة»: ورواه أحمد في «مسنده»، والدارقطنيّ، وابن حبان، والبيهقيّ، ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك، فإنه لم يخرجه في «موطئه»، ووهم ابن دحية الحافظ، فقال في إملائه على هذا الحديث: أخرجه مالك في «الموطأ»، ورواه الشافعيّ عنه، وهذا عجيب منه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن ابن دحية: أراد رواية محمد بن الحسن الشيبانيّ، فإنه أخرجه فيه، كما أسلفناه، فلا عجب فيما قال، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف ألفاظه: قال البدر العينيّ - ﵀ -: قد حصل من الطرق المذكورة أربعة ألفاظ: «إنما الأعمال بالنيات»، و«الأعمال بالنية»، و«العمل بالنية»، وادَّعَى النووي في «تلخيصه» قلَّتَهَا، والرابع: «إنما الأعمال بالنية»، وأورده القضاعيّ في «الشهاب» بلفظ خامس: «الأعمال بالنيات»، بحذف «إنما»، وجَمْع «الأعمال»، و«النيات». قلت: هذا أيضًا موجود في بعض نُسخ البخاريّ. وقال الحافظ أبو موسى الأصفهانيّ: لا يصح إسنادها، وأقرّه النوويّ على ذلك في «تلخيصه»، وغيره، وهو غريب منهما، وهي رواية صحيحة أخرجها ابن حبان في «صحيحه» عن عليّ بن محمد العتابيّ، ثنا عبد الله بن هاشم الطوسيّ، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد، عن علقمة، عن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الأعمالُ بالنيات. . .» الحديث، وأخرجه الحاكم أيضًا في كتابه «الأربعين في شعار أهل الحديث» عن أبي بكر بن خزيمة، ثنا القعنبيّ، ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، به سواءً، ثم حكم بصحته، وأورده ابن الجارود في «المنتقى»، بلفظ سادس عن ابن المقري: حدثنا سفيان، عن يحيى به: «إن الأعمال بالنية، وإن لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا. . .» الحديث، وأورده الرافعيّ في شرحه الكبير بلفظ آخر غريب، وهو: «ليس للمرء من عمله إلا ما نواه»، وفي البيهقي من حديث أنس مرفوعًا: «لا عمل لمن لا نية له»، وهو بمعناه، لكن في إسناده جهالة. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): قال الحافظ العراقيّ - ﵀ -: هذا الحديث من أفراد الصحيح لم يصحّ عن النبيّ - ﷺ - إلا من حديث عمر، ولا عن عمر، إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيميّ، ولا عن التيميّ إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال أبو بكر البزار: في «مسنده»: لا نعلم يُروَى هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب، عن النبيّ - ﷺ - بهذا الإسناد. وقال الخطابيّ: لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في أنه لم يصحّ مسندًا عن النبيّ - ﷺ - إلا من رواية عمر، وقال الترمذيّ بعد تخريجه: هذا حديث صحيح، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد، وقال حمزة بن محمد الكنانيّ: لا أعلم رواه غير عمر، ولا عن عمر غير علقمة، ولا عن علقمة غير محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم غير يحيى بن سعيد، وقال محمد بن عتاب: لم يروه غير عمر، ولا عن عمر غير علقمة، إلى آخره. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): قال العراقيّ - ﵀ - أيضًا: ما ذكره هؤلاء الأئمة من كون حديث عمر فردًا هو المشهور، وقد رُوي من طرق أخرى، رأيت ذِكرها للفائدة، فوقفت عليه مسندًا من غير طريق عمر من حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، وأنس، وعليّ، فحديث أبي سعيد رواه الخطابيّ في «معالم السنن»، والدارقطنيّ في «غرائب مالك»، وابن عساكر في «غرائب مالك»، من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، وهو غلط من ابن أبي روّاد، وقول الخطابيّ: إنه يقال: إن الغلط إنما جاء من قِبَل نوح بن حبيب الذي رواه عن ابن أبي روّاد، فليس بجيد من قائله، فإنه لم ينفرد به نوح به عنه، بل رواه غيره عنه، وإنما الذي تفرد به ابن أبي روّاد كما قال الدارقطنيّ، وغيره. وحديث أبي هريرة رواه الرشيد العطار في بعض تخاريجه، وهو وَهَمٌ أيضًا. وحديث أنس: رواه ابن عساكر من رواية يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أنس بن مالك، وقال: هذا حديث غريب جدًّا، والمحفوظ من حديث عمر. انتهى. والمعروف من حديث أنس ما رواه البيهقيّ من رواية عبد الله بن المثنى الأنصاريّ، قال: حدثني بعض أهل بيتي، عن أنس فذكر حديثًا فيه: «أنه لا عمل لمن لا نية له. . .» الحديث. وحديث عليّ - ﵁ - رواه محمد بن ياسر الجياني في نسخة من طريق أهل البيت، وإسنادها ضعيف. انتهى . وقال في «العمدة»: وقال ابن منده: رواه عن النبيّ - ﷺ - غير عمر: سعد بن أبي وقاص، وعليّ بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدريّ، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس، وابن عباس، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصامت، وعتبة بن عبد الأسلميّ، وهَزّال بن سُويد، وعتبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، وأبو ذرّ، وعتبة بن المنذر، وعقبة بن مسلم - ﵃ -. وأيضًا قد توبع علقمة، والتيميّ، ويحيى بن سعيد على رواياتهم، قال ابن منده: هذا الحديث رواه عن عمر غير علقمة: ابنه عبد الله، وجابر، وأبو جُحيفة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وذو الكَلاع، وعطاء بن يسار، وواصل بن عمر، والجذاميّ، ومحمد بن المنكدر. ورواه عن علقمة غير التيميّ: سعيد بن المسيِّب، ونافع مولى ابن عمر، وتابع يحيى بن سعيد على روايته عن التيميّ: محمد بن محمد بن علقمة أبو الحسن الليثيّ، وداود بن أبي الفُرَات، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة، وعبد الله بن قيس. انتهى . وقال العراقيّ - ﵀ -: وأما من تابع علقمة عليه، فذكر أبو أحمد أن موسى بن عقبة رواه عن نافع، وعلقمة، وأما من تابع يحيى بن سعيد عليه، فقد رواه الحاكم في «تاريخ نيسابور»، للحاكم، من رواية عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، وأورده في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد، وقال: إنه غَلِط فيه، وقال: وإنما هو عن يحيى بن سعيد، لا عن عبد ربه بن سعيد، وذكر الدارقطنيّ أنه رواه حجاج بن أرطاة، عن محمد بن إبراهيم، وأنه رواه سهل بن صقير، عن الدَّرَاوَرْديّ، وابن عيينة، وأنس بن عياض، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن إبراهيم، ووَهِمَ سهل على هؤلاء الثلاثة، وإنما رواه الثلاثة، وغيرهم عن يحيى بن سعيد. قال: ورأيت في «كتاب المستخرج من أحاديث الناس للفائدة» لعبد الرحمن بن منده - ﵀ - أنه رواه سبعة عشر من الصحابة غير عمر، وأنه رواه عن عمر غير علقمة، وعن علقمة غير التيميّ، وعن التيميّ غير يحيى بن سعيد، وبلغني أن الحافظ أبا الحجاج الْمِزّيّ سئل عن كلام ابن منده هذا، فاستبعده، وقد تتبعت كلام ابن منده فوجدت أكثر الصحابة الذين ذكر حديثهم في الباب إنما لهم أحاديث أخرى في مطلق النية، لا هذا الحديث بعينه، كحديث: «يُبعثون على نياتهم»، وحديث: «ليس له من غَزَاته إلا ما نوى»، ونحو ذلك، وهكذا يفعل الترمذيّ حيث يقول: وفي الباب عن فلان، وفلان، فكثيرًا ما يريد بذلك أحاديث غير الحديث الذي يُسنده في أول الباب، ولكن بشرط كونها تصلح أن تُورَد في ذلك الباب، وهو عمل صحيح، إلا أن أكثر الناس إنما يفهمون إرادة ذلك الحديث المعيَّن، والله أعلم. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة السابعة): قال الحافظ العراقيّ - ﵀ -: أطلق بعضهم على هذا الحديث اسم التواتر، وبعضهم اسم الشهرة، وليس كذلك، وإنما هو فرد، ومن أطلق ذلك فمحمول على أنه أراد الاشتهار، أو التواتر في آخر السند، من عند يحيى بن سعيد، قال النووي: هو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره، غريب بالنسبة إلى أوله، قال: وليس متواترًا؛ لفقد شرط التواتر في أوله، رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة، قال العراقيّ: روينا عن الحافظ أبي موسى محمد بن عمر المدينيّ: أنه رواه عن يحيى بن سعيد سبعمائة رجل. انتهى . وقال البدر العينيّ - ﵀ -: قال أبو سعيد محمد بن عليّ الخشاب الحافظ: روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد نحو مائتين وخمسين رجلًا. وذكر ابن منده في «مستخرجه» فوق الثلاثمائة، وقال الحافظ أبو موسى الأصفهانيّ: سمعت الحافظ أبا مسعود عبد الجليل بن أحمد يقول في المذاكرة: قال الإمام عبد الله الأنصاريّ: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد، وقال الحافظ أبو موسى المدينيّ، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهرويّ: أنه رواه عن يحيى سبعمائة رجل. فإن قلت: قد ذكر في «تهذيب مستمر الأوهام» لابن ماكولا أن يحيى بن سعيد لم يسمعه من التيميّ، وذكر في موضع آخر أنه يقال: لم يسمعه التيميّ، عن علقمة. قلت: رواية البخاريّ عن يحيى بن سعيد: أخبرني محمد بن إبراهيم التيميّ، أنه سمع علقمة، تردّ هذا. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثامنة): هذا الحديث قاعدةٌ من قواعد الإسلام حتى قيل فيه: إنه ثلث العلم، وقيل: ربعه، وقيل: خمسه، وقال الشافعيّ، وأحمد: إنه ثلث العلم، قال البيهقيّ: لأن كَسْب العبد بقلبه ولسانه، وجوارحه، فالنية أحد الأقسام، وهي أرجحها؛ لأنها تكون عبادة بانفرادها، ولذلك كانت نية المؤمن خيرًا من عمله، وهكذا أوّله البيهقيّ، وكلام الإمام أحمد يُشعر بأنه أراد بكونه ثلث العلم معنى آخر، فإنه قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث: «إنما الأعمال بالنية»، وحديث عائشة - ﵂ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وحديث النعمان بن بشير - ﵄ -: «الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن». وقال أبو داود: اجتهدت في المسنَد فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدارها على أربعة أحاديث: «الحلال بيّن»، «والأعمال بالنية»، وحديث أبي هريرة - ﵁ -: «إن الله طيّب لا يقبل إلا طيبًا»، وحديث: «مِن حُسن إسلام المرء تَرْكه ما لا يعنيه»، هكذا روى ابن الأعرابي عنه، وروى ابن داسة عنه نحوه، إلا أنه أبدل حديث: «إن الله طيّب» بحديث: «لا يكون المرء مؤمنًا حتى لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه»، وجعل بعضهم مكان هذا الحديث الذي تردّد كلام أبي داود فيه حديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس». ورُوي عن أبي داود أيضًا: الفقه يدور على خمسة أحاديث: «الحلال بيّن»، و«الأعمال بالنيات»، «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»، و«لا ضرر، ولا ضرار». انتهى . وقال في «العمدة»: قال الشافعيّ، وغيره: يدخل فيه؛ أي: حديث الباب، سبعون بابًا من الفقه، وقال النوويّ: لم يُرِد الشافعيّ - ﵀ - انحصار أبوابه في هذا العدد، فإنها أكثر من ذلك، وقد نظم طاهر بن مُفَوّز الأحاديث الأربعة: [من الخفيف] عُمْدَةُ الدِّينِ عنْدَنَا كَلمَاتٌ … أربَعٌ من كَلامِ خَيْرِ البَرِيَّهْ اتَّقِ الشُّبْهَاتِ وازْهَدْ وَدَعْ … مَا لَيْسَ يَعْنِيكَ واعْمَلَنَّ بنيَّهْ (المسألة التاسعة): قال الحافظ العراقيّ - ﵀ -: كلمة «إنما» للحصر على ما تقرر في الأصول، ومعنى الحصر فيها إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨]، ولكن دلالتها على النفي فيما عداه، هل هو بمقتضى موضوع اللفظ، أو بطريق المفهوم؟ فيه كلام لبعض المتأخرين، واستدلّ على وِفاقِهم أنها للحصر أن ابن عباس - ﵄ - فَهِمه من قوله - ﷺ -: «إنما الربا في النسيئة»، فاعترضه المخالفون له بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، ولم يعارضوه فيما فهمه من الحصر؛ لاتفاقهم عليه. انتهى . وقال الحافظ في «الفتح»: واختلفوا هل هي بسيطة، أو مركبة؟ فرجحوا الأول، وقد يرجح الثاني، ويجاب عما أورد عليه من قولهم: إنّ «إنّ» للإثبات و«ما» للنفي، فيستلزم اجتماع المتضادين على صدد واحد بأن يقال مثلًا: أصلهما كان للإثبات والنفي، لكنهما بعد التركيب لم يبقيا على أصلهما، بل أفادا شيئًا آخر، أشار إلى ذلك الكرمانيّ، قال: وأما قول من قال: إفادة هذا السياق للحصر من جهة أن فيه تأكيدًا بعد تأكيد، وهو المستفاد من «إنما»، ومن الجمع، فمتعقَّب بأنه من باب إيهام العكس؛ لأن قائله لمّا رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكيد ظنّ أن كل ما وقع كذلك يفيد الحصر. وقال ابن دقيق العيد: استُدِلّ على إفادة «إنما» للحصر بأن ابن عباس - ﵄ - استَدَلّ على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث: «إنما الربا في النسيئة»، وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم، ولم يخالفوه في فهمه، فكان كالاتفاق منهم على أنها تفيد الحصر. وتُعُقّب باحتمال أن يكونوا تركوا المعارضة بذلك تنزّلًا، وأما من قال: يَحْتَمِل أن يكون اعتمادهم على قوله: «لا ربا إلا في النسيئة»؛ لورود ذلك في بعض طُرق الحديث المذكور، فلا يفيد ذلك في ردّ إفادة الحصر، بل يقوّيه، ويُشعر بأن مُفاد الصيغتين عندهم واحد، وإلا لَمَا استعملوا هذه موضع هذه. وأوضح من هذا حديث: «إنما الماء من الماء»، فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه، وإنما عارضوهم في الحكم من أدلة أخرى كحديث: «إذا التقى الختانان». قال ابن عطية: «إنما» لفظ لا يفارقه المبالغة والتأكيد، حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر إن دخل في قصة ساعدت عليه، فجعل وروده للحصر مجازًا يحتاج إلى قرينة، وكلام غيره على العكس من ذلك، وأن الأصل ورودها للحصر، لكن قد يكون في شيء مخصوص، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فإنه سيق باعتبار منكري الوحدانية، وإلا فلله - ﷿ - صفات أخرى كالعلم والقدرة، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] فإنه سيق باعتبار منكري الرسالة، وإلا فله - ﷺ - صفات أخرى كالبشارة إلى غير ذلك من الأمثلة، وهي فيما يقال: السبب في قول من منع إفادتها للحصر مطلقًا. انتهى . وقال العراقيّ: إذا تقرر أنها للحصر، فتارة تقتضي الحصر المطلق، وهو الأغلب الأكثر، وتارة تقتضي حصرًا مخصوصًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] فالمراد حصره في النذارة لمن لا يؤمن، ونَفْي قدرته على ما طلبوا من الآيات، وأراد بالآية الثانية الحصر بالنسبة إلى من آثرها، أو هو من باب تغليب الغالب على النادر، وكذا قوله في الحديث: «إنما أنا بشر» أراد بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، وبالنسبة إلى جواز النسيان عليه، قال ابن دقيق العيد: ويُفهم ذلك بالقرائن والسياق. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة العاشرة): قال الحافظ العراقيّ - ﵀ -: المراد بالأعمال هنا: أعمال الجوارح كلها حتى تدخل في ذلك الأقوال، فإنها من عمل اللسان، وهو من الجوارح، قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: ورأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خَصَّصَ الأعمال بما لا يكون قولًا، وأخرجَ الأقوال من ذلك، قال: وفي هذا عندي بُعْد، ولا تردّد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضًا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويتناول الحديث أيضًا التروك؛ لأنها أفعال، قال الشيخ إبراهيم الكرديّ: الترك إذا أريد به كفّ النفس، فهو فعل اختياريّ، وكل فعل اختياريّ يختلف باختلاف النيات، وقد صحّ: «إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة» إلى قوله: «وإن تركها من أجلي، فاكتبوها له حسنةً»، ومفهومه أنه إذا لم يتركها من أجل الله لا تُكتب له حسنة، وهو كذلك كما قاله الغزالي وغيره، «إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة. . .». قال الصنعانيّ: بل قد نقل الشيخ نفسه أنه قد قيل: إذا تركها لخوف المسلمين كان آثمًا. قال الشيخ: «ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، فنقول: الكفّ إن كان تركًا للشر لله فهو خير، وإن كان تركًا للخير بلا عذر شرعيّ فهو شرّ، والعمل قد أُطلق على الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، ويوضّحه أن الكف قد أُطلق عليه أنه صدقة، كما في حديث أبي ذرّ - ﵁ -: «كُفّ شرّك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك»، أخرجه ابن أبي الدنيا . وفي حديث معاذ عند الديلميّ: «أفضل الصدقة حفظ اللسان». اللهمّ إلا أن يريد اللفظ الذي ذكره، فليُتأمّل. والأصل الحقيقة، ولا صارف، ولا سيما وقد ورد: «كل معروف صدقة»، وتَرْك الأذى والشرّ من المعروف، ولا شبهة، والصدقة من أفضل الأعمال، فالكفّ عن الأذى والشر من أفضل الأعمال، فالتروك من الأعمال، وهو المطلوب. انتهى. ونقله العلامة الصنعانيّ في «العدة حاشية العمدة»، وناقشه فيه بما تركته لعدم جدواه، والله تعالى أعلم. (المسألة الحادية عشرة): «النية» - بتشديد الياء - على المشهور، وحُكي التخفيف أيضًا كما تقدّم، وقد ورد بلفظ الإفراد فيه، وفي العمل أيضًا، وقد ورد بلفظ الجمع أيضًا، وكلها صحاح. واختُلِف في حقيقة النية: فقيل: هي الطلب، وقيل: الجِدُّ في الطلب، ومنه قول ابن مسعود: ومن ينو الدنيا تُعجزُه؛ أي: من يَجِدّ في طلبها، وقيل: القصد للشيء بالقلب، وقيل: عزيمة القلب، وقيل: هي من النَّوى، بمعنى البُعْد، فكأن الناوي للشيء يطلب بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظاهرة لبعده عنه، فجُعلت النية وسيلة إلى بلوغه، قاله العراقيّ - ﵀ - ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية عشرة): قال الحافظ زين الدين ابن رجب - ﵀ - في كتابه النافع «جامع العلوم والحكم» ما نصه: فائدة مهمة: (واعلم): أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فُرِّقَ بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذِكره، والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين: أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلًا، وتمييز رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرّد والتنظيف، ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم. والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريك له أم لله وغيره؟. وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهذه هي التي توجد في كلام السلف المتقدمين، وقد صنّف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنَّفًا سمّاه «كتاب الإخلاص والنية»، وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذِكرها في كلام النبيّ - ﷺ - تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارِب لذلك، وقد جاء ذِكرها كثيرًا في كتاب الله - ﷿ - بغير لفظ النية أيضًا من الألفاظ المقاربة لها، وإنما فرّق من فرّق بين النية، وبين الإرادة والقصد ونحوهما؛ لظنّهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء. فمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي والإرادة لا تختص بذلك، كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له، ولا ينوي ذلك، وقد ذكرنا أن النية في كلام النبيّ - ﷺ - وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالبًا، فهي حينئذ بمعنى الإرادة، ولهذا يعبَّر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرًا كما في قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود: ١٥]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ [الشورى: ٢٠]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، وقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية [الكهف: ٢٨]، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ الآية [الروم: ٣٨]، وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩]. وقد يُعَبَّر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ٢٠]، وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٢]، وقوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ الآية [النساء: ١١٤]، فنفى الخير عن كثير مما يتناجى الناس به، إلا في الأمر بالمعروف، وخصّ من أفراده الصدقة، والإصلاح بين الناس بعموم نفعهما، فدلّ ذلك على أن التناجي بذلك خير، وأما الثواب عليه من الله فخصّه بمن فَعَله ابتغاء مرضات الله، وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة، والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرًا، وإن لم يبتغ به وجه الله لِمَا يترتب على ذلك من النفع المتعدّي، فيحصل به للناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر فإنْ قَصَد به وجه الله، وابتغاء مرضاته كان خيرًا له، وأثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيرًا له، ولا ثواب له عليه، وهذا بخلاف من صلى، وصام، وذكر الله يقصد بذلك عَرَض الدنيا، فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، اللهم إلا أن يحصل لأحد اقتداء به في ذلك. وأما ما ورد في السنة وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية فكثير جدًّا، ونحن نذكر بعضه: كما خَرَّج الإمامُ أحمد، والنسائيّ، من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «من غزا في سبيل الله، ولم ينو إلا عقالًا، فله ما نوى»، وأخرجه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الْفُرُش، ورُبَّ قتيل بين الصفين الله أعلم بنيّته». وأخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «يُحشر الناس على نياتهم»، ومن حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إنما يُبعث الناس على نياتهم»، وأخرج ابن أبي الدنيا من حديث عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إنما يُبعث المُقتَتِلون على نيّاتهم»، وفي «صحيح مسلم» عن أم سلمة - ﵂ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «يعوذ عائذ بالبيت، فَيُبْعَث إليه بَعْثٌ، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بهم»، فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: «يُخسف به معهم، ولكنه يُبعث يوم القيامة على نيّته». وفيه أيضًا عن عائشة - ﵂ -، عن النبيّ - ﷺ - معنى هذا الحديث، وقال فيه: «يهلكون مَهلكًا واحدًا، ويَصْدِرون مصادر شتى، ويَبعثهم الله على نيّاتهم». وأخرج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من كانت هَمّه الدنيا فرّق الله شمله - وفي لفظ: أمره - وجعل فَقْره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غِناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ أحمد: «من كانت همّه الآخرة، ومن كانت نيّته الدنيا»، وخرَّجه ابن أبي الدنيا، وعنده: «من كانت نيته الآخرة، ومن كانت نيته الدنيا». وفي «الصحيحين» عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أُثِبْت عليها، حتى اللقمة تجعلها في فيِّ امرأتك»، وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن عمر قال: «لا عمل لمن لا نيّة له، ولا أجر لمن لا حِسبة له»؛ يعني: لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند الله - ﷿ -، وبإسناد ضعيف عن ابن مسعود - ﵁ - قال: لا يَنفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بما وافق السنة، وعن يحيى بن أبي كثير قال: تعلّموا النية، فإنها أبلغ من العمل، وعن زيد الشامي، قال: إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب. وعنه أيضًا أنه قال: انْو في كل شيء تريد الخيرَ حتى خروجك إلى الكناسة، وعن داود الطائيّ قال: رأيت الخير كله إنما يجمعه حُسن النية، وكفاك بها خيرًا، وإن لم تَنْصَب، قال داود: والبِرُّ همَّةُ التقيّ، ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردّته يومًا نيّته إلى أصله، وعن سفيان الثوريّ قال: ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي؛ لأنها تتقلب عليّ، وعن يوسف بن أسباط قال: تخليص النية من فسادها أشدّ على العاملين من طول الاجتهاد، وقيل لنافع بن حبيب: ألا تشهد الجنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي، قال: ففكر هنيهةً، ثم قال: امض، وعن مطرف بن عبد الله قال: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية، وعن بعض السلف قال: من سَرّه أن يَكْمُل له عمله فليُحْسِن نيته، فإن الله - ﷿ - يأجر العبد إذا أحسن نيته حتى باللقمة، وعن ابن المبارك قال: رُبّ عمل صغير تُعظّمه النية، ورُبَّ عملٍ كبير تصغِّره النية، وقال ابن عجلان: لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى لله، والنية الحسنة، والإصابة. وقال الفضيل بن عياض: إنما يريد اللهُ - ﷿ - منك نيّتك وإرادتك، وعن يوسف بن أسباط قال: إيثار الله - ﷿ - أفضل من القتل في سبيل الله، خَرَّجَ ذلك كله ابنُ أبي الدنيا في «كتاب الإخلاص والنية»، وروى فيه بإسناد منقطع عن عمر قال: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله - ﷿ -، والورع عما حرّم الله - ﷿ -، وصِدْق النية فيما عند الله. وبهذا يُعلم ما رَوَى الإمام أحمد أن أصول الإسلام ثلاثة أحاديث: حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»، وحديث: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن»، فإن الدِّين كله يرجع إلى فعل المأمورات، وترك المحظورات، والتوقّي عن الشبهات، وهذا كله تضمّنه حديث النعمان بن بشير - ﵄ -، وإنما يتمّ ذلك بأمرين: أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السُّنّة، وهذا هو الذي تضمّنه حديث عائشة - ﵂ -: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد». والثاني: أن يكون العمل في باطنه يُقصد به وجه الله - ﷿ -، كما تضمّنه حديث عمر - ﵁ -: «الأعمال بالنيات»، وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ الآية [الملك: ٢] قال: أخلصه وأصوبه، وقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا وصوابًا، قال: والخالص إذا كان لله - ﷿ -، والصواب إذا كان على السنة. وقد دل هذا الذي قال الفضيل على قوله - ﷿ -: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال بعض العارفين: إنما تفاضلوا بالإرادات، ولم يتفاضلوا بالصوم والصلاة. قال الحافظ ابن رجب - ﵀ -: «فصل»: وأما النية بالمعنى الذي ذكره الفقهاء، وهو تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها من بعض، فإن الإمساك عن الأكل والشرب يقع تارة حِمْيَةً، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركًا للشهوات لله - ﷿ -، فيحتاج في الصيام إلى نية، ليتميّز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه، وكذلك العبادات، كالصلاة، والصيام، منها فرض، ومنها نفل، والفرض يتنوع أنواعًا، فإن الصلوات المفروضات خمس صلوات في كل يوم وليلة، والصيام الواجب تارةً يكون صيام رمضان، وتارة يكون صيام كفارة، أو عن نذر، ولا يتميز هذا كله إلا بالنية، وكذلك الصدقة تكون نفلًا، وتكون فرضًا، والفرض منه زكاة، ومنه كفارة، ولا يتميز ذلك إلا بالنية، فيدخل ذلك في عموم قوله - ﷺ -: «وإنما لكل امرئ ما نوى». وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء، فإن منهم من لا يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة، بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت، وإن لم يستحضر تسميته في الحال، وهي رواية عن الإمام أحمد، ويُبنى على هذا القول أن من فاتته صلاة من يوم وليلة، ونسي عينها أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات: الفجر والمغرب ورباعية واحدة. وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية معيّنة أيضًا، بل يجزئ نية الصيام مطلقًا؛ لأن وقته غير قابل لصيام آخر، وهو رواية عن الإمام أحمد، وربما حكي عن بعضهم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية بالكلية لتعيّنه بنفسه، فهو كردّ الودائع، وحكي عن الأوزاعي أن الزكاة كذلك، وتأول بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزئ بنيّة الصدقة المُطْلَقة، كالحج، وكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدّق بالنصاب كله من غير نية أجزأه عن زكاته، وقد رُوي أن النبيّ - ﷺ - سمع رجلا يلبّي بالحج عن رجل، فقال له: «أحَجَجْتَ عن نفسك؟» قال: لا. قال: هذه عن نفسك، ثم حُجّ عن الرجل«، قال: وقد تُكُلِّم في صحة هذا الحديث، ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره، وأخذ بذلك الشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه، وغيرهما في أن حَجة الإسلام تسقط بنية الحج مطلقًا، سواء نوى التطوع أو غيره، ولا يشترط للحج تعيين النية، فمن حج عن غيره، ولم يحجّ عن نفسه وقع عن نفسه، وكذلك لو حج عن نذر، أو نفلًا، ولم يكن حج حجة الإسلام، فإنها تنقلب عنها، وقد ثبت عن النبيّ - ﷺ - أنه أمر الصحابة - ﵃ - في حجة الوداع بعدما دخلوا معه، وطافوا وسعوا، أن يفسخوا حجهم، ويجعلوه عمرة، وكان منهم القارن، والمفرد، وإنما كان طوافهم عند قدومهم طوافَ القدوم، وليس بفرض، وقد أمرهم أن يجعلوه طواف عمرة، وهو فرض، وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فسخ الحجّ، وعَمِل به، وهو مُشكِل على أصله، فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية، وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء، كمالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وقد يفرّق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب، كالإحرام الذي يفسخه ويجعله عمرة، فينقلب الطواف فيه تَبَعًا لانقلاب الإحرام، كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام تبعًا لانقلاب الإحرام من أصله، ووقوعه عن فرضه، بخلاف ما إذا طاف للزيارة لنيّة الوداع، أو التطوع، فإن هذا لا يُجزيه إلا أن ينوي به الفرض، ولم ينقلب فرضًا تبعًا لانقلاب إحرامه، والله أعلم. ومما يدخل في هذا الباب أن رجلًا في عهد النبيّ - ﷺ - كان قد وضع صدقته عند رجل فجاء ولد صاحب الصدقة فأخذها ممن هي عنده، فعَلِم بذلك أبوه، فخاصمه إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: ما إياك أردت، فقال النبيّ - ﷺ - للمتصدق: «لك ما نويت»، وقال للآخذ: «لك ما أخذت». خرَّجه البخاريّ، وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث، وعمل به في المنصوص عنه، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه، فإن الرجل إنما مُنع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن تكون محاباة، فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر كانت المحاباة منتفية، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر، ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرًا، وكان غنيًا في نفس الأمر أجزأته على الصحيح؛ لأنه إنما دَفع إلى من يعتقد استحقاقه، والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَّلعُ على حقيقته. وأما الطهارة: فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور، وهو يرجع إلى أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة، أم هي شرط من شروط الصلاة، كإزالة النجاسة وستر العورة؟ فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر الشروط، ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة، فإذا كانت عبادة في نفسها لم تصح بدون النية، وهذا قول جمهور العلماء، ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبيّ - ﷺ -: أن الوضوء يكفّر الذنوب والخطايا، وأن من توضأ كما أُمر كان كفارة لذنوبه، وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها، حيث رتّب عليه تكفير الذنوب، والوضوء الخالي من النية لا يكفِّر شيئًا من الذنوب بالاتفاق، فلا يكون مأمورًا به، ولا تصح به الصلاة، ولهذا لم يَرِد في شيء من بقية شرائط الصلاة، كإزالة النجاسة، وستر العورة، ما وَرَدْ في الوضوء من الثواب، ولو شَرَك بين نية الوضوء، وبين قصد التبرّد، أو إزالة النجاسة، أو الوسخ، أجزأه في المنصوص عن الشافعيّ، وهذا قول أكثر أصحاب أحمد؛ لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه، ولهذا لو قَصَد مع رَفْع الحدث تعليم الوضوء لم يضره ذلك، وقد كان النبيّ - ﷺ - يقصد أحيانًا بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحجّ كما قال: «خذوا عني مناسككم». قال ابن رجب: ومما تدخل فيه النية من أبواب العلم: مسائل الأيمان، فَلَغْو اليمين لا كفارة فيه، وهو ما جرى على اللسان من غير قصد بالقلب البتة، كقوله: لا والله، وبلى والله، في أثناء الكلام قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، وكذلك يُرجَع في الأيمان إلى نية الحالف، وما قَصَد بيمينه، فإن حلف بطلاق، أو عَتَاق، ثم ادَّعَى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه، فإنه يُدَيَّن فيما بينه وبين الله - ﷿ -، وهل يُقْبَل منه في ظاهر الحكم؟ فيه قولان للعلماء مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، وقد رُوي عن عمر أنه رُفِع إليه رجل قالت له امرأته: شَبِّهْني، قال: كأنك ظَبْيَة، كأنك حَمَامة، فقالت: لا أرضى حتى تقول: أنت خَليَّة طالق، فقال ذلك، فقال عمر: خذ بيدها، فهي امرأتك، خَرَّجه أبو عبيد، وقال: أراد الناقة تكون معقولة، ثم تُطلق من عقالها، ويُحَلّ عنها، فهي خَليَّة من العِقال، وهي طالق لأنها قد انطلقت منه، فأراد الرجل ذلك، فأسقط عنه عمر الطلاق لنيّته، قال: وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يُشبه لفظ الطلاق، والعَتَاق، وهو ينوي غيره، أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله - ﷿ -، وفي الحكم على تأويل عمر - ﵁ -. وبروى عن السُّمَيط السَّدُوسيّ، قال: خطبتُ امرأةً، فقالوا: لا نُزَوِّجك حتى تطلق امرأتك، فقلت: إني طلقتها ثلاثًا، فزوَّجوني، ثم نظروا فإذا امرأتي عندي، فقالوا: أليس قد طلقتها ثلاثًا؟ فقلت: كان عندي فلانة، فطلقتها، وفلانة فطلقتها، فأما هذه فلم أطلقها، فأتيت شقيق بن ثور، وهو يريد الخروج إلى عثمان وافدًا، فقلت له: سَلْ أمير المؤمنين عن هذه، فخرج فسأله، فذكر ذلك لعثمان، فجعلها له، فقال: بنيّته، خرَّجه أبو عبيد في كتاب الطلاق، وحَكَى إجماع العلماء على مثل ذلك، وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: حديث السميط تعرفه؟ قال: نعم السدوسيّ، وإنما جعل نيته بذلك، وقال: فإن كان الحالف ظالِمًا ونوى خلاف ما حلَّفه عليه غريمه لم تنفعه نيته. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «يمينك على ما يُصدِّقك عليه صاحبك»، وفي رواية له: «اليمين على نية المستحلِف»، وهو محمول على الظالم، فأما المظلوم فينفعه ذلك. وقد خرّج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث سُوَيد بن حَنْظَلَة قال: خرجنا نريد رسول الله - ﷺ -، ومعنا وائل بن حُجْر، فأخذه عدوّ له، فتحرّج الناس أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي، فخَلّى سبيله، وأتينا النبيّ - ﷺ -، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي، فقال: «صدقت، المسلم أخو المسلم». وكذلك قد تدخل النية في الطلاق والعتاق، فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة للطلاق، أو العتاق، فلا بد له من النية، وهل يقوم مقام النية دلالة الحال من غضب، أو سؤال الطلاق، ونحوه أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين العلماء، وهل يقع بذلك الطلاق في الباطن، كما لو نواه، أم يلزم به في ظاهر الحكم فقط؟ فيه خلاف مشهور، ولو أوقع الطلاق بكناية ظاهرة، كالبتة، ونحوها، فهل يقع به الثلاثة، أو واحدة؟ فيه قولان مشهوران، فظاهر مذهب أحمد أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية، فان نوى به ما دون الثلاث وقع به ما نواه، وحكي عنه رواية أخرى: أنه يلزمه الثلاث أيضًا، ولو رأى امرأة يظنها امرأته، فطلقها، ثم بانت أجنبية طُلِّقت امرأته؛ لأنه إنما قصد طلاق امرأته، نَصَّ على ذلك أحمد، وحُكي عنه رواية أخرى: أنها لا تَطْلُق، وهو قول الشافعيّ، ولو كان بالعكس بأن رأى امرأة فظنها أجنبية، فطلقها فبانت امرأته، فهل تطلق؟ فيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، والمشهور من مذهب الشافعيّ وغيره أنها لا تطلق، ولو كان له امرأتان، فنهى إحداهما عن الخروج، ثم رأى امرأة قد خرجتِ فظنّها المَنهية، فقال لها: فلانةُ خرجتِ أنت طالق، فقد اختلف العلماء فيها، فقال الحسن: تطلق المنهية؛ لأنها التي نواها، وقال إبراهيم: يطلقان، وقال عطاء: لا تطلق واحدة منهما، وقال أحمد: إنها تطلق المنهية رواية واحدةً؛ لأنه نوى طلاقها، وهل تطلق المواجِهة؟ على روايتين عنه، فاختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق، هل تطلق في الحكم فقط أم في الباطن أيضًا؟ على طريقتين لهم. وقد استُدِلّ بقوله - ﷺ -: «الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، على أن العقود التي يُقصد بها في الباطن التوصل إلى الحرام غير صحيحة، كعقود البيوع التي يُقصد بها معنى الربا ونحوها، كما هو مذهب مالك وأحمد، وغيرهما، فإن هذا العقد إنما نوى به الربا لا البيع، «وإنما لكل امرئ ما نوى». ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جدًّا، وفيما ذكرنا كفاية، وقد تقدم عن الشافعيّ أنه قال في هذا الحديث: إنه يدخل في سبعين بابًا من الفقه، والله أعلم. انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب - ﵀ - في «جامع العلوم والحكم» ، وهو بحثٌ نفيس مفيدٌ جدًّا. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة عشرة): قال الإمام ابن دقيق العيد - ﵀ -: قوله: «إنما الأعمال بالنيات»: لا بُدّ فيه من حذف المضاف، واختلف الفقهاء في تقديره: فالذين اشترطوا النية قدّروه: صحة الأعمال بالنيات، أو ما يقاربه، والذين لم يشترطوها قدّروه كمال الأعمال بالنيات، أو ما يقاربها، وقد رُجِّحَ الأولُ بأن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة من الكمال، فالحَمْل عليه أولى؛ لأن ما كان أَلزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ، فكان الحَمْل عليه أولى، وكذلك قد يقدّرونه: إنما اعتبار الأعمال بالنيات، وقد قرَّب ذلك بعضهم بنظائر من الْمُثُل، كقولهم: إنما المُلْكُ بالرجال؛ أي: قوامه ووجوده، وإنما الرجال بالمال، وإنما المال بالرعية، وإنما الرعية بالعدل، كل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور. انتهى كلام ابن دقيق العيد - ﵀ - . وكتب العلامة الصنعانيّ - ﵀ - عند قوله: لا بُدّ من حذف مضاف، ما نصه: أقول: لِمَا أنه معلوم وجود صورة العمل من دون نية، فلا بد من التقدير؛ لِتوقّف الصدق على المقدَّر، ولذا قيل: إنه من المُجْمَل؛ لتردده بين المحتمِلات، والجمهور على خلافه؛ لِسَبْق المقصود إلى الفهم عُرفًا، فتقدَّر الصحة؛ أي: لا صحة للأعمال إلا بالنيات، ورُجِّح بأنه الأقرب إلى نفي الذات عن الأعمال؛ لأن ما لا يصح كالعدم. قال الصنعاني: إنما لاحظوا الأقرب إلى نفي الذات؛ لأن الكلام ظاهر في نفيها، والحَرْف موضوع لذلك، إذ قولك: لا رجل في الدار يُراد به نفي الذات؛ أي: نفي صفة استقرار الذات في الدار، وكأنهم يتسامحون في العبارة، قال الحلبي: ولأن اللفظ دلّ على نفي الذات بالتصريح وعلى نفي الصفات بالتَّبَع، فلما مَنَعَ الدليل دلالته على نفي الذات ثبت أن دلالته على نفي الصفات مستمرة، فحيث ولا بدّ من مقدَّر يتوجه النفي إليه، فما هو في حكم العدم ، والشارح - يعني: ابن دقيق العيد - ذكر مرجِّحًا آخر وهو أن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة من الكمال، يريد أن الأفعال الصحيحة أكثر وجودًا من الأفعال الكاملة، فيتوجه النفي إلى ملازم الحقيقة، فكان نفي الملازَم - بالفتح - وهو ملاقٍ للأول؛ إذ نفي الملازَم كنفي الملازِم. وقوله: لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال، وهو مُلَاقٍ لقول أهل الأصول؛ لِسَبْق المقصود إلى الفهم. قال الصنعانيّ: وهنا مرجِّح أوضح، وهو أن خطابات الشارع محمولة على تعريفه، وتعليمه للمكلفين التكاليف الصحيحة؛ إذ هي المطلوبة منهم، ولذا حُملت الخطابات المطلقة في مثل ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] على النكاح الصحيح؛ لأنه مطلوب الشارع، لا الفساد فلا يكون محلِّلًا، فكذلك يكون مطلوب الشارع تعريف العباد صحيح التكاليف التي يسقط الطلب بها، وتستحق به الإثابة، وأما الكمال فهو مطلوب ندبًا، لا وجوبًا وإلا لزم أن لا يجزئ إلا الكامل من الأفعال، لا الصحيح، على أني أقول : ههنا مانع من تقدير الكمال، وهو أنه سيق الحديث لبيان الأعمال التي يثاب عليها العباد، فلو قدّر الكمال لزم أن لا يثاب العباد، فلو قدّر الكمال على الأفعال الصحيحة حتى تتصف بالكمال وهو باطل ، ثم الكمال يتفاوت بتفاوت رُتَب العاملين، فصلاة نبيّنا - ﷺ - أكمل الصلوات، ثم تختلف رتبته على اختلاف طبقات الأتقياء، فأيُّ كمالٍ المقدَّرُ؟ فالقول بتقديره كالإحالة على مجهول، مع أن الكمال ليس بملازم لجميع الأفعال، والحديث عام لجميعها، بخلاف الصحة، فهي شيء واحد ملازم لكل ما يُسقط التكليف، وهي ترتب الآثار، فعرفت أن تقدير الكمال غير صحيح هنا، ولا مُلجئ إليه، إلا الدليل الناهض كما نهض على تقديره في حديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، إن ثبت، وذلك أنه ثبت: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة» الحديث عند أحمد، والشيخين من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وقول الشارح المحقق - يعني: ابن دقيق العيد -: إن من لم يشترط النية يُقَدِّر الكمال، فيه بحث؛ لأنا لا نعلم قائلًا يقول: إنها لا تشترط النية في شيء من الأعمال حتى يقدّر في جميعها الكمال، إنما وقع الخلاف في مسائل، وفروع من العبادات، وإلا فالكل يتفقون على شرطيتها في مواضع من المسائل مع أن من لم يشترطها في بعض المواضع لا يقدّر الكمال فيها، وحينئذ لا يتم له تقدير الكمال هنا؛ لأن هذا الحديث عام لكل عمل كما عرفت، ومن الأعمال ما هي شرط في صحته عنده فلا يتم هذا الإطلاق، إلا أن يثبت أن قائلًا يقول: لا تشترط النية في عمل من الأعمال، ولا أظنه يوجد من يقول هذا، إلا أن يكون مراده: أن مِنْ لازِم كل عمل النية، وأن شرطيتها لغو؛ لأنها أمر لا بد منه، كما قال بعض المتأخرين: إنه لو كلِّف بعمل بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، على أن هذا لا يتم به حَمْل الحديث على الكمال، بل يقول: الحديث أتى لطلب أن يكون باعث النية ابتغاء رضا الله تعالى، ولا تقدّر صحة، ولا كمال، فالكلام صادق عنده؛ لأنه لا يوجد عمل إلا بنية. انتهى كلام الصنعانيّ - ﵀ - ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الرابعة عشرة): قال الحافظ - ﵀ -: الأعمال تقتضي عاملين، والتقدير: الأعمال الصادرة من المكلفين، وعلى هذا هل تَخْرُج أعمال الكفار؟ الظاهر: الإخراج؛ لأن المراد بالأعمال: أعمال العبادة، وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطَبًا معاقَبًا على تركها، ولا يَرِد العتق، والصدقة؛ لأنهما بدليل آخر. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة عشرة): قال الحافظ أيضًا: الظاهر أن الألف واللام في النيات معاقِبَة للضمير، والتقدير: الأعمال بنياتها، وعلى هذا فيدل على اعتبار نية العمل من كونه مثلًا صَلاةً، أو غيرها، ومن كونها فرضًا أو نفلًا، ظُهرًا مثلًا، أو عصرًا، مقصورةً، أو غير مقصورة، وهل يُحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد؟ فيه بحث، والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعيَّن، كالمسافر مثلًا ليس له أن يَقْصُر إلا بنيّة القصر، لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين؛ لأن ذلك هو مقتضى القصر، والله أعلم. انتهى، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة عشرة): قال العراقيّ - ﵀ -: وذكر بعض المتأخرين من الحنفية، وهو قاضي القضاة شمس الدين السروجيّ أن التقدير - يعني: تقدير إنما الأعمال بالنيات - ثوابها، لا صحتها؛ لأنه الذي يَطّرِد، فإن كثيرًا من الأعمال يوجد، ويُعتبر شرعًا بدونها، ولأن إضمار الثواب متفق على إرادته، ولأنه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، فكان ما ذهبنا إليه أقلّ إضمارًا، فهو أَولى، ولأن إضمار الجواز والصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو ممتنِع، ولأن العامل في قوله: «بالنية» مقدَّر بإجماع النحاة، ولا يجوز أن يتعلق بالأعمال؛ لأنها رَفْعٌ بالابتداء، فيبقى بلا خبر فلا يجوز، فالمقدَّر إما مُجْزِئة أو صحيحة، أو مُثيبة، فمثيبة أَولى بالتقدير لوجهين: أحدهما: أن عدم النية لا يُبطل أصل العمل، وعلى إضمار الصحة، والإجزاء يُبطل، فلا يَبْطُل بالشك. الثاني: أن قوله: «لكل امرئ ما نوى» يدل على الصواب والأجر؛ لأن الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه. انتهى. قال العراقيّ: وفيه نظر من وجوه: أحدها: أنه لا حاجة إلى إضمار محذوف من الصحة، أو الكمال، أو الثواب؛ إذ الإضمار خلاف الأصل، وإنما المراد: حقيقة العمل الشرعيّ، فلا يحتاج حينئذ إلى إضمار، وأيضًا فلا بد من إضمار شيء يتعلق به الجارّ والمجرور، فلا حاجة لإضمار مضاف؛ لأن تقليل الإضمار أَولى، فيكون التقدير: إنما الأعمال، وجودها بالنية، ويكون المراد: الأعمال الشرعية. والثاني: أن قوله: إن تقدير الثواب أقلّ إضمارًا؛ لكونه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، فلا نسلّم أن فيه تقليل الإضمار؛ لأن المحذوف واحد، ولا يلزم من تقدير الصحة تقدير ما يترتب على نفيها من نفي الثواب، ووجوب الإعادة، وغير ذلك، فلا نحتاج إلى أن نقدّر إنما صحة الأعمال والثواب وسقوط القضاء مثلًا بالنية، بل المقدّر واحد، وإن ترتّب على ذلك الواحد شيء آخر، فلا يلزم تقديره. والثالث: أن قوله: إن تقدير الصحة يؤدي إلى نَسْخ الكتاب بخبر الواحد، فإن أراد به أن الكتاب دال على صحة العمل بغير نية لكون النية لم تذكر في الكتاب، فهذا ليس بنسخ، وأيضًا فالثواب مذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، فهذا هو القصد والنية، ولو سُلِّم أن فيه نسخَ الكتاب بخبر الواحد فلا مانع من ذلك عند أكثر أهل الأصول. والرابع: أن قوله: إن تقدير الصحة يُبطل العمل، ولا يَبْطُل بالشك، ليس بجيد، بل إذا تيقّنا شغل الذمة بوجوب العمل لم نُسقطه بالشك، ولا تبرأ الذمة إلا بيقين، فحمْله على الصحة أَولى؛ لتيقّن البراءة به. والخامس: أن قوله: إن الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه، والأحسن في التقدير أن لا يقدّر حذف مضاف، فإنه لا حاجة إليه، ولكن يقدّر شيء يتعلق به الجارّ والمجرور، فإنه لا بدّ من تقديره كما تقدم، إنما الأعمال وجودها بالنية، ونفي الحقيقة أَولى، والمراد نفي العمل الشرعي، وإن وُجد صورة الفعل في الظاهر فليس بشرعيّ عند عدم النية. انتهى ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة السابعة عشرة): قال العراقيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يكون معنى: «إنما الأعمال بالنيات» من لم ينو الشيء لم يحصل له، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: من نوى شيئًا لم يحصل له غيره. قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: وبينهما فَرْق، وإلى هذا يشير قوله: «فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». انتهى. وهذا يؤدي إلى أن التشريك في النية مُفسد لها، وقد ورد لكل من الاحتمالين ما يؤكده، فمما يؤكد هذا الاحتمال: ما رواه النسائي من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا شيء له. . .» الحديث، وفيه: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابْتُغِي به وجهه». ويدلّ للاحتمال الأول: ما رواه النسائيّ أيضًا من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من غزا في سبيل الله، ولم ينو إلا عِقالًا، فله ما نوى»، فإتيانه بصيغة الحصر يقتضي أنه إذا نوى مع العقال شيئًا آخر كان له ما نواه، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب عندي، والله تعالى أعلم. (المسألة الثامنة عشرة): قوله - ﷺ -: «وإنما لكل امرئ ما نوى»: قال العلامة الصنعانيّ - ﵀ -: اختَلَف الناظرون، هل هذه الجملة مؤكدة لِمَا قبلها أم لا؟ والذي يظهر أنها مستأنَفة؛ لأنه بَيَّنَ في الأُولى أن صحة الأعمال بالنيات، وهو حكم للأعمال صريح، ثم بَيَّنَ في هذه الجملة ما يخص العاملين، وقول الشارح - يعني: ابن دقيق العيد - يقتضي أن من نوى شيئًا حَصَل له؛ أي: سواء عَمِلَه، أو مَنَعَه عنه مانع يُعذر شرعًا معه بعدم عمله، وهذا صحيح موافق للأحاديث الكثيرة الواردة بثبوت الأجر لمن نوى خيرًا ولم يعمله، كحديث: «رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فهو يعمل بعلمه في ماله، وينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل العمل الذي يعمل، فهما في الأجر سواء»، إلا أنه قد خرج بدليل آخر من هذه القاعدة عدّة مسائل: فمنها: ذِكر الله كالتسبيح، فإنه لا يحتاج إلى نية؛ لأنه يتميّز بنفسه، وإنما يحتاج إلى القيد، ومنها: الألفاظ الصريحة من المعاملات في الطلاق، والنكاح، ونحوها، ومنها: إذا وقع في الماء الكثير ثوب متنجس، فإنه يَطْهُر، ومنها: من حج أو اعتمر عن غيره، ولم يكن قد أدَّى ذلك عن نفسه، فإنه ينقلب له مع أنه نواه عن غيره، ومنها: إذا أحرم بالحج في غير أشهره، فإنه ينقلب عمرة، وغير ذلك مما يعرفه من تتبّع فروع الكليات. انتهى . وقال في «الفتح»: قال القرطبيّ: فيه - أي: في قوله: «إنما لكل امرئ. . .» إلخ -: تحقيق لاشتراط النية والإخلاص في الأعمال، فجنح إلى أنها مؤكدة، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأُولى؛ لأن الأُولى نبّهت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها، فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه. وقال ابن دقيق العيد: الجملة الثانية تقتضي أن مَنْ نوى شيئًا يحصل له - يعني: إذا عمله بشرائطه، أو حال دون عمله له ما يُعذر به شرعًا بعدم عمله - وكل ما لم ينوه لم يحصل له، ومراده بقوله: لم ينوه؛ أي: لا خصوصًا ولا عمومًا، أما إذا لم ينو شيئًا مخصوصًا لكانت هناك نية عامة تشمله، فهذا مما اختلفت فيه أنظار العلماء، ويتخرج عليه من المسائل ما لا يُحصى، وقد يحصل غير المنويّ لِمُدْرَك آخر، كمن دخل المسجد، فصلى الفرض، أو الراتبة قبل أن يقعد، فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها؛ لأن القصد بالتحية شَغْل البُقْعة، وقد حصل، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة، فإنه لا يحصل له غُسل الجمعة على الراجح؛ لأن غُسل الجمعة يُنظر فيه إلى التعبد، لا إلى محض التنظيف، فلا بد فيه من القصد إليه، بخلاف تحية المسجد، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يظهر لي فرق بين هاتين المسألتين: تحية المسجد، وغسل الجمعة، حيث جعلوا الأُولى مما لا يُنظر فيه جهة التعبد، والثانية جعلوها مما يُنظر فيه جهة التعبد، وقد قال - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، كما قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل»، وما ثَمَّ نص يُفَرِّق بينهما، فالظاهر أنهما عبادتان يُحتاج فيهما إلى النية، فلا يحصل كل منهما إلا إذا نواه، والله أعلم. وقال النووي: أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنويّ، كمن عليه صلاة فائتة لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط، حتى يعيّنها ظهرًا مثلًا، أو عصرًا، ولا يخفى أن محله إذا لم تنحصر الفائتة. وقال ابن السمعاني في «أماليه»: أفادت أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثواب إلا إذا نوى بها فاعلها القُربة، كالأكل إذا نوى به القوّة على الطاعة، وقال غيره: أفادت أن النيابة لا تدخل في النية، فإن ذلك هو الأصل فلا يَرِد مثل نية الولي عن الصبي ونظائره، فإنها على خلاف الأصل. وقال ابن عبد السلام: الجملة الأُولى لبيان ما يُعتبر من الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب عليها، وأفاد أن النية إنما تُشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وُضع له، كالأذكار، والأدعية، والتلاوة؛ لأنها لا تَترَدَّدُ بين العبادة والعادة، ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع، أما ما حدث فيه عُرف كالتسبيح للتعجب فلا، ومع ذلك فلو قصد بالذكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثوابًا، ومن ثم قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه يُحَصِّل الثواب؛ لأنه خير من حركة اللسان بالغِيبة، بل هو خير من السكوت مطلقًا؛ أي: المجرد عن التفكر، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لي وقفة هنا: وذلك أن ما ذَكَرَه، من الأذكار ونحوه، داخل في عموم الأعمال، فبأيّ دليل خرج عنها، حتى نقول: إنه لا يحتاج إلى النية؟ بل الظاهر أنه لا بد فيه من النية؛ ليثاب عليه، وأما قول الغزالي حركة اللسان إلخ، فالظاهر أن المراد به الذِّكر مع عدم حضور القلب، لا مع عدم النية، فلا يلزم من عدم حضور القلب عدم النية فتأمل. قال الحافظ: ويؤيده - أي: قول الغزاليّ - قوله - ﷺ -: «في بُضع أحدكم صدقة. . .»، ثم قال في الجواب عن قولهم: أيأتي أحدنا شهوته، ويؤجر؟: «أرأيت لو وضعها في الحرام»؟. وأورد على إطلاق الغزالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح؛ لأنه خير من فعل الحرام، وليس ذلك مراده. وخُصَّ من عموم الحديث ما يُقصد حصوله في الجملة، فإنه لا يحتاج إلى نية تخصه، كتحية المسجد كما تقدم. قال الجامع: قد علمتَ ما فيه فيما تقدم. قال: وكمن مات زوجها فلم يبلغها الخبر إلا بعد مدة العدة، فإن عدتها تنقضي؛ لأن المقصود حصول براءة الرحم، وقد وُجد، ومن ثم لم يَحْتج المتروك إلى نية. ونازع الكرمانيّ في إطلاق الشيخ محيي الدين، كون المتروك لا يحتاج إلى نية بأن الترك فعل، وهو كفّ النفس، وبأن التروك إذا أريدَ بها تحصيل الثواب بامتثال أمْر الشارع فلا بد فيها من قَصْد الترك. وتُعقب بأن قوله: «الترك فعل» مختلَف فيه، ومن حقّ المستدلّ على المانع أن يأتي بأمر متفق عليه، وأما استدلاله الثاني فلا يطابق المَوْرد؛ لأن المبحوث فيه: هل تلزم النية في التروك بحيث يقع العقاب بتركها؟ والذي أورده: هل يحصل الثواب بدونها؟ والتفاوت بين المقامين ظاهر. والتحقيق أن الترك المجرّد لا ثواب فيه، وإنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلًا ليس كمن خطرت، فكفّ نفسه عنها خوفًا من الله تعالى، فرجع الحال إلى أن الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه، لا الترك المجرد، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الكرمانيّ: إذا قلنا: إن تقديم الخبر على المبتدإ يفيد القصر، ففي قوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى» نوعان من الحصر: قصرُ المسنَد على المسنَد إليه؛ إذ المراد: إنما لكل امرئ ما نواه، والتقديم المذكور ، والله تعالى أعلم. (المسألة التاسعة عشرة): في مذاهب العلماء في اشتراط النية في العبادة: دل هذا الحديث على اشتراط النية لصحة العبادة، وقد اتفق العلماء على ذلك في العبادة المقصودة لعينها التي ليست وسيلة إلى غيرها، وحَكَى أبو الوليد محمد بن أحمد بن رُشْد المالكيّ في كتابه «بداية المجتهد» اتفاق العلماء على اشتراط النية في العبادات، وحَكَى الاختلاف في الوضوء؛ لاختلافهم في أنه وسيلة، أو مقصود، وحَكَى ابن التين السفاقسيّ أنهم لا يختلفون في أن العبادة المحضة مفتقِرَة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية. وذكر النوويّ أن الأعمال ضربان: ضَرْب تُشترط النية لصحته، وحصول الثواب فيه، كالأركان الأربعة، وغير ذلك مما أجمع العلماء أنه لا يصح إلا بنيّة، وكالوضوء، والغسل، والتيمم، وطواف الحج والعمرة، والوقوف، مما اشترطَ النيةَ فيه بعضُ العلماء. وضَرْب لا تُشترط النية لصحته، لكن تُشترط لحصول الثواب، كستر العورة، والأذان، والإقامة، وابتداء السلام، وردّه، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإماطة الأذى، وبناء المدارس، والرُّبُط والأوقاف، والهبات، والوصايا، والصدقات، وردّ الأمانات، ونحوها. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة العشرون): في اختلاف العلماء في اشتراط النية في الوضوء: احتَجّ بالحديث مَنْ أَوْجَب النية في الوضوء والغسل، وهو قول الأئمة الثلاثة - مالك، والشافعي، وأحمد -، وإسحاق، وداود، وأبي ثور، وأبي عبيد، وبه يقول الزهريّ، وربيعة الرأي شيخ مالك، وهو قول جمهور أهل الحجاز، ويُروى عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ -. وذهبت طائفة إلى أنه يصح الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعيّ، والحسن بن صالح، وزفر. وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري: يصح الوضوء والغسل بلا نية، ولا يصح التيمم إلا بالنية، وهي رواية عن الأوزاعيّ، ورواية شاذة عن مالك. واحتَجَّ هؤلاء بأن الوضوء ليس مقصودًا، وأن المقصود به النظافة، فأشبَهَ إزالة النجاسة، واعتُرض على الحنفية بأنهم أوجبوها في التيمم، وليس مقصودًا، وأجابوا بأنه طهارة ضعيفة فافتقر إلى النية تقوية له، وبأن الله ذَكَر النية في التيمم فتيمموا صعيدًا طيبًا؛ أي: اقصدوا، وهو النية، ولم يذكر ذلك في الوضوء والغسل، واحتَجّوا أيضًا بتعليم النبيّ - ﷺ - الوضوء للأعرابي، ولم يَذْكُر له النية مع جهل الأعرابي بأحكام الوضوء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونُقضَ عليهم بتعليمه الصلاة للأعرابي المسيء صلاته ولم يذكر له النية، وقد قلتم بوجوبها في الصلاة، فما الفرق؟ وإنما بَيَّنَ النبيّ - ﷺ - لمن علَّمه الأفعال الظاهرة التي يقف الناظر على تَرْكها لو تَرَكها، فأما القصد للعبادة فكان معلومًا عندهم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الحقّ هو الذي ذهب إليه الجمهور من اشتراط النية في الوضوء والغسل؛ لحديث الباب، والله تعالى أعلم. (المسألة الحادية والعشرون): أنه احتُجَّ بهذا الحديث على أبي حنيفة في ذهابه إلى أن الكافر إذا أجنب أو أحدث، فاغتسل، أو توضأ، ثم أسلم أنه لا يجب عليه إعادة الغسل والوضوء، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وخالفهم الجمهور في ذلك، فقالوا: تجب عليه إعادة الغسل والوضوء؛ لأن الكافر ليس من أهل العبادة، وبعضهم يعلِّله بأنه ليس من أهل النية، قاله العراقيّ - ﵀ - . (المسألة الثانية والعشرون): فيه حجة على أبي حنيفة أيضًا حيث ذهب إلى أن المقيم إذا نوى في رمضان صوم قضاء، أو كفارة، أو تطوع وقع عن رمضان، إذ ليس له إلا ما نواه، ولم ينو صوم رمضان، وتعيينه شرعًا لا يغني عن نية المكلف لأداء ما كُلِّف به، وذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد إلى أنه لا بدّ من تعيين رمضان؛ لظاهر الحديث، بخلاف الحجّ، وذهب زفر إلى أن صيام رمضان لا تُشترط فيه النية للصحيح المقيم؛ لتعيّن الزمان له، قاله العراقيّ - ﵀ - . (المسألة الثالثة والعشرون): فيه حجة على مالك في اكتفائه بنيّة واحدة في أول الشهر من رمضان لجميع الشهر، وهي رواية عن أحمد أيضًا؛ لأن كل يوم عملٌ بنفسه، وعبادة مستقلة بدليل ما يتخلل بين الأيام في لياليها مما ينافي الصوم من المفطرات. وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد في الرواية الأخرى إلى وجوب النية لكل يوم إذ هو عمل، ولا عمل إلا بنيّة ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة والعشرون): فيه حجة لمن ذهب إلى أنه إذا أحرم بالحج في غير أشهره أنه لا ينعقد عمرة؛ لأنه لم ينو العمرة، وإنما له ما نواه، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو أحد قولي الشافعيّ إلا أن الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة، مالك، أحمد - قالوا: ينعقد إحرامه بالحج، ولكن يُكره عندهم الإحرام به قبل أشهره، ولم يختلف قول الشافعي أنه لا ينعقد بالحج، وإنما اختلف قوله هل يتحلل بأفعال العمرة؟ وهو قوله المتقدِّم نَقْله عنه، أو ينعقد إحرامه عمرة؟ وهو نصه في «المختصر»، وهو الذي صححه الرافعيّ، والنوويّ، فعلى الأول لا تسقط عنه عمرة الإسلام، وعلى الثاني تسقط عنه، قاله العراقيّ. (المسألة الخامسة والعشرون): أنه احتُجّ به لأبي حنيفة، والثوريّ، ومالك أن الصرورة يصح حجه عن غيره، ولا يصح عن نفسه؛ لأنه لم ينوه عن نفسه، وإنما له ما نواه. وذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعيّ إلى أنه ينعقد عن غيره، ويقع ذلك عن نفسه؛ لِمَا روى أبو داود، وابن ماجه، من حديث ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شُبْرُمَة، فقال: «أحججت قط؟» قال: لا، قال: «فاجعل هذه عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة»، وهذه رواية ابن ماجه بإسناد صحيح، وفي رواية أبي داود: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة»، ولك أن تقول: ليس فيه تصحيح الإحرام عن نفسه، وإنما أَمَره أن ينشئ الإحرام عن نفسه، وقد يجاب بأن الظاهر أن هذا كان بعد مجاوزة الميقات، فلو لم يقع الإحرام المتقدم عن فرض نفسه لَأَمره بالرجوع إلى الميقات، أو بإخراج دم لمجاوزة الميقات بغير إحرام صحيح، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا كله على تقدير مجاوزته للميقات، وأما الرواية التي ذكرها الرافعي وغيره: «هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة»، فقد رواها البيهقيّ، ولكنها ضعيفة، فيها الحسن بن عُمارة، وهو ضعيف. واستُدِلَ لأبي حنيفة ومن وافقه بما رواه الطبرانيّ، ثم البيهقيّ من طريقه من حديث ابن عباس أيضًا: سمع النبيّ - ﷺ - رجلًا يلبي عن نُبَيْشَة فقال: «أيها الملبي عن نبيشة، احجج عن نفسك»، وهذا ضعيف، فيه الحسن بن عُمارة، وهو متروك، قال البيهقيّ: يقال: إن الحسن بن عمارة كان يرويه، ثم رجع عنه إلى الصواب، وقد ذهب محمد بن جرير الطبريّ إلى أن الصرورة إذا نوى الحج عن غيره لم يقع عن نفسه؛ لأنه لم ينوه عنه، وإنما له ما نواه، ويجب عليه أن ينوي ذلك عن نفسه. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأول هو الصحيح؛ لظاهر حديث الملبي عن شُبْرُمَةَ، وهو حديث صحيح، والله تعالى أعلم (المسألة السادسة والعشرون): قال العراقيّ: إنهم كما اشترطوا النية في العبادة اشترطوا في تعاطي ما هو مباح في نفس الأمر أن لا يكون معه نية تقتضي تحريمه، كمن جامع امرأته، أو أمته ظانًّا أنها أجنبية، أو شرب شرابًا مباحًا ظانًّا أنه خمر، أو أقدم على استعمال مُلكه ظانًّا أنه لأجنبيّ، ونحو ذلك، فإنه يَحرم عليه تعاطي ذلك اعتبارًا بنيّته، وإن كان مباحًا له في نفس الأمر، غير أن ذلك لا يوجب حدًّا ولا ضمانًا؛ لعدم التعدي في نفس الأمر، بل زاد بعضهم على هذا بأنه لو تعاطى شرب الماء، وهو يعلم أنه ماء، ولكن على صورة استعمال الحرام، كشربه في آنية الخمر في صورة مجلس الشراب صار حرامًا؛ لتشبّهه بالشَّرَبَة، وإن كانت نيّته لا يُتصور وقوعها على الحرام مع العلم بحِلِّه، ونحوه، ولو جامع أهله وهو في ذهنه مجامعة مَن تَحْرُم عليه وصوَّر في ذهنه أنه يجامع تلك الصورة المحرمة فإنه يَحْرُم عليه ذلك، وكلّ ذلك لتشبّهه بصورة الحرام. انتهى . (المسألة السابعة والعشرون): قال الخطابيّ - ﵀ -: فيه دليل على أن المُطَلِّقَ إذا طلَّق بصريح لفظ الطلاق ونوى عددًا من أعداد الطلاق، كمن قال لامرأته: أنت طالق، ونوى ثلاثًا، كان ما نواه من العدد واقعًا واحدة أو اثنتين، أو ثلاثًا، وإليه ذهب الشافعيّ، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وقال أصحاب الرأي: هي واحدة وهو أحق بها، وكذلك قال سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، والله تعالى أعلم. (المسألة الثامنة والعشرون): فيه حجة على أهل الرأي في قولهم في الكنايات في الطلاق، كقوله: أنت بائن، أنه إن نوى اثنتين فهي واحدة بائنة؛ لكونها كلمة واحدة، وإن نوى الطلاق ولم ينو عددًا فهي واحدة بائنة أيضًا، والحديث حجة عليهم. وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه إن نوى اثنتين فهو كذلك، وإن لم ينو عددًا فهي واحدة رجعية، قال الخطابيّ: وهذا أشبه بمعنى الحديث، وأَولى به، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة التاسعة والعشرون): فيه ردّ على المرجئة في قولهم: إن الإيمان إقرار باللسان، دون الاعتقاد بالقلب، وقد أورده البخاريّ في آخر «كتاب الإيمان» من «صحيحه» محتجًّا عليهم بذلك، وما ذهبوا إليه مردود بالنصوص القاطعة، والإجماع على أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، والله تعالى أعلم. (المسألة الثلاثون): فيه حجة على بعض المالكية من أنهم لا يُدَيِّنُون مَن سَبَق لسانه إلى كلمة الكفر إذا ادَّعَى ذلك، وخالفهم الجمهور، ويدل لذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث أنس بن مالك - ﵁ - في قصة الرجل الذي ضلّت راحلته، ثم وجدها، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال النبيّ - ﷺ -: «أخطأ من شدة الفرح»، والذي جرت به عادة الحكام الحُذَّاق منهم اعتبارُ حال الواقع منه ذلك، فإن تكرر منه ذلك، وعُرفَ منه وقوعه في المخالفات، وقلة المبالاة بأمر الدِّين لم يلتفتوا إلى دعواه، ومن وقع منه ذلك فَلْتَةً، وعُرف بالصيانة والتحفظ قبلوا قوله في ذلك، وهو توسط حسن. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الحادية والثلاثون): فيه حجة لمالك ومن وافقه في إسقاط الْحِيَلِ، كمن مَلَّكَ ولده أو غيره مالًا له قبل الحول، أو باعه، أو أتلفه، أو بادل به، فرارًا من الزكاة، أو باع بالعِينة المشهورة، أو تزوج المرأة ليحلها لزوجها، وإن لم يشترط ذلك في نفس العقد، أو مَلَّك الدارَ لغير الشريك لإسقاط الشفعة، أو أوقع عقد الدار التي فيها الشفعة بثَمنٍ فيه ما تجهل قيمته، كفَصٍّ ونحوه، أو زاد في ثمنها وعوَّضه عن عشرة آلاف دينار مثلًا، ونحو ذلك من الحيل المسقطة للحقوق، أو الموقعة في المناهي، وإنما يُخادِع بالنيات مَن لا يطّلع عليها، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاريّ من حديث أنس أن أبا بكر كَتَبَ له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ -: «لا يُجمع بين متفرق، ولا يفرّق بين مجتمِع خشيةَ الصدقة»، وقال في الحديث الصحيح: «يُبعثون على نيّاتهم»، والذي نَصّ عليه الشافعيّ، وقطع به جمهور أصحابه كراهة إزالة مُلكه للفرار من الزكاة كراهة تنزيه، وجعل بعض أصحاب الشافعيّ الكراهة للتحريم، كقول مالك، وعليه كلام الغزالي في قوله: أثم، وكذلك عندهم البيع بالعِينة والاستحلال إذا لم يشترط في العقد، والتحيّل لإسقاط الشفعة محمول على الكراهة لا على التحريم، والحديث حجة لمن قال بالتحريم، والله أعلم. قال العراقي: ورأيت في كلام بعض أصحاب الشافعي ممن صنَّف في الألغاز أن الحِيَل ليس فيها منافاة للشريعة، بل قد ورد الشرع بتعاطي الحيل، كقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فما كان من الحيل هكذا ليس فيه إسقاط حق لمستحق له، فهو حسن مشروع، وما أدى من الحيل إلى إسقاط حق الغير فهو مذموم منهي عنه. انتهى ، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية والثلاثون): أنه استُدِلّ به على أنه لا يجب القَوَد في شِبْه العمد؛ لأنه لم ينو قتله، وهو قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وصاحبيه، وأحمد، وإسحاق، إلا أنهم اختلفوا في الدية فجعلها الشافعيّ، ومحمد بن الحسن أثلاثًا، وجعلها الباقون أرباعًا، وجعلها أبو ثور أخماسًا، وأنكر مالك شِبْه العمد، وقال: ليس في كتاب الله إلا الخطأ والعمد، وأما شبه العمد فلا نعرفه. واستَدَلّ الشافعي والجمهور بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «ألا إن دية الخطأ شِبْه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل. . .» الحديث. قال الجامع: القول الأول أرجح؛ لهذا الحديث، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة والثلاثون): قوله - ﷺ -: «فمن كانت هجرته. . .» إلخ، الهجرة بكسر الهاء فِعلة من الهَجْر، وهو ضد الوصل، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأُولى للثانية، قاله صاحب «النهاية». وقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: الهجرة تقع على أمور: الهجرة الأولى: إلى أرض الحبشة. الثانية: من مكة إلى المدينة. الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله - ﷺ -. الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة. الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه، قال: ومعنى الحديث، وحُكمه يتناول الجميع، غير أن السبب يقتضي أن المراد بالحديث: الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنهم نقلوا أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة؛ ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس. انتهى . وقال العراقيّ - ﵀ -: بقي عليه من أقسام الهجرة ثلاثة أقسام: وهي الهجرة الثانية إلى الحبشة، فإنهم هاجروا إلى الحبشة مرتين، كما هو معروف في السِّيَر، ولا يقال: كلاهما هجرة إلى الحبشة، فاكتَفَى بذكر الهجرة إليها مرة، فإنه عَدَّد الهجرة إلى المدينة في الأقسام لِتعدّدها. والثانية: هجرة من كان مقيمًا ببلاد الكفر، ولا يقدر على إظهار الدِّين، فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد الإسلام. والثالثة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن، كما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ستكون هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مُهاجَر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها» الحديث، ورواه أحمد في «مسنده»، فجعله من حديث عبد الله بن عمر، قال صاحب «النهاية»: يريد به الشام؛ لأن إبراهيم لمّا خرج من العراق مضى إلى الشام وأقام به. انتهى. وروى أبو داود أيضًا من حديث أبي الدرداء أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغُوطَة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام»، فهذه ثمانية أقسام للهجرة. انتهى. وقال الحافظ ابن رجب - ﵀ -: وقوله - ﷺ -: «فمن كان هجرته. . .» إلخ، لمّا ذكر النبيّ - ﷺ - أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيّته من خير أو شر، وهاتان الكلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، ذَكَر بعد ذلك مَثَلًا من الأمثال والأعمال التي صُورَتُها واحدة ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال. وأصل الهجرة: هجران بلد الشرك، والانتقال منه إلى دار الإسلام، كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبيّ - ﷺ - المدينة المنورة، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشيّ، فأخبر - ﷺ - أن الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها. فمن هاجر إلى دار الإسلام حبًّا لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دِينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك، فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقًّا، وكفاه شرفًا وفخرًا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله، ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه؛ لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة، ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام ليطلب دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجر والثاني خاطب، وليس بواحد منهما مهاجر، وفي قوله: «إلى ما هاجر إليه» تحقير لِمَا طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به حيث لم يذكر بلفظه، وأيضًا أن الهجرة إلى الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط، والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد يهاجر الإنسان لطلب دنيا مباحةً تارة، ومحرمةً تارة، وإفراد ما يُقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر فلذلك قال: «فهجرته إلى ما هاجر إليه»؛ يعني: كائنًا ما كان. وقد رُوي عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] قال: كانت المرأة إذا أتت النبيّ - ﷺ - حلّفها بالله ما خرجت من بُغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبًا لله ورسوله، أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، والبزار في «مسنده». وخرّجه الترمذيّ في بعض نُسخ كتابه مختصرًا. وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش، عن شقيق - هو أبو وائل - قال: خطب أعرابي من الحيّ امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر، فتزوجته، فكنا نسميه مهاجر أم قيس، قال: فقال عبد الله - يعني: ابن مسعود -: من هاجر يبتغي شيئًا فهو له، وهذا السياق يقتضي أن هذا لم يكن في عهد النبيّ - ﷺ -، إنما كان في عهد عبد الله بن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر وتزوجها، وكنا نسميه مهاجِر أم قيس، قال ابن مسعود: من هاجر لشيء فهو له. وقد اشتَهَر أن قصة مهاجر أم قيس كانت هي سبب قول النبيّ - ﷺ -: «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها»، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلًا يصح، والله أعلم. وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى، فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما. وقد سئل النبيّ - ﷺ - عن اختلاف الناس في الجهاد، وما يُقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»، فخرج بهذا كل ما سألوه عنه من المقاصد الدنيوية، ففي «الصحيحين» عن أبي موسى الأشعري: أن أعرابيًّا أتى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذِّكر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه فمن قاتل في سبيل الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»، وفي رواية لمسلم: سئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَميَّة، ويقاتل رياء، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟، فذكر الحديث، وفي رواية له أيضًا: الرجل يقاتل غضبًا، ويقاتل حمية. وخرّج النسائي من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا شيء»، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغي به وجهه». وخرّج أبو داود من حديث أبي هريرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد وهو يريد عَرَضًا من عَرَض الدنيا، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا أجر له»، فأعاد عليه ثلاثًا، والنبيّ - ﷺ - يقول: لا أجر له«. وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن النبيّ - ﷺ - قال:»الغزو غزوان؛ فأما من ابتغَى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسَرَ الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونَبْهَه أجرٌ كله، وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف». وخرَّج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال:«إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك الله مرائيًا مكاثرًا، على أيّ حال قاتلت أو قُتلْت بعثك الله بتلك الحال». (المسألة الرابعة والثلاثون): في أقسام العمل لغير الله - ﷿ -. قال الحافظ ابن رجب - ﵀ - أيضًا: اعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضًا بحيث لا يراد به سوى مراءاة المخلوقين، لغرض دنيويّ، كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ [الماعون: ٤]، وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحض في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فَرْض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. وتارةً يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحُبُوطه، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «يقول الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عَمِل عملًا أشرك معي فيه غيري تَرَكْته وشِرْكه»، وأخرجه ابن ماجه، ولفظه: «فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك»، وأخرج الإمام أحمد، عن شداد بن أوس - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، فإن الله - ﷿ - يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئًا، فإن حَشْدَه عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني»، وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فَضَالة، وكان من الصحابة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله - ﷿ -، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك»، وأخرج البزار في «مسنده» من حديث الضحاك بن قيس، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن الله - ﷿ - يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا فهو لشريكه، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله - ﷿ -، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خَلَص له، ولا تقولوا: هذا لله والرحم، فإنها للرحم، وليس لله منها شيء، ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم، وليس لله منها شيء». وخرّج النسائيّ بإسناد جيّد عن أبي أمامة الباهليّ - ﵁ -: أن رجلًا أتى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذِّكر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا شيء له، فأعاد عليه ثلاث مرات، يقول له رسول الله - ﷺ -:»لا شيء له«ثم قال:»إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغي به وجه الله«. وخرَّج الحاكم من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف الموقف أريد به وجه الله، وأريد أن يُرَى موطني، فلم يَرُدّ عليه رسول الله - ﷺ - شيئًا حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]. وممن يُرْوَى عنه هذا المعنى - أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلًا - طائفة من السلف منهم: عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، والحسن، وسعيد بن المسيِّب، وغيرهم، وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يقبل الله عملًا فيه مثقال حبة خردل من رياء»، ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين. فإن خالط نيّةَ الجهاد نيةٌ غير الرياء، مِثْل أخْذه أجرة للخدمة، أو أخْذ شيء من الغنيمة، أو التجارة نَقَص بذلك جهاده، ولم يبطل بالكلية. وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن الغُزاة إذا غنموا غنيمة تعجّلوا ثلثي أجرهم، فان لم يغنموا شيئًا تمَّ لهم أجرهم»، وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عَرَضًا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا. وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري، أجرهم على قَدْر ما يخلص من نيّتهم في غزواتهم، ولا يكون مِثْل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره، وقال أيضًا فيمن يأخذ جُعْلًا على الجهاد: إذا لم يخرج إلا لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدِينه، فإن أعطي شيئًا أَخذه، وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوّضه الله رزقًا فلا بأس بذلك، وأما أن أحدكم إن أُعطي درهمًا غزا، وإن مُنع درهمًا مكث، فلا خير في ذلك، وكذا قال الأوزاعيّ - ﵀ -: إذا كانت نية الغازي على الغزو، فلا أرى بأسًا، وهكذا يقال فيمن أخذ شيئًا في الحج ليحج به إما عن نفسه، أو عن غيره، وقد رُوي عن مجاهد أنه قال في حج الحمّال، وحج الأجير، وحج التاجر: هو تام لا يَنْقُص من أجورهم شيءٌ، وهذا محمول على أن قَصْدهم الأصليّ كان هو الحج دون التكسب. وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضرّه، فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره، بغير خلاف، فإن استرسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازَى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبريّ، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيّته الأُولى، وهو مروي عن الحسن البصريّ، وغيره، ويُستدل لهذا القول بما أخرجه أبو داود في «مراسيله» عن عطاء الخراسانيّ: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن بني سَلِمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نَجْدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: «كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا». وذَكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة، والصيام، والحج، فأما ما لا ارتباط فيه، كالقراءة، والذِّكر، وإنفاق المال، ونَشْر العلم، فإنه ينقطع بنيّة الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية. وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشميّ أنه قال: ربما أُحدِّث بحديث ولي فيه نيّة، فإذا أتيت على بعضه تغيّرت نيّتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيّات، ولا يَرِد هذا على الجهاد كما في مرسل عطاء الخراسانيّ، فإن الجهاد يلزم بحضور الصفّ ولا يجوز تَرْكه حينئذ، فيصير كالحج. فأما إذا عمل العمل لله خالصًا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضرّه ذلك. وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذرّ، عن النبيّ - ﷺ - أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن»، أخرجه مسلم. وأخرجه ابن ماجه وعنده: الرجل يعمل فيحبه الناس عليه، وبهذا المعنى فسّره الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبريّ، وغيرهم. وكذلك الحديث الذي أخرجه الترمذيّ وابن ماجه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رجلًا قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل فيسرّه، فإذا اطُّلع عليه أعجبه، فقال: «له أجران أجر السرّ، وأجر العلانية». ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن فيه كفاية. وبالجملة فما أحسن قول سهل بن عبد الله: ليس على النفس شيء أشقّ من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب، وقال يوسف بن الحسين الرازيّ: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر، وقال ابن عيينة: كان من دعاء مطرِّف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه، ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلتُهُ لك على نفسي، ثم لم أوف به لك، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك، فخالط قلبي منه ما قد علمت. انتهى كلام الحافظ ابن رجب - ﵀ - ، وهو كلام نفيس، وبحثٌ أنيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة والثلاثون): قال الحافظ العراقيّ - ﵀ -: اختلفت الأحاديث الواردة في الهجرة هل انقطعت بفتح مكة، أم هي باقية؟. ففي «الصحيحين» من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنْفِرتم فانفروا». وروى البخاريّ عن ابن عمر - ﵄ - قوله: «لا هجرة بعد الفتح»، وفي رواية له: «لا هجرة اليوم، أو بعد رسول الله - ﷺ -»، ورَوَى البخاريّ أيضًا عن عُبيد بن عُمير سأل عائشة - ﵂ - عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفرُّ أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله - ﷺ - مخافة أن يُفتَن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية. وروى البخاريّ ومسلم أيضًا عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بأبي معبد إلى النبيّ - ﷺ - ليبايعه على الهجرة، قال: «مضت الهجرة لأهلها، أبايعه على الإسلام والجهاد»، وفي رواية أنه جاء بأخيه مُجالِد. ورَوَى أحمد من حديث أبي سعيد الخدريّ، ورافع بن خَدِيج، وزيد بن ثابت أيضًا: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية». فهذه الأحاديث دالة على انقطاع الهجرة. وروى أبو داود، والنسائيّ من حديث معاوية قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». وروى أحمد من حديث ابن السعدي مرفوعًا: «لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل». ورَوَى أيضًا من حديث جنادة بن أبي أمية مرفوعًا: «إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد». وجمع الخطابيّ في «المعالم» بين هذا الاختلاف بأن الهجرة كانت في أول الإسلام فرضًا، ثم صارت بعد فتح مكة مندوبًا إليها غير مفروضة، قال: فالمنقطعة منها هي الفرض، والباقية منها هي الندب، قال: فهذا وجه الجمع بين الحديثين على أن بين الإسنادين ما بينهما، حديث ابن عباس متصل صحيح، وحديث معاوية فيه مقال. انتهى. وقال صاحب «النهاية»: إن الجمع بينهما أن الهجرة هجرتان: إحداهما: التي وعد الله عليه بالجنة كان الرجل يأتي النبيّ - ﷺ -، ويَدَع أهله وماله، ولا يرجع في شيء منه، فلما فُتحت مكة انقطعت هذه الهجرة. والثانية: من هاجر من الأعراب، وغزا مع المسلمين، ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة، وهو المراد بقوله: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة». انتهى. وفي حديث آخر ما يدلّ على أن المراد بالباقية هجر السيئات، كما رواه أحمد في «مسنده» من حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص - ﵃ -، أن النبي - ﷺ - قال: «الهجرة هجرتان؛ إحداهما تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله وإلى رسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تُقبِّلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طُبع على كل قلب بما فيه، وكُفيَ الناسُ العملَ». ورَوَى أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «جاء رجل أعرابي جَاف جريء، فقال: يا رسول الله أين الهجرة إليك؟ حيث كنتَ، أم إلى أرض معلومة، أو لقوم خاصة، أم إذا متَّ انقطعت؟ قال: فسكت رسول الله - ﷺ - ساعة ثم قال:»أين السائل عن الهجرة؟ «، قال: ها أنا ذا يا رسول الله، قال:»إذا أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، فأنت مهاجر، وإن متَّ بالحضرمة«، قال: يعني أرضًا باليمامة، وفي رواية له:»الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثم أنت مهاجر وإن مت بالحضر«. انتهى كلام العراقيّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة والثلاثون): قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: المتقرر عند أهل العربية أن الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر لا بدّ وأن يتغايرا، وههنا وقع الاتحاد في قوله:«فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله»، وجوابه أن التقدير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدًا، فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا. انتهى . وقال في«الفتح»ما نصه: فإن قيل: الأصل تَغايُر الشرط والجزاء، فلا يقال مثلًا: من أطاع أطاع، وإنما يقال مثلًا: من أطاع نجا، وقد وقعا في هذا الحديث متحدين. فالجواب: أن التغاير يقع تارة باللفظ، وهو الأكثر، وتارة بالمعنى، ويُفهم ذلك من السياق، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان: ٧١] وهو مؤوَّل على إرادة المعهود المستقرّ في النفس، كقولهم: أنت أنت؛ أي: الصَّديق الخالص، وقولهم: هم هم؛ أي: الذين لا يُقَدَّرُ قَدْرُهم، وقول الشاعر: أنَا أبُو النَّجْمِ وَشعْري شعْري أو هو مؤوّل على إقامة السبب مقام المسبَّب؛ لاشتهار السبب، وقال ابن مالك: قد يُقْصَد بالخبر الفرد بيانُ الشهرة، وعدم التغير، فيتحد بالمبتدإ لفظًا، كقول الشاعر [من الطويل]: خَليلي خَليلي دُونَ ريب وَرُبَّمَا … ألانَ امرُؤٌ قَوْلًا فَظُنَّ خَليلَا وقد يُفْعَل مثل هذا بجواب الشرط، كقولك: من قصدني فقد قصدني؛ أي: فقد قصد مَن عُرف بإنجاح قاصده، وقال غيره: إذا اتحد لفظ المبتدإ والخبر، والشرط والجزاء عُلم منهما المبالغة، إما في التعظيم، وإما في التحقير. انتهى . (المسألة السابعة والثلاثون): قال الحافظ العراقيّ - ﵀ -: لم يقل في الجزاء فهجرته إليهما، وإن كان أخصر، بل أتى بالظاهر، فقال: «فهجرته إلى الله ورسوله»، وذلك من آدابه - ﷺ - في تعظيم اسم الله أن لا يُجْمَع مع ضمير غيره، كما قال للخطيب: «بئس الخطيب أنت» حين قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وبَيَّن له وجه الإنكار، فقال له: «قل ومن يعص الله ورسوله»، وهذا يَدْفَع قول مَن قال: إنما أنكر عليه وقوفه على قوله: ومن يعصهما، وقد جمع رسول الله - ﷺ - الضمير في موضع آخر، فقال فيما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود أن رسول الله - ﷺ - كان إذا تشهد. . الحديث، وفيه: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا»، وقد ظهر بهذا أن تَرْك جمعهما في ضمير واحد على وجه الأدب، وأنه إنما أنكر على الخطيب ذلك تنبيهًا على دقائق الكلام، ولأنه قد لا يكون عنده من المعرفة بتعظيم الله تعالى، ما يَعْلَمُه - ﷺ - من عظمته وجلاله، والله أعلم، انتهى . (المسألة الثامنة والثلاثون): قال الحافظ العراقي - ﵀ - أيضًا: الدنيا فُعْلى من الدنوّ، وهو القرب، سُمّيت بذلك؛ لِسَبْقها للآخرة، وفي الدال لغتان: الضم، وهو الأشهر، والكسر، حكاه ابن قتيبة وغيره، وهي مقصورة ليس فيها تنوين بلا خلاف نعلمه بين أهل اللغة، وأهل العربية، وحَكَى بعضُ المتأخرين من شُرّاح البخاريّ أن فيها لغة غَريبةً بالتنوين، وليس بجيّد، فإنه لا يُعْرَف في اللغة، وسبب الغلط أن بعض رواة البخاريّ رواه بالتنوين وهو أبو الهيثم الكشميهني، وأُنكر ذلك عليه، ولم يكن ممن يُرجع إليه في ذلك، فأخذ بعضهم يَحكي ذلك لغة، كما وقع لهم نحو ذلك في «خُلوف فم الصائم»، فحَكَوا فيه لغتين، وإنما يَعرف أهل اللغة الضم، وأما الفتح فرواية مردودة لا لغة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ادَّعَى فيه العراقيّ الغلط من تنوين دنيا ثابت لغة، فقد أثبته في «اللسان»، و«القاموس»، وعبارة «اللسان»: والدنيا: نقيض الآخرة، انقلبت الواو فيها ياء؛ لأن فُعْلى إذا كانت اسمًا من ذوات الواو أُبدلت واوها ياء، كما أُبدلت الواو مكان الياء في فَعْلَى؛ يعني: بالفتح، فأدخلوها عليها في فُعْلى - يعني بالضم - ليتكافأ في التغيير، قال: وحَكَى ابن الأعرابي: ما له دنيًا ولا آخرة، فنوّن دنيًا تشبيهًا لها بفُعْلَل، قال: والأصل أن لا تُصْرَف؛ لأنها فُعْلى، والجمع دُنَا مثل الكُبرى والكُبَر، والصغرى والصُّغَر. اهـ. «لسان» باختصار . وعبارة «القاموس»: والدنيا نقيض الآخرة: وقد تُنَوَّن، جمعه دُنا. انتهى . وقال البدر العينيّ في «العمدة» بعدما نقل مثل ما تقدّم عن العراقي ما نصه: جاء التنوين في دنيا في اللغة، قال العجاج [من الرجز]: فِي جَمْعِ دُنْيًا طَالَ مَا قَدْ عَنَّتِ وقال المثلم بن رباح بن ظالم المرّيّ [من الكامل]: إنِّي مُقَسِّمُ مَا مَلَكْتُ فَجَاعِلٌ … أجرًا لآخرَةٍ ودُنْيًا تَنْفَعُ فإن ابن الأعرابي أنشده بتنوين دُنْيًا، وليس ذلك بضرورة على ما لا يخفى. انتهى . والحاصل أن التنوين ثابت عند أهل اللغة، إلا أنه قليل، فلا ينبغي أن يُعَدّ غلطًا، فتبصّر، وقال ابن مالك: استعمال دنيا مُنكَرًا فيه إشكال؛ لأنها أفعل تفضيل، فكان حقها أن تُستعمل باللام نحو الكبرى والحسنى، إلا أنها خُلعت عنها الوصفية رأسًا، وأجري مُجرى ما لم يك وصفًا، ونحوه قول الشاعر [من البسيط]: وإنْ دَعَوْتِ إِلَى جُلَّى ومَكْرُمَةٍ … يَوْمًا سَرَاةَ كِرَامِ النَّاس فَادْعِينَا فإن الجُلَّى مؤنث الأجل، فخُلعت عنها الوصفية، وجُعلت اسمًا للحادثة العظيمة. قال البدر العينيّ: قلت: من الدليل على جعلها بمنزلة الاسم الموضوع قلب الواو ياء؛ لأنه لا يجوز ذلك إلا في الفُعْلَى الاسم، وقال التميميّ: الدنيا تأنيث الأدنى لا ينصرف، مثل حبلى؛ لاجتماع أمرين فيها: أحدهما الوصفية، والثاني لزوم حرف التأنيث. وقال الكرمانيّ: ليس ذلك لاجتماع أمرين فيها؛ إذ لا وصفية هنا؛ بل امتناع صَرْفه للزوم التأنيث للألف المقصورة، وهو قائم مقام العلتين، فهو سهو منه. وتعقّبه العينيّ قائلًا: ليس بسهو منه؛ لأن الدنيا في الأصل صفة؛ لأن التقدير الحياة الدنيا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وتَرْكُهم موصوفها واستعمالهم إياها نحو الاسم الموضوع لا ينافي الوصفية الأصلية. انتهى . (المسألة التاسعة والثلاثون): الجار والمجرور في قوله: «إلى الله ورسوله»، وفي قوله: «إلى دنيا» يتعلق بالهجرة إن كانت «كان» تامّة، أو خبر لكان إن كانت ناقصة، قال الكرمانيّ: فإن قلت: لفظ «كانت» إن كان باقيًا في المضيّ فلا يُعلم أن الحكم بعد صدور هذا الكلام من الرسول - ﷺ - أيضًا كذلك أم لا؟ وإن نُقل بسبب تضمين «مَنْ الحرف الشرط إلى معنى الاستقبال فبالعكس، ففي الجملة الحكم إما للماضي أو للمستقبل. قلت: جاز أن يُراد به أصل الكون؛ أي: الوجود مطلقًا من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة، أو يقاس أحد الزمانين على الآخر، أو يُعلم من الإجماع على أن حُكم المكلَّفين على السواء أنه لا تعارُض. انتهى. قال العيني: في الجواب الأول نَظَر لا يخفى؛ لأن الوجود من حيث هو لا يخلو عن زمن من الأزمنة الثلاثة. انتهى . (المسألة الأربعون): إن قيل: ما فائدة التنصيص على المرأة مع كونها داخلة في مسمى الدنيا؟. أجيب من وجوه: الأول: أنه لا يلزم دخولها في هذه الصيغة؛ لأن لفظة دنيا نكرة، وهي لا تعتم في الإثبات، فلا تقتضي دخول المرأة فيها. وتُعقِّب بأنها في سياق الشرط، فتعمّ، قاله في «الفتح». الثاني: أنه للتنبيه على زيادة التحذير، فيكون من باب ذِكر الخاص بعد العام، كما في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ الآية [البقرة: ٢٣٨]. الثالث: أنه إنما خَصّ المرأة بالذِّكر من بين سائر الأشياء في هذا الحديث؛ لأن العرب كانت في الجاهلية لا تزوِّج المولى العربية، ولا يزوِّجون بناتهم إلا من الأكفاء في النسب، فلما جاء الإسلام سَوَّى بين المسلمين في مناكحهم، وصار كل واحد من المسلمين كفؤًا لصاحبه، فهاجر كثير من الناس إلى المدينة؛ ليتزوج بها حتى سُمّي بعضهم مهاجر أم قيس. وتعقبه في «الفتح» بأنه يحتاج إلى نقل ثابت أن هذا المهاجِر كان من الموالي، وأن المرأة كانت عربية، وبأنه ليس ما نفاه عن العرب على إطلاقه، بل قد زوّج خَلْق كثير منهم جماعة من مواليهم وحلفائهم قبل الإسلام، وإطلاقه أن الإسلام أبطل الكفاءة في مقام المنع. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وإطلاق أن الإسلام أبطل الكفاءة إلخ فيه نَظَر لا يخفى، فإن إبطاله للكفاءة النسبيّة لا يخفى على من له إلمام بكتب السنّة، وقد عقد الإمام النسائيّ - ﵀ - في «سننه»: «باب تزوّج المولى العربيّة»، ثم أورد فيه قصّة زواج فاطمة بنت قيس - ﵂ - لأسامة بن زيد - ﵄ -، وقد حقّقتُ المسألة في شرحي عليه، ورجّحت ما ذهب إليه مالك - ﵀ - من أن الكفاءة في الدِّين لا في النسب، وقد تقدّم في هذا الشرح أيضًا في «كتاب النكاح»، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. الرابع: أن هذا الحديث ورد على سبب، وهو أنه لمّا أمَر بالهجرة من مكة إلى المدينة تخلَّف جماعة عنها، فذمّهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، ولم يهاجر جماعة لِفَقْد استطاعتهم، فعَذَرهم واستثناهم بقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ الآية [النساء: ٩٨]، وهاجر المخلصون إليه، فمدَحهم في غير ما موضع من كتابه، وكان في المهاجرون جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين: منهم من كانت نيته تَزَوُّجَ امرأة بالمدينة من المهاجرات يقال لها: أم قيس، وادَّعَى ابن دحية أن اسمها: قيلة، فسمّي مهاجر أم قيس ولا يُعرف اسمه، فكان قَصْده بالهجرة نية التزوج لها، لا لفضيلة الهجرة، فقال النبيّ - ﷺ - ذلك، وبيّن مراتب الأعمال بالنيات، فلهذا خصّ ذِكر المرأة دون سائر ما ينوي به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية؛ لأجل تبيين السبب؛ لأنها كانت أعظم أسباب فتنة الدنيا، كما قال - ﷺ -: «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء»، وذِكر الدنيا معها من باب زيادة النصّ على السبب، كما أنه - ﷺ - لمّا سئل عن طهورية ماء البحر زاد حِلّ مَيْتته. ويَحْتَمِل أن يكون هاجر لمالها مع نكاحها، ويَحْتَمِل أنه هاجر لنكاحها، وغيره لتحصيل دنيا من جهةٍ ما فعرَّض بها، أفاده في «العمدة» . قال الجامع عفا الله عنه: يأتي الردّ على دعوى كون مهاجر أم قيس سببًا لحديث النية في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (المسألة الحادية والأربعون): قد اشتهر بين الشراح أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس، رواه الطبراني في «المعجم الكبير» بإسناد رجاله ثقات، من رواية الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فتزوجها فكنا نسمّيه مهاجر أم قيس، قاله العراقي. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم عن الحافظ ابن رجب - ﵀ - أن كونه سببًا لهذا الحديث لا يثبت. ثم اعلم أنه لم يسمِّ أحد ممن صنّف في الصحابة هذا الرجل الذي يقال له: مهاجر أم قيس، وأما أم قيس، فقد ذكر أبو الخطاب بن دحية أن اسمها: قيلة، قاله العراقي، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية والأربعون): قال الحافظ العراقيّ - ﵀ -: فإن قيل: ما وَجْه ما ذكره أبو عمر بن عبد البرّ في «الاستيعاب» في ترجمة أم سليم - ﵂ - أن أبا طلحة الأنصاريّ - ﵁ - خطبها مشركًا، فلمّا علم أنه لا سبيل له إلا بالإسلام أسلم، وتزوّجها، وحَسُن إسلامه، وهكذا روى النسائيّ من حديث أنس، قال: تزوج أبو طلحة أمَّ سليم، فكان صَداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إني قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم، فكان صداق ما بينهما، بوَّب عليه النسائي: «التزوج على الإسلام»، وروى النسائي أيضًا من حديثه قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما مِثلك يا أبا طلحة يُردّ، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوجك، فإن أسلمتَ فذاك مهري، فلا أسألك غيره، فأسْلَمَ، فكان ذلك مهرها، قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرًا من أم سليم، الإسلام«الحديث. وأخرجه ابن حبان في«صحيحه»، من هذا الوجه، فظاهرُ هذا أن إسلامه كان ليتزوج بها، فكيف الجمع بينه وبين حديث الهجرة المذكورة مع كون الإسلام أشرف الأعمال؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه ليس في الحديث أنه أسلم ليتزوجها حتى يكون معارضًا لحديث الهجرة، وإنما امتنعت من تزوّجه حتى هداه الله للإسلام رغبة في الإسلام، لا ليتزوجها، ولا يُظنُّ ذلك بأبي طلحة أنه أسلم ليتزوج أم سليم، فقد كان من أجلّ الصحابة - ﵃ -. قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الجواب من أبعد الأجوبة، فإنه ينافيه سياق الحديث فتأمله بالإنصاف. الوجه الثاني: أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها أنه لا يصح منه الإسلام رغبة فيه، فمتى كان الداعي إلى الإسلام الرغبة في الدِّين، لم يضرّ معه كونه يعلم أنه يَحل له بذلك نكاح المسلمات، ولا ميراث مورِّثه المسلم، ولا استحقاق الغنيمة، ونحو ذلك إذا كان الباعث على الإسلام الرغبة في الدِّين، وذكر ابن بطال عند حديث: «الرجلُ يقاتل للمغنم»: من كان ابتداؤه نية الأعمال لله تعالى لم يضره بعد ذلك ما عَرَض في نفسه، وخطر بقلبه من حديث النفس، ووسواس الشيطان، ولا يزيله عن حُكمه إعجاب اطّلاع العباد عليه بعد مضيّه إلى ما ندبه الله إليه، ولا سروره بذلك، وإنما المكروه، أن يبدأ بنية غير مخلصة، وحكاه أيضًا في موضع آخر عن الطبريّ، وأنه حكاه عن قول عامة السلف - ﵃ -. والحقّ في اجتماع الباعثين أو البواعث على الفعل الواحد: أنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد منهما أو منها لو انفرد لكان كافيًا في الإتيان بالفعل، أو يكون الكافي لذلك أحدهما أو لعلة أحدهما، فإن كان كل واحد كافيًا بالإتيان به فهذا يضرّ فيه التشريك لقوة الداعي، وإن غلب أحدهما بأن يكون حصوله أسرع إلى وقوع المنويّ، وإن كان الباعث على الفعل أحدهما بحيث لو عُدِم الآخَر لم يتخلّف عن المنويّ فالحكم للقويّ، كمن يقوم للعبادة، وهو يستحسن اطلاع الناس عليه، مع أنه لو علم أنه لو لم يطلع عليه أحد لَمَا صرفه ذلك عنها، ولا عن الرغبة فيها فهذا لا يؤثر في صحة عبادته، وإن كان الأكمل في حقه التسوية بين اطلاع الناس وعدم اطلاعهم، والأسلم له عدم محبة اطلاعهم. والوجه الثالث: أنه لا يصح هذا عن أبي طلحة، والحديث وإن كان صحيح الإسناد، فإنه معلّ بكون المعروف أنه لم يكن حينئذ نزل تحريم المسلمات على الكفار، إنما نزل بين الحديبية وبين الفتح حين نزل قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠] كما ثبت في «صحيح البخاريّ»، فقول أم سليم في هذا الحديث: ولا يحل لي أن أتزوجك، شاذّ مخالف للحديث الصحيح، وما اجتمع عليه أهل السنن، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد حققت الكلام في «شرح النسائيّ» عند شرح الحديث المذكور، وأن قولها: «ولا يحل لي أن أتزوّجك»، مُنكَر، وأن الحديث بدونه صحيح، وأنه لا استشكال أصلًا بين هذا الحديث وحديث النية، فلتراجع هناك ، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (المسألة الثالثة والأربعون): في قول علقمة: سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ - على المنبر يقول. . . إلخ، ردّ على من يقول: إن الواحد إذا ادَّعَى شيئًا كان في مجلس جماعة لا يمكن أن ينفرد بعلمه دون أهل المجلس لم يُقبل حتى يتابعه غيره عليه، كما قاله بعض المالكية مستدلين بقصة ذي اليدين، وذلك لأنه لا يصح من رواية أحدٍ عن عمر إلا علقمة، مع كونه حدّث به على المنبر، كما ثبت في «الصحيح» بمحضر من الناس، وانفرد علقمة بنقله، مع كونه من قواعد الدّين، بل ذَكَر ابن بطال أن النبيّ - ﷺ - خطب به حين وصل إلى دار الهجرة، وشَهَر الإسلام، فإن ثبت ذلك فقد سمعه جمعٌ من الصحابة، ولم يروه عنه غير عمر من وجه يصح، كما تقدم، وقد أجمع المسلمون على صحته، فلو اشتُرط شرطُ متابعة الراوي لِمَا حضره غيره، ولم يُقبل انفراده به لَمَا قبلوه، والله أعلم. وإنما استفهم النبيّ - ﷺ - في قصة ذي اليدين؛ لأنه أخبره بخلاف ما كان في ظنه، فاحتاج إلى أن يسأل عنه، وليس في حديث عمر هذا مخالفة لِمَا رواه غيره من الصحابة، فوجب المصير إليه، ذكره العراقيّ - ﵀ - . (المسألة الرابعة والأربعون): قال ابن بطال - ﵀ -: ومما يجري بغير النية ما قاله مالك: إن الخوارج إذا أخذوا الزكاة من الناس بالقهر والغلبة أجزأت عمن أخذت منه، ومنها أن أبا بكر الصديق، وجماعة من الصحابة أخذوا الزكاة من أهل الردة بالقهر والغلبة، ولو لم يجزئ عنهم ما أُخذت منهم، قال ابن بطال : واحتَجّ مَنْ خالَفهم، وجعلَ حديث النية على العموم أن أخْذ الخوارج للزكاة غلبةً لا ينفك المأخوذ منه من النية؛ لأن معنى النية: ذِكرها وقت أخْذها منه أنه عن الزكاة أخَذَها المتغلِّب عليه، وقد أجمع العلماء أن أخْذ الإمام الظالم لها يُجزئه، فالخارجي في معنى الظالم؛ لأنهم من أهل القبلة، وشاهدة التوحيد. وأما أبو بكر فلم يقتصر على أخذ الزكاة من أهل الردة، بل قَصَد حَرْبَهم وغنيمة أموالهم وسَبْيهم لكفرهم، ولو قَصَد أخْذَ الزكاة فقط لَرَدَّ عليهم ما فَضَل منها من أموالهم. . . إلى آخر كلامه، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة والأربعون): فيه حجة على ابن القاسم في قوله: إن الرجل إذا أعتق عبده عن غيره في كفارة الظهار بغير عِلْمه أنه يجزئه في كفارته، وإن كانت الكفارة فرضًا عليه، فأسقط كفارة الظهار بغير نيةِ مَنْ هي عليه، وذهب أبو حنيفة والشافعيّ وغيرهم إلى أنه لا يجزئه ذلك، وكذلك خالفه من المالكية أشهب وابن المواز والأبهريّ، وقال: القياس أنه لا يجزئ؛ لأن المعتَق عنه بغير أمره لم يَنْوِ عِتْقه، والمعتَق في الكفارات لا يجزئ بغير نية، وليس كالميت يُعتق عنه في الكفارة فإن نيّته معدومة. انتهى . (المسألة السادسة والأربعون): استثنى بعض العلماء من هذا الحديث مما لا تجب فيه النية من الواجبات: ما إذا غاب عن المرأة زوجها مدة طويلة ومات، ولم تَعلم بموته أن عدتها من يوم موته، لا من يومِ بَلَغَتْها وفاته، فالعدة واجبة عليها، وقد سقطت عنها بغير نية، كما اتفق عليه الحنفية، والمالكية، والشافعية، فيما حكاه ابن بطال، وأجابوا عن الحديث بأن العدّة جُعلت لبراءة الرحم، وقد حصلت، وإن لم تَعلم المرأة بذلك، وقد أجمعوا أن الحامل التي لم تَعلم بوفاة الزوج أو طلاقه تنقضي عدتها بالوضع لبراءة الرحم. انتهى . (المسألة السابعة والأربعون): مما يستفاد من هذا الحديث: ١ - أنه لا يجوز الإقدام على العمل قبل معرفة الحكم؛ لأن العمل فيه يكون منتفيًا إذا خلا عن النية، ولا يصح نية فعل الشيء إلا بعد معرفة حُكمه. ٢ - ومنها: أن الغافل لا تكليف عليه؛ لأن القصد يستلزم العلم بالمقصود، والغافل غير قاصد. ٣ - ومنها: أن من صام تطوعًا بنيّةٍ قبل الزوال أنه لا يُحسب له إلا من وقت النية، وهو مقتضى الحديث، لكن تمسَّك مَن قال بانعطافها بدليل آخر، ونظيره حديث: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها»؛ أي: أدرك فضيلة الجماعة، أو الوقت، وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فَضْل الله تعالى. ٤ - ومنها: أن ما ليس بعمل لا تُشترط فيه النية، ومن أمثلته: جَمْع التقديم، فإن الراجح من حيث النظر أنه لا تُشترط له نية، بخلاف ما رجّحه كثير من الشافعية، قال الحافظ: وخالفهم شيخنا شيخ الإسلام - يعني: البلقيني - وقال: الجمع ليس بعمل، وإنما العمل الصلاة، ويقوّي ذلك أنه - ﷺ - جَمَع في غزوة تبوك، ولم يذكر ذلك للمأمومين الذين معه، ولو كان شرطًا لَأعْلَمَهم به. ٥ - ومنها: أنه يُستَدَلّ به على أن العمل إذا كان مضافًا إلى سبب، ويَجمعُ مُتَعَددَهُ جنسٌ أن نية الجنس تكفي، كمن أعتق عن كفارة، ولم يعيّن كونها عن ظهار أو غيره؛ لأن معنى الحديث أن الأعمال بنيّاتها، والعمل هنا: القيام بالذي يخرج عن الكفارة اللازمة، وهو غير مَحوج إلى تعيين سبب، وعلى هذا لو كانت عليه كفارة، وشك في سببها أجزأه إخراجها بغير تعيين. ٦ - ومنها: أن فيه زيادة النصّ على السبب؛ لأن الحديث سيق في قصة المهاجر لِتزوّج المرأة، فذِكر الدنيا مع القصة زيادة في التحذير والتنفير. قال الحافظ: وقال شيخنا شيخ الإسلام - يعني: البلقينيّ -: فيه إطلاق العام وإن كان سببه خاصًّا، فيُستنبط منه الإشارة إلى أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد علمتَ أن السبب الذي ذكروه لم يَثْبُت بطريق صحيح، فتبصّر والله تعالى أعلم. (المسألة الثامنة والأربعون): قد ذكر ابن المنيّر - ﵀ - ضابطًا لِمَا تُشترط فيه النية مما لا تشترط فيه، فقال: كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة، بل المقصود به طلب الثواب، فالنية مشترَطة فيه، وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة، وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة؛ لملائمةٍ بينهما، فلا تُشترط النية فيه إلا لمن قَصَد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب، قال: وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة، قال: وأما ما كان من المعاني المحضة، كالخوف، والرجاء، فهذا لا يقال باشتراط النية فيه؛ لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويًّا، ومتى فُرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقليّ، ولذلك لا تُشترط النية للنية فرارًا من التسلسل، وأما الأقوال: فتحتاج إلى النية في ثلاثة مواطن: أحدها: التقرب إلى الله فرارًا من الرياء. والثاني: التمييز بين الألفاظ المحتملة لغير المقصود. والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سَبْق اللسان. انتهى . (المسألة التاسعة والأربعون): استُنِبط من الحديث أنه لا بأس للخطيب أن يورد أحاديث في أثناء الخطبة، وهو كذلك، فقد فعله الخلفاء الراشدون، أبو بكر، وعثمان، وعلي أيضًا، وهو مشهور معروف. انتهى . (المسألة الخمسون، وهي آخر المسائل): النية أبلغ من العمل، كما قال التيميّ، ولهذا تُقبل النية بغير العمل، فإذا نوى حسنة، فإنه يُجزَى عليها، ولو عمل حسنة بغير نية لم يُجزَ به. قال البدر العينيّ: فإن قيل: فقد ورد عن النبيّ - ﷺ - قال: «من همَّ بحسنة، ولم يعملها كُتبت له واحدة، ومن عمِلها كتبت له عشرًا»، وروي أيضًا أنه قال: «نية المؤمن خير من عمله»، فالنية في الحديث الأول دون العمل، وفي الثاني فوق العمل، وخير منه. قلنا: أما الحديث الأول فلأن الهامَّ بالحسنة إذا لم يعملها خالف العامل؛ لأن الهامّ لم يعمل، والعامل لم يعمل حتى هَمَّ ثم عمل. وأما الثاني: فلأن تخليد الله العبد في الجنة ليس لعمله، وإنما هو لنيّته؛ لأنه لو كان لعمله لكان خلوده فيها بقَدْر مدة عمله، أو أضعافه، إلا أنه جازاه بنيّته؛ لأنه كان ناويًا أن يطيع الله تعالى أبدًا لو بقي أبدًا، فلما اخترمته منيّته دون نيّته جزاه الله عليها وكذا الكافر؛ لأنه لو كان يجازى بعمله لم يستحق التخليد في النار إلا بقَدْر مدة كفره، غير أنه نوى أن يقيم على كفره أبدًا لو بقي فجزاه على نيّته. وقال الكرماني: أقول: يحتمل أن المراد منه: أن النية خير من عمل بلا نية، إذ لو كان المراد: خير من عمل مع النية، يلزم أن يكون الشيء خيرًا من نفسه مع غيره. . . إلى آخر كلامه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: حديث: «نية المؤمن خير من عمله» ضعيف كما بيّنه السخاويّ في «المقاصد الحسنة»، لكنه قال: وتعدُّد طُرُقه يقوّي بعضها بعضًا، والله أعلم. ومباحث هذا الحديث كثيرة تحتاج إلى مؤلَّف مستقلّ، وهذه المسائل المذكورات هنا غَيْض من فَيْض ، كيف وقد قيل: إنه ثلث الإسلام؟ وقد أفرده بعضهم بتأليف مستقل، ولَنِعْم ما قيل [من الطويل]: لَقَدْ أطَالَ ثَنَائي طُولُ لابسه … إنَّ الثَّنَاءَ عَلَى التِّنْبَال تنْبَالُ والله الهادي إلى سواء الصراط، اللهم ارزقنا حسن النية فيما نعمل، ويسّر لنا الأعمال على وفق السنّة، آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٢٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ - (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ - وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِإسْنَادِ مَالِكٍ، وَمَعْنَى حَدِيثِهِ، وفي حَدِيثِ سُفْيَانَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ، يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيّ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: ستّة عشر: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدّم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجة الشهير [٧] (ت ١٧٥) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) الزهرانيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٦ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد بن الصلت البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدّم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٧ - (إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٨ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ) الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠. ٩ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب. ١٠ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. ١١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٦/ ٤٥. ١٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) تقدّم قبل باب. ١٣ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) عبد الله المروزيّ الإمام الحجة المشهور [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٥/ ٣٢. ١٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثمّ المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدّم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ١٥ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين. ١٦ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ المذكور في السند الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ)؛ يعني: أن هؤلاء الثمانية الذين هم: الليث بن سعد، وحماد بن زيد، وعبد الوهّاب الثقفي، وأبو خالد الأحمر، وحفص بن غياث، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، وسفيان بن عيينة رووا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ بإسناده الماضي. [تنبيه]: رواية الليث عن يحيى بن سعيد ساقها ابن ماجه - ﵀ - في «سننه»، فقال: (٤٢٢٧) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون (ح) وحدّثنا محمد بن رُمح، أنبأنا الليث بن سعد، قالا: أنبأنا يحيى بن سعيد، أن محمد بن إبراهيم التيميّ أخبره، أنه سمع علقمة بن وقاص، أنه سمع عمر بن الخطاب، وهو يخطب الناس، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله، فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فَهِجْرته إلى ما هاجر إليه». انتهى . وأما رواية حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، فقد ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٣٦٨٥) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا حماد هو ابن زيد، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقّاص، قال: سمعت عمر - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «الأعمال بالنية، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله». انتهى . وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، فقد ساقها الترمذيّ - ﵀ - في «جامعه» بسند المصنّف، فقال: (١٦٤٧) - حدّثنا محمد بن المثنى، حدّثنا عبد الوهاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. انتهى . وكذلك ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه» ، فقال: (٦٣١١) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثيّ يقول: سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». انتهى . وأما رواية أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، فقد ساقها النسائيّ - ﵀ - في «الكبرى» بسند المصنّف، فقال: (٤٧٣٦) - أنبأ إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأ سليمان بن حيّان قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص الليثيّ، عن عمر بن الخطاب، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». انتهى . وأما رواية حفص بن غياث، عن يحيى بن سعيد، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وأما رواية يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، فقد ساقها البيهقيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (٨٧٧٤) - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفّار، ثنا الحارث بن أبي أسامة التميميّ، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، أخبره أنه سمع علقمة بن وقّاص يقول: إنه سمع عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». انتهى . وأما رواية عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن سعيد، فقد ساقها البيهقيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (٧٨) - أخبرنا سليمان بن منصور البلخيّ، قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك، وأنبأ يحيى بن حبيب بن عربيّ، قال: حدّثنا حماد بن زيد - واللفظ لابن المبارك - عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن
مصادر المؤلف (٨٥)

١. «عمدة القاري» ١/ ٥٣.

٢. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٨/ ٣٤.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣١ - ٦٣٢.

٤. «عمدة القاري» ١/ ٢٦.

٥. «الفتح» ١/ ١٨ - ١٩.

٦. «حاشية السنديّ على النسائيّ» ١/ ٥٩ - ٦٠.

٧. «عمدة القاري» ١/ ٥٣.

٨. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٢/ ١١.

٩. «عمدة القاري»١/ ٥٣ - ٥٤.

١٠. راجع:«نيل الأوطار»١/ ٢٠٢.

١١. «الفتح»١/ ٢٣ - ٢٤.

١٢. «الفتح»١/ ٢٣ - ٢٤.

١٣. هو أورده خلال كتاب «الإمارات»، لا في كتاب «الجهاد»، فتنبّه.

١٤. «طرح التثريب في شرح التقريب» ١/ ٣.

١٥. «عمدة القاري» ١/ ٢٤.

١٦. «عمدة القاري» ١/ ٢٤.

١٧. «طرح التثريب» ٢/ ٣.

١٨. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٢/ ٤.

١٩. «عمدة القاري» ١/ ٢٢.

٢٠. «طرح التثريب» ٢/ ٥.

٢١. «طرح التثريب» ٢/ ٥.

٢٢. «عمدة القاري» ١/ ٢٣.

٢٣. «طرح التثريب» ٢/ ٦.

٢٤. كذا وقع في النسخة، وفيه انكسار، ولعله: «اتَّقِ الشُّبْهَاتِ ازْهَدَنَّ وَدَعْ مَا. . . . إلخ».

٢٥. «عمدة القاري» ١/ ٢٤.

٢٦. «طرح التثريب» ٢/ ٦.

٢٧. «الفتح» ١/ ١٩.

٢٨. «طرح التثريب» ٢/ ٦.

٢٩. «طرح التثريب» ٢/ ٧.

٣٠. بل هو في «الصحيحين» من حديث أبي موسى الأشعريّ قال: قال النبيّ - ﷺ -: «على كل مسلم صدقةٌ»، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فيعمل بيديه، فينفع نفسه، ويتصدق»، قالوا: فإن لم يستطع، أو لم يفعل؟ قال: «فيُعِين ذا الحاجة الملهوفَ»، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: «فليأمر بالخير، أو قال بالمعروف»، قال: فإن لم يفعل؟ قال: «فليُمْسك عن الشرّ، فإنه له صدقة».

٣١. «طرح التثريب» ٢/ ٧.

٣٢. «جامع العلوم والحكم» ١/ ٢٣.

٣٣. «إحكام الأحكام» ١/ ٧٢ - ٧٥ بنسخة الحاشية.

٣٤. هكذا النسخة، والظاهر أن فيه سقطًا، والأصل: فما هو في حكم العدم أَولى، والله تعالى أعلم.

٣٥. القائل هو الصنعاني - ﵀ -.

٣٦. هكذا نسخة: «العدّة»، وفيها ركاكة، ولعل الصواب إسقاط «فلو قُدّر الكمال» الثاني، فيكون التركيب هكذا: «فلو قُدّر الكمال لزم أن لا يُثاب العباد على الأفعال الصحيحة. . . إلخ».

٣٧. هكذا النسخة، ولعل الصواب: «ولا يوجد دليل ناهض. . . إلخ».

٣٨. «العدة حاشية العمدة» ١/ ٧٢ - ٧٤.

٣٩. «الفتح» ١/ ١٩.

٤٠. «طرح التثريب» ٢/ ٨.

٤١. «العدة حاشية العمدة» ١/ ٧٦.

٤٢. راجع: «الفتح» ١/ ٢٠ - ٢١.

٤٣. «طرح التثريب» ٢/ ١١.

٤٤. «طرح التثريب» ١/ ١١ - ١٢ بزيادة من المجموع.

٤٥. «طرح التثريب» ٢/ ١٢.

٤٦. «طرح التثريب» ٢/ ١٦.

٤٧. «طرح التثريب» ١/ ١٦.

٤٨. «الصرورة» هو الذي لم يحجّ.

٤٩. «طرح التثريب» ١/ ٣٨٦.

٥٠. «طرح التثريب» ٢/ ١٨.

٥١. «طرح التثريب» ٢/ ٢٠.

٥٢. «طرح التثريب» ٢/ ٢١.

٥٣. «إحكام الأحكام» ١/ ٧٨.

٥٤. «جامع العلوم والحكم» ١/ ١١ - ١٦.

٥٥. «طرح التثريب»٢/ ٢٤.

٥٦. «إحكام الأحكام» ١/ ٨٠.

٥٧. «الفتح»١/ ٢٣.

٥٨. «طرح التثريب» ٢/ ٢٤.

٥٩. «طرح التثريب» ٢/ ٢٥.

٦٠. «لسان العرب» ١٤/ ٢٧٣.

٦١. «القاموس المحيط» ص ٤٥١.

٦٢. «عمدة القاري» ١/ ٢٦.

٦٣. «عمدة القاري» ١/ ٢٧.

٦٤. «عمدة القاري» ١/ ٢٧.

٦٥. «الفتح» ١/ ٢٤.

٦٦. «عمدة القاري» ١/ ٣١.

٦٧. «طرح التثريب» ٢/ ٢٧.

٦٨. راجع: «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى» ٦٣/ ٣٣٤١، ٣٣٤٢.

٦٩. «طرح التثريب» ٢/ ٢٧ - ٢٨.

٧٠. هو: عليّ بن خلف، أبو الحسن القرطبيّ المتوفّى سنة (٤٤٩ هـ).

٧١. «طرح التثريب» ٢/ ٢٩.

٧٢. «طرح التثريب» ٢/ ٢٩.

٧٣. «الفتح» ١/ ٢٥.

٧٤. «الفتح» ١/ ١٦٤ - ١٦٥.

٧٥. «طرح التثريب» ٢/ ٢٨.

٧٦. «عمدة القاري» ١/ ٣٩.

٧٧. يقال: أعطاه غيضًا من فيض؛ أي: قليلًا من كثير. قاله في «القاموس».

٧٨. «التنبال» بالكسر: القصير. قاله في: «القاموس»، يعني: الثناء على القصير قصير.

٧٩. «سنن ابن ماجه»٢/ ١٤١٣.

٨٠. «صحيح البخاريّ»٣/ ١٤١٦.

٨١. «جامع الترمذيّ»٤/ ١٧٩.

٨٢. إنما قدّمت رواية الترمذيّ؛ لكونها بسند المصنّف، فتنبّه.

٨٣. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٤٦١.

٨٤. «السنن الكبرى» ٣/ ١٣٠.

٨٥. «سنن البيهقي الكبرى» ٥/ ٣٩.