HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٦٩

حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ. قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ مِنْ لُحُومِ نُسُكِنَا بَعْدَ ثلاث.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص79
ج ٣ ص ١٥٦٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٧٢
[٥٤٠] حديث عمر بن الخطاب ﵁ ، وابن عمر ﵁ ، قوله: (دَفَّ؛ أَهلُ أَبَيَاتٍ) ؛ أي: أقبلوا من البادية، والدَّفّ: سير سريعٌ يقارَب فيه بين الخطئ، يقال: دَفّ دفيفًا، و(الدَّافَّة): الجماعة يدِفُّون، وإنما أراد قومًا أقحمتهم السَّنة؛ وأقدمتهم المجاعة، يقول: إنما حرمت عليكم الادخار فوق ثلاثٍ؛ لتواسوهم وتتصدقوا عليهم، فأما وقد جاء الله بالسَّعة، فادخروا ما بدالكم. * * * ومن باب إذا دخل العشر وأراد أن يضحي
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٤٢٥
(٥) - (بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فِي أَوَّلِ الإِسْلَام، وَبَيَانِ نَسْخِه، وَإِبَاحَتِهِ إِلَى مَتَى شَاءَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٠٨٩] (١٩٦٩) - (حَدَّثَني عبدُ الجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثنا سُفْيَانُ، حَدَّثنا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَة، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ مِنْ لُحُومِ نُسُكِنَا بَعْدَ ثَلَاثٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبدُ الجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ) بن عبد الجبّار العطّار أبو بكر البصريّ، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] (ت ٢٤٨) تقدم في «البيوع» ٢٥/ ٣٩٧٣. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة المذكور قبل حديث. ٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ) سعد بن عُبيد الزهريّ، مولى عبد الرحمن بن أزهر، أبو عبيدة المدنيّ، ثقةٌ [٢] وقيل: له إدراك (ت ٩٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٣/ ٣٩٠. ٥ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، أبو الحسن الخليفة الرابع، استُشهد سنة (٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. [تنبيه]: هذا الإسناد مما انتقده الدارقطنيّ، قال القاضي عياض: لهذا الحديث من رواية سفيان عند أهل الحديث علّة في رفعه؛ لأن الحفاظ من أصحاب سفيان لم يرفعوه، ولهذا لم يروه البخاريّ من رواية سفيان، ورواه من غير طريقه، قال الدارقطنيّ: هذا مما وَهِمَ فيه عبد الجبار بن العلاء؛ لأن الْحُميديّ، وعليّ بن المدينيّ، والقعنبيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبا بكر بن أبي شيبة، وأبا خيثمة، وابن أبي عمر، وقتيبة، وأبا عبيد الله، وغيرهم رووه عن ابن عيينة، موقوفًا، قال: واحتَمَلَ أن يكون خَفِي على مسلم أن ابن عيينة يرويه موقوفًا؛ لأنه لعله لم يقع عنده إلا من رواية عبد الجبّار، ولأنّ الحديث رَفْعه عن الزهريّ صحيح، رَفعه صالح، ويونس، ومعمر، وابن أخي الزهريّ، ومالك، من رواية جويرية، والزبيديّ، كلهم رووه عن الزهريّ مرفوعًا، وأما البخاريّ فأخرجه من حديث يونس وحده، ولم يعرض لحديث ابن عيينة. انتهى كلام الدارقطنيّ . وقال الحافظ أبو مسعود الدمشقيّ في «الأجوبة» بعد نقل كلام الدارقطنيّ: وهذا كما قال، غير أن مسلمًا أخرجه أيضًا من حديث يونس، وصالح بن كيسان، وابن أخي الزهريّ، ومعمر مسندًا، وأخرجه عن عبد الجبّار كما قال، قال أبو مسعود: ومسلم لم يعلم أن عبد الجبّار أوقفه من حديث ابن عيينة، والله أعلم، وإن كان الحديث له أصلٌ ثابتٌ من غير حديث ابن عيينة ﵀. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره الدارقطنيّ ﵀ من إعلال رواية عبد الجبّار هذه قويّ، وقد أجاد حيث اعتذر عن مسلم بأنه لعله لم يقع له إلا من رواية عبد الجبّار، فخفي عليه. والحاصل أن هذا السند معلول، وأما المتن فهو صحيح بكلّ حال، مرفوع عن الزهريّ من غير طريق ابن عيينة، كما أخرجه مسلم بعدُ منها، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) سعد بن عُبيد مَوْلَى عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ، ويقال: مولى ابن أزهر؛ أي: عبد الرحمن بن أزهر بن عوف، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، الزهريّ المدنيّ أنه (قَالَ: شَهِدْتُ)؛ أي: حضرت (الْعِيدَ)؛ أي: عيد الأضحى، فقد وقع التصريح به في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي عبيد أنه سمع عليًّا، يقول يوم الأضحى. (مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب) - ﵁ - (فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ)؛ أي: قدّم الصلاة على الخطبة؛ لأنه سنّة النبيّ - ﷺ -، كما قال. (وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ مِنْ لُحُومِ نُسُكِنَا) بضمّتين، وبضمّ، فسكون؛ أي: لحم أضحيتنا (بَعْدَ ثَلَاثٍ)؛ أي: بعد ثلاث ليال. قال القرطبيّ ﵀: اختُلف في أول الثلاث، التي كان الادخار فيها جائزًا، فقيل: أولها يومُ النحر، فمن ضَحَّى فيه جاز له أن يمسك يومين بعده، ومن ضحى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة. وقيل: أولها يوم يُضَحِّي، فلو ضَحَّى في آخر أيام النحر، جاز له أن يُمسك ثلاثًا بعدها. ويَحْتمل أن يؤخذ من قوله: «فوق ثلاث» أن لا يُحْسَبَ اليوم الذي يقع فيه النحر من الثلاث، وتُعتبر الليلة التي تليه، وما بعدها. قال الحافظ ﵀: ويؤيده ما في حديث جابر: «كنا لا نأكل من لحوم بُدْننا، فوق ثلاث منى»، فإن ثلاث منى، تتناول يومًا بعد يوم النحر، لأهل النفر الثاني. قال الشافعيّ: لعل عليًّا - ﵁ - لم يبلغه النسخ، وقال غيره: يَحْتَمل أن يكون الوقت الذي قال عليّ فيه ذلك، كان بالناس حاجة، كما وقع في عهد النبيّ - ﷺ -، وبذلك جزم ابن حزم، فقال: إنما خطب عليّ بالمدينة في الوقت الذي كان عثمان حُوصر فيه، وكان أهل البوادي، قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة، فأصابهم الجهد، فلذلك قال عليّ ما قال. قال الحافظ: أما كون عليّ خطب به، وعثمان محصورٌ، فأخرجه الطحاويّ من طريق الليث، عن عُقيل، عن الزهري، في هذا الحديث، ولفظه: «صلّيت مع عليّ العيد، وعثمان محصور»، وأما الحمل المذكور، فلِمَا أخرج أحمد، والطحاويّ أيضًا، من طريق مخارق بن سليم، عن عليّ - ﵁ -، رفعه: «إني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فادّخروا ما بدا لكم»، ثم جمع الطحاويّ بنحو ما تقدم، وكذلك يجاب عما أخرج أحمد، من طريق أمّ سليمان، قالت: دخلت على عائشة - ﵂ -، فسألتها عن لحوم الأضاحي؟ فقالت: كان النبيّ - ﷺ -، نهى عنها، ثم رخّص فيها، فَقَدِم عليٌّ من السفر، فأتته فاطمة بلحم من ضحاياها، فقال: أوَ لم نُنْه عنه؟، قالت: إنه قد رُخّص فيها. فهذا عليّ، قد اطلع على الرخصة، ومع ذلك خطب بالمنع، فطريق الجمع ما ذكرته. وقد جزم به الشافعيّ في «الرسالة»، في آخر «باب العلل في الحديث»، فقال ما نصّه: فإذا دَفَّت الدافّة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا، بعد ثلاث، وإن لم تَدُفّ دافّة، فالرخصة ثابتة بالأكل، والتزوّد، والادخار، والصدقة. قال الشافعيّ: ويَحْتَمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الأضاحي، بعد ثلاث منسوخًا، في كل حال. قال الحافظ: وبهذا الثاني أخذ المتأخرون من الشافعية، فقال الرافعيّ: الظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال، وتبعه النوويّ، فقال في «شرح المهذّب»: الصواب المعروف، أنه لا يحرم الادخار اليوم بحال. وحَكَى في «شرح مسلم» عن جمهور العلماء، أنه مِنْ نَسْخ السُّنَّة بالسُّنَّة، قال: والصحيح نَسْخ النهي مطلقًا، وأنه لم يبق تحريم، ولا كراهة، فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث، والأكل إلى متى شاء. انتهى. وإنما رجح ذلك؛ لأنه يلزم من القول بالتحريم، إذا دَفّت الدافّة إيجاب الإطعام، وقد قامت الأدلة عند الشافعية، أنه لا يجب في المال حقٌّ سوى الزكاة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم في أواخر «كتاب الزكاة» من «شرح النسائيّ» البحث عن هذه المسألة، وأن الصحيح وجوب حقّ سوى الزكاة، بحسب ما تدعو الحاجة إليه، فراجعه، تجده موضّحًا بأدلّته، والله تعالى وليّ التوفيق. قال: ونقل ابن عبد البرّ ما يوافق ما نقله النوويّ، فقال: لا خلاف بين فقهاء المسلمين، في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ، كذا أطلق، وليس بجيد، فقد قال القرطبيّ: حديث سلمة، وعائشة، نصّ على أن المنع كان لعلة، فلما ارتفعت ارتفع؛ لارتفاع موجبه، فتعيَّن الأخذ به، وبعَوْد الحكم تعود العلة، فلو قَدِم على أهل بلد ناس، محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة، يَسُدُّون بها فاقتهم، إلا الضحايا، تَعَيّن عليهم ألا يدّخروها فوق ثلاث. قال الحافظ: والتقييد بالثلاث واقعة حال، وإلا فلو لم تُسَدّ الخلة إلا بتفرقة الجميع، لزم على هذا التقرير عدم الإمساك، ولو ليلة واحدة. وقد حكى الرافعي عن بعض الشافعية: أن التحريم كان لعلة، فلما زالت زال الحكم، لكن لا يلزم عَوْد الحكم عند عود العلة. قال الحافظ: واستبعدوه، وليس ببعيد؛ لأن صاحبه قد نظر إلى أن الخلة، لم تُسدّ يومئذ، إلا بما ذُكر، فأما الآن فإن الخلة تُسدّ بغير لحم الأضحية، فلا يعود الحكم إلا لو فُرض أن الخلة لا تُسدّ، إلا بلحم الأضحية، وهذا في غاية الندور. وحكى البيهقي عن الشافعيّ، أن النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث، كان في الأصل للتنزيه، قال: وهو كالأمر في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ الآية [الحج: ٣٦]، وحكاه الرافعي، عن أبي عليّ الطبري احتمالًا، وقال المهلب: إنه الصحيح؛ لقول عائشة - ﵂ -: «وليس بعزيمة». انتهى ما في «الفتح» ، والله أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٥٠٨٩ و٥٠٩٠ و٥٠٩١] (١٩٦٩)، و(البخاريّ) في «الأضاحي» (٥٥٧١)، و(النسائيّ) في «الضحايا» (٧/ ٢٣٢ و٢٣٣) و«الكبرى» (٣/ ٦٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٦١ و٧٠ و٧٨ و١٠٣ و١٤٠ و١٤١ و١٤٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٧٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٣١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن أكل لحوم الأضاحيّ، وادّخارها بعد ثلاثة أيام. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الخطبة في العيد. ٣ - (ومنها): أن خطبة العيد تُخالف خطبة الجمعة في كونها بعد الصلاة، وقد تقدّم في «كتاب العيدين» القول في أول من قدّم الخطبة على الصلاة فيها. ٤ - (ومنها): أنه لا يُشرع الأذان، ولا الإقامة لصلاة العيد. ٥ - (ومنها): أن فيه مراعاة الشارع مصالح العباد؛ لأنه سيأتي في حديث عائشة - ﵂ - أن النهي لأجل الدّافّة التي دفّت إلى المدينة، يوم الأضحى، فأراد الشارع الحكيم أن يواسي المؤمنون هؤلاء المساكين، فتبيّن به أنه لا يأمر، ولا ينهى إلا لمصلحة، وإن لم نَصِلْ إلى معرفتها؛ لِقُصور عِلْمنا. ٦ - (ومنها): ما قيل: إنه استُدل بهذه الأحاديث، على أن النهي عن الأكل فوق ثلاث، خاص بصاحب الأضحية، فأما من أُهدي له، أو تُصدق عليه، فلا؛ لمفهوم قوله عند مسلم: «من لحم أضحيته»، وفي حديث عليّ - ﵁ -: «مِن نُسُكه»، وقد جاء في حديث الزبير بن العوام، عند أحمد، وأبي يعلى ما يفيد ذلك، ولفظه: قلت: يا نبي الله، أرأيت قد نُهي المسلمون أن يأكلوا من لحم نسكهم، فوق ثلاث، فكيف نصنع بما أُهدي لنا؟ قال: «أما ما أهدي إليكم، فشأنَكم به»، فهذا نص في الهدية، وأما الصدقة، فإن الفقير لا حَجر عليه في التصرف، فيما يُهدَى له؛ لأن القصد أن تقع المواساة من الغنيّ للفقير، وقد حصلت، أفاده في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على مذاهب: (المذهب الأول): أنه كان للتحريم، وأنه منسوخٌ بالأحاديث الآتية الموضّحة لذلك، حكاه النوويّ عن جماهير العلماء، قال: وهذا من نَسخ السُّنَّة بالسُّنَّة، قال: والصحيح نَسخ النهي مطلقًا، وأنه لم يبق تحريم، ولا كراهة، فيُباح اليوم الادّخار فوق ثلاثة، والأكل إلى متى شاء، كصريح حديث بُريدة وغيره، وكذا قال في «شرح المهذّب»: الصواب المعروف أنه لا يحرم الادّخار اليوم بحال، وسبقه إلى ذلك الرافعيّ، فقال: والظاهر أنه لا تحريم اليوم بحال. وقال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين فقهاء المسلمين في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ. (المذهب الثاني): أن هذا ليس نَسخًا، ولكن كان التحريم لعلّة، فلما زالت زال، فلو عادت لعاد، وبهذا قال ابن حزم، واستدلّ بحديث عليّ المذكور هنا، قال: هذا كان عام حُصِر عثمان - ﵁ -، وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة، ودفّت دافّة. انتهى. وللشافعيّ ﵀ نصّ، حكاه البيهقيّ، تردّد فيه بين هذا القول، والذي قبله، قال بعد ذكر حديث عائشة، وجابر - ﵄ -: يجب على من علِم الأمرين معًا أن يقول: نهى النبيّ - ﷺ - عنه لمعنًى، فإذا كان مثله، فهو منهيّ عنه، وإذا لم يكن مثله لم يكن منهيًّا عنه، أو يقول: نهى النبيّ - ﷺ - في وقت، ثم أرخص فيه بعده، والآخر من أمْره ناسخٌ للأول. وقال الإسنويّ ﵀: الصحيح أن النهي كان مخصوصًا بحالة الضيق، والصحيح أيضًا أنه إذا حَدَثَ ذلك في زماننا أن يعود المنع على خلاف ما رجّحه الرافعيّ، فقد نصّ الشافعيّ على ذلك كلّه، فقال في «الرسالة» في آخر «باب العلل في الحديث» ما نصّه: فإذا دفّت الدّافّة، ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، وإن لم تدفّ دافّة، فالرخصة ثابتةٌ بالأكل، والتزوّد، والادّخار، والصدقة، قال الشافعيّ: ويَحْتَمِل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخًا في كلّ حال. انتهى. وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: حديث سلمة، وعائشة - ﵄ - نصّ على أن المنع كان لعلّة، ولمّا ارتفعت ارتفع؛ لارتفاع موجبه، لا لأنه منسوخٌ، فتعيّن الأخذ به، ويعود الحكم لِعَوْد العلّة، فلو قَدِم على أهل بلدة ناسٌ محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدّون بها فاقتهم إلا الضحايا، لتعيّن عليهم أن لا يدّخروها فوق ثلاث. (المذهب الثالث): كالذي قبله في أن هذا ليس نسخًا، ولكن التحريم لعلّة، فلما زالت زال، ولكن لا يعود الحكم لو عادت، وهذا وجه لبعض الشافعيّة، حكاه الرافعيّ، والنوويّ، وهو بعيد. (المذهب الرابع): أن النهي الأول لم يكن للتحريم، وإنما كان للكراهة، وهذا ذكره أبو عليّ الطبريّ، صاحب «الإفصاح» على سبيل الاحتمال، كما حكاه الرافعيّ، ونصّ عليه الشافعيّ، كما حكاه البيهقيّ، فقال: وقال الشافعيّ ﵀ في موضع آخر: يُشبه أنه يكون نهي النبيّ - ﷺ - عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، إذا كانت الدّافّة، على معنى الاختيار، لا على معنى الفرض؛ لقوله تعالى في البُدْن: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ الآية [الحج: ٣٦]، وهذه الآية في البُدْن التي يَتطوّع بها أصحابها، قال النوويّ: قال هؤلاء: والكراهة باقية إلى اليوم، ولكن لا يحرُم، قالوا: ولو وقع مثل تلك العلّة اليوم، فدفّت دافّة، واساهم الناس، وحملوا على هذا مذهب عليّ، وابن عمر. انتهى. وإلى هذا ذهب المهلّب، فقال: إنه الذي يصحّ عندي. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ: ويدلّ لهذا قوله في حديث عائشة - ﵂ -: «وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يُطعِم منه»، وقال ابن حزم: لا حجة فيه؛ لأن قوله: «ليست بعزيمة»، ليس من كلام رسول الله - ﷺ -، وإنما ظنّ بعض رواة الخبر، ويبيّن ذلك قوله بعده: «ولكن أراد أن يطعم منه»، والله تعالى أعلم. (المذهب الخامس): أن هذا النهي للتحريم، وأن حكمه مستمرّ، لم يُنسخ، وحُمل على هذا ما تقدّم عن عليّ - ﵁ -، وما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر - ﵄ -، قال وليّ الدين: وحَمْله على أنهما رأيا عَوْد الحكم لِعَوْد العلّة، كما تقدّم في القول الثاني أَولى، وبتقدير أن لا يؤوّل على هذا، فسببه عدم بلوغ الناسخ، فإنه لا يسع أحدًا العمل بالمنسوخ بعد ورود الناسخ، ومن علم حجة على من لم يعلم، ذكر هذه المذاهب الحافظ وليّ الدين العراقيّ رحمه الله تعالى في «شرح التقريب» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح المذاهب هو المذهب الثاني؛ لوضوح دليله، وحاصله أن النهي مستمرّ، وليس منسوخًا، وإنما كان لعلة، فلما زالت زال، فإذا عادت تلك عاد الحكم، وهذا هو الأَولى في المجمع بين الأحاديث من غير دعوى إهمال لبعضها، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٠٩٠] (…) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، أنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، قَال: ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: فَصَلَّى لَنَا قَبْلَ الْخُطْبَة، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَلَا تَأْكلُوا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عُمَرُ بْنُ الخطّاب) - ﵁ -، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله، والحديث متّفقٌ عليه. [تنبيه]: هذا الحديث مختصر، وقد ساقه البخاريّ في «صحيحه»، مطوّلًا، فقال: (٥٢٥١) - حدّثنا حِبّان بن موسى، أخبرنا عبد الله، قال: أخبرني يونس، عن الزهريّ، قال: حدّثني أبو عبيد، مولى ابن أزهر، أنه شهد العيد، يوم الأضحى، مع عمر بن الخطاب - ﵁ -، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: يا أيها الناس، إن رسول الله - ﷺ -، قد نهاكم عن صيام هذين العيدين، أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم، وأما الآخر فيوم تأكلون نُسُكَكم، قال أبو عبيد: ثم شهدت مع عثمان بن عفان، فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب، فقال: يا أيها الناس إن هذا يوم، قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة، من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع، فقد أذنت له ، قال أبو عبيد: ثم شهدته مع علي بن أبي طالب، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: إن رسول الله - ﷺ -، نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث. انتهى. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٠٩١] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الزهريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٦] (ت ١٥٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٢. ٥ - (حَسَن الْحُلْوَانيّ) ابن عليّ الخلال نزيل مكة، تقدّم قريبًا. ٦ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٧ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٨ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريبًا. ٩ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدم أيضًا قريبًا. و«الزهريّ» ذُكر قبله. وقوله: (كلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ)؛ يعني: أن كلًّا من ابن أخي ابن شهاب، وصالح بن كيسان، ومعمر بن راشد رووا هذا الحديث عن الزهريّ، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، بمثل ما رواه يونس عنه. [تنبيه]: رواية ابن أخي ابن شهاب، عن الزهريّ ساقها أبو عوانة ﵀ في «مسنده»، فقال:
مصادر المؤلف (٥)

١. راجع: رسالة الشيخ ربيع بن هادي «بين الإمامين» ص ٣٢٥ - ٣٢٨.

٢. «الفتح» ١٢/ ٥٨٣ - ٥٨٤، كتاب «الأضاحي» رقم (٥٥٧١).

٣. «الفتح» ١٢/ ٥٨٤، كتاب «الأضاحي» رقم (٥٥٧١).

٤. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٩٧ - ١٩٩.

٥. مسألة اجتماع العيد مع الجمعة قد حقَّقتها في «شرح النسائيّ» في «كتاب العيدين»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.