HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٧١

حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي. أخبرنا روح. حدثنا مالك عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ. قال عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ فَقَالَتْ: صَدَقَ. سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى، زَمَنِ ِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فقال رسول الله ﷺ (ادَّخِرُوا ثَلَاثًا. ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ) فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الْأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَمَا ذَاكَ؟) قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ. فَقَالَ: (إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ التي دفت. فكلوا وادخروا وتصدقوا).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص80
ج ٣ ص ١٥٦١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٤٣٨
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٠٩٥] (١٩٧١) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ، فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حِضْرَةَ الأَضْحَى، زَمَنَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ادَّخِرُوا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ)، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، وَيَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:»وَمَا ذَاكَ؟ «. قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ:»إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتي دَفَّتْ، فَكُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا«). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء بن حسّان القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في«الإيمان»٩٠/ ٤٧٦. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٥) وهو ابن (٧٠) سنة (ع) تقدم في«الصلاة»١٧/ ٩١٦. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَاقِدِ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن جدّه، وعمه عبد الله بن عبد الله بن عمر، وعائشة، وأرسل عن النبيّ - ﷺ -. وروى عنه عمرُ بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهريّ، وفُضيل بن غزوان، وإبراهيم بن مُجَمِّع، وغيرهم. قال مالك: رأيته، وذكره ابن حبان في«الثقات»، وقال: مات سنة تسع عشرة ومائة. وفي«طبقات ابن سعد»: مات قديمًا في خلافة هشام بن عبد الملك، وفي«رجال الموطأ» لابن الحذاء: قيل: هو عبد الله بن واقد بن زيد بن عبد الله بن عمر، قال: والأول أصح. انتهى. وقال أبو عمر بن عبد البرّ: عبد الله بن واقد هذا هو عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر تابعيّ ثقةٌ، شريفٌ، جليلٌ، سمع عبد الله بن عمر، وأمه أمة الله بنت عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة، ومات عبد الله بن واقد في سنة سبع عشرة ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك. انتهى . أخرج له مسلم وأبو داود وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٩٧١)، وحديث (٢٠٨٦): «يا عبد الله ارفع إزارك، فرفعته، ثم قال: زد، فزدت …» الحديث. ٦ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن: بن سعد بن زرارة الأنصاريّة المدنيّة ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٧. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت قبل باب. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حزم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَاقِدٍ) أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ «أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ) قال القاضي عياض: يَحْتَمِل أن يكون ابتداء الثلاث من يوم ذبحها، ويَحْتَمِل من يوم النحر، وإن تأخّر ذبحها إلى أيام التشريق، قال: وهذا أظهر. انتهى . [تنبيه]: قول عبد الله بن واقد هذا:«قال نهى رسول الله … إلخ»مرسلٌ؛ لأن عبد الله بن واقد تابعيّ، وإنما الموصول، وهو العمدة حديث عمرة، كما بيّنه مسلم بقوله: (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) ابن محمد بن عمرو المذكور في السند (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ)؛ أي: حديث عبد الله بن واقد (لِعَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن الأنصاريّة، (فَقَالَتْ: صَدَقَ) عبد الله بن واقد فيما حدّث به، ثم ذكر دليل تصديقها له، فقالت: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين - ﵂ - (تَقُولُ: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ) قال النوويّ: قال أهل اللغة: الدافّة بتشديد الفاء: قوم يسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، ودَفّ يَدِفّ بكسر الدال، ودافّة الأعراب: مَن يَرِدُ منهم المصرَ، والمراد هنا: مَن وَرَد من ضعفاء الأعراب للمواساة. انتهى . وقال ابن عبد البرّ: معناه عند أهل اللغة: أتونا، وأصله عندهم مِنْ دَفَّفَ الطائرُ: إذا حرّك جناحيه، ورجلاه في الأرض، يقال في ذلك: دَفّ الطائر يَدِفّ دَفِيفًا، وقال الخليل: والدافّة: قوم يدُفّون؛ أي: يسيرون سيرًا لينًا، وتدافّ القومُ: إذا ركب بعضهم بعضًا، في قتال، أو نحوه. انتهى . وقال القرطبيّ: الدَّفِيف: الدبيب، وهو السير الخفيّ اللَّين، والدَّافة: الجيش الذين يدِبّون إلى أعدائهم، وكان هؤلاء ناسٌ ضعفاء، فجاؤوا دابين؛ لِضَعفهم من الحاجة والجوع. انتهى . وقال ابن الأثير ﵀: الدّافّة: القوم يسيرون سيرًا ليس بالشديد، يقال: هم يدفّون دفيفًا، والدافّة: قومٌ من الأعراب، يَرِدون المصر، يُريد أنهم قوم قَدِموا المدينة عند الأضحى، فنهاهم عن ادّخار لحوم الأضاحي، ليفرّقوها، ويتصدّقوا بها، فينتفع أولئك القادمون بها. انتهى . (مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ)؛ أي: من الأعراب الذين يسكنون البادية، وهو خلاف الحاضرة، وهو متعلِّق بصفة لـ«أهل أبيات»، (حِضْرَةَ الأَضْحَى) قال القرطبيّ: الرواية المعروفة بسكون الضاد، وهو منصوب على الظرف؛ أي: زمن حضور الأضحى، ومشاهدته، وقيَّده بعضهم: حَضَرَة - بفتح الضاد - وفي «الصحاح» يقال: كلَّمته بَحضْرة فلان، وبمحضر من فلان؛ أي: بمشهد منه، وحَكَى يعقوب: كلَّمته بحَضَر فلان - بالتحريك من غير هاء - وكلَّمته بِحَضْرة فلان، وحُضرته، وحِضرته. انتهى . وقال النوويّ: هي بفتح الحاء، وضمّها، وكسرها، والضاد ساكنة فيها كلِّها، وحُكي فتحها، وهو ضعيفٌ، وإنما تُفتَح إذا حُذفت الهاء، فيقال: بحضر فلان. انتهى . (زَمَنَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ادَّخِرُوا ثَلَاثًا) وفي رواية النسائيّ:»كُلُوا، وادّخروا ثلاثًا«، (ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ»): والمعنى: كلوا بعضه، وادّخروا بعضه مدةَ ثلاث ليال، وما فَضَل عن ذلك، فتصدّقوا به على هؤلاء المحتاجين. (فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) اسم «كان» محذوف؛ أي: فلمّا كان الزمن بعد ذلك الوقت الذي قال فيه - ﷺ -: «ادّخروا … إلخ»؛ أي: في العام الذي يليه، (قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَة) بفتح الهمزة: جمع سقاءَ، قال المجد ﵀: السِّقاء، ككِسَاءٍ: جلدُ السَّخْلة إذا أجذع، يكون للماء واللبن، جَمْعه: أسقية، وأسقياتٌ، وأساقٍ. انتهى . (مِنْ ضَحَايَاهُمْ) بفتح الضاد: جمع ضَحِيّة، كعطيّة وعطايا، كما سبق أول الكتاب، (وَيَجْمِلُونَ) بالجيم، وفتح أوله، وضمّه، من جَمَل، كنصر، وضرب، وأجمل، يقال: جَمَلتُ الدهن، أَجمِله، بكسر الميم، وأجمُلُه بضمّها جَمْلًا، وأجملته إجمالًا؛ أي: أَذَبْته، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ: «الأسقية»: جمع سقاء، كالأخبية، جمع خِبَاء، و«يجملون»: يُذيبون، و«الودك»: الشحم، يقال: جملت الشحم، واجتملته: إذا أذبته، وربّما قالوا: أجملت، وهو قليل. انتهى . ووقع في بعض النُّسخ: «ويَحْملون» بالحاء المهملة، من الحمل؛ أي: يحملون الودك في تلك الأسقية، والله تعالى أعلم. (مِنْهَا)؛ أي: من تلك الضحايا، (الْوَدَكَ) بفتحتين؛ أي: الشحم، ودَسَم اللحم؛ أي: يُذيبون الشحم، ويستخرجون دهنه، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَمَا ذَاكَ؟»)؛ أي: ما سبب قولكم هذا؟، مع ظهور أنه جائز، (قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا) ببناء الفعل للمفعول، (بَعْدَ ثَلَاثٍ)؛ أي: بعد ثلاث ليال. (فَقَالَ) - ﷺ - («إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ)؛ أي: لأجل الجماعة التي أتتكم من البادية، أردت أن تتصدّقوا عليهم، وهذا ظاهر فيما قدّمناه من أن المدار هو الحاجة، وليس هذا من باب النَّسخ. قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: وهذا نصّ منه - ﷺ - على أن المنع كان لعلّة، ولَمّا ارتفعت ارتفع المنع المتقدّم؛ لارتفاع موجِبه، لا لأنه منسوخٌ، وهذا يُبطل قول من قال: إن ذلك المنع إنما ارتفع بالنَّسخ، لا يقال: فقد قال - ﷺ -: »كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فادّخروا«، وهذا رفعٌ لحكم الخطاب الأول بخطاب متأخّر عنه، وهذا هو حقيقة النسخ؛ لأنا نقول: هذا لَعَمْر الله ظاهر هذا الحديث، مع أنه يَحْتَمِل أن يكون ارتفاعه بأمر آخر غير النسخ، فلو لم يرد لنا نصّ بأن المنع من الادخار ارتفع لارتفاع علّته، لَمَا عدَلنا عن ذلك الظاهر، وقلنا: هو نسخٌ، كما قلناه في زيارة القبور، وفي الانتباذ بالحنتم المذكورين معه في حديث بُريدة - ﵁ - الآتي، لكن النصّ الذي في حديث عائشة - ﵂ - في التعليل بيّنَ أن ذلك الرفع ليس للنسخ، بل لعدم العلّة، فتعيّن ترك ذلك الظاهر، والأخذ بذلك الاحتمال لِعَضَد النصّ له، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: الفرق بين رفع الحكم بالنَّسخ، ورفعه لارتفاع علّته أن المرفوع بالنسخ لا يُحكم به أبدًا، والمرفوع لارتفاع علّته يعود الحكم لِعَود العلّة، فلو قَدِمَ على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعةٌ، يسدّون بها فاقتهم إلا الضحايا، لتعيّن عليهم أن لا يدّخروها فوق ثلاث، كما هو فِعل النبيّ - ﷺ -. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. (فَكُلُوا، وَادَّخِرُوا) - بالدال المهملة المشدّدة - لأن أصلها اذتخروا، من ذَخَرَ بالذال المعجمة، اجتمع مع تاء الافتعال، وقُلبت التاء دالًا، فصار إذدَخِروا، ثم قُلبت الذال دالًا، وأدغمت الدال في الذال، فصار: ادَّخِروا ، كما قال في «الخلاصة»: طَا تَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُطْبَقِ … فِي ادَّانَ وَازْدَدْ وَادَّكِرْ دَالًا بَقِي (وَتَصَدَّقُوا») قال النوويّ ﵀: هذا تصريح بزوال النهي عن ادّخارها فوق ثلاث، وفيه الأمر بالصدقة منها، والأمر بالأكل، فأما الصدقة منها، إذا كانت أضحية تطوّع، فواجبة على الصحيح عند أصحابنا بما يقع عليه الاسم منها، ويستحبّ أن يكون بمعظمها، قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث، ويتصدّق بالثلث، ويُهدي الثلث. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قد أشرت فيما مضى أن أول هذا الحديث مرسل، قال الحافظ رشيد الدين العطّار ﵀ في «غرر الفوائد»: هذا مرسل، فإن عبد الله بن واقد تابعيّ يروي عن عبد الله بن عمر وغيره، وهو عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵁ -، ولم يحتجّ مسلم بهذا المرسل، إنما احتج بباقي الحديث، وهو قول عبد الله بن أبي بكر بن حزم: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق، سمعت عائشة - ﵂ - تقول: دَفّ أهل أبيات، من أهل البادية حضرةَ الأضحى، زمن رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «ادّخِرُوا ثلاثًا …» الحديث، وهذا مسند، ولا يخفى على من له أُنْسٌ بعلم الرواية أن هذا المسند من هذا الحديث هو الذي احتجّ به مسلم، وقد رواه القعنبيّ عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة به، لم يذكر فيه عبد الله بن واقد، وكذلك رواه يحيى القطان عن مالك أيضًا، وأخرجه أبو داود في «سننه» عن القعنبيّ كذلك، وأخرجه النسائيّ أيضًا في «سننه» عن عبيد الله بن سعيد، وهو أبو قُدامة السرخسيّ، عن يحيى، وهو القطان، فيما علمت عن مالك، كذلك. وأما المرسل الذي في أوله، فإنه متصلٌ في كتاب مسلم من حديث ابن عمر وغيره، عن النبيّ - ﷺ -. انتهى كلام الحافظ العطّار ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قال العطّار ﵀ تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، وخلاصته أنه لا عيب على مسلم في إيراده حديث عبد الله بن واقد، وهو مرسل؛ لأنه لم يُرِد الاحتجاج به، وإنما أراد الاحتجاج بالموصول، وهو حديث عمرة، عن عائشة - ﵂ -، وإنما ساقه حيث سمعه من شيخه كذلك، فأدّاه كما سمعه، وقد تقدّم كلام العطّار هذا في «مقدّمة شرح المقدّمة» وإنما أعدته هنا؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٥٠٩٥] (١٩٧١)، و(البخاريّ) في «الأطعمة» (٥٤٢٣ و٥٤٣٨) و«الأضاحي» (٥٥٧٠)، و(أبو داود) في «الضحايا» (٢٨١٢)، و(الترمذيّ) في «الأضاحي» (١٥١١)، و(النسائيّ) في «الضحايا» (٧/ ٢٣٥)، و(ابن ماجه) في «الأضاحي» (٢١٥٩)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٤٨٤ - ٤٨٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٥١)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٤٤٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٧٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٩٢٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٨٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٢٩٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١١٣٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الادّخار من الأضاحي، فوق ثلاثة أيام، قال ابن بطال ﵀: في الحديث ردٌّ على من زعم من الصوفية أنه لا يجوز ادّخار طعام لغد، وأن اسم الولاية لا يُستحقّ لمن ادّخر شيئًا، ولو قَلّ، وأن من ادّخر أساء الظن بالله، وفي هذه الأحاديث كفاية في الردّ على من زعم ذلك. انتهى . ٢ - (ومنها): جواز النَّسخ في الأحكام الشرعيّة. ٣ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: في هذه الأحاديث من الفوائد، غير ما تقدم، نَسْخ الأثقل بالأخفّ؛ لأن النهي عن ادّخار لحم الأضحية بعد ثلاث، مما يثقل على المضحِّين، والإذن في الادّخار أخفّ منه، وفيه ردّ على من يقول: إن النسخ لا يكون إلا بالأثقل للأخف، وعَكَسه ابن العربي زعمًا أن الإذن في الادخار نَسخ بالنهي. وتُعُقّب بأن الادّخار كان مباحًا بالبراءة الأصلية، فالنهي عنه ليس نسخًا، وعلى تقدير أن يكون نسخًا، ففيه نسخ الكتاب بالسُّنَّة؛ لأن في الكتاب الإذن في أكلها، من غير تقييد؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨]. ويمكن أن يقال: إنه تخصيص، لا نسخ، وهو الأظهر. انتهى ما قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي استظهره الحافظ من كون هذا النهي ليس بنسخ، وإنما هو من باب التخصيص، هو الحقّ، كما سبق بيانه في كلام القرطبيّ ﵀، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: وفي هذا الحديث أبواب من أصول الفقه، وهو أن الشرع يُراعي المصالح، ويحكم لأجلها، ويسكت عن التعليل، ولَمّا تصفّح العلماء ما وقع في الشريعة من هذا وجدوه كثيرًا، بحيث حصل لهم منه أصل كلّيّ، وهو أن الشارع مهما حكم، فإنما يحكم لمصلحة، ثم قد يجدون في كلام الشارع ما يدلّ عليها، وقد لا يجدون، فيسبُرُون أوصاف المحلّ الذي يحكم فيه الشرع حتى يتبيّن لهم الوصف الذي يمكن أن يعتبره الشرع بالمناسبة، أو لصلاحيته لها، فيقولون: الشرع يحكم بالمصلحة، والمصلحة لا تعدو أوصاف المحلّ، وليس في أوصافه ما يصلح للاعتبار إلا هذا، فتعيّن. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأكل من الأضحية: ذهب جمهور العلماء إلى أنه مستحبّ، قال النوويّ ﵀: هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، إلا ما حُكي عن بعض السلف أنه أوجب الأكل منها، وهو قول أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا، حكاه عنه الماورديّ؛ لظاهر هذا الحديث في الأمر بالأكل، مع قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، وحَمَل الجمهور هذا الأمر على الندب، أو الإباحة، لا سيّما وقد ورد بعد الحظر، فقد قال جماعة من أصحابنا: إنه في هذه الحالة للإباحة، والجمهور على أنه للوجوب، كما لو ورد ابتداء، وبوجوب الأكل، ولو لُقمة قاله ابن حزم الظاهريّ. وأما الصدقة منها، فالصحيح عند الشافعيّة، والحنابلة بما يقع عليها الاسم، ويستحبّ أن يتصدّق بمعظمها، ويُهدي الثلث، وللشافعيّ قول إنه يأكل النصف، ويتصدّق بالنصف، وهذا الخلاف في قدر أوفى الكمال في الاستحباب، وأما الإجزاء فتجزيه الصدقة بما يقع عليه الاسم، وذهب بعضهم إلى أنه لا تجب الصدقة بشيء منها، وهو مذهب المالكيّة، قال ابن عبد البرّ: وعلى هذا جماعة العلماء، إلا أنهم يكرهون أن لا يتصدّق منها بشيء. انتهى. وقالت الحنفيّة: يستحبّ أن يتصدّق بالثلث، ويأكل الثلث، ويدّخر الثلث. قال وليّ الدين ﵀: وأما الادّخار فالأمر به للإباحة بلا شكّ. انتهى. وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ في قوله: «فكلوا، وادّخروا، وتصدّقوا»: هذه أوامر وردت بعد الحظر، فهل تقَدُّمه عليها يُخرجها عن أصلها من الوجوب عند من يراه، أو لا يُخرجها؟ اختلف الأصوليون فيه على قولين. قال: والظاهر من هذه الأوامر هنا إطلاق ما كان ممنوعًا، بدليل اقتران الادّخار مع الأكل، والصدقة، ولا سبيل إلى حمل الادّخار على الوجوب بوجهٍ، فلا يجب الأكل، ولا الصدقة من هذا اللفظ، وجمهور العلماء على أن الأكل من الأضحيّة ليس بواجب، وقد شذّت طائفة، فأوجبت الأكل منها؛ تمسّكًا بظاهر الأمر هنا، وفي قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]، ووقع لمالك في كتاب ابن حبيب أن ذلك على الندب، وأنه إن لم يأكل مخطئ، وقال أيضًا: لو أراد أن يتصدّق بلحم أضحيته كلِّه كان له، كأكله كلّه حتى يفعل الأمرين. وقال الطبريّ: جميع أئمة الأمصار على جواز أن لا يأكل منها، إن شاء، ويَطعم جميعها، وهو قول محمد بن الموّاز. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ .
مصادر المؤلف (٢٠)

١. وقوله في«التقريب»:«مقبول»غير مقبول، فقد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، وابن عبد البرّ، ولم يجرحه أحد، وأخرج له مسلم هنا، فتنبّه.

٢. «التمهيد»لابن عبد البر ١٧/ ٢٠٨.

٣. «إكمال المعلم» ٦/ ٤٢٤.

٤. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٣٠.

٥. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٧/ ٢٠٨.

٦. «المفهم» ٥/ ٣٧٧ - ٣٧٨.

٧. «النهاية» لابن الأثير ٢/ ١٢٤.

٨. «الصحاح»ص ٢٤١.

٩. «شرح النوويّ»١٣/ ١٣٠.

١٠. «القاموس المحيط»ص ٦٢٤.

١١. «شرح النوويّ»١٣/ ١٣١.

١٢. «المفهم»٥/ ٣٧٨.

١٣. «المفهم» ٥/ ٣٧٨ - ٣٧٩.

١٤. «عمدة القاري» ٢١/ ١٥٩.

١٥. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٣١.

١٦. «غرر الفوائد» ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥.

١٧. «شرح ابن بطال على البخاريّ» ٩/ ٤٨٨.

١٨. «الفتح» ١٢/ ٥٨٥ - ٥٨٦، كتاب «الأضاحي» رقم (٥٥٧٠).

١٩. «المفهم» ٥/ ٣٧٩.

٢٠. «المفهم» ٥/ ٣٧٩ - ٣٨١.