HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٧٦

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (قال يحيى: أخبرنا. وقال الآخرون: حدثنا سفيان بن عيينة) عن الزهري، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رافع وعبد بن حميد (قال عبد: أخبرنا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ (لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ). زَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ: وَالْفَرَعُ أول النتاج كان ينتج لهم فيذبحونه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص82
ج ٣ ص ١٥٦٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٧٣
[٥٤٢] : قال أبو عبيد : الفَرَعُ: أول ما تضعه أمه، كانوا يذبحونه وفيه ثلاث خصال من الكراهة إحداهن: أنه لا ينتفع بلحمها، والثانية: إذا ذهب ولدها ارتفع لبنها، والثالثة: أنك تفجعها به فيكون إثما، أي: دعه حتى يكون ابن مخاض، وهو ابن سنة؛ فينتفع بلحمه، وأما: (العَتِيرَة)؛ فذبيحة كانوا يذبحونها في رجب، وفي رواية: (اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أي شَهرٍ ما كَانَ) ؛ أطلق الإحسان في أي وقت كان، (وَبَرُّوا الله) ؛ تقول العرب: فلان يَبَرّ ربه؛ أي: يطيعه ويعبده، ويتقرب إليه. * * * ومن باب النهي عن الذبح لغير الله
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٤٧٢
الأُوَلِ من رجب، ونقل النوويّ الاتفاق عليه، قال الحافظ: وَفِيهِ نَظَرٌ . وذكر ابن منظور - ﵀ - في «اللسان»: أن العرب في الجاهليّة كانت إذا طلب أحدهم أمرًا نذر، لئن ظَفِر به ليذبحنّ من غنمه في رجب كذا وكذا، وهي العتائر أيضًا، فإذا ظفِر به، فربّما ضاقت نفسه عن ذلك، وضنّ بغنمه، وهي الرَّبِيض، فيأخذ عددها ظباء، فيذبحها في رجب مكان تلك الغنم، فكأن تلك عتائره. انتهى باختصار. وقال النوويّ - ﵀ -: والفرع أول النتاج، كان ينتج لهم، فيذبحونه، قال أهل اللغة وغيرهم: الفرع - بفاء، ثم راء مفتوحتين، ثم عين مهملة - ويقال فيه: الْفَرَعَةُ - بالهاء - والعتيرة - بعين مهملة مفتوحة، ثم تاء مثناة من فوقُ - قالوا: والعتيرة ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الأُوَل من رجب، ويسمونها الرجبية أيضًا، واتفق العلماء على تفسير العتيرة بهذا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم في كلام الحافظ أن دعواه الاتفاق فيه نظر. قال: وأما الفرع فقد فُسّر هنا بأنه أول النتاج، كانوا يذبحونه، قال الشافعيّ، وأصحابه، وآخرون: هو أول نتاج البهيمة، كانوا يذبحونه، ولا يملكونه؛ رجاءَ البركة في الأمّ، وكثرة نسلها، وهكذا فَسَّره كثيرون من أهل اللغة وغيرهم، وقال كثيرون منهم: هو أول النتاج كانوا يذبحونه لآلهتهم، وهي طواغيتهم، وكذا جاء هذا التفسير في «صحيح البخاريّ» و«سنن أبي داود»، وقيل: هو أول النتاج لمن بلغت إبله مائة يذبحونه، وقال شَمِر: قال أبو مالك: كان الرجل إذا بلغت إبله مائة قَدَّمَ بَكْرًا، فنحره لصنمه، ويسمّونه الفرع. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥١٠٨] (١٩٧٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ»، زَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ: وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاج، كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ، فَيَذْبَحُونَهُ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور، من كبار [٣] (ت ٩٤) وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. ٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هدا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف بالنسبة لِمَا قبل التحويل، ومن سداسيّاته بالنسبة لِمَا بعده، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وأبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا فَرَعَ) - بفتح الفاء، والراء، بعدها مهملة - (وَلَا عَتِيرَةَ») - بفتح العين المهملة، وكسر التاء المثنّاة التحتانيّة - هَكَذَا جَاءَ في «الصحيحين» بِلَفْظِ النَّفْي، وَالْمُرَاد بِهِ النَّهْي، وقد جاء بِصِيغَةِ النَّهْي فِي رِوَايَة النسائيّ: «نَهَى رَسُول الله - ﷺ - عن الفَرَع والعتيرة»، لكن في سندها سفيان بن حسين، وهو ضعيف في الزهريّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَحْمَد: «لَا فَرَع، وَلَا عَتِيرَة فِي الْإِسْلَام». (زَادَ ابْنُ رَافِعٍ) هو محمد شيخه الخامس، (فِي رِوَايَتِهِ: وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاج، كَانَ يُنْتَجُ لَهمْ) - بضم أوله، وفتح ثالثه - يقال: نُتِجت الناقةُ - بضم النون، وكسر المثناة -: إذا وَلَدت، ولا يُستعمل هذا الفعل إلا هكذا، وإن كان مبنيًّا للفاعل. (فَيَذْبَحُونَهُ)؛ أي: لأصنامهم. وفي رواية البخاريّ من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ في آخر الحديث: «قال: والفرَع أوّل نتاج كان يُنْتَجُ لهم، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب». انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «قال: والفرع» لم يتعيَّن هذا القائل هنا، ووقع في رواية مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر التفسيرُ موصولًا بالحديث، ولأبي داود من رواية عبيد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، قال: «الفرع أول النتاج …» الحديث، جعله موقوفًا على سعيد بن المسيِّب، وقال الخطابيّ: أحسب التفسير فيه من قول الزهريّ، قال الحافظ: قد أخرج أبو قُرّة في «السنن» الحديث عن عبد المجيد بن أبي روّاد عن معمر، وصرّح في روايته أن تفسير الفرع والعتيرة من قول الزهريّ، والله أعلم. انتهى . وقوله: «كانوا يذبحونه لطواغيتهم» زاد أبو داود عن بعضهم: «ثم يأكلونه، يُلْقَى جلده على الشجر»، وفيه إشارة إلى علة النهي، واستَنبط الشافعيّ منه الجواز، إذا كان الذبح لله؛ جَمْعًا بينه وبين حديث: «الفرع حقّ»، وهو حديث صحيح، رواه أبو داود، والنسائيّ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٥١٠٨] (١٩٧٦)، و(البخاريّ) في «العقيقة» (٥٤٧٣ و٥٤٧٤)، و(أبو داود) في «الأضاحي» (٢٨٣١ و٢٨٣٢)، و(الترمذيّ) في «الأضاحي» (١٥١٢)، و(النسائيّ) في «الضحايا» (٧/ ١٦٧) و«الكبرى» (٣/ ٧٨)، و(ابن ماجه) في «الذبائح» (٣١٦٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٧٩٩٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٢٩٨ و٢٣٠٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٢٥٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٤٦٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٢٩ و٢٣٩ و٢٧٩ و٤٥٩ و٤٩٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٩٦٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٨٩٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٨٥ - ٨٦)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٩١٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٢٨٢)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٤/ ٣٠٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣١٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١١٢٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين حديث: «لا فرَعَ، ولا عَتِيرة»، وحديث: «الفَرَعُ حقّ»: قال النوويّ - ﵀ - ما حاصله: قد صحّ الأمر بالعتيرة، والْفَرَع في غير هذا الحديث، وجاءت به أحاديث منها حديث نُبيشة - ﵁ - قال: «نادى رجل رسول الله - ﷺ -، فقال: إنا كنا نَعْتِر عتيرة في الجاهلية في رجب، قال: اذبحوا لله في أيّ شهر كان، وبَرُّوا لله، وأطعموا، قال: إنا كنا نُفْرع فَرَعًا في الجاهلية، فما تأمرنا؟ فقال: في كل سائمة فَرَعٌ، تغذوه ماشيتك، حتى إذا استَحْمَل ذبحته، فتصدقت بلحمه»، رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة، قال ابن المنذر: هو حديث صحيح، قال أبو قلابة أحد رواة هذا الحديث: السائمة مائة. وروى البيهقيّ بإسناده الصحيح، عن عائشة - ﵄ - قالت: «أمرنا رسول الله - ﷺ - بالفَرَعة من كل خمسين واحدة»، وفي رواية: من كل خمسين شاةً شاةٌ، قال ابن المنذر: حديث عائشة صحيح. وفي سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال الراوي: أُراه عن جدّه، قال: «سئل النبيّ - ﷺ - عن الْفَرَع، قال: الفرع حقّ، وأن تتركوه حتى يكون بَكْرًا، أو ابن مَخَاض، أو ابن لَبُون، فتعطيه أرملة، أو تَحْمِل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه، فيلزق لحمه بوَبَره، وتَكْفأ إناؤك، وتُولَّه ناقتك»، قال أبو عبيد في تفسير هذا الحديث: قال النبيّ - ﷺ -: «الفَرَعُ حَقٌّ»، ولكنهم كانوا يذبحونه حين يولد، ولا شبع فيه، ولهذا قال: «تذبحه، فيلزَق لحمه بوَبَره»، وفيه أن ذهاب ولدها يدفع لبنها، ولهذا قال: «خير من أن تكفأ»؛ يعني: إذا فعلت ذلك، فكأنك كفأت إناءك، وأَرَقته، وأشار به إلى ذهاب اللبن، وفيه أنه يَفْجَعها بولدها، ولهذا قال: «وتُوَلِّهَ ناقتك»، فأشار بتركه حتى يكون ابن مخاض، وهو ابن سنة، ثم يذهب، وقد طاب لحمه، واستمتع بلبن أمه، ولا يشُقّ عليها مفارقته؛ لأنه استغنى عنها، هذا كلام أبي عبيد. ورَوَى البيهقيّ بإسناده عن الحارث بن عَمْرو، قال: أتيت النبيّ - ﷺ - بعرفات، أو قال: بمنى، وسأله رجل عن العتيرة، فقال: «مَن شاء عَتَرَ، ومن شاء لم يَعْتِرْ، ومن شاء فَرَّع ، ومن شاء لم يُفَرِّع» . وعن أبي رَزِين قال: يا رسول الله إنا كنا نذبح في الجاهلية ذبائح في رجب، فنأكل منها، ونطعم، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا بأس بذلك». وعن أبي رَمْلة، عن مِخْنف بن سُليم، قال: كنا وُقُوفًا مع رسول الله - ﷺ - بعرفات، فسمعته يقول: «يا أيها الناس إن على أهل كل بيت في كل عام أضحيةً، وعتيرةً، هل تدري ما العتيرة؟ هي التي تسمى الرجبية»، رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، قال الترمذيّ: حديث حسن. وقال الخطابيّ: هذا الحديث ضعيف المخرج؛ لأن أبا رملة مجهول، هذا مختصر ما جاء من الأحاديث في الفرع والعتيرة. قال الشافعيّ - ﵀ -: الفرع شيء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في أموالهم، فكان أحدهم يذبح بِكْر ناقته، أو شاته، فلا يغذوه رجاء البركة فيما يأتي بعده، فسألوا النبيّ - ﷺ - عنه، فقال: «فَرَّعوا إن شئتم»؛ أي: اذبحوا إن شئتم، وكانوا يسألونه عما كانوا يصنعونه في الجاهلية؛ خوفًا أن يُكْرَه في الإسلام، فأعلمهم أنه لا كراهة عليهم فيه، وأمرهم استحبابًا أن يغذوه، ثم يُحْمَل عليه في سبيل الله. قال الشافعيّ: وقوله - ﷺ -: «الفَرَعُ حَقٌّ»؛ معناه: ليس بباطل، وهو كلام عربيّ خرج على جواب السائل، قال: وقوله - ﷺ -: «لا فَرَعَ، ولا عَتِيرة»؛ أي: لا فرع واجب، ولا عتيرة واجبة، قال: والحديث الآخر يدلّ على هذا المعنى، فإنه أباح له الذبح، واختار له أن يعطيه أرملة، أو يَحْمِل عليه في سبيل الله، قال: وقوله - ﷺ - في العتيرة: «اذبحوا لله في أيِّ شهر كان»؛ أي: اذبحوا إن شئتم، واجعلوا الذبح لله في أيّ شهر كان، لا أنها في رجب دون غيره من الشهور. قال النووي: والصحيح عند أصحابنا، وهو نصّ الشافعيّ استحباب الفَرَع، والعَتِيرة، وأجابوا عن حديث: «لا فَرَعَ، ولا عَتِيرة» بثلاثة أوجه: [أحدها]: جواب الشافعيّ السابق، أن المراد نفي الوجوب. [والثاني]: أن المراد نفي ما كانوا يذبحون لأصنامهم. [والثالث]: أنهما ليسا كالأضحية في الاستحباب، أو في ثواب إراقة الدم، فأما تفرقة اللحم على المساكين، فَبِرّ، وصدقة، وقد نَصّ الشافعيّ في «سنن حرملة» أنها إن تيسَّرت كلَّ شهر كان حسنًا، هذا تلخيص حُكمها في مذهبنا، وادَّعَى القاضي عياض أن جماهير العلماء على نَسْخ الأمر بالفَرَع، والعتيرة، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال في «الفتح»: واستنبط الشافعي منه - أي: من حديث: «لا فَرَع ولا عَتِيرة» - الجوازَ إذا كان الذبح لله؛ جمعًا بينه وبين حديث: «الفَرَعُ حَقٌّ»، وهو حديث أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والحاكم، من رواية داود بن قيس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو، كذا في رواية الحاكم: «سئل رسول الله - ﷺ - عن الفَرَع، قال: الفَرَع حقّ، وأن تتركه حتى يكون بنت مخاض، أو ابن لبون، فتَحْمِل عليه في سبيل الله، أو تعطيه أرملة خير من أن تذبحه، يلصق لحمه بوبره، وتُوَلِّه ناقتك». وللحاكم من طريق عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة من قوله: «الفرعة حقّ، ولا تذبحها، وهي تلصق في يدك، ولكن أمْكِنها من اللبن حتى إذا كانت من خيار المال، فاذبحها». قال الشافعيّ فيما نقله البيهقي من طريق المزنيّ عنه: الفرَع شيء كان أهل الجاهلية يذبحونه، يطلبون به البركة في أموالهم، فكان أحدهم يذبح بِكْر ناقته، أو شاته؛ رجاء البركة فيما يأتي بعده، فسألوا النبيّ - ﷺ - عن حُكْمها، فأعلمهم أنه لا كراهة عليهم فيه، وأمرهم استحبابًا أن يتركوه حتى يُحْمَل عليه في سبيل الله. وقوله: «حَقّ»؛ أي: ليس بباطل، وهو كلام خرج على جواب السائل، ولا مخالفة بينه وبين حديثه الآخر: «لا فَرَعَ، ولا عَتِيرة»، فإن معناه: لا فرع واجب، ولا عتيرة واجبة، وقال غيره: معنى قوله: «لا فَرَعَ، ولا عَتِيرة»؛ أي: ليسا في تأكد الاستحباب كالأضحية، والأول أولى. وقال النوويّ : نَصّ الشافعيّ في حرملة على أن الفَرَع والعتيرة مستحبان، ويؤيِّده ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وصححه الحاكم، وابن المنذر، عن نُبيشة - بنون، وموحدة، ومعجمة، مصغرًا - قال: نادى رجل رسول الله - ﷺ -: إنا كنا نَعْتِر عَتِيرةً في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: «اذبحوا لله، في أيّ شهر كان»، قال: إنا كنا نَفْرع في الجاهلية؟ قال: «في كل سائمة فَرَعٌ، تغذوه ماشيتك، حتى إذا استَحْمَل ذبحته، فتصدقت بلحمه، فإن ذلك خير»، وفي رواية أبي داود، عن أبي قلابة: السائمة مائة. ففي هذا الحديث أنه - ﷺ - لم يبطل الفَرَع والعتيرة من أصلهما، وإنما أبطل صفةً من كلّ منهما، فمن الفَرَع كونه يذبح أول ما يولد، ومن الْعَتِيرة خصوص الذبح في شهر رجب. وأما الحديث الذي أخرجه أصحاب «السنن» من طريق أبي رَمْلة، عن مِخْنف بن سُليم، قال: كنا وقوفًا مع النبيّ - ﷺ - بعرفة، فسمعته يقول: «يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحيةٌ، وعتيرةٌ، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي يسمونها الرجبية»، فقد ضعّفه الخطابيّ لكن حسّنه الترمذيّ. وجاء من وجه آخر عن عبد الرزاق، عن مِخْنف بن سُليم، ويمكن رَدّه إلى ما حُمِل عليه حديث نُبيشة. ورَوَى النسائيّ، وصححه الحاكم، من حديث الحارث بن عمرو، أنه لقي رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، فقال رجل: يا رسول الله العتائر، والفرائع، قال:»من شاء عَتَرَ، ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فَرَّع، ومن شاء لم يُفَرِّع«، وهذا صريح في عدم الوجوب، لكن لا ينفي الاستحباب، ولا يُثبته، فيؤخذ الاستحباب من حديث آخر. وقد أخرج أبو داود من حديث أبي العُشَراء، عن أبيه، أن النبيّ - ﷺ - سئل عن العتيرة، فحسَّنها. وأخرج أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، من طريق وَكِيع بن عُدُس، عن عمه أبي رَزِين العُقَيليّ قال: قلت: يا رسول الله إنا كنا نذبح ذبائح في رجب، فنأكل، ونطعم من جاءنا؟، فقال:»لا بأس به»، قال وكيع بن عُدُس: فلا أَدَعُه. وجزم أبو عبيد بأن العتيرة تُستحب، وفي هذا تعقّب على من قال: إن ابن سيرين تفرد بذلك، ونَقَل الطحاويّ عن ابن عون أنه كان يفعله، ومال ابن المنذر إلى هذا، وقال: كانت العرب تفعلهما، وفَعَلهما بعض أهل الإسلام بالإذن، ثم نَهَى عنهما، والنهي لا يكون إلا عن شيء كان يُفْعَلُ، وما قال أحد: إنه نهَى عنهما، ثم أَذِن في فعلهما، ثم نَقَل عن العلماء تَرْكهما إلا ابن سيرين، وكذا ذكر عياض أن الجمهور على النَّسخ، وبه جزم الحازميّ، وما تقدم نَقْله عن الشافعيّ يَرُدّ عليهم. وقد أخرج أبو داود، والحاكم، والبيهقيّ، واللفظ له، بسند صحيح، عن عائشة - ﵄ -: «أمرنا رسول الله - ﷺ - بالفَرَعَة في كل خمسين واحدة». انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحث نفيسٌ. وقال العلّامة الشوكانيّ - ﵀ -: أحاديث الباب يدلّ بعضها على وجوب العَتيرة والفرَع، وهو حديث مِخنَف، وحديث نُبيشة، وحديث عائشة، وحديث عمرو بن شُعيب، وبعضها يدلّ على مجرّد الجواز من غير وجوب، وهو حديث الحارث بن عمرو، وأبي رَزين، فيكون هذان الحديثان كالقرينة الصارفة للأحاديث المقتضية للوجوب إلى الندب. وقد اختُلف في الجمع بين الأحاديث المذكورة، والأحاديث القاضية بالمنع من الفرَع والعَتيرة، فقيل: إنه يُجمع بينها بحمل أحاديث الجواز على الندب، وحمل أحاديث المنع على عدم الوجوب، ذكر ذلك جماعة، منهم: الشافعيّ، والبيهقيّ، وغيرهما، فيكون المراد بقوله: «لا فرَع، ولا عَتِيرة»؛ أي: لا فرَع واجب، ولا عَتِيرة واجبةٌ، وهذا لا بدّ منه، مع عدم العلم بالتاريخ؛ لأن المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع لا يجوز، كما تقرّر في موضعه. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أحاديث الجواز منسوخة بأحاديث المنع، وادّعى القاضي عياضٌ أن جماهير العلماء على ذلك، ولكنّه لا يجوز الجزم به إلا بعد ثبوت أنها متأخرة، ولم يثبت. وقال أيضًا عند شرح حديث: «لا فرَع، ولا عتيرة» ما حاصله: وقد استدلّ بهذا من قال: إن الفرع والعتيرة منسوخان، وقد عرفت أن النَّسخ لا يتمّ إلا بعد معرفة تأخّر تاريخ ما قيل: إنه ناسخٌ، فأعدل الأقوال الجمع بين الأحاديث بما سلف، ولا يعكُر على ذلك رواية النهي؛ لأن معنى النهي الحقيقيّ، وإن كان هو التحريم، لكن إذا وُجدت قرينة أخرجته عن ذلك. ويمكن أن يُجعل النهي موجّهًا إلى ما كانوا يذبحونه لأصنامهم، فيكون على حقيقته، ويكون غير متناول لِمَا ذُبح من الفرع، والعتيرة لغير ذلك، مما فيه وجه قربة. وقد قيل: إن المراد بالنفي المذكور نفي مساواتهما للأضحية في الثواب، أو تأكّد الاستحباب. وقد استدلّ الشافعيّ بما روي عنه - ﷺ - أنه قال: «اذبحوا لله في أيّ شهر كان» على مشروعيّة الذبح في كلّ شهر إن أمكن، قال في «سنن حرملة»: إنها إن تيسّرت كلّ شهر كان حسنًا .. انتهى كلام الشوكانيّ - ﵀ - ببعض تصرّف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ - ﵀ - تحقيق نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن يُجمع بين حديث: «لا فرع، ولا عَتيرة» وأحاديث الأمر بالفرع والعتيرة، بأن الأمر للندب، والنفي محمول على نفي الوجوب، أو أن النفي محمول على الفَرَع والعتيرة التي كانت على صفة الجاهليّة، مِنْ ذَبْحها
مصادر المؤلف (١٠)

١. «الفتح» ١٢/ ٤١٦، كتاب «العقيقة» رقم (٥٤٧٤).

٢. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٣٥ - ١٣٦.

٣. وقع في النسخة: «ابن داود»، والظاهر أنه تصحيف.

٤. «الفتح» ١٢/ ٤١٤، كتاب «العقيقة» رقم (٥٤٧٤).

٥. عبارة «القاموس» تقتضي أن فرّع بتشديد الراء، من التفريع، فتنبّه.

٦. رواه أحمد، والنسائيّ، وهو ضعيف؛ لجهالة بعض رواته، راجع: «شرحي على النسائيّ» جـ ٣٢ ص ٣٩٢ - ٣٩٣.

٧. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٣٦ - ١٣٧.

٨. «المجموع شرح المهذّب» ٨/ ٤٢٨، وشرح مسلم«١٣/ ١٣٦.

٩. »معالم السنن«٢/ ١٩٥.

١٠. «الفتح» ١٢/ ٤١٤ - ٤١٦، كتاب «العقيقة» رقم (٥٤٧٤).