HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٨٠

حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ). أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ، يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فِي بَيْتِ أَبِي طلحة. وما شرابهم إلا الفضيح: الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ. فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي. فَقَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ. فَخَرَجْتُ فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ. فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَاهْرِقْهَا. فَهَرَقْتُهَا. فَقَالُوا (أَوَ قَالَ بَعْضُهُمْ): قُتِلَ فُلَانٌ. قُتِلَ فُلَانٌ. وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. (قَالَ فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وآمنوا وعملوا الصالحات﴾ [٥/ المائدة/ ٩٣].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص87
ج ٣ ص ١٥٧٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٧٧
[٥٤٧] و(الفَضِيحُ) : رُطَب يُشدَخ ويُنبَذ، يقال: فَضَحْت الرُّطَبَة وغيرَها: إذا شَدَختُه، وتَفَضَّخ الشيء: انشقّ، وقوله: (فَأَكفَأَنَاهَا)؛ لغة، ومعناه: قلبناها. ومن باب النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٥٣١
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٣] (١٩٨٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زيدٍ - أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ؛ كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ، الْبُسْرُ، وَالتَّمْرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، فَقَالَ: اخْرُجْ، فَانْظُرْ، فَخَرَجْتُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَة، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَهَرَقْتُهَا، فَقَالُوا، أَو قَالَ بَعْضُهُمْ: قُتِلَ فُلَانٌ، قُتِلَ فُلَانٌ، وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ - قَالَ: فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ) تقدّم قريبًا. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ البصريّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٤ - (أنسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير - ﵁ -، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كالأسانيد الثلاثة التالية، وهو (٣٦٧) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالبصريين، وفيه ثابت لزم أنسًا - ﵁ - أربعين سنةً، وفيه أنس بن مالك - ﵁ - الخادم الشهير، وأحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة. شرح الحديث: (عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: كنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ) وفي الرواية التالية: «إني لقائم أسقيها أبا طلحة، وأبا أيّوب، ورجالًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - في بيتنا»، وفي الرواية الثالثة: «إني لقائم على الحيّ، على عُمومتي، أسقيهم من فضيخ لهم»، وفي الرواية الرابعة: «كنت قائمًا على الحيّ أسقيهم»، وفي الرواية الخامسة: «كنت أسقي أبا طلحة، وأبا دُجانة، ومعاذ بن جبل في رهط من الأنصار»، وفي الرواية السادسة: «إني لأسقي أبا طلحة، وأبا دُجانة، وسُهيل بن بيضاء من مزادة فيها خليط بُسْر وتمر»، وفي الرواية السابعة: «كنت أسقي أبا عُبيدة بن الجرّاح، وأبا طلحة، وأُبيّ بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر». (يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ) ببناء الفعل للمفعول، والظرف متعلّق بـ «كنت»، أو بـ «ساقي»، وكذا قوله: (في بَيْتِ أَبِي طلْحَةَ) وهو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ النجّاري - ﵁ -، تقدّمت ترجمته قريبًا. (وَمَا شَرَابُهُمْ)؛ أي: شراب الصحابة الذين سقاهم أنس، وغيرهم (إِلَّا الْفَضِيخُ) - بفتح الفاء، وكسر الضاد المعجمة، آخره خاء معجمة - بوزن عظيم: شراب يُتّخذ من البُسر المفضوخ؛ أي: المكسور، ومراد أنس - ﵁ - أن الفضيخ هو محل الآية، فتناوُل الآية له أولى، وقوله: (الْبُسْرُ، وَالتَّمْرُ) بدل من الفضيخ، وقال النوويّ: قال إبراهيم الحربيّ: الْفَضِيخ أن يَفْضُخَ الْبُسْر، ويَصُبّ عليه الماءَ، وَيَتركه حتى يَغْلِيَ، وقال أبو عُبيد: هو ما فُضِخ من الْبُسْر من غير أن يمسّه نار، فإن كان معه تمر فهو خليط. انتهى . وفي رواية للبخاريّ: «من فضيخ زَهْوٍ وتمرٍ»، فقال في «الفتح»: قوله: «من فَضِيخِ زَهْوٍ، وتمر» أما الفَضِيخ فهو بفاء، وضاد معجمتين، وزن عظيم: اسم للبسر إذا شُدِخ، ونُبِذ، وأما الزَّهْوُ فبفتح الزاي، وسكون الهاء، بعدها واو، وهو البُسر الذي يَحْمَرّ، أو يَصْفَرّ قبل أن يترطّب، وقد يُطلق الفضيخ على خليط البسر والرطب، كما يُطلق على خليط البسر والتمر، وكما يُطلق على البسر وحده، وعلى التمر وحده، وسيأتي عند مسلم من طريق قتادة، عن أنس: «أسقيهم من مَزادة، فيها خليط بسر وتمر»، وعند أحمد من طريق قتادة، عن أنس: «وما خمرهم يومئذ إلا البسر والتمر مخلوطين» . (فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي) لا يُعرف اسمه ، وفي رواية: «فأتاهم آتٍ، فقال: إن الخمر حرّمت»، وفي رواية للبخاريّ: «فجاءهم آت»، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ووقع في رواية حميد، عن أنس عند أحمد بعد قوله: «أسقيهم»: «حتى كاد الشراب يأخذ فيهم»، ولابن مردويه: «حتى أسرعت فيهم»، ولابن أبي عاصم: «حتى مالت رؤوسهم، فدخل داخل»، وفي رواية عند البخاريّ أيضًا: «فأمر رسول الله - ﷺ - مناديًا، فنادى»، وفي رواية عنده: «إذ جاء رجل، فقال: هل بلغكم الخبر؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: قد حُرِّمت الخمر». قال في «الفتح»: وهذا الرجل يَحْتَمِل أن يكون هو المنادي، ويَحْتَمِل أن يكون غيره، سمع المنادي، فدخل إليهم، فأخبرهم. وقد أخرج ابن مردويه، من طريق بكر بن عبد الله، عن أنس: «قال: لَمّا حُرِّمت الخمر، وحلف على أناس من أصحابي، وهي بين أيديهم، فضربتها برجلي، وقلت: نزل تحريم الخمر»، فَيَحْتَمِل أن يكون أنس خرج، فاستخبر الرجل، لكن أخرجه من وجه آخر أن الرجل قام على الباب، فذكر لهم تحريمها، ومن وجه آخر: «أتانا فلان من عند نبيّنا، فقال: قد حُرِّمت الخمر، قلنا: ما تقول؟ فقال: سمعته من النبيّ - ﷺ - الساعةَ، ومن عنده أتيتكم». انتهى . (فَقَالَ) أبو طلحة لأنس (اخْرُجْ) من البيت (فَانْظُرْ) وفي رواية: «فقال أبو طلحة: اخرج، فانظر ما هذا الصوت؟»، (فَخَرَجْتُ، فَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني (مُنَادٍ) هو منادي النبيّ - ﷺ - أمره بذلك، (يُنَادِي: ألَا) أداة استفتاح وتنبيه، (إِن الْخَمْرَ) بكسر همزة «إن» لوقوعها في الابتداء، كما قال في «الخلاصة»: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ «إِنَّ» لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ (قَدْ حُرِّمَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: نزل تحريمها. [تنبيه]: قال في «الفتح» في رواية عبد العزيز بن صهيب: «أن رجلًا أخبرهم أن الخمر حُرِّمت، فقالوا: أَرِقْ يا أنس»، وفي رواية ثابت، عن أنس: «أنهم سمعوا المنادي، فقال أبو طلحة: اخرج يا أنس، فانظر ما هذا الصوت؟»، وظاهرهما التعارض؛ لأن الأول يُشعر بأن المنادي بذلك شافههم، والثاني يُشعر بأن الذي نقل لهم ذلك غير أنس، فنقل ابن التين عن الداوديّ أنه قال: لا اختلاف بين الروايتين؛ لأن الآتي أخبر أنسًا، وأنس أخبر القوم، وتعقبه ابن التين بأن نصّ الرواية الأولى أن الآتي أخبر القوم مشافهة بذلك. قال الحافظ: فيمكن الجمع بوجه آخر، وهو أن المنادي غير الذي أخبرهم، أو أن أنسًا لمّا أخبرهم عن المنادي جاء المنادي أيضًا في أثره، فشافههم. انتهى ، وهو بحث حسنٌ مفيد، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أنس (فَجَرَتْ) الخمر المصبوبة (فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ)؛ أي: طُرُقها، وهي بكسر السين، وفتح الكاف: جمع سِكّة، مثلُ سِدْرة وسِدَر، وهي الزُّقاق، وهي أيضًا الطريق المصطفّة من النخل، والسّكة أيضًا: حديدة منقوشة تُطبع فيها الدراهم والدنانير، أفاده الفيّوميّ ، والمناسب هنا المعنى الأول. قال في «الفتح»: وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتى جرت في الأزقة من كثرتها، قال القرطبيّ: تمسّك بهذه الزيادة بعدُ من قال: إن الخمر المتخذة من غير العنب ليست نجسةً؛ لأنه - ﷺ - نَهَى عن التخلي في الطرق، فلو كانت نجسة ما أقرّهم على إراقتها في الطرقات، حتى تجري. والجواب أن القصد بالإراقة كان لإشاعة تحريمها، فإذا اشتهر ذلك كان أبلغ، فيُحْتَمَل أخف المفسدتين لحصول المصلحة العظيمة الحاصلة من الاشتهار، ويَحْتَمِل أنها إنما أريقت في الطرق المنحدرة بحيث تنصب إلى الأسربة، والحشوش، أو الأودية، فتُستهلك فيها، ويؤيّده ما أخرجه ابن مردويه من حديث جابر بسند جيّد في قصة صبّ الخمر، قال: «فانصبّت حتى استنقعت في بطن الوادي»، والتمسّك بعموم الأمر باجتنابها كافٍ في القول بنجاستها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بنجاسة الخمر محلّ نظر، سيأتي تحقيقه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. قال أنس: (فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا) أصله فَأَرِقْها، فالهاء زائدة، وقوله: (فَهَرَقْتُهَا) أصله أيضًا أرقتها، فأُبدلت الهمزة هاء، قال الفيّوميّ ﵀: رَاقَ الماءُ والدمُ وغيره رَيْقًا، من باب باع: انصبّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَرَاقَهُ صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتبدل الهمزة هاء، فيقال: هَرَاقَهُ، والأصل هَرْيَقَهُ، وِزانُ دَحْرَجَهُ، ولهذا تُفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقه، كما تُفْتح الدالُ من يُدَحْرجه، وتُفتح من الفاعل، والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ … فَهْلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلٍ والأمر: هَرِقْ ماءك، والأصل: هَرْيِقْ وزانُ دَحْرِج، وقد يُجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَة يُهْرِيقُهُ ساكن الهاء؛ تشبيهًا له بأَسْطَاع يُسْطيع، كأن الهمزة زيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا، ودعا بذَنُوب، فَأُهْرِقَ ساكن الهاء، وفي «التهذيب»: من قال: أَهْرَقْتُ فهو خطأ في القياس، ومنهم من يجعل الهاء كأنها أصل، ويقول: هَرَقْتُهُ هَرْقًا، من باب نفع، وفي الحديث: «إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ» بالبناء للمفعول، والدماءَ نُصِب على التمييز، ويجوز الرفع على إسناد الفعل إليها، والأصل: تُهْرَاقُ دماؤها، لكن جُعلت الألف واللام بدلًا عن الإضافة، كقوله تعالى: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نكاحها. انتهى . وهذا البحث بكامله قد تقدّم في «كتاب الطهارة»، وإنما أعدته؛ لطول العهد به، فتنبَّه، وبالله تعالى التوفيق. ووقع في رواية بلفظ: «فَأَرِقْها»، ورواية: «فقالوا: أَرِق هذه القلال يا أنس»، وهو محمول على أن المخاطِب له بذلك أبو طلحة، ورَضِي الباقون بذلك، فنُسب الأمرُ بالإراقة إليهم جميعًا. ووقع في رواية بلفظ: «أكفئها» بكسر الفاء مهموزًا بمعنى: أَرِقْها، وأصل الإكفاء الإمالة. وفي رواية مالك، عن إسحاق الآتية: «قال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرّة، فاكسرها، فقمت إلى مِهْرَاس لنا، فضربتها بأسفله، حتى انكسرت». قال في «الفتح»: وهذا لا ينافي الروايات الأخرى، بل يُجمع بأنه أراقها، وكَسَر أوانيها، أو أراق بعضًا، وكَسَر بعضًا. وقد ذكر ابن عبد البرّ إن إسحاق بن أبي طلحة تفرّد عن أنس بذكر الكسر، وأن ثابتًا، وعبد العزيز بن صهيب، وحميدًا، وعَدّ جماعة من الثقات رووا الحديث بتمامه، عن أنس، منهم من طوّله، ومنهم من اختصره، فلم يذكروا إلا إراقتها. والْمِهْراس بكسر الميم، وسكون الهاء، وآخره مهملة: إناء يُتَّخَذ من صخر، ويُنقر، وقد يكون كبيرًا كالحوض، وقد يكون صغيرًا بحيث يتأتى الكسر به، وكأنه لم يحضره ما يكسر به غيره، أو كسر بآلة المهراس التي يُدَقّ بها فيه، كالهاوَن، فأَطْلق اسمه عليها مجازًا. ووقع في رواية حميد عن أنس، عند أحمد: «فوالله ما قالوا: حتى ننظر، ونسأل»، وفي رواية عبد العزيز بن صهيب عند البخاريّ في «التفسير»: «فوالله ما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرجل». انتهى . (فَقَالُوا)؛ أي: الناس الذين في بيت أبي طلحة، (أَو قَالَ بَعْضُهُمْ) «أو» هنا للشك من الراوي، ولا يُعرف اسم القائلين، ولا القائل، كما قاله في «الفتح». (قُتِلَ فُلَانٌ، قُتِلَ فُلَانٌ، وَهِيَ)؛ أي: الخمر (فِي بُطُونِهِمْ - قَالَ) القائل هو حمّاد بن زيد، ففي رواية الإسماعيليّ، قال حماد: فلا أدري هذا في الحديث؛ أي: عن أنس، أو قاله ثابت؛ أي: مرسلًا؛ يعني: قوله: «فقال بعض القوم» إلى آخر الحديث، ووقع للبخاريّ في «المظالم» عن أنس بطوله، من طريق عفّان عن حماد، كما وقع عنده في «التفسير»، فالله أعلم، وأخرجه ابن مردويه من طريق قتادة، عن أنس بطوله، وفيه الزيادة المذكورة، أفاده في «الفتح» . (فَلَا أَدْرِي هُوَ)؛ أي: قوله: «فقال بعض القوم … إلخ» (مِنْ حَدِيثِ أنسٍ - فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وروى النسائيّ، والبيهقيّ من طريق ابن عباس، قال: «نزل تحريم الخمر في ناس شربوا، فلما ثَمِلوا عَبَثُوا، فلما صَحوا جعل بعضهم يَرَى الأثر بوجه الآخر، فنزلت، فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان، وقد قُتل بأحد، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ إلى آخرها. ورَوَى البزار من حديث جابر: أن الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود. وروى أصحاب«السنن »من طريق أبي ميسرة، عن عُمَر أنه قال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في«البقرة»: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فقرئت عليه، فقال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت التي في النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فقرئت عليه، فقال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت التي في المائدة: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿مُنْتَهُونَ﴾، فقال عمر: انتهينا، انتهينا. وصححه عليّ بن المدينيّ، والترمذيّ. وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة نحوه، دون قصّة عمر، لكن قال عند نزول آية «البقرة»: فقال الناس: ما حُرِّم علينا، فكانوا يشربون، حتى أَمّ رجل أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فنزلت الآية التي في «النساء»، فكانوا يشربون، ولا يقرب الرجل الصلاة حتى يُفيق، ثم نزلت آية «المائدة»، فقالوا: يا رسول الله ناسٌ قُتلوا في سبيل الله، وماتوا على فُرُشهم، وكانوا يشربونها؟، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية، فقال النبيّ - ﷺ -: «لو حُرِّم عليهم لتركوه، كما تركتموه». وفي «مسند الطيالسيّ» من حديث ابن عمر نحوه، وقال: «في الآية الأولى: قيل: حُرِّمت الخمر، فقالوا: دعنا يا رسول الله ننتفع بها، وفي الثانية: فقيل: حُرِّمت الخمر، فقالوا: لا، إنا لا نشربها قُرب الصلاة، وقال في الثالثة: فقالوا: يا رسول الله حُرِّمت الخمر»، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «قال بعضهم: قُتِل فلان، قُتِل فلان، وهي في بطونهم» هذا القول أصدره عن قائله إما غلبةُ خوف، وشفقة، وإما غفلةٌ عن المعنى، وبيان ذلك أن الخمر كانت مباحة لهم، كما قد صحَّ أنهم كانوا يشربونها، والنبيّ - ﷺ - يُقرّهم عليها، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية [النساء: ٤٣]، ومَنْ فَعَل ما أُبيحَ له حتى مات على فعله لم يكن له، ولا عليه شيء، لا إثم، ولا مؤاخذة، ولا ذمٌّ، ولا أجر، ولا مدح، لأنَّ المباح مستوي الطرفين بالنسبة للشرع كما يُعرف في الأصول. وعلى هذا فما ينبغي أن يُتخوَّف، ولا يُسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإمَّا أن يكون ذلك القائل غَفَلَ عن دليل الإباحة، فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشَفَقته على إخوانه المؤمنين توهَّم مؤاخذةً، ومعاقبةً؛ لأجل شرب الخمر المتقدّم، فإنَّ الشفيقَ بسوءِ الظنِّ مولعٌ، فرفع الله ذلك التوهُّم بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]؛ أي: فيما شربوا، وهذا مثل قوله تعالى في نَهْر طالوت: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ أي: ومن لم يشربه، وأصل هذا اللفظ في الأكل، يُقال: طَعِمَ الطَّعام، وشَرِب الشراب، لكن قد تجوَّز في ذلك، وأحسن ما قيل في الآية: إن معنى قوله: ﴿طَعِمُوا﴾: شربوا الخمر قبل تحريمها، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ شُرْبها بعده، ﴿وَآمَنُوا﴾ بتحريمها، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: التي تَصدُّ عنها، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ داوموا على اجتنابها، ﴿وَآمَنُوا﴾: بالوعيد عليها، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ سوء التأويل في تحريمها، ﴿وَأَحْسَنُوا﴾، في اجتنابها مراقبةً لله، وقيل: إنَّ تكرار الاتّقاء في مقابلة دواعي النفس، وتكرار الإيمان تذكير بتحريمها، وتشديد الوعيد فيها، و«الْجُناح»: الإثم، والمؤاخذة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث حسن جدًّا، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [١/ ٥١٢٣ و٥١٢٤ و٥١٢٥ و٥١٢٦ و٥١٢٧ و٥١٢٨] (١٩٨٠)، و(البخاريّ) في «المظالم» (٢٤٦٤) و«التفسير» (٤٦١٧ و٤٦٢٠) و«الأشربة» (٥٥٨٠ و٥٥٨٢ و٥٥٨٣ و٥٥٨٤ و٥٦٢٢) و«أخبار الآحاد» (٧٢٥٣) و«الأدب المفرد» (١٢٤١)، و(أبو داود) في «الأشربة» (٣٦٧٣)، و(النسائيّ) في «الأشربة» (٨/ ٢٨٧) و«الكبرى» (٣/ ٢٠٣ و٤/ ١٨٢)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٨٤٦ - ٨٤٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٨١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢١٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ٩٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٨٣ و١٨٩ - ١٩٠ و٢٢٧) وفي «كتاب الأشربة) (١٨)، و(ابن حبّان) في»صحيحه«(٥٣٥٢ و٥٣٦٢ و٥٣٦٣)، و(أبو عوانة) في»مسنده«(٥/ ٩٢ و٩٤)، و(الطحاويّ) في»شرح معاني الآثار«(٤/ ٢١٣)، و(أبو يعلى) في»مسنده«(٦/ ١٠١)، و(البغويّ) في»مسنده الجعد«(٣٣١٧)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(٨/ ٢٨٦)، و(البغويّ) في»شرح السُّنَّة« (٢٠٤٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): بيان وجوب قبول خبر الواحد، والعمل به في النَّسخ وغيره، وأن هذا كان معمولًا به عندهم، معلومًا لهم، ألَّا ترى أنهم لم يتوقفوا عند إخبار المُخبِر، بل بادروا إلى إتلاف الخمر، والامتناع مما كان مباحًا لهم . ٣ - (ومنها): أن نداء المنادي عن الأمير يتنزل في العمل به منزلة سماع قوله. ٤ - (ومنها): أن المحرَّم الأكل والشُّرب لا يُنتفع به، في شيء من الأشياء، لا من بيع، ولا من غيره. ٥ - (ومنها): بيان عدم مشروعية تخليل الخمر؛ لأنه أَبُو جاز لَمَا أراقوها، قال النوويّ ﵀: وفي هذه الأحاديث أنها لا تطهر بالتخليل، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وجوّزه أبو حنيفة، وفيه أنه لا يجوز إمساكها، وقد اتّفق عليه الجمهور، انتهى ، وسيأتي مزيد لذلك في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (ومنها): أن ابن حزم ﵀ استدل به على طهارة الخمر؛ لأن الصحابة - ﵃ - كان أكثرهم يمشي حافيًا، فما يصيب قدمه لا ينجس به. وتعقّبه العينيّ، فقال: هذه جراءة عظيمة؛ لأن القرآن أخبر بنجاستها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أقول: هذه هفوة عظيمة من العينيّ سامحه الله، فأين نصّ القرآن الكريم بنجاسة الخمر؟ إن لهو العجب العجاب، فإن أراد قوله تعالى - ومعلوم أنه لا يريد إلا إياه - ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، فهذا لا يدل على النجاسة أصلًا، فضلًا عن كونه نصًّا، فإن الآية ذكرت أربعة أشياء: الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، ثم قالت: ﴿رِجْسٌ﴾ فهل العينيّ يقول إن الأربعة كلها نجسة؟ فهذا ما لا يقوله هو، ولا غيره، فأين النص الذي زعمه؟ والحاصل أن ما قاله ابن حزم ﵀ قاله غيره من أهل العلم، كما سيأتي بيانه فلا جراءة منه، والله تعالى المستعان. ٧ - (ومنها): أنه يستحبّ لصغير السنّ خدمة الكبار، هذا إذا تساووا في الفضل، أو تقاربوا. ٨ - (ومنها): مشروعيّة كسر أواني الخمور، إذا كان فيه مصلحة، وإلا فيُجزي غسلها، قال النوويّ ﵀: وهذا الكسر - يعني: المذكور في حديث الباب - محمول على أنهم ظنوا أنه يجب كسرها، وإتلافها، كما يجب إتلاف الخمر، وإن لم يكن في نفس الأمر هذا واجبًا، فلما ظنوه كسروها، ولهذا لم يُنكر عليهم النبيّ - ﷺ -، وعَذَرهم؛ لعدم معرفتهم الحكم، وهو غسلها من غير كسر، وهكذا الحكم اليوم في أواني الخمر، وجميع ظروفه، سواء الفخّار، والزجاج، والنحاس، والحديد، والخشب، والجلود، فكلها تطهر بالغسل، ولا يجوز كسرها. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: وفيه كسر أواني الخمر، وعليه تُخَرَّج إحدى الروايتين عن مالك في كسرها؛ لِمَا داخلها من الخمر، ولعُسْر غسلها، وفي الأخرى: إذا طُبخ فيها الماء، وغُسلت جاز استعمالها، وعلى هذا فإذا كانت الأواني مضرَّاة بالخمر، لا يُنتفع بها لشيء من الأشياء؛ بل تُكسر على كل حال، ولذلك شدَّد مالك في الزِّقاق، فإنَّ تَعَلُّق الرائحة بها عَسِير الانفكاك، بل لا تنفك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بوجوب الكسر محلّ نظر، فإنه - ﷺ - ما أوجب عليهم، وما أمرهم به، ولكنهم فعلوه بأنفسهم، وقد تقدّم أنهم لمّا أمر النبيّ - ﷺ - في القدور التي طبخوا بها لحم الغنيمة قبل القسمة بكسرها، قالوا له: «أوْ نغسلها؟»، فقال: «أوْ ذلك»، فأجاز غسلها، وهذه المسألة نظيرها، فتأمل، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): بيان أن الشراب الذي أهريق، بسبب تحريم الخمر، هو ما كان من البسر والتمر، وغير ذلك. ١٠ - (ومنها): أن أحاديث الباب من أقوى الحجج على أن الخمر اسم جنس لكل ما يُسكر، سواء كان من العنب، أو من نقيع الزبيب، أو التمر، أو العسل، أو غيرهما، وأما دعوى بعضهم: أن الخمر حقيقة في ماء العنب، مَجاز في غيره، فإن سُلِّم في اللغة، لزم من قال به جواز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والكوفيون لا يقولون بذلك. انتهى. وأما من حيث الشرع، فالخمر حقيقة في الجميع؛ لثبوت حديث: «كُلُّ مسكر خمر»، فمن زعم بأنه جَمَع بين الحقيقة والمجاز في هذا اللفظ، لزم أن يجيزه، وهذا ما لا انفكاك لهم عنه. ١١ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن شرب الخمر كان مباحًا، لا إلى نهاية، ثم حُرّمت، وقيل: كان المباح الشرب، لا السكر المزيل للعقل، وحكاه أبو نصر بن القشيريّ في «تفسيره» عن القفّال، ونازعه فيه، وبالغ النوويّ في «شرحه» هنا، فقال: ما يقوله بعض من لا تحصيل عنده: إن السكر لم يزل محرمًا باطل، لا أصل له، وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ الآية [النساء: ٤٣]، فإن مقتضاه وجود السكر، حتى يصل إلى الحدّ المذكور، ونهوا عن الصلاة في تلك الحالة، لا في غيرها، فدل على أن ذلك كان واقعًا، ويؤيده قصّة حمزة، والشارِفَين كما بُيِّن في الحديث الماضي، وعلى هذا، فهل كانت مباحة بالأصل، أو بالشرع، ثم نُسخت؟ فيه قولان للعلماء: والراجح الأول. ١٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن المتَّخَذ من غير العنب، يسمى خمرًا. ١٣ - (ومنها): أنه استُدل به على أن السَّكَر المتخذ من غير العنب، يحرم شرب قليله كما يحرم شرب القليل من المتخذ من العنب، إذا أسكر كثيره؛ لأن الصحابة - ﵃ - فَهِموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم ما يُتخذ للسكر من جميع الأنواع، ولم يستفصلوا، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وخالف في ذلك الحنفية، ومن قال بقولهم من الكوفيين، فقالوا: يحرم المتخذ من العنب، قليلًا كان أو كثيرًا، إلا إذا طُبخ على تفصيل سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فإنه يَحِلُّ، وقد انعقد الإجماع على أن القليل من الخمر، المتخذ من العنب يحرم قليله وكثيره، وعلى أن العلة في تحريم قليله كونه يدعو إلى تناول كثيره، فيلزم ذلك من فرّق في الحكم بين المتخذ من العنب وبين المتخذ من غيرها، فقال في المتخذ من العنب: يحرم القليل منه والكثير، إلا إذا طُبخ كما سيأتي بيانه، وفي المتخذ من غيرها: لا يحرم منه إلا القدر الذي يُسْكِر، وما دونه لا يحرم، ففرّقوا بينهما بدعوى المغايرة في الاسم، مع اتحاد العلة فيهما، فإن كلّ ما قدِّر في المتخذ من العنب يقدَّر في المتخذ من غيرها. قال القرطبي ﵀: وهذا من أرفع أنواع القياس لمساواة الفرع فيه للأصل في جميع أوصافه، مع موافقته فيه؛ لظواهر النصوص الصحيحة، والله أعلم. قال الشافعيّ ﵀: قال لي بعض الناس: الخمر حرام، والسكر من كل شراب حرام، ولا يحرم المسكر منه حتى يُسكر، ولا يحدّ شاربها. فقلت: كيف خالفت ما جاء به عن النبيّ - ﷺ -، ثم عن عمر، ثم عن عليّ، ولم يقل أحد من الصحابة خلافه؟ قال: وروينا عن عمر، قلت: في سنده مجهول عنده فلا حجةٌ فيه، قال البيهقيّ: أشار إلى رواية سعيد بن ذي لعوة أنه شرب من سطيحة لعمر، فسكر فجلده عمر، قال: إنما شربت من سطيحتك، قال أضربك على السكر، وسعيد قال البخاري وغيره: لا يُعرف. قال: وقال بعضهم: سعيد بن ذي حدان، وهو غلط، ثم ذكر البيهقيّ الأحاديث التي جاءت في كسر النبيذ بالماء. منها: حديث همام بن الحارث، عن عمر، أنه كان في سفر، فأُتي بنبيذ، فشرب منه، فقَطَب، ثم قال: إن نبيذ الطائف له عُرام - بضم المهملة، وتخفيف الراء - أي: شِدَّة، ثم دعا بماء، فصبه عليه، ثم شرب، وسنده قويّ، وهو أصح شيء وَرَدَ في ذلك، وليس نصًّا في إنه بلغ حدّ الإسكار، فلو كان بلغ حدّ الإسكار، لم يكن صبّ الماء عليه مزيلًا لتحريمه. وقد اعترف الطحاويّ بذلك، فقال: أَبُو كان بلغ التحريم لكان لا يحلّ، ولو ذهبت شدته بصب الماء، فثبت أنه قبل أن يصب عليه الماء كان غير حرام. قال الحافظ: وإذا لم يبلغ حد الإسكار فلا خلاف في إباحة شرب قليله وكثيره، فدل على أن تقطيبه لأمر غير الإسكار، قال البيهقيّ: حَمْلُ هذه الأشربة على أنهم خَشُوا أن تتغير، فتشتد، فجوّزوا صب الماء فيها؛ ليمتنع الاشتداد أَولى من حَمْلِها على أنها كانت بلغت حد الإسكار، فكان صب الماء عليها لذلك؛ لأن مزجها بالماء لا يمنع إسكارها إذا كانت قد بلغت حد الإسكار. ويَحْتَمِل أن يكون سبب صب الماء كون ذلك الشراب، كان حَمْضَ، ولهذا قَطّب عمر لمّا شربه، فقد قال نافع: والله ما قطب عمر وجهه لأجل الإسكار حين ذاقه، ولكنه كان تخلل. وعن عتبة بن فرقد قال: كان النبيذ الذي شربه عمر قد تخلل، وهذا الثاني أخرجه النسائيّ بسند صحيح. وروى الأثرم عن الأوزاعيّ، وعن العمريّ، أن عمر إنما كسره بالماء؛ لشدة حلاوته. قال الحافظ: ويمكن الحمل على حالتين: هذه لفا لم يقطب حين ذاقه، وأما عندما قطب فكان لحموضته. واحتجّ الطحاوي لمذهبهم أيضًا بما أخرجه من طريق النخعيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود، في قوله: «كل مسكر حرام»، قال: هي الشربة التي تُسكر. وتُعُقّب بأنه ضعيف؛ لأنه تفرد به حجاج بن أرطاة، عن حماد بن أبي سليمان، عن النخعيّ، وحجاج ضعيف، وهو مدلس أيضًا. قال البيهقي: ذُكر هذا لعبد الله بن المبارك، فقال: هذا باطل، ورَوَى بسند له صحيحٍ، عن النخعيّ، قال: إذا سَكِر من شراب لم يحل أن يعود فيه أبدًا، وهذا أيضًا عند النسائيّ بسند صحيح، ثم رَوَى النسائيّ عن ابن المبارك قال: ما وجدت الرخصة فيه من وجه صحيح، إلا عن النخعيّ من قوله. وأخرج النسائيّ في «الكبرى»، والأثرم من طريق خالد بن سعد، عن أبي مسعود، قال: عطش النبيّ - ﷺ -، وهو يطوف، فأُتي بنبيذ من السقاية، فقطّب، فقيل: أحرام هو؟ قال: «لا، عليّ بذَنوب من ماء زمزم، فصبَّ عليه، وشرب»، قال الأثرم: احتجّ به الكوفيون لمذهبهم، ولا حجةٌ فيه؛ لأنهم متفقون على أن النبيذ إذا اشتدّ بغير طبخ، لا يحلّ شربه، فإن زعموا أن الذي شربه النبيّ - ﷺ - كان من هذا القبيل، فقد نسبوا إليه أنه شرب المُسْكِر، ومعاذ الله من ذلك، وإن زعموا أنه قطّب من حموضته، لم يكن لهم فيه حجةٌ؛ لأن النقيع ما لم يشتدّ، فكثيره وقليله حلال بالاتفاق. قال الحافظ: وقد ضعّف حديث أبي مسعود المذكور: النسائيّ، وأحمد، وعبد الرحمن بن مهديّ، وغيرهم؛ لتفرّد يحيى بن يمان برفعه، وهو ضعيف، ذكر هذا كلّه في «الفتح» ، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الرابعة): في بيان تحريم الخمر، وبيان ما هي الخمر؟: قال النوويّ ﵀: وفي هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة، وأنها كلها تسمى خمرًا، وسواء في ذلك الفَضِيخ، ونبيذ التمر، والرُّطَب، والْبُسْر، والزبيب، والشعير، والذُّرة، والعَسَل، وغيرها، وكلها محرّمة، وتسمى خمرًا. هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد، والجماهير من السلف والخلف. وقال قوم من أهل البصرة: إنما يحرم عصير العنب، ونقيع الزبيب النيء، فأما المطبوخ منهما، والنيء والمطبوخ مما سواهما، فحلال ما لم يشرب، ويَسْكَر. وقال أبو حنيفة: إنما يحرم عصير ثمرات النخل والعنب، قال، فسُلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها، إلا أن يُطبخ حتى ينقص ثلثاها، وأما نقيع التمر، والزبيب، فقال: يَحِلّ مطبوخهما، وإن مسته النار شيئًا قليلًا من غير اعتبار لحد، كما اعتُبر في سُلافة العنب، قال: والنيء منه حرام، قال: ولكنه لا يُحدّ شاربه، هذا كله ما لم يُسكِر، فإن أسكر فهو حرام بإجماع المسلمين. واحتجّ الجمهور بالقرآن، والسُّنَّة، أما القرآن فهو أن الله تعالى نبّه على أن علة تحريم الخمر كونها تصدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهذه العلة موجودة في جميع المسكرات، فوجب طرد الحكم في الجميع. [فإن قيل]: إنما يحصل هذا المعنى في الإسكار، وذلك مجمَع على تحريمه. [قلنا]: قد أجمعوا على تحريم عصير العنب، وإن لم يُسْكِر، وقد علَّل الله ﷾ تحريمه كما سبق، فإذا كان ما سواه في معناه وجب طرد الحكم في الجميع، ويكون التحريم للجنس المسكر، وعلَّل بما يحصل من الجنس في العادة، قال المازريّ: هذا الاستدلال آكد من كل ما يُسْتَدلّ به في هذه المسألة. قال: ولنا في الاستدلال طريق آخر، وهو أن نقول: إذا شرب سُلافة العنب عند اعتصارها، وهي حُلْوة لم تُسكر فهي حلال بالإجماع، وإن اشتدت، وأسكرت حرمت بالإجماع، فإن تخللت من غير تخليل آدميّ حلت، فنظرنا إلى مستبدل هذه الأحكام، وتجددها عند تجدد الصفات، وتبدلها، فأشعرنا ذلك بارتباط هذه الأحكام بهذه الصفة، وقام ذلك مقام التصريح بذلك بالنطق، فوجب جعل الجميع سواء في الحكم، وأن الإسكار هو علة التحريم، هذه إحدى الطريقتين في الاستدلال لمذهب الجمهور. والثانية الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي ذكرها مسلم وغيره، كقوله - ﷺ -: «كلُّ مسكر حرام»، وقوله: «نَهَى عن كلّ مسكر»، وحديث: «كلُّ مسكر خمر»، وحديث ابن عمر - ﵄ - الذي ذَكَره مسلم هنا في آخر «كتاب الأشربة»: أن رسول الله - ﷺ - قال: «كلُّ مسكر خمر، وكل مسكر حرام»، وفي رواية له: «كلّ مسكر خمر، وكل خمر حرام»، وحديث النهي عن كل مسكر أسكر عن الصلاة، والله أعلم. انتهى كلام النووي ﵀ . وقال الإمام البخاريّ ﵀: «باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب». ثم أخرج بسنده، عن ابن عمر - ﵄ - قال: خطب عمر على منبر رسول الله - ﷺ -، فقال: «إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمر ما خامر العقل …» الحديث. قال في «الفتح»: هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد، والأبواب في الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكم الرفع؛ لأنه خبر صحابيّ شهد التنزيل أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخرها [المائدة: ٩٠]، فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصًّا بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها، ويوافقه حديث أنس المذكور في الباب، فإنه يدلّ على أن الصحابة فَهِموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر، سواء كان من العنب أم من غيرها، وقد جاء هذا الذي قاله عمر، عن النبيّ - ﷺ - صريحًا، فأخرج أصحاب «السنن» الأربعة، وصححه ابن حبان من وجهين، عن الشعبيّ، أن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الخمر من العصير، والزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذّرَة ، وإني أنهاكم عن كل مسكر»، لفظ أبي داود، وكذا ابن حبان، وزاد فيه أن النعمان خطب الناس بالكوفة، ولأبي داود من وجه آخر عن الشعبيّ، عن النعمان، بلفظ: «إن من العنب خمرًا، وأن من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا، وإن من البُرّ خمرًا، وإن من الشعير خمرًا»، ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب «السنن»، والتي قبلها فيها الزبيب دون العسل. ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: «الخمر من العنب، والتمر، والعسل». ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: «الخمر من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذرة»، أخرجه أبو يعلى من هذا الوجه، بلفظ: «حُرِّمت الخمر يوم حُرِّمت، وهي …»، فذكرها، وزاد الذرة. وأخرج الخلعيّ في «فوائده» من طريق خلاد بن السائب عن أبيه، رَفَعه مثل الرواية الثانية، لكن ذكر الزبيب بدل الشعير، وسنده لا بأس به، ويوافق ذلك ما عند البخاريّ في «التفسير» من حديث ابن عمر - ﵄ -: «نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسةَ أشربة، ما فيها شراب العنب». وقوله: «والخمر ما خامر العقل»؛ أي: غَطّاه، أو خالطه فلم يتركه على حاله، وهو من مجاز التشبيه، والعقلُ هو آلة التمييز، فلذلك حُرِّم ما غطّاه، أو غَيَّره؛ لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده ليقوموا بحقوقه، قال الكرمانيّ: هذا تعريف بحَسَب اللغة، وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل، من عصير العنب خاصّة، كذا قال، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن عمر ليس في مقام تعريف اللغة، بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعيّ، فكأنه قال: الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع هو ما خامر العقل، على أن عند أهل اللغة اختلافًا في ذلك. ولو سُلِّم أن الخمر في اللغة يختص بالمتَّخَذ من العنب، فالاعتبار بالحقيقة الشرعية، وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب يسمى خمرًا، والحقيقة الشرعية مقدَّمة على اللغوية. وقد ثبت في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة»، قال البيهقيّ: ليس المراد الحصر فيهما؛ لأنه ثبتٌ أن الخمر تُتَّخذ من غيرهما في حديث عمر، وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعًا لا تختص بالمتخذ من العنب. قال الحافظ: وجعل الطحاويّ هذه الأحاديث متعارضة، وهي حديث أبي هريرة في أن الخمر من شيئين، مع حديث عمر، ومن وافقه أن الخمر تُتَّخذ من غيرهما، وكذا حديث ابن عمر: «لقد حُرّمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء»، وحديث أنس يعني حديث الباب باختلاف ألفاظه: منها: «إن الخمر حُرِّمت، وشرابهم الفضيخ»، وفي لفظ له: «وإنّا نَعُدّها يومئذ خمرًا»، وفي لفظ له: «إن الخمر يوم حُرِّمت البُسر والتمر»، قال: فلما اختلف الصحابة في ذلك، ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب إذا اشتدّ، وغلى، وقذف بالزبد فهو خمر، وأن مستحله كافر دلّ على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة؛ إذ لو عملوا به لكفَّروا مستحلّ نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر غير المتخذ من عصير العنب. انتهى. ولا يلزم من كونهم لم يكفّروا مستحلّ نبيذ التمر أن يمنعوا تسميته خمرًا، فقد يشترك الشيئان في التسمية، ويفترقان في بعض الأوصاف، مع أنه هو يوافق على أن حُكمَ المسكر من نبيذ التمر حُكمُ قليل العنب في التحريم، فلم تبق المشاححة إلا في التسمية. والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره بِحَمْل حديث أبي هريرة على الغالب؛ أي: أكثر ما يُتخذ الخمر من العنب والتمر، ويُحْمَل حديث عمر، ومن وافقه، على إرادة استيعاب ذِكر ما عُهد حينئذ أنه يُتخذ منه الخمر. وأما قول ابن عمر فعلى إرادة تثبيت أن الخمر يُطلق على ما لا يُتخذ من العنب؛ لأن نزول تحريم الخمر لم يصادف عند من خوطب بالتحريم حينئذ إلا ما يُتخذ من غير العنب، أو على إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجودها بالمدينة، وإن كانت موجودة فيها بقلّة، فإن تلك القلة بالنسبة لكثرة المتخذ مما عداها كالعدم. وقد قال الراغب في «مفردات القرآن»: سُمّي الخصر؛ لكونه خامرًا للعقل؛ أي: ساترًا له، وهو. عند بعض الناس اسم لكل مسكر، وعند بعضهم للمتَّخَذ من العنب خاصّةً، وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ، فرجّح أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرًا حقيقة، وكذا قال أبو نصر بن القشيريّ في «تفسيره»: سُمّيت الخصر خمرًا؛ لسترها العقل، أو لاختمارها، وكذا قال غير واحد من أهل اللغة، منهم أبو حنيفة الدِّينَوَرِيُّ، وأبو نصر الجوهريّ، ونُقِل عن ابن الأعرابيّ قال: سُمِّيت الخمر؛ لأنها تُرِكَت حتى اختَمَرت، واختمارها تغيّر رائحتها، وقيل: سُمّيت بذلك؛ لمخامرتها العقل. نعم جزم ابن سِيدَهْ في «المحكم» بأن الخمر حقيقةً إنما هي للعنب، وغيرها من المسكرات يُسَمَّى خمرًا مجازًا. وقال صاحب «الفائق» في حديث: «إياكم والغبيراء، فإنها خمر العالَم»: هي نبيذ الحبشة، متخذة من الذُّرة، سُمِّيت الغبيراء؛ لِمَا فيها من الْغَبَرة، وقوله: «خمر العالم»؛ أي: هي مثل خمر العالم، لا فرق بينها وبينها. قال الحافظ: وليس تأويله هذا بأَولى عن تأويل من قال: أراد أنها معظم خمر العالم. وقال صاحب «الهداية» من الحنفية: الخمر عندنا ما اعتُصِر من ماء العنب إذا اشتَدّ، وهو المعروف عند أهل اللغة، وأهل العلم، قال: وقيل: هو اسم لكل مُسْكِر؛ لقوله - ﷺ -: «كل مسكر خمر»، وقوله: «الخمر من هاتين الشجرتين»، ولأنه من مخامرة العقل، وذلك موجود في كل مسكر. قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولأن تحريم الخمر قطعيّ، وتحريم ما عدا المتخذ من العنب ظنيّ، قال: وإنما سُمّي الخمر خمرًا؛ لتخمّره، لا لمخامرة العقل، قال: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصًّا فيه، كما في «النجم»، فإنه مشتق من الظهور، ثم هو خاصّ بالثريا. انتهى. والجواب عن الحجة الأولى: ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمرًا، وقال الخطابيّ: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة - ﵃ - الذين سَمّوا غير المتخذ من العنب خمرًا عربٌ فصحاءُ، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحًا لَمَا أطلقوه. وقال ابن عبد البرّ: قال الكوفيون: إن الخمر من العنب؛ لقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، قال: فدل على أن الخمر هو ما يُعتصر، لا ما يُنتبذ، قال: ولا دليل فيه على الحصر، وقال أهل المدينة، وسائر الحجازيين، وأهل الحديث كلهم: كل مسكر خمر، وحُكمه حُكم ما اتُّخِذ من العنب. ومن الحجة لهم: أن القرآن لمَّا نزل بتحريم الخمر فَهِم الصحابة، وهم أهل اللسان أن كل شيء يسمى خمرًا يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر، والرطب، ولم يخصّوا ذلك بالمتخذ من العنب. وعلى تقدير التسليم، فإذا ثبتٌ تسمية كل مسكر خمرًا من الشرع، كان حقيقةً شرعيةً، وهي مقدَّمة على الحقيقة اللغوية. وعن الثانية: ما تقدَّم من أن اختلاف مشترِكَين في الحكم في الغِلَظ، لا يلزم منه افتراقهما في التسمية، كالزنا مثلًا، فإنه يصدق على من وطئ أجنبية، وعلى من وطئ امرأة جاره، والثاني أغلظ من الأول، وعلى من وطئ مَحْرَمًا له، وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل الثلاثة. وأيضًا فالأحكام الفرعية لا يُشترط فيها الأدلة القطعية، فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب، وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره، أن لا يكون حرامًا، بل يُحكم بتحريمه إذا ثبتٌ بطريق ظنيّ تحريمه، وكذا تسميته خمرًا، والله أعلم. وعن الثالثة: ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نفاه هو، وكيف يستجيز أن يقول: لا لمخامرة العقل، مع قول عمر بمحضر الصحابة - ﵃ -: الخمر ما خامر العقل؟ كأن مستنده ما ادّعاه من اتّفاق أهل اللغة، فيُحمَل قولُ عمر على المجاز، لكن اختَلَف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمرًا، فقال أبو بكر بن الأنباريّ: سُمِّيت الخمر خمرًا؛ لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه، قال: ومنه قولهم: خامره الداء؛ أي: خالطه، وقيل: لأنها تخمّر العقل؛ أي: تستره، ومنه حديث: «خَمِّروا آنيتكم»، ومنه خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول؛ لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية، وقيل: سُمّيت خمرًا؛ لأنها تُخَمَّر حتى تُدرِك، كما يقال: خَمَّرت العجينَ، فتخمَّر؛ أي: تركته حتى أدرك، ومنه خَمَّرت الرأي أي: تركته حتى ظهر، وتحرّر، وقيل: سُمِّيت خمرًا؛ لأنها تُغَطَّى حتى تَغْلِي، ومنه حديث المختار بن فلفل: قلت لأنس: الخمر من العنب، أو من غيرها؟ قال: ما خمَّرت من ذلك فهو الخمر، أخرجه ابن أبي شيبة، بسند صحيح، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها؛ لثبوتها عن أهل اللغة، وأهل المعرفة باللسان. قال ابن عبد البر: الأوجُهُ كلها موجودة في الخمرة؛ لأنها تُرِكت حتى أَدْرَكَتْ، وسَكَنَتْ، فإذا شُربت خالطت العقل، حتى تغلب عليه، وتغطيه. وقال القرطبيّ: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها، وكثرتها تُبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب، وللسُّنَّة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنهم لمّا نزل تحريم الخمر فَهِموا من الأمر باجتناب الخمر تحريمَ كل مسكر، ولم يفرّقوا بين ما يُتخذ من العنب، وبين ما يُتَّخذ من غيره، بل سوَّوْا بينهما، وحَرّموا كل ما يُسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولا استفصلوا، ولم يُشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبِلُغَتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردّد لتوقفوا عن الإراقة، حتى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم لِمَا كان تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلَمّا لم يفعلوا ذلك، وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فَهِموا التحريم نصًّا، فصار القائل بالتفريق سالكًا غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر - ﵁ - بما يوافق ذلك، وهو ممن جعل الله الحقّ على لسانه، وقلبه، وسَمِعَهُ الصحابة وغيرهم، فلم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك، وإذا ثبتٌ أن كل ذلك يسمى خمرًا لزم تحريم قليله وكثيره، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في ذلك، ثم ذَكَرها. قال: وأما الأحاديث عن الصحابة التي تمسَّك بها المخالف فلا يصح منها شيء، على ما قال عبد الله بن المبارك، وأحمد، وغيرهم. وعلى تقدير ثبوت شيء منها فهو محمول على نقيع الزبيب، أو التمر، من قبل أن يدخل حدّ الإسكار؛ جمعًا بين الأحاديث. قال الحافظ: ويؤيده ثبوت مثل ذلك عن النبي - ﷺ - كما سيأتي في «باب نقيع التمر» . ولا فرق في الحلّ بينه وبين عصير العنب أول ما يُعصر، وإنما الخلاف فيما اشتدّ منهما، هل يفترق الحكم فيه أو لا؟ وقد ذهب بعض الشافعية إلى موافقة الكوفيين في دعواهم أن اسم الخمر خاصّ بما يُتَّخذ من العنب، مع مخالفتهم له في تفرقتهم في الحكم، وقولهم بتحريم قليل ما أسكر كثيره من كل شراب، فقال الرافعيّ: ذهب أكثر الشافعية إلى أن الخمر حقيقةٌ فيما يُتخذ من العنب، مجازٌ في غيره، وخالفه ابن الرفعة، فنقل عن المزنيّ، وابن أبي هريرة، وأكثر الأصحاب أن الجميع يسمى خمرًا حقيقةً، قال: وممن نقله عن أكثر الأصحاب القاضيان: أبو الطيب، والرويانيّ، وأشار ابن الرفعة إلى أن النقل الذي عزاه الرافعيّ للأكثر لم يجد نقله عن الأكثر، إلا في كلام الرافعيّ، ولم يتعقبه النوويّ في «الروضة»، لكن كلامه في «شرح مسلم» يوافقه، وفي «تهذيب الأسماء» يخالفه. وقد نقل ابن المنذر عن الشافعيّ ما يوافق ما نقلوا عن المزنيّ، فقال: قال: إن الخمر من العنب، ومن غير العنب: عمرُ، وعليّ، وسعيد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين: سعيد بن المسيِّب، وعروة، والحسن، وسعيد بن جُبير، وآخرون، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والثوريّ، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وعامة أهل الحديث. ويمكن الجمع بأن من أطلق على غير المُتَّخَذ من العنب حقيقةً يكون أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية، وقد أجاب بهذا ابن عبد البرّ، وقال: إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعيّ دون اللغويّ، والله أعلم. قال الحافظ: وقد قدمت في «باب نزول تحريم الخمر، وهو من البُسر» إلزامَ من قال بقول أهل الكوفة: إن الخمر حقيقة في ماء العنب، مجازٌ في غيره، أنه يلزمهم أن يُجَوِّزوا إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه؛ لأن الصحابة - ﵃ - لمّا بلغهم تحريم الخمر أراقوا كل ما كان يُطلق عليه لفظ الخمر حقيقةً ومجازًا، وإذا لم يُجَوّزوا ذلك صحّ أن الكل خمر حقيقةٌ، ولا انفكاك عن ذلك، وعلى تقدير إرخاء الْعِنَان والتسليم أن الخمر حقيقةٌ في ماء العنب خاصّةً، فإنما ذلك من حيث الحقيقة اللغوية، فأما من حيث الحقيقة الشرعية فالكل خمر حقيقةً؛ لحديث: «كلُّ مسكر خمر»، فكلّ ما اشتَدّ كان خمرًا، وكل خمر يحرم قليله وكثيره، وهذا يخالف قولهم، وبالله التوفيق. انتهى كلام الحافظ بطوله . قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ ﵀ فيما ساقه من البحث الطويل ببيان أقوال أهل العلم، وأدلّتهم، وتحقيق ما هو الحقّ في المسألة بأدلته. وخلاصة القول أنه قد تبيّن بهذا أن المذهب الحقّ، والقول الواجب الاتّباع هو ما ذهب إليه الجمهور من تحريم الخمر بأنواعها، وأنها كلّ ما خامر العقل، وأسكر، من أيّ نوع اتُّخذ، فلا فرق بين التمر، والزبيب، والعسل، والذّرَة، والشعير، والحنطة، وغير ذلك من أنواع الحبوب والثمار التي يُتخّذ منها النبيذ، فأيّ نوع منها بلغ حدّ الإسكار، صار خمرًا، وتناولته النصوص الصحيحة الصريحة في تحريم الخمر، فمن قال: إنه لا يسمّى خمرًا إلا إذا كان من النوع الفلانيّ، فقوله مردود، غير مقبول؛ لمخالفته صحيح المنقول، وصريح المعقول، فتمسَّكْ بالحق الناصع، والطريق الواسع، وإياك وبُنيّات الطريق، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالجملة فالنصوص صريحة في تسمية كلّ ما أسكر خمرًا، والخمر محرّم بنصّ كتاب الله، وبإجماع الأمة جملةً، وليس بعد العيان بيان، ولا بعد المشاهدة برهان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا عبدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَأَلوا أنسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْفَضِيخ، فَقَالَ: مَا كانَتْ لَنَا خَمْرٌ غَيْرَ فَضِيخِكُمْ هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ، إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِيهَا أَبا طَلْحَةَ، وَأَبَا أيُّوبَ، وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِنَا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ بَلَغَكُمُ الْخَبَرُ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِن الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ: يَا أنسُ أَرِقْ هَذه الْقِلَالَ، قَالَ: فَمَا رَاجَعُوهَا، وَلَا سَأَلوا عَنْهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيىَ بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّا البغداديّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب. ٣ - (عبدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. و«أنس بن مالك» - ﵁ - ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، ولاحقيه، وهو (٣٦٨) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ) - بفتح الفاء، وكسر الضاد المعجمة، وفي آخره خاء معجمة - وهو شراب يُتخذ من البُسر وحده، من غير أن تمسَّه النار، واشتقاقه من الفَضْخ، وهو الكسر، وقال إبراهيم الحربيّ: الفضيخ أن يُكْسَر البسر، ويُصَبّ عليه الماء، ويترَك حتى يَغْلِي، وقال أبو عبيد: هو ما فُضِخ من البسر، من غير أن تمسه نار، فإن كان تمرًا فهو خليط، قاله في «العمدة» . (إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِيهَا أَبا طَلْحَةَ) تقدّمت ترجمة أبي طلحة - ﵁ - في الحديث الماضي. وقوله: (وَأَبا أيُّوبَ) هو الأنصاريّ: خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة - ﵃ -، شَهِد بدرًا، ونزل النبيّ - ﷺ - حين قَدِم المدينة عليه، ومات غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٤/ ١١٣. وقوله: (وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية للبخاريّ: «كنت أسقي أبا عبيدة، وأبا طلحة، وأبيّ بن كعب»، فقال في «الفتح»: قوله: «كنت أسقي أبا عبيدة»: هو ابن الجرّاح، وأبا طلحة: هو زيد بن سهل، زوج أم سليم، أم أنس، وأُبيّ بن كعب كذا اقتصر في هذه الرواية على هؤلاء الثلاثة، فأما أبو طلحة فلكون القصّة كانت في منزله، كما قال في رواية مسلم هذه: «في بيتنا»، وفي رواية للبخاريّ: «كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة»، وأما أبو عبيدة فلأن النبيّ - ﷺ - آخى بينه وبين أبي طلحة، كما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أنس، وأما أُبيّ بن كعب فكان كبير الأنصار، وعالمهم. ووقع في رواية عند البخاريّ: «إني لقائم أسقي أبا طلحة، وفلانًا، وفلانًا»، كذا وقع بالإبهام، وسَمَّى في رواية مسلم منهم أبا أيوب، وفي رواية عن أنس: «إني كنت لأسقي أبا طلحة، وأبا دجانة، وسهيل بن بيضاء»، وسمَّى في رواية فيهم معاذ بن جبل، وكلها في مسلم. وفي رواية: «كنت أسقي أبا عبيدة، وأبَيّ بن كعب، وسهيل بن بيضاء، ونفرًا من الصحابة عند أبي طلحة». ووقع عند عبد الرزاق: أن القوم كانوا أحد عشر رجلًا، وقد حصل من الروايات التي ذُكرت تسمية سبعة منهم، وأبهمهم في رواية سليمان التيمي التالية، ولفظها: «إني لقائم على الحيّ، على عُمومتي أسقيهم»، وأطلق عليهم عمومته؛ لأنهم كانوا أسنّ منه، ولأن أكثرهم من الأنصار. قال الحافظ ﵀: ومن المستغربات ما أورده ابن مردويه في«تفسيره» من طريق عيسى بن طهمان، عن أنس أن أبا بكر وعمر كانا فيهم، وهو منْكَر، مع نظافة سنده، وما أظنه إلا غلطًا. وقد أخرج أبو نعيم في «الحلية» في ترجمة شعبة من حديث عائشة، قالت: حَرَّم أبو بكر الخمر على نفسه، فلم يشربها في جاهلية، ولا إسلام، ويَحْتَمِل إن كان محفوظًا أن يكون أبو بكر وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم، ولم يشربا معهم، قال: ثم وجدت عند البزار من وجه آخر عن أنس، قال: «كنت ساقي القوم، وكان في القوم رجل يقال له: أبو بكر، فلما شرب قال: تحيي بالسلامة أم بكر ..... الأبيات، فدخل علينا رجل من المسلمين، فقال: قد نزل تحريم الخمر …» الحديث، وأبو بكر هذا يقال له: ابن شغوب، فظنّ بعضهم أنه أبو بكر الصذيق، وليس كذلك، لكن قرينة ذِكر عمر تدلّ على عدم الغلط في وصف الصدّيق، فحصلنا تسمية عشرة، قال: وقد قدّمت في غزوة بدر من «المغازي! ترجمة أبي بكر بن شغوب المذكور، وفي»كتاب مكة«للفاكهي من طريق مرسل ما يشيد ذلك. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. وقوله: (فِي بَيْتِنَا) هو بمعنى قوله في الأخرى:«في بيت أبي طلحة». وقوله: (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ) لا يُعرف هذا الرجل. وقوله: (فَقَالَ: يَا أنسُ … إلخ) القائل هو أبو طلحة - ﵁ -. وقوله: (أَرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ) أمرٌ من الإراقة، وهو الصبّ، و«القلال»بالكسر: جمع قُلّة بالضمّ، مثلُ بُرْمة وبِرَام، وربما قيل: قُلَلٌ، مثل غُرْفة وغُرَف وهو: إناء للعرب، كالجرّة الكبيرة، شِبْهُ الْحُبّ، قال الأزهريّ: ورأيت القُلَّةَ من قلال هَجَر، والأَحساء، تَسَع ملء مَزَادة، والمزادة شطر الراوية، كأنها سُمِّيت قُلَّة؛ لأن الرجل القويّ يُقِلُّهَا؛ أي: يَحْمِلُها، وكلّ شيء حملته فقد أَقْلَلْتَهُ، وأَقْلَلْتُهُ عن الأرض رفعته بالألف أيضًا، ومن باب قَتَل لغةٌ. انتهى . وقوله: (فَمَا رَاجَعُوهَا، وَلَا سَأَلوا عَنْهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ) فيه العمل بخبر الرجل الواحد، وأن هذا كان معروفًا عندهم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٥] (…) - (وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، حَدَّثنَا ابْنُ عُلَيةَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا أنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ عَلَى الْحَيِّ، عَلَى عُمُومَتِي، أَسقِيهِمْ مِنْ فَضِيخٍ لَهُمْ، وَأنا أَصْغَرُهُمْ سِنًّا، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: اكْفَأْهَا يَا أنَسُ، فَكَفَأْتُهَا، قَالَ: قُلْتُ لانَسٍ: مَا هُوَ؟ قَالَ: بُسْرٌ وَرُطَبٌ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أنَسٍ: كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ: وَحَدَّثَني رَجُلٌ عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا). [تنبيه]: قال أبو عليّ الجيّانيّ ﵀ في «التقييد»: وقع في بعض النُّسخ: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: نا ابن عُليّة، وهو وَهَمٌ، والصواب: يحيى بن أيوب، وكان أيضًا في أصل أبي العلاء بن ماهان في هذا الإسناد: ابن عيينة بدل ابن عُليّة، وهو وَهَمٌ، والصواب: ابن عليّة، قال عبد الغنيّ: كان في أصل أبي العلاء: ابن عُيينة، عن عبد العزيز، قال: وهو خطأ، ليس عند ابن عُيينة عن عبد العزيز بن صُهيب شيء. انتهى . ورجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) هو: ابن طَرَخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف، كسابقيه، ولاحقه، وهو (٣٦٩) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (إِنِّي لَقَائِمٌ عَلَى الْحَيِّ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة: القَبيلة من العرب، والجمع أحياء، قاله الفيّوميّ . وقال المرتضى في «التاج» : والحيُّ: البطن من بطون العرب، جَمْعه أحياء، قال الأزهريّ: الحيّ يقع على بني أب كَثُروا، أو قَلُّوا، وعلى شَعْب يجمع القبائل، ومنه قول الشاعر [من الخفيف]: قَاتَلَ اللهُ قَيْسَ عَيْلَانَ حَيًّا … مَا لَهُمْ دَونَ عُذْرَةٍ مِنْ حِجَابِ وقوله: (عَلَى عُمُومَتي) بدل من الجارّ والمجرور قبله، و«العمومة» بالَضمّ - كما في «القاموس» - يكون مصدرًا، ويكون جمع عمّ، والثاني هو المراد هنا، وتقدّم أنه إنما سمّاهم عُمومته؛ لأنهم كانوا أسنّ منهم، ولأن أكثرهم من الأنصار، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَسْقِيهِمْ) يَحْتَمِل أن يكون بفتح الهمزة، مضارع سقى ثلاثيًّا، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ويَحْتَمِل أن يكون بضمّها؛ مضارع أسقى رباعيًّا؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ الآية [الجن: ١٦]. وقوله: (مِنْ فَضِيخٍ لَهُمْ) وفي رواية البخاريّ: «من فَضيخ زَهْو وتمر»: أما الفَضِيخ: فهو - بفاء وضاد، معجمتين، وِزان عظيم -: اسم للبُسْر إذا شُدِخَ، ونُبِذ، وأما الزَّهْوُ - فبفتح الزاي، وسكون الهاء، بعدها واو -: وهو البُسر الذي يَحمَرّ، أو يَصْفَرُّ قبل أن يترطب، وقد يُطلق الفضيخ على خليط البُسر والرُّطب، كما يُطلق على خليط البسر والتمر، كما في الرواية التالية، وكما يُطلق على البسر وحده، وعلى التمر وحده، كما في رواية عند البخاريّ، وعند أحمد من طريق قتادة، عن أنس: «وما خَمْرُهم يومئذ إلا البسر والتمر، مخلوطين»، ووقع عند مسلم من طريق قتادة، عن أنس: «أسقيهم من مزادة فيها خليط بُسر وتمر». وقوله: (فَجَاءَ رَجُلٌ) تقدّم أنه لا يُعرف اسمه. وقوله: (فَقَالُوا: اكْفَأْهَا يَا أنسُ) بوصل الهمزة، من كفأ، من باب نفع؛ أي: اقْلِبْ وعاءها، ويقال: أكفأ بالهمز أيضًا، قال في «القاموس»: كفأه، كمنعه: صرفه، وكبّه، وقلبَهُ، كأكفأه، وا كتفأه. انتهى. وقوله: (قُلْتُ لأَنَسٍ) القائل هو سليمان التيميّ. وقوله: (مَا هُوَ؟) وفي رواية البخاريّ: «ما شرابهم». وقوله: (قَالَ: بُسْرٌ وَرُطَبٌ)؛ أي: قال أنس: كان شرابهم مخلوطًا من بُسْر وتمر، و«الْبُسْر» - بضم، فسكون - قال ابن فارس: البسر من كلّ شيء: الْغَضّ، ونباتٌ بُسْرٌ؛ أي: طَرِيّ. انتهى من «المصباح». وقال في «القاموس»: البُسر: التمر قبل إرطابه، والبُسْرة واحدتها، وتُضمّ السين. انتهى. وقوله: (فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أنسٍ) ابن مالك الأنصاريّ، ثقةٌ من الطبقة الرابعة، من رجال المصنّف، وأبي داود في «المراسيل»، والنسائيّ. وقوله: (كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ) بنصب «خمرهم» خبرًا لـ«كان»، واسمها ضمير يعود إلى الفضيخ، وأنّثها نظرًا لكونها خمرًا. وهذا الذي قاله أبو بكر قد ثبتٌ تحديث أنس به، كما أشار إليه بقوله: (قَالَ سُلَيْمَانُ) التيميّ، وهو موصول بالسند الماضي، (وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ) يَحْتَمِل أن يكون قتادة، أو بكر بن عبد الله المزنيّ، كما قال الحافظ. (عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا)؛ أي: حدّث بما قاله ولده أبو بكر. وفي الرواية التالية عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: حدّثني بعض من كان معي، أنه سمع أنسًا يقول: «كان خمرَهم يومئذ»، فيَحْتَمِل أن يكون أنس حدّث بها حينئذ، فلم يسمعه سليمان، أو حدّث بها في مجلس آخر، فحفظها عنه الرجل الذي حدّث بها سليمان. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في «الفتح»«، لكن يُبعد الاحتمال الثاني قوله هنا في الرواية التالية:»فحدّثني بعض من كان معي … إلخ«، فالاحتمال الأول هو الأقرب، والله تعالى أعلم. قال الحافظ: وهذا المبهم يَحْتَمِل أن يكون هو قتادة، فقد أخرجه مسلم أيضًا من طريقه، عن أنس، بلفظ:«وقال أنس بن مالك: لقد حُرِّمت الخمر، وكانت عامّة خمورهم يومئذ خليط الْبُسر والتمر». ويَحْتَمِل أن يكون هو بكر بن عبد الله المزنيّ، فقد أخرج البخاريّ من طريق سعيد بن عُبيد الله، عن بكر بن عبد الله المزنيّ، أن أنس بن مالك حدّثهم«أن الخمر حُرِّمت، والخمر يومئذ البسر والتمر». وأخرجه الإسماعيلي من طريق رَوْح بن عُبادة، عن سعيد بن عبيد الله بهذا السند مطولًا، ولفظه:«عن أنس: نزل تحريم الخمر، فدخلت على أناس من أصحابي، وهي بين أيديهم، فضربتها برجلي، فقلت: انطلقوا فقد نزل تحريم الخمر، وشرابهم يومئذ البسر والتمر»، وهذا الفعل من أنس - ﵁ - كأنه بعد أن خرج، فسمع النداء بتحريم الخمر، فرجع فأخبرهم. ووقع عند ابن أبي عاصم، من وجه آخر، عن أنس:«فأراقوا الشراب، وتوضأ بعض، واغتسل بعض، وأصابوا من طيب أم سليم، وأتوا النبيّ - ﷺ -؛ فإذا هو يقرأ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية». وهذا من أقوى الحجج على أن الخمر اسم جنس لكل ما يُسكر، سواء كان من العنب، أو من نقيع الزبيب، أو التمر، أو العسل، أو غيرها، وأما دعوى بعضهم أن الخمر حقيقةٌ في ماء العنب، مجازٌ في غيره، فإن سُلِّم في اللغة لزم من قال به جواز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والكوفيون لا يقولون بذلك، وأما من حيث الشرع فالخمر حقيقة في الجميع؛ لثبوت حديث:«كلُّ مسكر خمر»، فمن زعم أنه جَمَع بين الحقيقة والمجاز في هذا اللفظ لزمه أن يجيزه، وهذا ما لا انفكاك لهم عنه، أفاده في«الفتح» ، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٦] (…) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الأَعْلَى، حَدَّثنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ أنسٌ: كُنْتُ قَائِمًا عَلَى الْحَيِّ أَسْقِيهِمْ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أنسٍ: كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَأنَسٌ شَاهِدٌ، فَلَمْ يُنْكِرْ أنسٌ ذَاكَ، وَقَالَ ابْنُ عبد الأَعْلَى: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعِي، أَنَّهُ سَمِعَ أنَسًا يَقُولُ: كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عبد الأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٣. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف، كالأسانيد الثلاثة الماضية، و(٣٧٠) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ)؛ يعني: حديث المعتمر عن أبيه مثل حديث ابن عليّة عنه. وقوله: (فَلَمْ يُنْكِرْ أنسٌ ذَاكَ) والمعنى: أن أبا بكر بن أنس كان حاضرًا عند أنس - ﵁ - لَمّا حدثهم، فكأن أنسًا حينئذ لم يحدثهم بهذه الزيادة، إما نسيانًا، وإما اختصارًا، فذكّره بها ابنه أبو بكر، فأقرّه عليها. وقوله: (حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعِي)؛ أي: بعض من كان حاضرًا مجلس أنس - ﵁ - حين حدّث بهذا الحديث. [تنبيه]: قال الحافظ رشيد الدين بن العطّار ﵀ في «غرر الفوائد» في بيان قوله: «حدّثني بعض من كان معي … إلخ»: وقد أورد مسلم بعد ذلك حديث قتادة، عن أنس متّصلًا، وفيه: «نزل تحريم الخمر، فأكفأناها يومئذ، وإنها لخليط البسر والتمر، قال قتادة: وقال أنس بن مالك: لقد حُرّمت الخمر، وكانت عامّة خمورهم يومئذ البسر والتمر»، فثبت اتّصاله، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: غرض الرشيد بن العطّار ﵀ بهذا الكلام بيان أن الإبهام الواقع في رواية سليمان التيميّ حيث أبهم من حدّثه بقول أنس: «كان خمرهم يومئذ» زال برواية قتادة التي أخرجها مسلم بعده، فصار متّصلًا، والله تعالى أعلم. وقوله: (كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ) اسم «كان» ضمير يعود إلى الفضيخ، و«خمرَهم» منصوب على أنه خبرها. [تنبيه]: رواية المعتمر بن سليمان، عن أبيه هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٥٢٦١) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا معتمر، عن أبيه، قال: سمعت أنسًا قال: كنت قائمًا على الحيّ أسقيهم عمومتي، وأنا أصغرهم الفضيخَ، فقيل: حُرِّمت الخمر، فقالوا: أكفئها، فكفأتها، قلت لأنس: ما شرابهم؟ قال: رطب وبسر، فقال أبو بكر بن أنس: «وكانت خمرَهُمْ، فلم يُنكر أنس، وحدّثني بعض أصحابي أنه سمع أنس بن مالك يقول: كانت خمرهم يومئذ». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٧] (…) - (وَحَدَّثنَا يَحْيىَ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبا طَلْحَةَ، وَأَبَا دُجَانَةَ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فِي رَهْطٍ مِنَ الأنصَار، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِلٌ، فَقَالَ: حَدَثَ خَبَرٌ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْر، فَكَفَاناهَا يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّهَا لَخَلِيطُ الْبُسْرِ وَالتَّمْر، قَالَ قَتَادَةُ: وَقَالَ أنسُ بْنُ مَالِكٍ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، وَكَانَتْ عَامَّةُ خُمُورِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَلِيطَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْران اليشكريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَأَبا دُجَانَةَ) - بضم الدال المهملة، وتخفيف الجيم - هو سِمَاك بن خَرَشَة، وقيل: ابن أوس بن خَرَشة، متّفقٌ على شهوده بدرًا، وعلى أنه استُشهد باليمامة. وأسند ابن إسحاق من طريق يزيد بن السكن: أن رسول الله - ﷺ -، لمّا التحم القتال، ذَبّ عنه مصعب بن عمير - يعني: يوم أُحد - حتى قُتل، وأبو دُجانة سِماك بن خَرَشة، حتى كَثُرت فيه الجراحة، وقيل: إنه ممن شارك في قتل مسيلمة. وثبت ذِكره في «صحيح مسلم» من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن النبيّ - ﷺ -، أخذ سيفًا يوم أُحد، فقال: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟»، فأخذه أبو دُجانة، ففَلَق به هام المشركين. وأخرج الدُّولابيّ في «الكنى» من طريق عبيد الله بن الوازع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الزبير بن العوام: عرض النبيّ - ﷺ يوم أُحد سيفًا، فقال: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟»، فقام أبو دُجانة سِماك بن خَرَشة، فقال: أنا، فما حقّه؟ قال: «لا تقتل به مسلمًا، ولا تَفِرُّ به من كافر»، قاله في «الإصابة» . وقوله: (وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلِ) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو عبد الرحمن، من أعيان الصحابة - ﵃ -، شَهِدَ بدرًا، وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام، والقرآن، مات - ﵁ - بالشام سنة (١٨) (ع) تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٧/ ١٣٠. وقوله: (فِي رَهْطٍ مِنَ الأَنْصَارِ) - بفتح، فسكون -: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح مِن فَتْحها، وهو جَمْع لا واحد له من لفظه. وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر. وقال أبو زيد: الرهط، والنفر: ما دون العشرة من الرجال. وقال ثعلب أيضًا: الرهط، والنفر، والقوم، والْمَعْشر، والْعَشيرة: معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال، دون النساء. وقال ابن السكّيت: الرهط، والعشيرة بمعنًى. ويقال: الرهط: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في «كتاب الضاد والظاء»، ونقله ابن فارس أيضًا. ورَهْطُ الرجل قومه، وقبيلته الأقربون. انتهى من «المصباح المنير». وقوله: (فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِلٌ)؛ أي: رجل داخل من خارج البيت، وتقدّم أنه لا يُعرف اسمه. وقوله: (فَقَالَ: حَدَثَ خَبَرٌ)؛ أي: استجدّ أمر من أمور التشريع، وقوله: «نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ» مستأنَف استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدَّر، كأن قائلًا قال: وما هو الخبر الحادث؟ فأجاب بقوله: نزل تحريم الخمر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥١٢٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: إِنِّي لأَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَا دُجَانَةَ، وَسُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ، مِنْ مَزَادَةٍ، فِيهَا خَلِيطُ بُسْرٍ وَتَمْرٍ، بِنَحْوِ حَدِيثِ سَعِيدٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله (٧٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (إِنِّي لأَسْقِي) تقدّم أنه بفتح الهمزة من سقى ثلاثيًّا، وبضمّها، من أسقى رباعيًّا. وقوله: (وَسُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ) القرشي الفِهْريّ، يكنى أبا أمية فيما زعم بعضهم، والبيضاء أمه التي كان يُنسب إليها، اسمها: دَعْد بنت الجحدم بن أمية بن ضبة بن الحارث بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة، وهو سهيل بن عمرو بن وهب، وقيل: سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وقيل: سهيل ابن بيضاء هو سهيل بن عمرو بن وهب بن ربيعة بن هلال … إلخ. خرج سهيل مهاجرًا إلى أرض الحبشة حتى فشا الإسلام، وظهر، ثم قَدِم على رسول الله - ﷺ - بمكة، فأقام معه حتى هاجر، وهاجر سهيل، فجمع الهجرتين جمعًا، ثم شهد بدرًا، ومات بالمدينة في حياة رسول الله - ﷺ - سنة تسع، وصلى عليه رسول الله - ﷺ - في المسجد. ورَوَى سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن أنس بن مالك قال: كان أسنّ أصحاب رسول الله - ﷺ - أبو بكر، وسهيل ابن بيضاء، ذكره في «الاستيعاب» . وقوله: (مِنْ مَزَادَةٍ) هي شطر الراوية، وهي بفتح الميم، والقياس كسرها؛ لأنه آلة يُستقَى بها الماءُ، وجمعها مَزَايدُ، وربَّما قيل: مَزَادٌ بغير هاء، والْمَزَادة مَفْعَلَةٌ، من الزاد؛ لأنه يَتَزَوَّد فيها الماءَ، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . وقال ابن الأثير - ﵀ -: قد تكرّر ذكر المزادة في غير موضع من الحديث، وهو الظرف الذي يُحمَل في الماء، كالراوية، والْقِرْبة، والسَّطِيحة، والجمع: المزاود، والميم زائدة. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: «المزادة»: الراوية، أو لا تكون إلَّا من جِلْدَين تُفْأم بثالث بينهم لتتسع، جمعه مَزَادٌ، ومَزَايِدُ. انتهى. وقال المرتضى في «شرحه»: قوله: «والمَزَادَةُ: الرَّاوِيَةُ»: قال شيخُنا: وإِطلاقُ المَزَادَة على الرَّاوِية، وبالعكس إِنما هو مَجازٌ في الأَصحّ، قالوا: سُمِّيَت رَاوِيَةً مجازًا للمُجاورة؛ إِذ الرَّاوِيَةُ هي الدَّابَّة التي تَحْمِلُها، وهو الذِي جَزَم به في «المفْتَاح»، وزَعم طائفةٌ من أَهلِ اللُّغَة، منهم أَبو منصور أَن عَيْنَ المَزادَةِ واوٌ، وأَنَّهَا من الزَّوْد، وبه جَزَمَ صاحبُ «المِصْباحِ»، وأَوردَه صاحبُ «اللسان» في الواو والياء، وهو وَهَمٌ. قال الخَفَاجِيُّ في «شرح الشفاءِ»: هي من الزيادة؛ لأَنه يُزادُ فيها جِلْدٌ ثالثٌ كما قاله أبو عُبَيْدَةَ، لا من الزَّادِ كما تُوْهِّم، وقال السيد في «شرح المفتاح»: ومن فَسَّرَ المزادةَ بما جُعِل فيها الزّادُ فقدْ سَهَا. وقوله: «أَو المَزَادة لا تكون إِلَّا من جِلْدَيْنِ تُفْأَمُ بثالثٍ بينهما لِتَتَّسِعَ»، وكذلك السَّطِيحةُ، «جمعه: مَزَادٌ ومَزَايِدُ» قاله أَبو عُبَيدَةَ، والظاهر من عبارة المصنّف أَنهما قولان، والمعروف أَن الثاني بيانٌ للأَول كما قاله شيخُنا، وفي «المحكم»: والمَزَادَةُ التي يُحمَل فيها الماءُ وهي ما فُئِمَ بجِلْدِ ثالثٍ بين الجِلْدَيْنِ لتتَّسِعَ، سُمِّيَ بذلك لمَكَانِ الزِّيادة، وقيل: هي المَشْعُوبة من جانب واحدٍ، فإِن خَرَجَتْ من وَجْهَيْنِ فهي شَعِيبٌ. وقالوا: البَعيرُ يَحمِل الزَّادَ والمَزَادَ؛ أي: الطَّعامَ والشَّرَابَ، والمَزادةُ بمنزلةِ رَاوِيةٍ لا عَزْلاءَ لها. قال أَبو منصور: المَزَادُ بغير هاءٍ هي الفَرْدةُ التي يَحْتَقِبها الرَّاكبُ بِرَحْلِه ولا عزلاءَ لها. وأَما الرَّاوِيةُ فإِنها تَجْمَع بينْ المَزادتينِ يُعكَمانَ على جَنْبَي البَعِير، ويرَوَّى عليهما بالرِّواءِ وكلّ واحدة منها مَزَادةٌ، والجمع مَزايِدُ. وربما حذَفُوا الهاءَ فقالوا: مَزَادٌ. وقال ابن شُمَيْل: السَّطِيحة جلدان مُقابَلَان، والمَزَادةُ تكون من جِلْدين ونِصْف وثَلاثةِ جُلود، سُمِّيَتْ لَأنها تَزِيد على السَّطِيحَتَيْنِ. قال شيخُنا: والمعروفُ في المَزَادةِ فتح الميم. وقال صاحب «المصباح»: القِياسُ كسرُها؛ لأَنها آلة يُستقَى فيها الماءُ. قلت: ويخالفه قول السيد في «شرح المفتاح»: إنها ظَرْفٌ للماء، وعليه فالقيَاسُ الفتْحُ، ويؤَيِّده قولُه بعدُ: يُستَقَى فيها؛ إذ لو كانَتْ آلة لقال يُسْتَقَى بِهَا. فَتأَمَّلْ، والله أعلم. انتهى كلام المرتضى - ﵀ - . وقوله: (خَلِيطُ بُسْرٍ وَتَمْرٍ) «الْخَليط»: المختلط من أنواع شتّى، والمراد هنا: ما خُلِط من بسر، وتمر. وقال ابن الأثير - ﵀ -: في قوله: «نَهَى عن الخَلِيطَين أن يُنْبَذا»: يريد ما يُنْبَذ من البُسر والتَّمر معًا، أو من العِنَب والزَّبيب، أو من الزَّبيب والتمر، ونحو ذلك، مما يُنْبَذ مُخْتلِطًا، وإنما نَهى عنه؛ لأنّ الأنْواع إذا اختَلَفت في الانْتبَاذِ كانت أسْرَع للشدة، والتَّخْمِير. والنَّبيذُ المعمولُ من خَلِيطَين ذَهَبَ قوم إلى تَحْريمه، وإن لَمْ يُسْكِر أخْذًا بظاهر الحديث، وبه قال مالك، وأحمد، وعامَّة المُحَدِّثين، قالوا: من شَرِبه قبل حُدوث الشَّدة فيه، فهو آثِمٌ من جهةٍ واحدةٍ، ومَن شَرِبه بعد حُدوثها، فهو
مصادر المؤلف (٣٦)

١. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٤٨.

٢. «الفتح» ١٢/ ٦٠٠، كتاب «الأشربة» رقم (٥٥٨٢).

٣. راجع: «الفتح» ١٢/ ٦٠٠، و«تنبيه المعلم» ص ٣٤٠.

٤. محلّ تأمل، فليُحرّر.

٥. «الفتح» ١٢/ ٦٠٠، كتاب «الأشربة» رقم (٥٥٨٢).

٦. «الفتح»١٠/ ٩٩، كتاب«التفسير»رقم (٤٦٢٠).

٧. «المصباح المنير»١/ ٢٨٢.

٨. «الفتح»١٢/ ٦٠٢.

٩. «المصباح المنير»١/ ٢٤٨.

١٠. «الفتح»١٢/ ٦٠١، كتاب«الأشربة»رقم (٥٥٨٢).

١١. «الفتح» ١٠/ ٩٨، كتاب «التفسير» رقم (٤٦٢٠).

١٢. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١٧/ ٢.

١٣. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١٦/ ١٤٩.

١٤. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٥٠.

١٥. راجع: «عمدة القاري» ١٣/ ١٢.

١٦. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٥١.

١٧. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١٦/ ١٥٠.

١٨. «الفتح» ١٢/ ٦٠٣ - ٦٠٦، كتاب «الأشربة» رقم (٥٥٨٢).

١٩. السُّلافة كثُمامة: الخمر. اهـ. «ق».

٢٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٨ - ١٤٩.

٢١. «الذُّرَة» بضم المعجمة، وتخفيف الراء: من الحبوب معروفة.

٢٢. أراد به قول البخاريّ ﵀: «باب نقيع التمر ما لم يُسكر»، ثم ساق بسنده عن سهل بن سعد الساعديّ أن أبا أسيد الساعدي دعا النبي - ﷺ - لعرسه، فكانت امرأته خادمهم يومئذ، وهي العروس، فقالت: هل تدرون ما أنقعت لرسول الله - ﷺ -؟ أنقعت له تمرات من الليل، في تَوْر. انتهى.

٢٣. «الفتح» ١٢/ ٦١٣ - ٦١٩، كتاب «الأشربة» رقم (٥٥٨٨).

٢٤. «عمدة القاري» ١٨/ ٢١٠.

٢٥. «الفتح» ١٢/ ٥٩٩ - ٦٠٠.

٢٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥١٤.

٢٧. «تقييد المهمل» ٣/ ٨٩٣.

٢٨. «المصباح المنير» ١/ ١٦٠.

٢٩. «تاج العروس» ١/ ٨٣٦٠.

٣٠. «الفتح» ١٢/ ٦٠٢، كتاب «الأشربة».

٣١. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢١٢١.

٣٢. «الإصابة في تمييز الصحابة» ١١/ ١١٢.

٣٣. «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» ٢/ ٦٦٧ - ٦٦٨.

٣٤. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٠.

٣٥. «النهاية في غريب الحديث والأثر» ص ٨٦٨.

٣٦. «تاج العروس» ١/ ٢٠١٤.