HadithLab
RU

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٨٢
[٥٥٨] قال معمر عن الزهري: (وَاخْتِنَاثُهَا: أَن تقلِبَ رَأسَهَا ثُمَّ تَشْرَبَ مِنْهُ) ؛ قال بعض العلماء : معنى الاخْتِنَاث: أن يثني رؤوسها ويعطفها؛ ثم يشرب منها، قيل: النهي عن ذلك لأن الشُّرب إذا دام فيها تغيرت رائحتها، وقيل: النهي إنما ورد عن الشرب من السِّقاء الكبير؛ دون الإداوة ونحوها؛ لسَعة فم السِّقاء، لِئلا يَنْصَبّ عليه الماء. في الحديث دلالة على التبرك باسم الله، وأن لذكره نورًا يطرد الشيطان به عند الدخول؛ وعند الطعام، وعلى الأحوال كلها، وقوله: (كَأَنَّمَا يطرَدُ)؛ أي: يجيء قاصدا على وجهه. ومن باب إيكاء الآنية
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص١٣٩
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصاغانيّ البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد المصريّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢١٩. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) - بحاءين مهملتين، بينهما لام ساكنة - الدِّيليّ - بكسر الدال، وسكون الياء - المدنيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في «الحيض» ٢٣/ ٨٠٦. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٢٦٠] (٢٠٢٣) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنان بن عُبيد الأنصاريّ الْخُدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. والباقون ذُكروا في الباب، و«عمرو الناقد» هو: ابن محمد بن بُكير. [تنبيه]: من لطائف هدا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه رواية تابعيّ عن تابعىّ، وفيه عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المجموعين في قول بعضهم: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ وقال الحافظ العراقيّ - ﵀ - في «ألفيّة الحديث»: وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ .... سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ … أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ وفيه أيضًا أبو سعيد الخُدريّ - ﵁ - أحد المكثرين السبعة المجموعين في قولي: الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ وهذا كلّه تقدّم غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتصغير بن عبد الله بن عُتبة، وصرّح في رواية للبخاريّ بتحديث عبيد الله للزهريّ، ولفظه: «عن الزهريّ قال: حدّثني عبيد الله بن عبد الله». (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ - ﵁ -، وصرّح عند البخاريّ بالسماع، ولفظه: «أنه سمع أبا سعيد الخدريّ يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى. . .». (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ) «الاختناث»: افتعال من الْخَنْث، بالخاء المعجمة، والنون، والثاء المثلثة، وهو الانطواء، والتكسر، والانثناء، و«الأسقية»: جمع السِّقاء، والمراد به المتَّخَذ من الأَدَم، صغيرًا كان، أو كبيرًا، وقيل: القربة قد تكون كبيرة، وقد تكون صغيرة، والسقاء لا يكون إلا صغيرًا، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «نَهَى رسول الله - ﷺ - عن اختناث الأسقية»، وقال في الرواية الأخرى: «واختناثها أن يُقلَب رأسها، حتى يُشْرَب منه»، الاختناث بخاء معجمة، ثم تاء مثناة فوقُ، ثم نون، ثم ألف، ثم مثلثة، وقد فسّره في الحديث، وأصل هذه الكلمة: التكسر، والانطواء، ومنه سُمّي الرجل المتشبه بالنساء في طبعه، وكلامه، وحركاته مُخَنّثًا. قال: واتفقوا على أن النهي عن اختناثها نهي تنزيه، لا تحريم، ثم قيل: سببه أنه لا يؤمَن أن يكون في السِّقاء ما يؤذيه، فيدخل في جوفه، ولا يدري، وقيل: لأنه يُقَذِّره على غيره، وقيل: إنه يُنتنه، أو لأنه مستقذر. وقد رَوَى الترمذيّ وغيره عن كبشة بنت ثابت، وهي أخت حسان بن ثابت - ﵄ - قالت: دخل عليّ رسول الله - ﷺ -، فشرب من قِربة معلَّقة قائمًا، فقمت إلى فيها فقطعته، قال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. وقَطْعُها لفم القربة فَعَلَتْه لوجهين: أحدهما: أن تصون موضعًا أصابه فم رسول الله - ﷺ - عن أن يُبتذل، ويمسّه كل أحد. والثاني: أن تحفظه؛ للتبرك به، والاستشفاء، والله أعلم. فهذا الحديث يدلّ على أن النهي ليس للتحريم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، وهو بحث حسنٌ، والله تعالى أعلم. زاد في رواية البخاريّ بعد قوله: «عن اختناث الأسقية» ما نصّه: «يعني أن تُكسر أفواهها، فيُشرب منها»، فقال في «الفتح»: قوله: «يعني أن تُكسر أفواهها، فيُشرب منها» المراد بكسرها ثَنْيُها، لا كسرها حقيقةً، ولا إبانتها، والقائل: «يعني» لم يصَرَّح به في هذه الطريق، ووقع عند أحمد، عن أبي النضر، عن ابن أبي ذئب بحذف لفظ «يعني» فصار التفسير مدرَجًا في الخبر. ووقع في الرواية الثانية: قال عبد الله -هو ابن المبارك -: قال معمر - هو ابن راشد - أو غيره: هو الشرب من أفواهها، وعبد الله بن المبارك روى المرفوع عن يونس، عن الزهريّ، وروى التفسير عن معمر، مع التردد. وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق ابن وهب، عن يونس، وابن أبي ذئب معًا مدرجًا، ولفظه: «ينهى عن اختناث الأسقية، أو الشرب أن يشرب من أفواهها»، كذا فيه بحرف التردد، وهو عند مسلم من طريق ابن وهب، عن يونس وحده، بلفظ: «عن اختناث الأسقية، أن يُشرَب من أفواهها»، وهذا أشبه، وهو أنه تفسير الاختناث، لا أنه شكٌّ من الراوي في أيّ اللفظين وقع في الحديث، لكن ظاهره أن التفسير في نفس الخبر، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، ولم يسق لفظه، لكن قال مثله، قال: غير أنه قال: «واختناثها أن يُقْلَب رأسها، ثم يُشْرَب»، وهو مدرج أيضًا، وقد جزم الخطابيّ أن تفسير الاختناث من كلام الزهريّ، ويُحْمَل التفسير المطلق، وهو الشرب من أفواهها على المقيّد بكسر فمها، أو قلب رأسها. ووقع في مسند أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب في أول هذا الحديث: شَرِب رجل من سقاء، فانساب في بطنه جَانّ، فنَهَى رسول الله - ﷺ -، فذكره ، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، فرّقهما، عن يزيد به، قاله في «الفتح» . [تنبيه]: قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «بَابُ الشرب من فم السقاء»: (٥٦٢٨) - حدثنا مسدَّد، حدّثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عكرمة، عن أبي هريرة - ﵁ -: «نَهَى النبيّ - ﷺ - أن يُشْرَب مِنْ في السقاء». (٥٦٢٩) - حدثنا مسدّد، حدّثنا يزيد بن زُريع، حدّثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: «نَهَى النبيّ - ﷺ - عن الشرب من في السقاء». انتهى. هذا الحديثان ما أخرجهما مسلم، قال ابن الْمُنَيِّر: لم يقنع بالترجمة التي قبلها - يعني قوله: باب اختناث الأسقية - لئلا يُظَنّ أن النهي خاصّ بصورة الاختناث، فبيّن أن النهي يَعُمّ ما يمكن اختناثه، وما لا يمكن، كالفَخّار مثلًا. انتهى. وقال في «الفتح»: قوله: «أن يشرب من في السقاء» زاد أحمد عن إسماعيل بهذا الإسناد والمتن: «قال أيوب: فأنبئت أن رجلًا شرب من في السقاء، فخرجت حية»، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية عباد بن موسى، عن إسماعيل، ووَهِمَ الحاكم، فأخرج الحديث في «المستدرك» بزيادته، والزيادة المذكورة ليست على شرط الصحيح؛ لأن راويها لم يُسَمَّ، وليست موصولةً، لكن أخرجها ابن ماجه من رواية سَلَمة بن وَهْرام، عن عكرمة، بنحو المرفوع، وفي آخره: «وأن رجلًا قام من الليل بعد النهي إلى سقاء، فاختنثه، فخرجت عليه منه حية»، وهذا صريح في أن ذلك وقع بعد النهي، بخلاف ما تقدم من رواية ابن أبي ذئب في أن ذلك كان سبب النهي، ويمكن الجمع بأن يكون ذلك وقع قبل النهي، فكان من أسباب النهي، ثم وقع أيضًا بعد النهي تأكيدًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: رواية ابن ماجه المذكورة ضعيفة أيضًا؛ لأن في سندها زَمْعَة بن صالح، وهو ضعيف، كما في «التقريب». لكن أخرج الحديث ابن أبي شيبة في «مصنّفه» بسند صحيح، فقال: (٢٤١٢٧) -حدثنا أبو بكر، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد، قال: شَرِب رجل من سقاء، فانساب في بطنه جانّ، فنهى رسول الله - ﷺ - عن اختناث الأسقية. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الْخُدْريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٢٦٠ و٥٢٦١ و٥٢٦٢] (٢٠٢٣)، و(البخاريّ) في «الأشربة» (٥٦٢٥ و٥٦٢٦)، و(أبو داود) في «الأشربة» (٣٧٢٠)، و(الترمذيّ) في «الأشربة» (١٨٩٠)، و(ابن ماجه) في «الأشربة» (٣٤١٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٥٩٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ١٠٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٦ و٦٧ و٦٩ و٩٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١١٩)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٦/ ٢٨٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٣١٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٣٦٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ١٤٨ - ١٤٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٧٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢٨٥) و«شُعَب الإيمان» (٥/ ١١٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٠٤١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الشرب من في السقاء: قال في «الفتح»: قال النوويّ: اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه، لا للتحريم، كذا قال، وفي نقل الاتفاق نظرٌ؛ لِمَا سأذكره، فقد نقل ابن التين وغيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القِرَب، وقال: لم يبلغني فيه نهي، وبالغ ابن بطال في ردّ هذا القول، واعتذر عنه ابن الْمُنَيّر باحتمال أنه كان لا يَحمِل النهي فيه على التحريم، كذا قال، مع النقل عن مالك أنه لم يبلغه فيه نهي، فالاعتذار عنه بهذا القول أَولى، والحجة قائمة على من بلغه النهي. قال النوويّ: ويؤيّد كون هذا النهي للتنزيه أحاديث الرخصة في ذلك. قال الحافظ: لم أرَ في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدلّ على الجواز، إلا مِنْ فِعله - ﷺ -، وأحاديث النهي كلها من قوله، فهي أرجح إذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك، فإن جميع ما ذكره العلماء في ذلك يقتضي أنه مأمون منه - ﷺ -: أما أوّلًا فلعصمته، ولطيب نكهته، وأما ثانيًا فلرفقه في صب الماء، وبيان ذلك بسياق ما ورد في علة النهي، فمنها ما تقدم من أنه لا يؤمَن دخول شيء من الهوامّ مع الماء في جوف السقاء، فيدخل فم الشارب، وهو لا يشعر، وهذا يقتضي أنه لو ملأ السقاء، وهو يشاهد الماء يدخل فيه، ثم ربطه ربطًا محكمًا، ثم لمّا أراد أن يشرب حلّه فشرب منه، لا يتناوله النهي. ومنها ما أخرجه الحاكم من حديث عائشة - ﵂ - بسند قويّ، بلفظ: «أن النبيّ - ﷺ - نَهَى أن يُشْرَب من في السقاء؛ لأن ذلك يُنتنه»، وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصًّا بمن يشرب، فيتنفس داخل الإناء، أو باشر بفمه باطن السقاء، أما من صبّ من القربة داخل فمه من غير مماسة فلا. ومنها أن الذي يشرب من فم السقاء قد يغلبه الماء، فينصب منه أكثر من حاجته، فلا يأمَن أن يُشْرَق به، أو تبتلّ ثيابه. قال ابن العربيّ: وواحدة من الثلاثة تكفي في ثبوت الكراهة، وبمجموعها تقوى الكراهة جدًّا. وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة ما ملخّصه: اختُلف في علة النهي، فقيل: يخشى أن يكون في الوعاء حيوان، أو ينصب بقوة، فيشرق به، أو يقطع العروق الضعيفة التي بإزاء القلب، فربما كان سبب الهلاك، أو بما يتعلق بفم السقاء من بخار النفَس، أو بما يخالط الماء من ريق الشارب فيتقذره غيره، أو لأن الوعاء يفسد بذلك في العادة، فيكون من إضاعة المال، قال: والذي يقتضيه الفقه أنه لا يبعد أن يكون النهي لمجموع هذه الأمور، وفيها ما يقتضي الكراهة، وفيها ما يقتضي التحريم، والقاعدة في مثل ذلك ترجيح القول بالتحريم، وقد جزم ابن حزم بالتحريم؛ لثبوت النهي، وحَمَل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة، وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة؛ لأنهم كانوا أوّلًا يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقاء، فنُسخ الجواز. قال الحافظ: ومن الأحاديث الواردة في الجواز ما أخرجه الترمذيّ، وصحَّحه من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدّته كبشة، قالت: «دخلت على رسول الله - ﷺ -، فشَرِب من في قِربة معلّقة»، وفي الباب عن عبد الله بن أنيس، عند أبي داود، والترمذيّ، وعن أم سلمة في «الشمائل»، وفي «مسند أحمد»، والطبرانيّ، و«المعاني» للطحاويّ. قال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: لو فُرِّق بين ما يكون لعذر، كأن تكون القربة معلقةً، ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسِّرًا، ولم يتمكن من التناول بكفه، فلا كراهة حينئذ، وعلى ذلك تُحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذر، فتُحمل عليه أحاديث النهي. قال الحافظ: ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلَّقة، والشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة، ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقًا، بل على تلك الصورة وحدها، وحَمْلها على حال الضرورة جمعًا بين الخبرين أَولى من حملها على النَّسخ، والله أعلم. وقد سبق ابن العربيّ إلى نحو ما أشار إليه العراقيّ، فقال: يَحْتَمِل أن يكون شُربه - ﷺ - في حال ضرورة، إما عند الحرب، وإما عند عدم الإناء، أو مع وجوده، لكن لم يتمكن لشغله من التفريغ من السقاء في الإناء، ثم قال: ويَحْتَمِل أن يكون شرب من إداوة، والنهي محمول على ما إذا كانت القربة كبيرة؛ لأنها مظنة وجود الهوامّ، كذا قال، والقربة الصغيرة لا يمتنع وجود شيء من الهوامّ فيها، والضرر يحصل به، ولو كان حقيرًا، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول بحمل النهي على التحريم أرجح؛ لأن النهي يقتضي التحريم إلا لصارف، ولا صارف هنا، لأن ما ذكروه صارفًا من فعل النبيّ - ﷺ - ليس قويًّا؛ لِمَا ذُكر من حَمْله على حالة الضرورة، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٢٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ، أَنْ يُشْرَبَ مِنْ أَفْوَاهِهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين، والحديث متّفقٌ عليه. وقوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: ونهيه - ﷺ - عن اختناث الأسقية، قال الراوي: واختناثها أن يُقْلَبَ رأسُها، ويُشرب منه، قال ابن دريد: اختناث الأسقية: كسر أفواهها إلى خارج؛ ليُشرب منها، فأمَّا كسرها إلى داخل فهو القَمْع. قال القرطبيّ: وأصل هذه اللفظة: التَّكسر، والتثني، ومنه: المخنَّث وهو الذي يتكسَّر في كلامه تكسُّر النساء، ويَنْثَنِي في مِشْيَته كمشيتهنَّ. وقيل في هذا، وفي نهيه - ﷺ - عن الشرب من فم السقاء أن ذلك مخافة أن يتقزَّز منه بعض الناس فيستقذره، وقيل: لِمَا يُخاف من ضرر يكون هنالك، كما رُوي عن أبي سعيد: أن رجلًا شرب من في سقاء فانساب جانّ في بطنه، فنهى النبيّ - ﷺ - عن اختناث الأسقية، وأن يُشرب من أفواهها، ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من رواية الزهريّ، وقد خرَّج الزبيريّ وغيره: أن النبيّ - ﷺ - قام إلى قربة، فخنثها، وشرب من فيها، وهذا - إن صحَّ - محمله: أن النبيّ - ﷺ - عَلِم أنه لم يكن هنالك شيء يضرّ، وأنه لم يكن يُستقذر منه شيء، بل كان كلُّ ما يُستقذر من غيره يستطاب منه، وتطيب به الأشياء. انتهى . وقوله: (أَنْ يُشْرَبَ مِنْ أفوَاهِهَا) «أن» مصدريّة، والفعل مبنيّ للمفعول، والمصدر المؤوّل بدل من «اختناث»، فهو تفسير لمعنى الاختناث، وهذا التفسير تقدّم أنه مدرج، وقد جزم الخطّابيّ أنه من تفسير الزهريّ. ويُحمل هذا التفسير المطلق، وهو الشرب من أفواهها على المقيّد بكسر فمها، أو قلب رأسها؛ أي: في رواية للبخاريّ بقوله: «يعني: أن تُكسر أفواهها، فيُشرب منها»، والله تعالى أعلم. وقوله: (مِنْ أفوَاهِهَا) قال في «العمدة»: الأفواه: جمع فم، على سبيل وإنما الحديث صحيح بغير ذكر لفظ: «فخنثها»، فقد أخرجه الترمذي بسند صحيح ٤/ ٣٠٦، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدّته كبشة، قالت: «دخل عليّ رسول الله - ﷺ -، فشرب من في قربة معلقة، قائمًا، فقمت إلى فيها فقطعته»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. انتهى. الردّ إلى الأصل؛ لأن أصل فَمٍ: فَوْهٌ، حُذفت منه الهاء؛ لاستثقالها عند الضمير، لو قيل: «فَوْهُهُ»، فلما حُذفت عُوِّضت عنها الميم. انتهى . وقال في «الفتح»: الأفواه: جمع فم، وهو على سبيل الردّ إلى الأصل في الفم أنه فَوْهٌ، نُقصت منه الهاء؛ لاستثقال هاءين عند الضمير لو قال: فَوْهُهُ، فلمّا لم تَحْتَمِل الواوُ بعد حذف الهاء الإعرابَ؛ لسكونها عُوِّضت ميمًا، فقيل: فَمٌ وهذا إذا أُفرد، ويجوز أن يُقتصر على الفاء إذا أضيف، لكن تزاد حركة مُشْبَعةٌ يختلف إعرابها بالحروف، فإن أضيف إلى مضمر كَفَت الحركات، ولا يضاف مع الميم إلا في ضرورة الشعر، كقول الشاعر [من الرجز]: كَالْحُوتِ لَا يُلْهِيهِ شَيْءٌ يَلْقَمُهْ … يُصْبِحُ عَطْشَانَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ فإذا أرادوا الجمع، أو التصغير ردّوه إلى الأصل، فقالوا: فُوَيْهٌ، وأَفْواهٌ، ولم يقولوا: فُمَيمٌ، ولا أَفْمَامٌ. انتهى . وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٢٦٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: وَاخْتِنَاثُهَا أَنْ يُقْلَبَ رَأْسُهَا، ثُمَّ يُشْرَبَ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (٢١١) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٨] (ت ١٥٤) وهو ابن (٥٨) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. و«الزهريّ» ذُكر قبله.
مصادر المؤلف (١٢)

١. «الفتح» ١٢/ ٦٨٤، كتاب «الأشربة» رقم (٥٦٢٥).

٢. «شرح النوويّ»١٣/ ١٩٤.

٣. إسناده صحيح.

٤. «الفتح»١٢/ ٦٨٤، كتاب«الأشربة»رقم (٥٦٢٥).

٥. «الفتح» ١٢/ ٦٨٦، كتاب «الأشربة» رقم (٥٦٢٥).

٦. «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ١٠٢.

٧. «الفتح» ١٢/ ٦٨٦ - ٦٨٨، كتاب «الأشربة» رقم (٥٦٢٥).

٨. الجانّ: ضرب من الحيّات، أكحل العينين، يَضرب إلى الصفرة، لا يؤذي، والجمع: جِنّان.

٩. قال الجامع: لا يصحّ هذا الحديث، فقد قال الترمذيّ في «الجامع» بعد إخراجه من حديث عيسى بن عبد الله بن أُنيس عن أبيه: هذا إسناد ليس إسناده بصحيح، وعبد الله بن عمر الْعُمَريّ يُضعّف من قِبَل حفظه، ولا أدري سمع من عيسى أم لا. انتهى.

١٠. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٢٨٦ - ٢٨٨.

١١. «عمدة القاري» ٢١/ ١٩٨.

١٢. «الفتح» ١٢/ ٦٨٥، كتاب «الأشربة» رقم (٥٦٢٥).