HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٣٨

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ. فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَقَالَ (مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟) قَالَا: الْجُوعُ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ (وَأَنَا. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا. قُومُوا) فَقَامُوا مَعَهُ. فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ. فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ. فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا! وَأَهْلًا! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَيْنَ فُلَانٌ؟) قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ. إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي. قَالَ فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ. فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ. وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِيَّاكَ! وَالْحَلُوبَ) فَذَبَحَ لَهُمْ. فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ. وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ. وَشَرِبُوا. فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ. ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حتى أصابكم هذا النعيم).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص116
ج ٣ ص ١٦٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٢٤٨
كما أسلفته قريبًا، والظاهر أنه جَمَع بينهما، فلا يتمّ الاستدلال المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب. (٨) - (بَابُ جَوَازِ اسْتِتْبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ بِرِضَاهُ بِذَلِكَ، وَيَتَحَقَّقُهُ تَحَقُّقًا تَامًّا، وَاسْتِحْبَابِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ) وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٠٢] (٢٠٣٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ، أَوْ لَيْلَةٍ، فَإذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟»، قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا»، فَقَامُوا مَعَهُ ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا، وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيْنَ فُلَانٌ؟»، قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ، وَتَمْرٌ، وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ»، فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا، وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ) بن صاعد الأشجعيّ مولاهم، أبو أحمد الكوفيّ، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوقٌ اختلط في آخره، وادّعى أنه رأى عمرو بن حُريث الصحابيّ، فأنكر عليه ذلك ابن عيينة، وأحمد [٨] (ت ١٨١) على الصحيح (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة» ١٣/ ٥٩٢. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو منين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢. ٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالكوفيين غير الصحابيّ فمدنيّ، وهو رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ، أَوْ لَيْلَةٍ) «أو» هنا للشكّ من الراوي، (فَإِذَا) هي «إذا» الفجائيّة، (هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ -، (وَعُمَرَ) الفاروق - ﵁ -؛ يعني: أنه فاجأ خروجه - ﷺ - لقاء هذين الصحابيين - ﵄ -، (فَقَالَ) - ﷺ - («مَا) استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء (أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا) بضمّ الباء، وكسرها، لغتان فصيحتان قُرئ بهما في السبع . (هَذِهِ السَّاعَةَ؟») الظاهر أن تلك الساعة لا يخرج من بيته عادة من كان مثلهما إلا للضرورة، ولهذا قال لهما - ﷺ - مستغربًا ذلك: «ما أخرجكما. . . إلخ»، وقد أشار إلى هذا في رواية الترمذيّ، ولفظه: «قال: خرج النبيّ - ﷺ - في ساعة لا يَخرُج فيها، ولا يلقاه فيها أحدٌ. . .» الحديث، وجاء في بعض الروايات أن ذلك كان وقت الظهيرة ، والله تعالى أعلم. (قَالَا: الْجُوعُ) فاعل لفعل مقدَّر دلّ عليه السؤال؛ أي: أخرجنا الجوع (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) - ﷺ - («وَأَنَا) بالواو، وفي بعض النسخ:»فأنا«بالفاء، (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه الحَلِف من غير استحلاف، (لأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا)؛ أي: وهو الجوع. قال النوويّ - ﵀ -: وأما قولهما - ﵄ -:«أخرجنا الجوع»، وقوله - ﷺ -:«وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما»: فمعناه: أنهما لِمَا كانا عليه من مراقبة الله تعالى، ولزوم طاعته، والاشتغال به، فعَرَض لهما هذا الجوع الذي يُزعجهما، ويُقلقهما، ويمنعهما من كمال النشاط للعبادة، وتمام التلذذ بها، سَعَيَا في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح، يدفعانه به، وهذا من أكمل الطاعات، وأبلغ أنواع المراقبات، وقد نُهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، وبحضرة طعام، تتوق النفس إليه، وفي ثوب له أعلام، وبحضرة المتحدثين، وغير ذلك، مما يَشْغَل قلبه، ونُهي القاضي عن القضاء في حال غضبه، وجوعه، وهمّه، وشدة فرحه، وغير ذلك، مما يَشغَل قلبه، ويمنعه كمال الفكر، والله أعلم. انتهى . ثم قال لهما: (قُومُوا») أمرٌ بالقيام لطلب العيش عند الحاجة، (فَقَامُوا مَعَهُ) قال الطيبيّ - ﵀ -: هكذا هو في الأصول بضمير الجمع، وهو جائز، فمن قال: إن أقل الجمع اثنان فظاهرٌ، ومن قال: إن أقله ثلاثة فمجاز. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم غير مرّة أن المذهب الصحيح أن أقل الجمع اثنان؛ لأدلّة كثيرة، قد أوضحتها في«التحفة المرضيّة»، و«شرحها»في الأصول، فراجعها، وبالله تعالى التوفيق. ووقع في بعض النسخ بلفظ:«قوما، فقاما معه»، وهو ظاهر، والله تعالى أعلم. (فَأَتَى) - ﷺ - (رَجُلًا)؛ أي: بيت رجل، أو قَصَده، (مِنَ الأَنْصَارِ) قال الطيبيّ - ﵀ -: إفراد الضمير، وإسناده إلى النبيّ - ﷺ - بعد قوله:«قوموا، فقاموا» إيذان بأنه - ﷺ - هو المطاع، وأنهما كانا مطيعين، منقادين، كمن لا اختيار له. قال النوويّ - ﵀ -: الرجل الأنصاريّ هو أبو الهيثم مالك بن التّيِّهان - بفتح التاء، وكسر المثنّاة تحتُ، وتشديدها . وقال في«الإصابة»: أبو الهيثم بن التَّيِّهان - بفتح المثناة الفوقانية، مع كسر الياء - ابن مالك بن عَتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعوراء الأنصاريّ الأوسيّ، وزعوراء أخو عبد الأشهل، ويقال: التَّيِّهان لقب، واسمه مالك، وهو مشهور بكنيته، وقد وقع في«مصنف عبد الرزاق» أن اسمه عبد الله، قال ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا: أبو الهيثم، واسمه مالك، وأخوه عَتيك ابنا التَّيِّهان، وقال في بيعة العقبة: وكان نقيبَ بني عبد الأشهل أُسيدُ بنُ حُضير وأبو الهيثم بن التّيّهان، وقال ابن السكن: ذكر ابن إسحاق أن أبا الهيثم من بَلِيّ، من بني عمرو بن الحاف بن قُضاعة، حالف بني عبد الأشهل، وآخى النبيّ - ﷺ - بينه وبين عثمان بن مظعون، وشهد المشاهد كلها، وكذا قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، فيمن شهد بدرًا، والعقبة: وكان أول من بايع. ثم ذكر الاختلاف في وفاته، ثم قال: وكأن الأصوب قول من قال: سنة عشرين، أو إحدى وعشرين، قال: وقال: القول بأنه مات سنة عشرين نقله ابن أبي خيثمة، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ. وأنشده أبو الربيع بن سالم الكلاعيّ لأبي الهيثم في النبيّ - ﷺ - بمرثية يقول فيها: لَقَدْ جُدِعَتْ آذَانُنَا وَأُنُوفُنَا … غَدَاةَ فُجِعْنَا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ وقال صاحب «التنبيه»: قوله: «فأتى رجلًا من الأنصار» هو أبو الهيثم بن التَّيِّهان الأنصاريّ، واسم أبي الهيثم: مالك، وقيل: هو أبو أيوب الأنصاريّ. انتهى . وقال الزرقانيّ - ﵀ -: وفي رواية الترمذيّ: «فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيّهان الأنصاريّ، وكان رجلًا كثير النخل والشياه، ولم يكن له خَدَمٌ»، وكذا عند البزار، وأبي يعلى، والطبرانيّ عن ابن عباس، وللطبراني أيضًا: عن ابن عمر، أنه أبو الهيثم، وللطبراني أيضًا، وابن حبان، عن ابن عباس أنه أبو أيوب، والظاهر أن القصة اتَّفَقت مرّةً مع أبي الهيثم، كما صَرّح به في أكثر الروايات، ومرّةً مع أبي أيوب، قاله المنذريّ. قال: وذهابهم إليه لا ينافي كمال شَرَفهم، فقد استَطْعَم قبلهم موسى والخضر لإرادة الله سبحانه بتسلية الخلق بهم، وأن يستن بهم السنن، ففعلوا ذلك تشريعًا للأمة. وهل خَرَج قاصدًا من أول خروجه إنسانًا معينًا، أو جاء التعيين بالاتفاق؟ احتمالان، قال بعضهم: الأصح أن أول خاطر حرّكه للخروج لم يكن إلى جهة معينة؛ لأن الكُمّل لا يعتمدون إلا على الله. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «الكمّل. . . إلخ» فيه نظر لا يخفى، فإن هذا ليس من الاعتماد على غير الله تعالى، بل هو من باب الأخذ بالأسباب، فتنبّه، ولا تغترّ به، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ) «إذا» هي الفجائيّة أيضًا؛ أي: ففاجأهم عدم وجود أبي الهيثم في بيته؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨]. (فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ) قال صاحب «التنبيه»: إن كان أبا الهيثم فامرأته لا أعرفها، وإن كان أبا أيوب، فامرأته هي أم أيوب، وهي بنت قيس بن عمرو بن امرئ القيس من الخزرج، ولا أعرف اسمها، ولعلّ اسمها كنيتها. انتهى . (قَالَتْ: مَرْحَبًا، وَأَهْلًا) قال النوويّ - ﵀ -: كلمتان معروفتان للعرب، ومعناهما: صادفت رَحْبًا، وسعةً، وأهلًا تأنس بهم. انتهى . وقال ابن منظور - ﵀ -: وقولهم: مَرْحَبًا وأهلًا؛ أي: أتيت سعةً، وأتيت أهلًا، فاستأنِس، ولا تستوحش، قال: وقيل: معنى مَرْحَبًا: أتيت، أو لقيت رُحْبًا وسعةً، لا ضِيقًا، وكذلك إذا قال: سهلًا، أراد: نزلت بلدًا سهلًا، لا حَزْنًا غَلِيظًا. انتهى باختصار . (فَقَالَ لَهَا)؛ أي: للمرأة (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيْنَ فُلَانٌ؟») يريد: زوجها، (قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ)؛ أي: يأتينا بماء عذب طيّب؛ لأن ماء المدينة أكثره مالح، قال الطيبيّ - ﵀ -: و«من» إما بيانيّة، أو تبعيضيّة. انتهى . (إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ) أبو الهيثم - ﵁ - (فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَصَاحِبَيْهِ) أبي بكر وعمر - ﵄ -، (ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) على ما أنعم به عليّ من نزول رسول الله - ﷺ -، وصاحبيه في بيتي، (مَا) نافية، (أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي)؛ لأنه لا يوجد على الإطلاق أكرم وأشرف على الله تعالى من رسول الله - ﷺ -، ومن صاحبيه بعد النبيين، وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا قولٌ صدقٌ، ومقالٌ حقٌّ؛ إذ لم تُقِلّ الأرض، ولا أظلَّت السَّماء في ذلك الوقت - أي: ولا في وقت من الأوقات على الإطلاق - أفضل من أضيافه؛ فإنَّهم: محمد رسول الله - ﷺ -، وخليفتاه: أنجو بكر، وعمر، ولمّا تحقق الرجل عظيم هذه النعمة قابلها بغاية مقدور الشكر، فقال: الحمد لله. انتهى . (قَالَ) أبو هريرة: (فَانْطَلَقَ) أبو الهيثم (فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ) بكسر العين، وهي الكِباسة، وهي الغصن من النخل، وإنما أتى بهذا العذق الملَوَّن؛ ليكون أطرف، وليجمعوا بين أكل الأنواع، فقد يطيب لبعضهم هذا، ولبعضهم هذا، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: العِذْقُ: الكِباسة، وهو جامع الشماريخ، والجمع: أَعْذَاقٌ، مثل حِمْل وأَحْمَال، والعَذْقُ، مثالُ فَلْس: النخلة نفسها، ويُطلق العَذْقُ على أنواع من التمر، ومنه عَذْقُ ابن الْحُبَيق، وعَذْق ابن طاب، وعَذْق ابن زيد، قاله أبو حاتم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: و«العِذق» - بكسر العين -: الكِباسة، وهي: العرجون، و«العَذْق» - بفتح العين -: النخلة، وإنما قدَّم لهم هذا العرجون؛ لأنَّه الذي تيسَّر له بغير كلفة، لا سيما مع تحققه حاجتهم، ولأن فيه ألوانًا من التمر، والبسر، والرطب، ولأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة أَولى من حيث إنه أقوى للمعدة؛ لأنَّه أسرع هَضْمًا. انتهى . (فِيهِ بُسْرٌ) بضمّ، فسكون. قال ابن فارس: الْبُسْر من كل شيء: الْغَضّ، ونَباتٌ بُسْرٌ؛ أي: طريّ. انتهى ، وقال المجد - ﵀ -: الْبُسْر: التمرُ قبل إرطابه، واحدته بُسرة، وتُضمّ الميم. انتهى . (وَتَمْر) قال الفيّوميّ - ﵀ -: «التمر»: من ثمر النخل؛ كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُترك على النخل بعد إرطابه حتى يجفّ، أو يقارب، ثم يُقطع، ويُترك في الشمس حتى يَيْبَس، قال أبو حاتم: وربما جُدّت النخلة، وهي باسرة بعدما أَخَلّت؛ ليُخَفَّف عنها، أو لخوف السرقة، فتُترك حتى تكون تمرًا، الوا حدة: تَمْرَةٌ، والجمع: تُمُورٌ، وتُمْرَانٌ بالضمّ. انتهى . (وَرُطَبٌ) بضمّ، ففتح، بوزن صُرَد: نَضِيج الْبُسْر، واحدته بِهاء، قاله المجد - ﵀ - . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الرُّطَبُ: ثمر النخل إذا أَدْرك، ونَضَج قبل أن يتتمر، الواحدة رُطَبَةٌ، والجمع أَرْطَابٌ، وأَرْطَبَتِ البسرة إِرْطَابًا: بدا فيها التَّرْطِيبُ، والرُّطَبُ نوعان: أَحَدُهُمَا: لا يتتمّر، وإذا تأخر أَكْله تسارع إليه الفساد، والثَّانِي: يتتمّر، ويصير عجوةً، وثمرًا يابسًا. انتهى . (فَقَالَ) الأنصاريّ للنبيّ - ﷺ -، وصاحبيه - ﵄ - (كُلُوا مِنْ هَذِهِ) البسر، والتمر، والرطب، (وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ) بضمّ الميم، وكسرها، وسكون الدال: هي السكّين، وتقدّم بيانها مرّات. وقال الفيّوميّ: الْمُدْيةُ: الشَّفْرة، والجمع: مُدًى، ومُدْياتٌ، مثلُ غُرْفة، وغُرَف، وغُرُفات بالسكون، والفتح، وبنو قُشير تقول: مِدْيةٌ بكسر الميم، والجمع مِدًى بالكسر، مثلُ سِدْرة وسِدَر، قاله الفيّوميّ . (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ»)؛ أي: احذر ذبح الحلوب؛ أي: ذات اللَّبَن، وهو فعولٌ بمعنى مفعول، كرَكُوب، ونظائره، وقال ابن الأثير - ﵀ -: «إيّاك والحلوبَ»؛ أي: ذات اللبن، يقال: ناقة حَلُوب؛ أي: هي مما يُحْلَب، وقيل: الحلوب، والحلوبة سواء، وقيل: الحلوب: الاسم، والحلوبة: الصفة، وقيل: الواحدة، والجماعة. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: «الحلوب» - بفتح الحاء -: الشاة التي تُحلَب لبنًا كثيرًا، إنَّما نهاه عنها؛ لأنَّ ذَبْحها تضييعٌ لِلَبَنها، مع أن غير ذات اللبن تتنزل منزلتها عند الضيف، ويحصل بها المقصود. انتهى . (فَذَبَحَ لَهُمْ) وفي رواية الترمذيّ: «فذبح لهم عَنَاقًا، أو جَدْيًا»، (فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا) من ذلك الماء العذب الذي أتى به أبو الهيثم. (فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا، وَرَوُوا) بضمّ الواو الأولى، وسكون الثانية، أصله رَوِيُوا بوزن عَلِموا، فنُقلت ضمّة الياء إلى الواو بعد سلب كسرتها استثقالًا للخروج من الكسرة إلى الضمّة، ثم حُذفت الياء لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة الساكنة، فصار: رَوُوا. (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) - ﵄ - («وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كما قال الله - ﷿ -: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨]، ثم بيّن وجه عظمة النعم، وذلك أنه (أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا) إلى بيوتكم (حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ») حيث أكلتم، وشربتم، فزال جوعكم. وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «أخرجكم من بيوتكم. . . إلخ» جملة مستأنفة بيان لموجب السؤال عن النعيم؛ يعني: حيث كنتم محتاجين إلى الطعام، مضطرين إليه، فنلتم غاية مطلوبكم من الشِّبَع، والرِّيّ، يجب أن تُسألوا، ويقال لكم: هل أدّيتم شكرها أم لا؟. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقول النبيّ - ﷺ -: «لتُسألُنَّ عن نعيم هذا اليوم»؛ أي: سؤال عَرْض، لا سؤال مناقشة، وسؤال إظهار التفضل والمنن، لا سؤالًا يقتضي المعاتبة، والْمِحَن، و«النعيم»: كل ما يُتنعم به؛ أي: يُستطاب، ويُتلذذ به، وإنما قال النبيّ - ﷺ - هذا استخراجًا للشكر على النعم، وتعظيمًا لذلك، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: وأما السؤال عن هذا النعيم، فقال القاضي عياض: المراد السؤال عن القيام بحقّ شكره، والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم، وإعلام بالامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها، لا سؤال توبيخ، وتقريع، ومحاسبة، والله أعلم. انتهى . [تنبيه]: أخرج الترمذيّ - ﵀ - هذا الحديث مطوّلًا، فقال: (٢٣٦٩) - حدّثنا محمد بن إسماعيل، حدّثنا آدم بن أبي إياس، حدّثنا شيبان أبو معاوية، حدّثنا عبد الملك بن عُمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: خرج النبيّ - ﷺ - في ساعة لا يَخرُج فيها، ولا يلقاه فيها أحدٌ، فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟» فقال: خرجت ألقى رسول الله - ﷺ -، وأنظر في وجهه، والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر، فقال: «ما جاء بك يا عمر؟» قال: الجوع يا رسول الله، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «وأنا قد وجدت بعض ذلك»، فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التَّيِّهان الأنصاريّ، وكان رجلًا كثير النخل والشاء، ولم يكن له خَدَمٌ، فلم يجدوه، فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: انطلقَ يستعذب لنا الماء، فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها ، فوضعها، ثم جاء يلتزم النبيّ - ﷺ -، ويُفَدِّيه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطًا، ثم انطلق إلى نخلة، فجاء بقِنْوٍ، فوضعه، فقال النبيّ - ﷺ -: «أفلا تنقيت لنا من رُطَبه؟» فقال: يا رسول الله إني أردت أن تختاروا، أو قال: تخيَّروا من رُطَبه، وبُسره، فأكلوا، وشربوا من ذلك الماء، فقال رسول الله - ﷺ -: «هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة، ظلّ باردٌ، ورُطَب طيبٌ، وماء باردٌ»، فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعامًا، فقال النبيّ - ﷺ -: «لا تذبحنّ ذات دَرّ»، قال: فذبح لهم عَناقًا، أو جَدْيًا، فأتاهم بها، فأكلوا، فقال النبيّ - ﷺ -: «هل لك خادم؟» قال: لا، قال: «فإذا أتانا سبي فائتنا»؛ فَأُتِيَ النبيّ - ﷺ - برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النبيّ - ﷺ -: «اختر منهما»، فقال: يا نبيّ الله اختر لي، فقال النبيّ - ﷺ -: «إن المستشار مؤتمنٌ، خذ هذا، فإني رأيته يصلي، واستوص به معروفًا»، فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته، فأخبرها بقول رسول الله - ﷺ -، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبيّ - ﷺ - إلا أن تُعتقه، قال: فهو عتيق، فقال النبيّ - ﷺ -: «إن الله لم يبعث نبيًّا، ولا خليفةً، إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا، ومن يوق بطانة السوء، فقد وُقِي»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال الجامع عفا الله عنه: هو كما قال؛ فإن رجاله رجال الصحيح، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٥٣٠٢ و٥٣٠٣] (٢٠٣٨)، و(الترمذيّ) في «الزهد» (٢٣٦٩) و«الشمائل» (١١٣)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٣٢)، و(ابن ماجه) (٣١٨٠) مختصرًا، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ١٧٦)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٢/ ٧٠٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٩/ ٢٥٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٤١)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (٤/ ١٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز استتباع الإنسان غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، ويتحققه تحققًا تامًّا. ٢ - (ومنها): بيان ما كان القوم عليه في أول الإسلام، من ضيق الحال، وشَظَف العيش، وما زال الأنبياء والصالحون يجوعون مرّةً، ويشبعون أخرى، وتُزوَى عنهم الدنيا، قاله ابن عبد البرّ - ﵀ - . وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يدلّ على شدَّة حالهم في أوَّل أمرهم، وسبب ذلك أن أهل المدينة كانوا في شَظَف من العيش عندما قَدِم عليهم النبيّ مع المهاجرين، وكان المهاجرون فرُّوا بأنفسهم، وتركوا أموالهم، وديارهم، فقَدِموا فقراء على أهل شدَّة، وحاجة، مع أن الأنصار - ﵃ - واسوهم فيما كان عندهم، وأشركوهم فيما كان لهم، ومنحوهم، وهادَوْهم، غير أن ذلك ما كان يسدُّ خلَّاتهم، ولا يرفع فاقاتهم، مع إيثارهم الضراء على السراء، والفقر على الغنى. ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح الله عليهم وادي القرى، وخيبر، وغير ذلك؛ فردُّوا لهم منائحهم، واستغنوا بما فتح الله عليهم، ومع ذلك فلم يزل عيشهم شديدًا، وجهدهم جهيدًا حتَّى لقوا الله تعالى مؤثرين ما عندهم، صابرين على شدَّة عيشهم، معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها، مقبلين على الآخرة، ونعيمها، وكراماتها، فحماهم الله ما رغبوا عنه، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه، حشرنا الله في زمرتهم، واستعملنا بسنَّتهم. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث فيه بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ -، وكبار أصحابه - ﵃ - من التقلل من الدنيا، وما ابتُلُوا به من الجوع، وضيق العيش في أوقات، وقد زعم بعض الناس أن هذا كان قبل فتح الفتوح والقرى عليهم، وهذا زعم باطل، فإن راوي الحديث أبو هريرة - ﵁ -، ومعلوم أنه أسلم بعد فتح خيبر. [فإن قيل]: لا يلزم من كونه رواه أن يكون أدرك القضية، فلعله سمعها من النبيّ - ﷺ -، أو غيره. [فالجواب]: أن هذا خلاف الظاهر، ولا ضرورة إليه، بل الصواب خلافه، وأن رسول الله - ﷺ - لم يزل يتقلّب في اليسار والقلّة حتى توفي - ﷺ -، فتارةً يوسر، وتارة يَنْفَد ما عنده، كما ثبت في «الصحيح» عن أبي هريرة - ﵁ -: خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا، ولم يشبع من خبز الشعير، وعن عائشة - ﵂ -: ما شبع آل محمد - ﷺ - منذ قدم المدينة من طعام ثلاث ليال تباعًا حتى قُبض، وتُوفّي - ﷺ - ودرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله، وغير ذلك، مما هو معروف، فكان النبيّ - ﷺ - في وقت يوسِر، ثم بعد قليل يَنْفَد ما عنده؛ لإخراجه في طاعة الله تعالى من وجوه البرّ، وإيثار المحتاجين، وضيافة الطارقين، وتجهيز السرايا، وغير ذلك، وهكذا كان خُلُق صاحبيه - ﵄ -، بل أكثر أصحابه، وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار - ﵃ - مع بِرّهم له - ﷺ -، وإكرامهم إياه، وإتحافه بالطُّرَف، وغيرها ربما لم يعرفوا حاجته في بعض الأحيان؛ لكونهم لا يعرفون فراغ ما كان عنده من القوت، بإيثاره به، ومَن عَلِم ذلك منهم ربما كان ضيق الحال في ذلك الوقت، كما جرى لصاحبيه، ولا يُعلم أحد من الصحابة - ﵃ - عَلِم حاجة النبيّ - ﷺ -، وهو متمكن من إزالتها إلا بادر إلى إزالتها، لكن كان - ﷺ - يكتمها عنهم؛ إيثارًا لتحمل المشاقّ، وحملًا عنهم، وقد بادر أبو طلحة حين قال: «سمعت صوت رسول الله - ﷺ - ضعيفًا، أعرف فيه الجوع» إلى إزالة تلك الحاجة، وكذا حديث جابر - ﵁ -، وسنذكرهما بعد هذا - إن شاء الله تعالى - وكذا حديث أبي شعيب الأنصاريّ الذي سبق في الباب قبله أنه عَرَف في وجهه - ﷺ - الجوع فبادر بصنيع الطعام، وأشباه هذا كثيرة، في «الصحيح» مشهورة، وكذلك كانوا يُؤْثِر بعضهم بعضًا، ولا يَعلم أحد منهم ضرورة صاحبه إلا سعى في إزالتها، وقد وصفهم الله - ﷾ - بذلك، فقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقال تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم . ٣ - (ومنها): جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه، لا على سبيل التشكّي، وعدم الرضا، بل للتسلية، والتصبر؛ كفعله - ﷺ - هنا، ولالتماس دعاء، أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض، فهذا كله ليس بمذموم، إنما يُذَمّ ما كان تشكيًا وتسخطًا وتجزعًا. ٤ - (ومنها): طلب الرزق، والنزول على الصَّدِيق الذي يوثَق به، وأكْل ماله، واستتباع جماعة إلى بيته. ٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً لأبي الهيثم - ﵁ -؛ إذ جعله النبيّ - ﷺ - أهلًا لضيافته، وصاحبيه، وكفى به شرفًا ذلك. ٦ - (ومنها): بيان استحباب الاجتماع على الطعام. ٧ - (ومنها): مشروعيّة الضيافة، وبرّ الضيف بكل ما يمكن، ولا سيّما إذا كان مستحقًّا لذلك؛ كالنبيّ - ﷺ -، وصاحبيه - ﵄ -. ٨ - (ومنها): استحباب إكرام الضيف بقول: «مرحبًا، وأهلًا»، وشِبْهِه، وإظهار السرور بقدومه، وجَعْله أهلًا لذلك، كل هذا وشِبْهِه إكرام للضيف، وقد قال - ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليُكْرِم ضيفه»، متّفقٌ عليه. ٩ - (ومنها): جواز سماع كلام الأجنبية، ومراجعتها الكلام للحاجة. ١٠ - (ومنها): جواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علمًا محقّقًا أنه لا يكرهه، بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة. ١١ - (ومنها): استحباب حمد الله تعالى عند حصول نعمة ظاهرة، وكذا يستحب عند اندفاع نقمة كانت متوقعةً، وفي غير ذلك من الأحوال. ١٢ - (ومنها): استحباب إظهار البِشر والفرح بالضيف في وجهه، وحَمْد الله تعالى، وهو يَسْمَع على حصول هذه النعمة، والثناء على ضيفه إن لم يَخَفْ عليه فتنةً، فإن خاف لم يُثْنِ عليه في وجهه، وهذا طريق الجمع بين الأحاديث الواردة بجواز ذلك ومنعه، قاله النوويّ - ﵀ - . ١٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على كمال فضيلة هذا الأنصاريّ - ﵁ -، وبلاغته، وعظيم معرفته؛ لأنه أتى بكلام مختصر بديع في الحُسْن في هذا الموطن - ﵁ -، حيث قال: «الحمد لله ما أحدٌ اليومَ أكرم أضيافًا منّي». وقال عبد الله بن رواحة - ﵁ - في هذه القصّة يمدح بها أبا الهيثم ابن التّيِّهان - ﵁ -[من الطويل]: فَلَمْ أَرَ كَالإِسْلَامٍ عِزًّا لأُمَّةٍ … وَلَا مِثْلَ أَضْيَافِ الإِرَاشِيِّ مَعْشَرَا نَبِيٌّ وِصِدِّيقٌ وَفارُوقُ أُمَّةٍ … وَخَيْرُ بَنِي حَوَّاءَ فَرْعًا وَعُنْصُرَا فَوَافَوْا لِمِيقَاتٍ وَقَدْرِ قَضِيَّةٍ … وَكَانَ قَضَاءُ الله قَدْرًا مُقَدَّرَا إِلَى رَجُلٍ نَجْدٍ يُبَارِي بجُودِهِ … شُمُوسَ الضُّحَى جُودًا وَمَجْدًا وَمْفَخَرا وَفَارِسِ خَلْقِ اللهِ فِي كُلِّ غَارَةٍ … إِذَا لَبِسَ الْقَوْمُ الْحَدِيدَ الْمُسَمَّرا فَفَدَّى وَحَيَّا ثُمَّ أَدْنَى قِرَاهُمُ … فَلَمْ يَقْرِهِمْ إِلَّا سَمِينًا مُتَمَّرَا ١٤ - (ومنها): استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما. ١٥ - (ومنها): استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسَّر، وإكرامه بعده بطعام يصنعه له، لا سيما إن غلب على ظنه حاجته في الحال إلى الطعام، وقد يكون شديد الحاجة إلى التعجيل، وقد يشق عليه انتظار ما يُصنع له لاستعجاله للانصراف، قال النوويّ: وقد كَرِه جماعة من السلف التكلف للضيف، وهو محمول على ما يشقّ على صاحب البيت مشقةً ظاهرةً؛ لأن ذلك يمنعه من الإخلاص، وكمال السرور بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك، فيتأذى به الضيف، وقد يُحضر شيئًا يعرف الضيف من حاله أنه يشقّ عليه، وأنه يتكلفه له، فيتأذى الضيف؛ لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله - ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»؛ لأن أكمل إكرامه إراحة خاطره، وإظهار السرور به، وأما فعل الأنصاريّ - ﵁ -، وذَبْحه الشاة فليس مما يشقّ عليه، بل لو ذبح أغنامًا، بل جمالًا، وأنفق أموالًا في ضيافة رسول الله - ﷺ - وصاحبيه - ﵄ - كان مسرورًا بذلك، مغبوطًا فيه، والله أعلم. انتهى . ١٦ - (ومنها): جواز الشِّبَع، وأما ما جاء في كراهة الشِّبَع فمحمول على المداومة عليه؛ لأنه يُقسي القلب، ويُنسي أمر المحتاجين. وقال القرطبيّ - ﵀ -: في الحديث دليل على جواز الشبع من الحلال، وما جاء مما يدلُّ على كراهة الشبع عن النبيّ - ﷺ -، وعن السلف: إنما ذلك في الشبع المثقل للمعدة، المبطئ بصاحبه عن الصلوات، والأذكار، المضرِّ للإنسان بالتُّخَم، وغيرها؛ الذي يفضي بصاحبه إلى البطر، والأشر، والنوم، والكسل، فهذا هو المكروه، وقد يُلْحَق بالْمُحرَّم إذا كثرت آفاته، وعمَّت بليَّاته، والقسطاس المستقيم ما قاله النبيّ - ﷺ -: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه؛ فإنَّ كان ولا بدَّ، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه». انتهى . ١٧ - (ومنها): كراهية ذبح ما يَجري نفعه مياومةً، ومداومةً كراهية إرشاد، لا كراهية تحريم، قاله ابن عبد البرّ - ﵀ - . ١٨ - (ومنها): مشروعيّة استعذاب الماء، وتخيّره، وتبريده بالريح وغير ذلك مما في معناه. ١٩ - (ومنها): بيان أن الناس سيُسألون يوم القيامة عن نعيم الدنيا كلّها، جليلها ودقيقها؛ لظاهر الآية، وظاهر حديث الباب. وقال ابن عبد البرّ - ﵀ -: وفيه دليل على أن ما سدّ الجوع، وسَتَر العورة من خَشِن الطعام واللباس، لا يُسأل عنه المرء في القيامة، والله أعلم، وإنما يُسأل عن النعيم، هذا قاله ابن عيينة، واحتج بقول الله - ﷿ - لآدم - ﵇ -: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٩]، وبقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨]، قال: وهذه المسألة فيها نظر، واختلاف، وليس هذا موضع ذِكر ذلك، وبالله التوفيق. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن عبد البرّ، ونقله عن ابن عيينة لا يخفى ما فيه؛ لمخالفته ظاهر الآية، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢٠ - (ومنها): جواز الجمع بين طعامين، فأكثر على مائدة واحدة، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾: قال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - في «تفسيره»: واختلف أهل التأويل في النعيم المسئول عنه على عشرة أقوال: [أحدها]: الأمن، والصحة، قاله ابن مسعود - ﵁ -. [الثاني]: الصحة، والفراغ، قاله سعيد بن جبير، وفي «صحيح البخاريّ» عنه - ﷺ -: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ». [الثالث]: الإدراك بحواس السمع، والبصر، قاله ابن عباس - ﵄ -، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وأخرج الترمذيّ عن أبي هريرة، وأبي سعيد - ﵄ - قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول له: ألم أجعل لك سمعًا، وبصرًا، ومالًا، وولدًا. . .»، الحديث، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. [الرابع]: ملاذّ المأكول والمشروب، قاله جابر بن عبد الله الأنصاريّ - ﵄ -، وحديث أبي هريرة يدل عليه. [الخامس]: أنه الغداء، والعشاء، قاله الحسن. [السادس]: قول مكحول الشاميّ: إنه شِبَع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم، ورواه زيد بن أسلم عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]؛ يعني: عن شبع البطون. . .، فذكره، ذكره الماورديّ، وقال: وهذا السؤال يعم الكافر والمؤمن، إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وسؤال الكافر تقريع أن قابَلَ نعيم الدنيا بالكفر والمعصية. وقال قوم: هذا السؤال عن كل نعمة، إنما يكون في حق الكفار، فقد روي أن أبا بكر لمّا نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيّهان، من خبز شعير، ولحم، وبسر قد ذَنّب، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال - ﷺ -: «ذلك للكفار، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ [سبأ: ١٧]»، ذكره القشيريّ أبو نصر. قال الجامع عفا الله عنه: هذه الحكاية عن أبي بكر لا تصحّ؛ لأن الثابت في «صحيح مسلم» عكسها، وهو أنه - ﷺ - قال لهما في نفس القصّة: «لتسألنّ عن هذا النعيم يوم القيامة»، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. قال: وقال الحسن: لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار. وقال القشيريّ: والجمع بين الأخبار: أن الكل يُسألون، ولكن سؤال الكافر توبيخ؛ لأنه قد ترك الشكر، وسؤال المؤمن سؤال تشريف؛ لأنه شكر، وهذا النعيم في كل نعمة. قال القرطبيّ: هذا القول حسن؛ لأن اللفظ يعمّ، وقد ذكر الفريابيّ قال: حدّثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ قال: كل شيء من لذّة الدنيا. وروى أبو الأحوص عن عبد الله - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «إن الله تعالى ليعدِّد نِعَمَه على العبد يوم القيامة، حتى يعدّ عليه: سألتَني فلانة أن أزوجكها - فيسميها باسمها - فزوجتكها». وفي الترمذيّ عن أبي هريرة قال: لمّا نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ قال الناس: يا رسول الله، عن أبيّ النعيم نُسأل؟ فإنما هما الأسودان، والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: «إن ذلك سيكون» . وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أول ما يُسأل عنه يوم القيامة - يعني: العبد - أن يقال له: ألم نُصَحّ لك جسمك، ونُرويك من الماء البارد؟» . وفي حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده، فيوقفه بين يديه، فيسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله» ، والجاه من نعيم الدنيا لا محالة. وقال مالك - ﵀ -: إنه صحة البدن، وطِيْب النفس، وهو القول السابع. وقيل: النوم مع الأمن والعافية. وقال سفيان بن عيينة: إن ما سدَّ الجوع وسَتَر العورة من خشن الطعام واللباس، لا يُسأل عنه المرء يوم القيامة، وإنما يُسأل عن النعيم. قال: والدليل عليه أن الله تعالى أسكن آدم الجنة، فقال له: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨، ١١٩]. فكانت هذه الأشياء الأربعة - ما يسد به الجوع، وما يدفع به العطش، وما يستكن فيه من الحرّ، ويستر به عورته - لآدم - ﵇ - بالإطلاق، لا حساب عليه فيها؛ لأنه لا بدّ له منها. قال: ونحو هذا ذكره القشيريّ أبو نصر، قال: إن مما لا يسأل عنه العبد: لباسًا يواري سوأته، وطعامًا يقيم صُلبه، ومكانًا يكنّه من الحرّ والبرد. قال القرطبيّ: وهذا منتزَع من قوله - ﷺ -: «ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجِلْف الخبز والماء» ، خرجه الترمذيّ. وقال النضر بن شميل: جِلْف الخبز: ليس معه إدام. وقال محمد بن كعب: النعيم: هو ما أنعم الله علينا بمحمد - ﷺ -، وفي التنزيل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال الحسن أيضًا والمفضل: هو تخفيف الشرائع، وتيسير القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]. قال القرطبيّ: وكل هذه نِعَم، فيُسأل العبد عنها: هل شَكَر ذلك أم كَفَر؟ والأقوال المتقدمة أظهر، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أرجح الأقوال هو القول بعموم المسألة عن النِّعم كلّها، جليلها وحقيرها؛ لظاهر الآية، وظاهر حديث الباب، ولا ينافيه حديث الترمذيّ المذكور: «ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال. . .» الحديث؛ لأنه لا ينافي السؤال، وإنما غايته أنّ هذه الأشياء مباحة له، لا يعذَّب عليها، وهذا لا ينافي السؤال، على أن الحديث ضعّفه بعضهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٠٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ - يَعْنِي: الْمُغِيرَةَ بْنَ سَلَمَةَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا أبُو حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَيْنَا أَبُو بَكْرٍ قَاعِدٌ، وَعُمَرُ مَعَهُ، إِذْ أَتَاهُمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَا أَقْعَدَكُمَا هَا هُنَا؟»، قَالَا: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ مِنْ بُيُوتِنَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ). [تنبيه]: وقع في النسخة التي شَرَح عليها النوويّ هذا السند هكذا: «وحدثني إسحاق بن منصور، أنبأنا أبو هشام - يعني: المغيرة بن سلمة - أنبأنا يزيد، أنبأنا أبو حازم، قال:»سمعت أبا هريرة يقول. . . إلخ«بإسقاط عبد الواحد، فقال النوويّ: هكذا وقع هذا الإسناد في النسخ ببلادنا، وحَكَى القاضي عياض أنه وقع هكذا في رواية ابن ماهان، وفي رواية الرازيّ من طريق الجلوديّ، وأنه وقع من رواية السجزيّ، عن الجلوديّ بزيادة رجل بين المغيرة بن سلمة ويزيد بن كيسان، هو عبد الواحد بن زياد، قال أبو عليّ الجيانيّ : ولا بد من إثبات عبد الواحد، ولا يتصل الحديث إلا به، قال: وكذلك خرّجه أبو مسعود الدمشقيّ في»الأطراف«عن مسلم، عن إسحاق، عن مُغيرة، عن عبد الواحد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال الجيانيّ: وما وقع في رواية ابن ماهان، وغيره، من إسقاطه خطأ بَيِّنٌ. قال النوويّ: ونقله خلف الواسطيّ في«الأطراف»بإسقاط عبد الواحد، والظاهر الذي يقتضيه حال مغيرة ويزيد أنه لا بدّ من إثبات عبد الواحد، كما قاله الجيانيّ، والله أعلم. انتهى .
مصادر المؤلف (٤٥)

١. وفي نسخة: «قوما، فقاما معه».

٢. «شرح النوويّ» ١٣/ ٢١٢.

٣. راجع: «الرياض النضرة» ١/ ٣٣٩، ولفظه: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - يومًا عند الظهيرة، فرأى أبا بكر جالسًا في المسجد، فقال: ما أخرجك يا أبا بكر هذه الساعة. . .» الحديث.

٤. «شرح النوويّ»١٣/ ٢١٢.

٥. «الكاشف عن حقائق السنن»٩/ ٢٨٦٧.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن»٩/ ٢٨٦٧.

٧. «الإصابة في تمييز الصحابة»٧/ ٤٥٠ - ٤٥١.

٨. «تنبيه المعلم»ص ٣٥٠.

٩. «شرح الزرقاني» ٤/ ٣٩٦.

١٠. «تنبيه المعلم» ص ٣٥١.

١١. «شرح النوويّ» ١٣/ ٢١٢.

١٢. «لسان العرب» ١/ ٤١٤.

١٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٩/ ٢٨٦٨.

١٤. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٠٦.

١٥. «شرح النوويّ» ١٣/ ٢١٢.

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٩.

١٧. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٠٦.

١٨. «المصباح المنير» ١/ ٤٨.

١٩. «القاموس المحيط» ص ١٠٦.

٢٠. «المصباح المنير» ١/ ٧٦ - ٧٧.

٢١. «القاموس المحيط» ص ٥١٣.

٢٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٠.

٢٣. «المصباح المنير» ١/ ٥٦٧.

٢٤. «النهاية في غريب الأثر» ١/ ٤٢٢.

٢٥. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٠٦.

٢٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٩/ ٢٨٦٨.

٢٧. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٠٦.

٢٨. «شرح النوويّ» ١٣/ ٢١١ - ٢١٤.

٢٩. قال في «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ٣٠٢: يَزْعبها؛ أي: يتدافع بها، ويحملها؛ لثقلها، وقيل: زعب بحمله إذا استقام. انتهى.

٣٠. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٢٤/ ٣٣٩.

٣١. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٠٥.

٣٢. «شرح النوويّ» ١٣/ ٢١١ - ٢١٢.

٣٣. «شرح النوويّ» ١٣/ ٢١٣.

٣٤. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٢٤/ ٣٤١.

٣٥. «شرح النوويّ» ١٣/ ٢١٣.

٣٦. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٠٥.

٣٧. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٢٤/ ٣٣٩.

٣٨. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٢٤/ ٣٤٠.

٣٩. حديث حسن.

٤٠. حديث صحيح.

٤١. حديث ضعيف، قال الهيثميّ: في سنده يوسف بن يونس الأفطس، وهو ضعيف جدًّا.

٤٢. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح، وضعّفه الشيخ الألبانيّ، والظاهر أن ما قاله الترمذيّ صحيح.

٤٣. «تفسير القرطبيّ» ٢٠/ ١٧٦ - ١٧٨.

٤٤. راجع:«تقييد المهمل»٣/ ٨٩٨ - ٨٩٩.

٤٥. «شرح النوويّ» ١٣/ ٢١٤ - ٢١٥.