HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٥٣

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (واللفظ لابن المثنى). قالا: حدثنا محمد ابن جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ، أَكَلَ مِنْهُ وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ. وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْمًا بِفَضْلَةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا. لِأَنَّ فِيهَا ثُومًا. فَسَأَلْتُهُ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ (لَا. وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ). قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كرهت.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص126
ج ٣ ص ١٦٢٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٣٨٧
(١٩) - (بَابُ إِبَاحَةِ أَكْلِ الثُّوم، وَأنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أرَادَ خِطَابَ الْكِبَارِ تَرْكُهُ، وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٣٤٥] (٢٠٥٣) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِنْهُ، وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْمًا بِفَضْلَةٍ، لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا؛ لأَنَّ فِيهَا ثُومًا، فَسَأَلْتُهُ أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنِّي أَكرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ»، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قريبًا. ٢ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبِ) بن أوس بن خالد الباهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، مضطرب في عكرمة، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. ٣ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة سبعين (ع) تقدم في «الحيض» ٢٤/ ٨٠٨. ٤ - (أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ) خالد بن زبد بن كُليب، من كبار الصحابة -﵁-، شهد بدرًا، ونزل النبيّ -ﷺ- عليه حين قَدِم المدينة، ومات غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٣. والباقون تقدّموا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وأن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وأن صحابيّه من أفاضل الصحابة -﵃-. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ) خالد بن زيد -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ) ببناء الفعل للمفعول، (أَكَلَ مِنْهُ، وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ)؛ أي: بما بقي منه بعد أكله (إِلَيَّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إلَيَّ يَوْمًا بِفَضْلَةٍ)؛ أي: ببقيّة طعام (لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا؛ لأَنَّ فِيهَا ثُومًا)، وكان -ﷺ- يكرهه؛ لأجل ريحه الكريه، (فَسَأَلْتُهُ أَحَرَامٌ هُوَ؟)؛ أي: الثوم، (قَالَ) -ﷺ- («لَا)؛ أي: ليس محرّمًا (وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ)؛ أي: أكره أكله (مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ») هذا تصريح بإباحة الثوم، وهو مُجمَع عليه، لكن يُكره لمن أراد حضور المسجد، أو حضور جمع في غير المسجد، أو مخاطبة الكبار، ويُلحق بالثوم كل ما له رائحة كريهة، قال النوويّ -﵀-: واختلف أصحابنا في حكم الثوم في حقه -ﷺ-، وكذلك البصل، والكُرّاث، ونحوها، فقال بعض أصحابنا: هي محرمة عليه، والأصح عندهم أنها مكروهة كراهة تنزيه، ليست محرّمة؛ لعموم قوله -ﷺ-: «لا» في جواب قوله: أحرام هي؟ ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث ليس بحرام في حقكم. انتهى . (قَالَ) أبو أيوب -﵁- (فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ)؛ أي: لأني أحبّك، ومن أوصاف المحبّ الصادق أن يُحبّ ما أحبّ محبوبه، وَيكره ما كره، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف: -﵀-، وسيأتي بيان مسائله بعد حديث- إن شاء الله تعالى-. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف: -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٣٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، في هَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (يَحْيىَ بْنُ سَعِيدِ) بن فرّوخ التميميّ، أبو سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حافظٌ إمام قُدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٢٣٥٨٤) - حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدّثني سماك، عن جابر بن سَمُرة، عن أبي أيوب، أن رسول الله -ﷺ- كان إذا أكل طعامًا بعث بفضله إلى أبي أيوب، قال: فأُتي يومًا بقصعة فيها ثُوم، فبعث بها، قال: يا رسول الله أحرام هو؟ قال: «لا، ولكني أكره ريحه»، قال: فإني أكره ما تكره. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٣٤٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ -وَاللَّفْظُ مِنْهُمَا قَرِيبٌ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ -فِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ: ابْنُ يَزِيدَ، أَبُو زَيْدٍ الأَحْوَلُ- حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي السُّفْلِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعُلْوِ، قَالَ: فَانْتبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً، فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَتَنَحَّوْا، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «السُّفْلُ أَرْفَقُ»، فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي الْعُلْوِ، وَأبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيَّ -ﷺ- طَعَامًا، فَإذَا جِيء بِهِ إِلَيْهِ سَأَل عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ، فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَل عَنْ مَوْضِعِ أَصَابعِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزعَ، وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَا وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ»، قَالَ: فَإنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ، أَوْ مَا كَرِهْتَ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُؤْتَى). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو حجاج بن يوسف بن حجاج البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ) أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٣. ٣ - (أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السدوسيّ الملقّب بعارم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر بآخره، من صغار [٩] (ت ٣ أو ٢٢٤) (ع) تقدم في «الحج» ٢٨/ ٣٠١٣. ٤ - (ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو زَيْدٍ الأَحْوَلُ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧]. روى عن هلال بن خباب، وعاصم الأحول، وسليمان التيميّ، وجماعة. وروى عنه عبد الله بن معاوية الْجُمَحيّ، ومعاوية بن عمرو، وأبو سلمة التبوذكيّ، ومحمد بن الصَّلْت، وعارمٌ، وغيرهم. قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ثقة أوثق من عبد الأعلى، وأحفظ من عاصم الأحول، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال عفان: دلّنا عليه شعبة، ووثقه أبو داود، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان عطّارًا بالبصرة، قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ -﵀-: مات سنة (١٦٩). أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد سنة (١٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٧. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ) الأنصاريّ، أبو الوليد البصريّ، نسيب ابن سيرين، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٦/ ١٣٣٨. [تنبيه]: وقع في النسخ هنا تصحيف فاحش، وهو قوله: «حدّثنا عاصم بن عبد الله بن الحارث»، فتصحّف «عن» إلى «ابن»، فصار عبد الله بن الحارث أبًا لعاصم، وهذا غلطٌ، والصواب ما هنا، ووقع في النسخة الهنديّة على الصواب، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. ٧ - (أَفْلَحُ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ) الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو كثير، وقيل غير ذلك، كان من سبي عين التمر، مخضرمٌ ثقةٌ [٢]. روى عن مولاه، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدريّ، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن سلام. وروى عنه محمد بن سيرين، ونسيبه أبو الوليد عبد الله بن الحارث، وأبو بكر بن حزم، وواقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم. قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، وقال ابن سعد: مات في خلافة يزيد بن معاوية سنة (٦٣)، وكان ثقةً قليل الحديث، وقال ابن المدينيّ: قُتِل بالحرّة، ورواه البخاريّ في «تاريخه» عن ابن سيرين بسند صحيح، ونقله ابن عساكر عن الواقديّ، وقال ابن عساكر: أدرك عمر، ورَوَى عن عثمان، وقال ابن سيرين: كاتبه أبو أيوب على أربعين ألفًا، ثم تركها له، وأعتقه، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له المصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٨ - (أبو أيوب) الأنصاري خالد بن زيد بن كليب، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبي -ﷺ- حين قدم المدينة عليه، ومات غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل: بعدها، (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عاصم، عن عبد الله بن الحارث، عن أفلح، وفيه أبو أيوب -﵁- من أكابر الصحابة -﵃-، وممن نزل عليه النبيّ -ﷺ- أول هجرته حتى بني حُجَر أزواجه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصاريّ الصحابيّ الشهير -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَزَلَ عَلَيْهِ)؛ أي: نزل -ﷺ- في بيته ضيفًا عليه، حين هاجر من مكة إلى المدينة، (فَنَزَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي السُّفْلِ) بضمّ السين المهملة، وكسرها لغتان، قاله النوويّ ، والفاء ساكنة، وقال الفيّوميّ: السُّفْل: خلاف الْعُلْو بالضمّ، والكسرُ لغة، وابن قُتيبة يمنع الضمّ. انتهى . وقال المجد: -﵀-: السُّفْلُ والسُّفُولُ، والسُّفَالةُ بضمّهنّ، والسِّفْلُ، والسِّفْلَةُ بكسرهما، والسَّفَالُ بالفتح: نقض الْعُلْوِ، والْعُلُوِّ، والْعُلَاوَةِ، والْعِلْوِ، والْعِلْوَةِ، والْعَلَاءِ. انتهى . (وَأَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريّ -﵁- (فِي الْعُلْوِ) بتثليث العين، مع سكون اللام، قال المجد -﵀-: عُلْوُ الشيء مثلّثةٌ، وعُلاوته، بالضمّ، وعاليته: أرفعه. انتهى . (قَالَ) الراوي (فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً) من الليالي، (فَقَالَ) في نفسه، أو قال لمن معه من الأهل (نَمْشِي فَوْقَ رَأسِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) قاله إنكارًا على نفسه، حيث إن هذا المشي يُخلّ بتعظيم رسول الله -ﷺ-، فلذلك شَقَّ على أبي أيوب -﵁-. (فَتَنَحَّوْا)؛ أي: انتقلوا من المكان الذي كانوا فيه، (فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ)؛ أي: في جهة أخرى من البيت، (ثُمَّ قَالَ) أبو أيوب بعدما أصبح (لِلنَّبِيِّ -ﷺ-)؛ أي: كلّمه بما فعل من انتقاله من مكان إلى آخر بسبب كونه -ﷺ- تحتهم، (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «السُّفْلُ أَرْفَقُ»)؛ أي: كوننا في الطبق الأسفل أيسر علينا، وأسهل بنا، وقال القرطبيّ -﵀-: وقوله -ﷺ-: «السُّفل أرفق بنا»؛ يعني بذلك: من جهة الصعود إلى العلو، وبما يلحق في تكرار ذلك من المشقّة، ومع ذلك فتجشمها النبيّ -ﷺ- لَمّا رأى صدق أبي أيوب في احترامه، وعزمه على ألا يسكن العلو بوجه، فلو لم يُجبه إلى ذلك لانتقل منه أبو أيوب إلى موضع آخر، وربما تكثر عليه المشقة، والحرج، فآثر -ﷺ- موافقته على المشقة اللاحقة له في الصعود. انتهى . (فَقَالَ) أبو أيوب (لَا أَعْلُو سَقِيفَةً) -بفتح، فكسر-: الصُّفَّة، وكلُّ ما سُقّف من جَناح وغيره، وسَقِيفة بني ساعدة ظُلّةٌ، وقيل: صُفّة، والجمع سَقَائف، قاله الفيّوميّ . (أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي الْعُلْوِ)؛ أي: إلى المكان العلو، (وَأَبُو أَيُّوبَ الأنصاريّ في السُّفْلِ)؛ أي: إلى المكان السُّفْل. قال النوويّ -﵀-: أما نزوله -ﷺ- أوّلًا في السفل، فقد صَرَّح بسببه، وأنه أرفق به، وبأصحابه، وقاصديه، وأما كراهة أبي أيوب، فمن الأدب المحبوب الجميل ؛ إذ هو تعظيم للنبيّ -ﷺ- غاية التعظيم. وقال القرطبيّ -﵀-: وإنما تحرَّج أبو أيوب -﵁- من البقاء في العلو الذي كان النبيّ -ﷺ- تحته؛ إعظامًا للرسول -ﷺ-، واحترامًا عن أن يعلوه، ولإمكان أن يسقط من العلو شيء عند حركتهم في العلو، فيؤذي النبيّ -ﷺ-. انتهى . (فَكَانَ) أبو أيوب (يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- طَعَامًا، فَإِذَا جِيء بِهِ)؛ أي: بذلك الطعام (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى أبي أيوب بعدما يأكل النبيّ -ﷺ- منه، (سَأَل) أبو أيوب (عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ) -ﷺ- (فَيَتَتبَّعُ مَوْضِعَ أصَابِعِهِ) والمعنى: أن أبا أيوب -﵁- إذا بَعَث إلى النبيّ -ﷺ- طعامًا، فأكل منه حاجته، ثم رَدّ الفضلة أكل أبو أيوب من موضع أصابع النبيّ -ﷺ-؛ تبرّكًا به، ففيه التبرك بآثار النبيّ -ﷺ- في الطعام، وغيره، والله تعالى أعلم. (فَصَنَعَ) أبو أيوب (لَهُ) -ﷺ- (طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ) بالبناء للمفعول؛ أي: لمّا رُد ذلك الطعام من عنده -ﷺ- (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى أبي أيوب، (سَأَل) أبو أيوب (عَنْ مَوْضِعِ أَصابِع النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ) -ﷺ- منه؛ لكون الثّوم فيه. (فَفَزعَ) بكسر الزاي، من باب تَعِب؛ أي: فَزَع أبو أيوب -﵁- من عدم أَكْله -ﷺ- من ذلك الطعام؛ لخوفه أن يكون حَدَث منه أمر أوجب الامتناع من طعامه، (وَصَعِدَ) بكسر العين المهملة، من باب سَمِعَ صُعُودًا: رَقِي، (إِلَيْهِ) -ﷺ- (فَقَالَ) بعدما سأل النبيّ -ﷺ- عن عدم أَكْله منه، فأخبره بأن فيه ثُومًا، (أَحَرَامٌ هُوَ؟)؛ أي: الثوم، قال القرطبيّ -﵀-: هذا سؤال من يعتقد أن النبيّ -ﷺ- إذا ترك أكل شيء جرت العادة بأكله كان ذلك دليلًا على تحريمه ذلك، ولذلك أجابه النبيّ -ﷺ- بقوله: «لا»، وهو ردٌّ على من يقول من أهل الظاهر: إنه حرام، يمنع حضور الجماعات للصلاة، وقد تقدّم الكلام على هذا في «كتاب الصلاة». انتهى . (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَا)؛ أي: ليس بحرام، (وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ)؛ أي: لرائحته الكريهة، قال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على كراهة أكل الثوم، وإن كان مطبوخًا، وقد تقدم قول عمر -﵁-:»فمن أَكَلهما فَلْيُمِتْهُما طبخًا«، وإنما كان النبيّ -ﷺ- يكرههما مطلقًا؛ لخصوصيته بمناجاة الملائكة، ولذلك قال في بعض الحديث:»كُلْ، فإني أناجي من لا تناجي»، متّفقٌ عليه. انتهى . (قَالَ) أبو أيوب (فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ)؛ لأن مِن صِدْق المحبّة أن يُحب المرء ما يُحبّه محبوبه، ويكره ما يكرهه، وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي، هل قال: ما تكره بصيغة المضارع، أو قال: (مَا كَرِهْتَ) بصيغة الماضي؟ (قَالَ) الراوي أبو أيوب أو غيره (وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُؤْتَى) بالبناء للمفعول، وهذا بيان لسبب كراهة النبيّ -ﷺ- أَكْل الطعام الذي فيه الثوم، وذلك لأنه يأتيه المَلَك، والثوم له رائحة كريهة، والملائكة تتأذّى منها. وقال النوويّ -﵀-: قوله: (وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُؤْتَى) معناه: تأتيه الملائكة، والوحيُ، كما جاء في الحديث الآخر: «إني أناجي من لا تناجي»، و«إن الملائكة تتأذى مما يتاذى منه بنو آدم»، وكان -ﷺ- يترك الثوم دائمًا؛ لأنه يتوقع مجيء الملائكة والوحي كلَّ ساعة. قال: واختَلَف أصحابنا في حكم الثوم في حقه -ﷺ-، وكذلك البصل، والْكُرّاث، ونحوها، فقال بعض أصحابنا: هي محرّمة عليه، والأصح عندهم أنها مكروهة كراهة تنزيه، ليست محرّمة لعموم قوله -ﷺ-: «لا» في جواب قوله: «أحرام هو؟» ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث: ليس بحرام في حقكم، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: وقوله: «كان يؤتى» قد فسَّره الراوي بقوله: يعني: يأتيه الوحي، ومعناه: يؤتى بالوحي؛ أي: يجاء إليه به، والوحي: ما يبلّغه النبيّ -ﷺ- عن الله تعالى مما يبلّغه جبريل -﵇-. انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أيوب الأنصاريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٥٣٤٥ و٥٣٤٦ و٥٣٤٧] (٢٠٥٣)، و(الترمذيّ) في «الأطعمة» (١٨١١)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (. . .)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٤١٦ و٤١٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢٠٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٤/ ١٥٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قال العلماء فيه أنه يستحب للآكل والشارب أن يُفضل مما يَأكل، وَيشرب فضلةً ليواسي بها من بعده، لا سيما إن كان من أهل الفضل، وكذا إذا كان في الطعام قلّة، ولهم إليه حاجة، ويتأكد هذا في حق الضيف، لا سيما إن كانت عادة أهل الطعام أن يُخرجوا كل ما عندهم، وتنتظر عيالهم الفَضْلة، كما يفعله كثير من الناس، ونقلوا أن السلف كانوا يَستحبون إفضال هذه الفضلة المذكورة، وهذا الحديث أصلُ ذلك كله، كما قال النوويّ -﵀- . ٢ - (ومنها): أن فيه إجلال أهل الفضل، والمبالغة في الأدب معهم. ٣ - (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لأبي أيوب الأنصاريّ -﵁- من أَوْجُه: منها: نزول النبيّ -ﷺ- - عليه، ومنها أدبه معه، ومنها موافقته في ترك الثوم. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀- في قول أبي أيوب: «أكره ما تكره» جواز الامتناع من المباح، وإطلاق اسم الكراهة عليه، وإن لم يكن مطلوب الترك. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٧)

١. «شرح النوويّ» ١٤/ ٩، و«تحفة الأحوذيّ» ٥/ ٤٣٠.

٢. هو: ولد الإمام أحمد راوي «المسند» عنه.

٣. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٥/ ٤١٧.

٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٠.

٥. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٩.

٦. «القاموس المحيط» ص ٦٢٠.

٧. «القاموس المحيط» ص ٩٠٨.

٨. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٢٩.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٠.

١٠. »شرح النوويّ«١٤/ ١٠.

١١. »المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم«٥/ ٣٢٨.

١٢. »المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم«٥/ ٣٢٨.

١٣. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٢٨.

١٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ٩.

١٥. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٢٩.

١٦. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٠.

١٧. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٢٩.