HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٦٣

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ عِيسَى. أخبرنا مالك عن سهيل ابن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ إن رسول الله ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ، وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ. فَشَرِبَ حِلَابَهَا. ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ. ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ. حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ. ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ. فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلَابَهَا. ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ. وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أمعاء).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص133
ج ٣ ص ١٦٣٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٤٧٤
رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدّراوَرْديّ الجهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدِّث من كُتُب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٢ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرَّحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ (ز م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٣ - (أَبُوهُ) عبد الرَّحمن الْجُهنيّ الْحُرقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. والباقيان ذُكرا في البابين الماضيين. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن أبا هريرة - ﵁ - حدِّث عن النبيِّ - ﷺ - بما حدّث به عنه ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو موسى الأشعريّ - ﵃ -. [تنبيه]: رواية أبي هريرة - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٨٤٢٦) - حَدَّثَنَا الصغانيّ، قال: ثنا الهيثم بن خارجة، قال: ثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعًى واحدٍ». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٦٨] (٢٠٦٣) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ضَافَهُ ضَيْفٌ، وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَي، فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى، فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ، فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِشَاةٍ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى، فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجِيح، أبو يعقوب بن الطبَّاع البغداديّ، سكن أَذَنَةَ، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٤)، أو بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في «الكسوف» ٣/ ٢١١٠. ٢ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ضَافَهُ ضَيْفٌ)؛ أي: نزل عنده، وصار ضيفه، يقال: أضفته: إذا أنزلته، وضفتُ الرجلَ: إذا نزلت به، والضيف: اسم للواحد، والجميع، والمذكر، والمؤنث، يُذْهَب به مذهب المصدر، كما يقال: زَوْرٌ، وعَدْلٌ، ورِضًا، وقد جُمع على أضيافٍ، وضيوفٍ، وضِيفان، قاله القرطبيّ - ﵀ - . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الضَّيْفُ معروف، ويُطلق بلفظٍ واحدٍ على الواحد وغيره؛ لأنه مصدر في الأصل، من ضَافَهُ ضَيْفًا، من باب باع: إذا نزل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضَيْفٌ، وضَيْفَةٌ، وأَضْيَافٌ، وضِيفَانٌ، وأَضَفْتُهُ، وَضَيَّفْتُهُ: إذا أنزلته، وقَرَيْته، والاسم: الضِّيَافَةُ، قال ثعلب: ضِفْتَهُ: إذا نزلت به، وأنت ضيف عنده، وأَضَفْتَهُ بالألف: إذا أنزلته عندك ضَيْفًا، وأَضَفْتَهُ إِضَافَة: إذا لجأ إليك من خوف، فَأجَرْته، واسْتَضَافَنِي، فَأَضَفْتُهُ: استجارني، فأجرته، وتَضَيَّفَنِي، فَضَيَّفْتُهُ: إذا طلب الْقِرَي، فَقَريته، أو استجارك، فمنعته ممن يطلبه، وأَضَافَهُ إلى الشيء إِضَافَةً: ضمّه إليه، وأماله. انتهى . وقوله: (وَهُوَ كَافِرٌ) جملة حاليّة. [تنبيه]: قال في «الفتح»: هذا الرجل يُشبه أن يكون جَهْجاه الغفاريّ، فأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والبزار، والطبرانيُّ من طريقه: «أنه قَدِم في نفر من قومه، يريدون الإسلام، فحضروا مع رسول الله - ﷺ - المغرب، فلما سَلّم، قال: ليأخذ كل رجل بيد جليسه، فلم يبق غيري، فكنت رجلًا عظيمًا طويلًا لا يُقَدَّم عليّ أحدٌ، فذهب بي رسول الله - ﷺ - إلى منزله، فحَلَب لي عَنْزًا، فأتيت عليه، ثم حَلَب لي آخر، حتى حلب لي سبعةَ أَعْنُز، فأتيت عليها، ثم أتيت بصنيع بُرْمة، فأَتيت عليها، فقالت أم أيمن: أجاع الله من أجاع رسول الله - ﷺ -، فقال: مَهْ يا أم أيمن، أَكَلَ رزقه، ورزقُنا على الله، فلما كانت الليلة الثانية، وصلَّينا المغرب صنع ما صَنَع في التي قبلها، فحَلَب لي عَنْزًا، ورَوِيتُ، وشَبِعتُ، فقالت أم أيمن: أليس هذا ضيفنا؟ قال: إنه أكل في مِعًى واحد الليلة، وهو مؤمن، وأكل قبل ذلك في سبعة أمعاء، الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعًى واحد». وفي إسناد الجميع موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. وأخرج الطبرانيّ بسند جَيِّد عن عبد الله بن عمر، وقال:«جاء إلى النبيِّ - ﷺ - سبعة رجال، فأخذ كلّ رجل من الصحابة رجلًا، وأخذ النبيّ - ﷺ - رجلًا، فقال له: ما اسمك؟ قال: أبو غَزْوان، قال: فحَلَب له سبع شياه، فشَرِب لبنها كلّه، فقال له النبيّ - ﷺ -: هل لك يا أبا غزوان أن تُسلِم؟ قال: نعم، فأسلم، فمسح رسول الله - ﷺ - صدره، فلمّا أصبح حَلَب له شاةً واحدةً، فلم يُتِمّ لبنها، فقال: ما لك يا أبا غزوان؟ قال: والذي بعثك نبيًّا، لقد رَوِيتُ، قال: إنك أمس كان لك سبعة أمعاء، وليس لك اليوم إلَّا مِعًى واحد»، وهذه الطريق أقوى من طريق جهجاه. ويَحْتَمِل أن تكون تلك كنيته، لكن يُقَوِّي التعدد أن أحمد أخرج من حديث أبي بصرة الغفاريّ قال:«أتيت النبيّ - ﷺ - لَمّا هاجرت قبل أن أُسلم، فحَلَب لي شويهةً، كان يحلبها لأهله، فشربتها، فلما أصبحت أسلمت، وقال عيال النبيّ - ﷺ -: نَبِيتُ الليلة كما بتنا البارحة جِياعًا، فحلب لي رسول الله - ﷺ - شاةً، فشربتها، ورَوِيتُ، فقال لي رسول الله - ﷺ -: أَرَوِيت؟ فقلت: يا رسول الله قد رَوِيتُ، ما شَبِعت، ولا رَوِيت قبل اليوم … «الحديث، وهذا لا يُفَسَّر به المبهم في حديث الباب، وإن كان المعنى واحدًا، لكن ليس في قصته خصوص العدد. ولأحمد أيضًا، وأبي مسلم الكجيّ، وقاسم بن ثابت، في«الدلائل»، والبغويّ في«الصحابة» من طريق محمد بن معن بن نَضْلة الغفاريّ: حدّثني جدّي نَضْلة بن عمرو قال: أقبلت في لقاح لي حتى أتيت رسول الله - ﷺ -، فأسلمت، ثم أخذت عُلبة، فحلبت فيها فشربتها، فقلت: يا رسول الله إن كنت لأشربها مرارًا لا أمتلئ - وفي لفظ: إن كنت لأشرب السبعة فما أمتليء، فذكر الحديث، وهذا أيضًا لا ينبغي أن يُفَسَّر به مبهم حديث الباب؛ لاختلاف السياق. ووقع في كلام النوويّ تبعًا لعياض أنه بصرة بن بصرة الغفاريّ، وذكر ابن إسحاق في «السيرة» من حديث أبي هريرة في قصة ثُمامة بن أثال أنه لَمّا أُسر، ثم أسلم، وقعت له قصة تشبه قصة جَهْجاه، فيجوز أن يُفَسَّر به، وبه صدّر المازريّ كلامه. انتهى. (فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ) بالبناء للمفعول، (فَشَرِبَ حِلَابَهَا) بكسر الحاء المهملة، بوزن كتاب: المراد به هنا هو المحلوب، وهو اللبن، وقد يقال على الْمِحْلَب: حلاب، وهو: الإناء الذي يُحلَب فيه، وقد تقدَّم في «الطهارة»، قاله القرطبيّ - ﵀ - . وقال المجد: - ﵀ -: الْحَلْبُ - أي: بفتح، فسكون - ويُحرّك: استخراج ما في الضرع من اللبن؛ كالحِلَاب بالكسر، والاحتلاب، والفعل من بابي نصر، وضرب، والْمِحْلب، والحلاب بكسرهما: إناء يُحْلبَ فيه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: والمناسب هنا هو المعنى المصدريّ، كما قال القرطبيّ بتأويله بالمفعول؛ أي: شرب محلوبها كلِّه، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أُحرَى)؛ أي؛ ثمّ أمر - ﷺ - بحلب شاة أخرى، فحُلبت (فَشَرِبَهُ) كلِّه، (ثُمَّ أُخْرَى، فَشَرِبَهُ) كلّه (حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ) بالكسر: جمع شاة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الشاة: من الغنم يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هذا شاةٌ للذكر، وهذه شاةٌ للأنثى، وشاةٌ ذَكَرٌ، وشاةٌ أنثى، وتصغيرها شُويهةٌ، والجمع شاءٌ، وشِياهٌ بالهاء رجوعًا إلى الأصل، كما قيل: شَفَةٌ وشِفَاهٌ، ويقال: أصلها شاهةٌ، مثلُ عاهة. انتهى . (ثُمَّ إِنَّهُ أصْبَحَ) الرجل (فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِشَاةٍ)؛ أي: بحلب شاة، فحُلبت (فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ) بِـ «حَلْب شاةٍ» (أُخْرَي، فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا)؛ أي: لَمْ يشرب كلّها، بل اكتفى ببعضها، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ») قال البيهقيّ - ﵀ - في «شُعَبه» بعد أن ساق الحديث المذكور ما نصّه: وقد أشار أبو عبيد في معنى الحديث إلى هذه الرواية المفسَّرة، فلم أر الْحَلِيميّ رضيه، فكأن الحليمي لَمْ يَحفظ هذه الرواية، ثم قال في آخر كلامه: وإن كان إنما قاله حين وُصف له رجل بِعَيْنه، فمعناه إذًا أن الذي يليق بالكافر أن يكثر أكله، وبالمؤمن أن يقلّ أكله؛ لأنَّ الكافر لا يقصد إلَّا تسكين المجاعة، وقضاء الشهوة، والمؤمن يَدَع البعض؛ لأنه حرام، ويَدَع البعض إيثارًا به على نفسه، ويَدَع البعض لئلا يثقل، فتنقطع العبادة، ويدع البعض لِفَرط ما فيه من النعمة خيفة ألا يستطيع القيام بشكره، ويدع البعض رياضةً لنفسه، وقَمْعًا لشهوته، حتى لا يستقصى عليه، وَيدَع البعض لئلا يعتاده، فإن لَمْ يجده في وقتٍ اشتَدّ عليه ذلك، أو وجد من ذلك في نفسه، والكافر ليس به إلَّا مَلْء بطنه؛ لأنَّ هذه الوجوه كلها إنما تنبعث عن النظر من قِبَل الإيمان والتقوي، فهو لا يترك لأجلهما شيئًا، وإنما أمامه شهوته دون ما عداها. والْمِعَى في هذا الحديث الْمَعِدة، ومعناه أنه يأكل الكافر أَكْل من له سبعة أمعاء، والمؤمن لِخِفّة أكْله يأكل أَكْل من ليس له إلَّا معى واحد، والله أعلم. قال: وقرأت في «كتاب الغريبين» قال: قال أبو عبيد: نرى ذلك بتسمية المؤمن عند طعامه، فيكون فيه البركة، والكافر لا يفعل ذلك، وقيل: إنه خاصّ لرجل، وقال غيره: وفيه وجه أحسن من ذلك كله، وهو أنه مَثَل ضربه النبيّ - ﷺ - للمؤمن، وزهده في الدنيا، والكافر وحرصه عليها، ولهذا قيل: الرُّغْب شُؤم؛ لأنه يَحْمِل صاحبه على اقتحام النار، وليس معناه كثرة الأكل دون اتساع الرغبة في الدنيا. وذكر أبو سليمان هذه الوجوه، ثم قال: وقد قيل: إن الناس في الأكل على طبقات: فطائفة يأكلون كلما وجدوا مطعومًا عن حاجة إليه، وعن غير حاجة، وهذا فِعْل أهل الجهل، والغفلة الذين شاكلت طباعهم طباع البهائم، وطائفة يأكلون إذا جاعوا، فإذا ارتفع الجوع أمسكوا، وهذه عادة المقتصدين من الناس، والمتماسكين منهم في الشمائل والأخلاق، وطائفة يتجوّعون، ويرتاضون الجوع قمعًا لشهوات النفوس، فلا يأكلون إلَّا عند الضرورة، ولا يزيدون منه على ما يكسر غرب الجوع، وهذا من عادة الأبرار، وشمائل الصالحين الأخيار. انتهى ما كتبه البيهقيّ - ﵀ - في «شُعَب الإيمان» . وقال الحاكم الترمذيّ في كتابه «نوادر الأصول في أحاديث الرسول»: «الأصل التاسع والخمسون» في معنى أمعاء الآدميّ لِمَ كانت سبعًا، فصارت واحدة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء». قال أبو عبد الله: الإنسان مبني على سبعة: على الشرك، والشكّ، والغفلة، والرغبة، والرهبة، والشهوة، والغضب، فهذه أخلاقه، وأيُّ خلق من هذه الأخلاق استولى على قلبه نُسب إليه دون الآخر. ومما يُحَقّق ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٤٣، ٤٤]، فأهل النار مجزءون مقسمون على هذه الأبواب السبعة، فكل جزء منهم صار جزءًا بِخُلُق من هذه الأخلاق المستولية عليه. ومما يحقق ذلك ما روي عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «للنار باب لا يدخلها منه إلَّا من شفا غيظه بسخط الله تعالى»، وعن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سَلّ سيفه على أمتي»، فهذه للرغبة، والأول للغضب، فابن آدم مبني على هذه الأخلاق السبعة، فإذا ولج الإيمان القلب نفى هذه السبعة من القلب، فبقدر قوّة الإيمان تذوب هذه الأخلاق من النفس، وعلى قدر ضَعفه يبقى ضررهنّ، فإذا اكتمل النور، وامتلأ القلب منه لَمْ يبق لهذه الأخلاق فيه موضع، فنفى الشرك، والشك، والغفلة أصلًا، وصار بدل الشرك إخلاصًا، وبدل الشك يقينًا، وبدل الغفلة انتباهًا، وكشف غطاء معاينة، وصار الغضب له، وفي ذاته، وصارت الرغبة إليه، والرهبة منه، وصارت الشهوة مُنْيَة، وكانت نهمة، وبقدر ضعف الإيمان، وسقمه يبقى من هذه الأخلاق في المؤمن، فبقي منه شرك الأسباب، وشك الأرزاق، وغفلة التدبير في كُنْه الأمور، والرغبة، والطمع في الخلق، والرهبة منهم في المضارّ والمنافع، واستعمال الشهوات على النهمة، فإيمانه يقتضيه ما عقد في توحيده لربه أن هذه الأشياء كلها منه، وله، وأخلاقه تمنعه الوفاء بذلك عند نوائبه، فلذلك يبقى في عرصة القيامة محاسبًا في مدة طويلة، والآخر كَمُل إيمانه، فامتلأ قلبه من نور الإيمان، فصار كما وصفنا بدءًا، فسقط عنه الحساب غدًا. فابن أدم يأكل في مِعًى واحد أعني الخِلقة، إلَّا أن هذه الأخلاق السبعة سوى الغضب قد عملت على قلبه، فصار كأنه يأكل في سبعة أمعاء، فإذا آمن، فامتلأ قلبه من نور الإيمان سكنت هذه الأخلاق، فشبع، ورَوِي؛ لأنه قد ثقل قلبه بما وَلَج فيه من الإيمان، فإذا آمن، فإنما يأكل بمعاه الذي خُلق فيه، وكلما كان أوفر حظًّا من إيمانه، كان أقلّ لطعمه بهذا المعى الواحد أيضًا، وإذا كان كافرًا فهذه الأخلاق الستة تعمل على قلبه حتى يصير كأنه يأكل في سبعة أمعاء؛ لأنَّ الشرك، والشكّ، والغفلة، والشهوة، والرغبة، والرهبة، هي أعوان لحرصه، فإذا حَرَص لَمْ يشبع، واحتاج إلى الكثير، والذي سكنت عنه هذه الستة الأخلاق بولوج الإيمان قلبه ذاب الحرص في جوفه، وثقل الإيمان في قلبه، فأكل بمعاه الذي خُلق للآدميين، فاكتفى بذلك. انتهى ، وقد تقدّم
مصادر المؤلف (١٣)

١. «مسند أبي عوان» ٥/ ٢١٠.

٢. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم»٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٣٦٦.

٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٥.

٥. «إكمال العلم» ٦/ ٥٥٦.

٦. وقع في النُّسخ عند النووي، وعياض، و«الفتح»: نضرة بن أبي نضرة بالضاد المعجمة، وهو غلط، وإنما هو بالصاد المهملة.

٧. «المعلم» ٣/ ٧٢.

٨. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣٤٤.

٩. «القاموس المحيط» ص ٣١٠.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٨.

١١. بضمّ الراء، وفتحها مصدر رَغِب.

١٢. «شُعَب الإيمان» ٥/ ٢٣.

١٣. «نوادر الأصول في أحاديث الرسول» ١/ ٢٩.