HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٥٢

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ). قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. قال: مَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ. فَقَالَ لِي (أَيْ بُنَيَّ! وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟ إِنَّهُ لَنْ يَضُرَّكَ) قَالَ قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَعَهُ أَنْهَارَ الْمَاءِ وَجِبَالَ الْخُبْزِ. قَالَ (هُوَ أهون على الله من ذلك).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص177
ج ٣ ص ١٦٩٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥١١
[٦٢٥] قوله: (وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟) ؛ أي: وما يشُقّ عليك منه، يقال: أنْصَبَني الشيء؛ أي: شقّ عليّ، والنصب التّعَب، وقوله: (لَنْ يَضُرَّكَ)؛ فيه دليل أن الدجَال لا يضرُّ المؤمن. وفي حديث أنس ﵁: (فِي عَبَاءَةٍ يَهْنَأُ بَعِيرًا لَهُ) ، دلالة أن النبي ﷺ كان يباشر الأعمال بنفسه؛ إذا كان فيه مصلحته؛ ومصلحة المسلمين، والوسم : الكي، وإنما كان يَسِمها لتتبيّن إبل الجزية من إبل الصدقة، لأن مَصرفهما مختلف، و(العَبَاءَةُ): كساء صغير، و(يَهْنَأُ): يَطْلي، يقال: هَنَاتُ الإبل؛ أي: طَلَيتُه بالدواء، ويقال لذلك الدواء: الهِناء، قال: مَا إِن رَأَيْت وَلَا سَمِعت بِمثله … كَالْيَوْمِ هَانِي أينقٍ جُرْبِ متبذلًا تبْدُو مَحَاسِنُه … يضع الهناء مَوَاضِع النُّقْبِ النُّقْبُ: الجَرَبُ، والجُرْبُ: جمع أجرَب. * * * ومن كتاب الاستئذان
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٣٩٢
تلطف، وإنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة، وكذا يقال له ولمن هو في مثل سنّ المتكلم: يا أخي؛ للمعنى الذي ذكرناه، وإذا قَصَد التلطف كان مستحبًّا، كما فعله النبيّ -ﷺ-. انتهى، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٥٦١١] (٢١٥١)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٩٦٤)، و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٨٣١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ٣٢٦)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٧/ ٢٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٩٩ و٢٨٥)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٦١٢] (٢١٥٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: مَا سَأَل رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَحَدٌ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَقَالَ لِي: «أَيْ بُنَيَّ، وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟، إِنَّهُ لَنْ يَضُرَّكَ»، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَعَهُ أَنْهَارَ الْمَاءِ، وَجِبَالَ الْخُبْزِ، قَالَ: «هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفىّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثمّ المكّيّ، صدوق، صنّف «المسند»، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦)، وقد قارب التسعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) الْبَجلىّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٩. ٥ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) البجليّ، أبو عبد الملك الكوفيّ مخضرم ثقةٌ [٢] مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٧٥. ٦ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن معتّب الثقفيّ الصحابيّ الشهير، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، ومات سنة خمسين على الصحيح (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحادهما في كيفيّة التحمّل والأداء، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه أن قيسًا هو التابعيّ الوحيد الذي اجتمع له الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة، على خلاف في بعضهم، والصحيح أنه روى عنهم جميعًا، وإليه أشار السيوطيّ -﵀- في «ألفيّة الحديث»، حيث قال: وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ … وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ وأشار بقوله: «وعُدّ … إلخ» إلى أن الحاكم أبا عبد الله، صاحب «المستدرك» عدّ كثيرًا من التابعين أنهم رووا عن العشرة كلهم، وهذا غلط منه، فلم يوجد منهم إلا قيس المذكور، فتنبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وفي رواية البخاريّ: «حدّثني قيس، قال: قال لي المغيرة بن شعبة»، (قَالَ: مَا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَحَدٌ) بالرفع على الفاعليّة، و«رسولَ الله» مفعول مقدّم، (عَنِ الدَّجَّالِ)؛ أي: عن شأنه، والدّجّال: فَعّال، بفتح أوله، وتشديد ثانيه، من الدجل، وهو التغطية، وسُمّي الكذّاب دَجّالًا؛ لأنه يُغَطِّي الحقّ بباطله، ويقال: دَجَلَ البعيرَ بالقطران: إذا غطّاه، والإناءَ بالذهب: إذا طلاه، وقال ثعلب: الدجّال المموّه، سيف مُدَجَّل: إذا طُلي، وقال ابن دُريد: سُمِّي دجّالًا؛ لأنه يغطي الحقّ بالكذب، وقيل: لضربه نواحيَ الأرض، يقال: دَجَلَ مخفّفًا، ومشدّدًا: إذا فَعَل ذلك، وقيل غير ذلك ، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه من «كتاب الفتن» -إن شاء الله تعالى-. (أكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ) ولفظ البخاريّ: «ما سأل أحد النبيّ -ﷺ- عن الدّجال ما سألته»، قال القرطبيّ -﵀-: وسؤال المغيرة -﵁- عن الدجال إنما كان لِمَا سمع من عظيم فتنته، وشدَّة محنته، فأجابه -ﷺ- بقوله: «وما يُصيبك منه؟ إنه لن يضرَّك»؛ أي: ما يصيبك منه من النَّصَب والمشقَّة. انتهى . (فَقَالَ) -ﷺ- (لِي: «أَيْ بُنَيَّ) فيه جواز قول الإنسان لغير ابنه: يا بُنيّ تلطّفًا، وشفقةً، (وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟)»ما«استفهاميّة إنكاريّة، ويُنصب بضمّ أوله، وفتحه، من الإنصاب، أو النَّصَب، وهو التعب والمشقّة؛ أي: ما يشقّ عليك، ويُتعبك منه؟. قال في«القاموس»، و«شرحه»: نَصِبَ؛ كفَرِحَ: أَعْيا، وتَعِبَ، وأَنْصَبَه هو، وأَنْصَبَني هذا الأَمْرُ، وهَمٌّ ناصِبٌ: مُنْصِبٌ، وهو الصَّحِيح فهو فاعِلٌ بمعنى مُفْعِل؛ كمكانٍ باقِلٍ، بمعنى مُقْبِل، قال ابْنُ بَرِّيّ: وقيل: ناصِبٌ بمعَنى المنصوب، وقيلَ بمعنَى ذو نَصَبٍ، مثل تامِرٍ، ولابِنٍ، وهو فاعِلٌ بمعنى مفعول؛ لَأَنَّه يُنْصَب فيه، ويُتْعَب، وفي الحديث:«فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُنْصِبنِي ما أَنْصَبَهَا»؛ أَي: يُتْعبني ما أَتْعَبَها، والنَّصَبُ: التَّعَب، وقيلَ: المَشَقَّةُ؛ قال النّابغة [من الطويل]: كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبٍ أَي: ذِي نَصَبٍ، مثلُ: لَيْلٌ نائمٌ: ذُو نَوْمٍ ينام فيه، قال: أو سُمِعَ: نَصَبَه الهَمُّ ثُلاثِيًّا متعديًا: بمعنى أتْعَبَهُ، حكاه أَبو عليّ في«التَّذْكِرة»، والنَّصِبُ كَكَتِف: المرِيضُ الوَجِعُ، قد نَصَبَه المَرَضُ يَنْصِبُهُ بالكَسر: أَوْجَعَهُ، كَأَنْصَبَهُ إِنْصابًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من«القاموس»، و«شرحه»أن«يُنصب»هنا يجوز ضمّ أوله من الإنصاب رباعيًّا، ويجوز فتحه، من النَّصْب ثلاثيًّا، من باب ضرب، وكلاهما معناه: أتعبه، والمعنى: أيّ شيء يُتعبك منه؟ أي: لا ينال منه مكروه؛ لأنه لا يخرج في حياتك، بل إنما يخرج في آخر الزمان، فلا تَخَفْ شرّه، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«وما يُصيبك منه؟ إنه لن يضرَّك»؛ أي: ما يصيبك منه من النَّصَب والمشقَّة، وهكذا رواية الكافة، وعند الهوزنيّ:«ما يُنضيك»: بالضاد المعجمة، والياء باثنتين من تحتها، وكأنه من جهة قولهم: جمل نِضْوٌ؛ أي: هَزِيل، وأنضاه السَّير؛ أي: أهزله، والأول أصح رواية ومعنى. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«وما ينصبك منه»بنون، وصاد مهملة، ثم موحّدة، من النَّصَب، بمعنى التعب، وفي الرواية الآتية لمسلم في«الفتن»من طريق هشيم، عن إسماعيل:«وما سؤالك عنه؟ »؛ أي: وما سبب سؤالك عنه؟ وقال أبو نعيم في«المستخرج»: معنى قوله:«ما ينصبك؟ »؛ أي: ما الذي يَغُمّك منه، من الغمّ حتى يهولك أمره؟ قال الحافظ: وهو تفسير باللازم، وإلا فالنصب: التعب وزنه ومعناه، ويُطلق على المرض؛ لأن فيه تعبًا، قال ابن دريد: يقال: نصبه المرض، وأنصبه، وهو تَغَيّر الحال، من تعب، أو وجع. انتهى . (إِنَّهُ)؛ أي: الدجّال (لَنْ يَضُرَّكَ»)، وفي الرواية في «الفتن» من طريق إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل: «إنه لا يضرّك»، وفي رواية البخاريّ: «وأنه قال لي: ما يضرّك منه؟». قال القرطبيّ -﵀-: قوله: «إنه لن يضرّك» يَحْتَمِل أن يريد: لأنك لا تدرك زمان خروجه، ويَحْتَمِل أن يكون إخبارًا منه بأنه يُعْصَم من فتنته، ولو أدرك زمانه، والله تعالى ورسوله أعلم. انتهى . (قَالَ) المغيرة (قُلْتُ: إِنَّهُمْ)؛ أي: الناس، أو أهل الكتاب؛ أي: إنما خشيت منه لأنهم (يَزْعُمُونَ) وفي رواية إبراهيم، وهشيم: «إنهم يقولون» (أَنَّ مَعَهُ أَنْهَارَ الْمَاءِ، وَجِبَالَ الْخُبْزِ)، وفي رواية إبراهيم: «إن معه الطعام، والأنهار»، وفي رواية هشيم: «معه جبال من خبز، ولحم، ونهر من ماء»، وفي رواية يزيد بن هارون: «إن معه الطعامَ، والشرابَ»، وقوله: «جبال من خبز» بضم الخاء المعجمة، وسكون الموحدة، بعدها زاي، والمراد: أن معه من الخبز قَدْر الجبل، وأَطلق الخبز وأراد به أصله، وهو الْقَمْح مثلًا . وقال القرطبيّ -﵀-: وقول المغيرة: «إنهم يزعمون أن معه أنهار الماء، وجبال الخبز» هذا يدلّ على أن المغيرة كان قد سمع هذا الأمر عن الدَّجال من غير النبيّ -ﷺ-، ولم يحققه، فعرض ذلك على النبيّ -ﷺ-، فأجابه بقوله: «هو أهون على الله من ذلك»، وظاهر هذا الكلام: أن الدَّجال لا يُمَكَّن من ذلك؛ لهوانه على الله، وخسة قدره، غير أن هذا المعنى قد جاء ما يناقضه في أحاديث الدجال الآتية، فَيَحْتَمِل أن يكون هذا القول صدر عنه -ﷺ- قبل أن يوحى إليه بما في تلك الأحاديث، ويَحْتَمِل أن يعود الضمير إلى تمكين الدجال من أنهار الماء، وجبال الخبز؛ أي: فِعْلُ ذلك على الله هيِّن، والأوَّل أسبق، والثاني لا يمتنع، والله تعالى أعلم. انتهى . (قَالَ) -ﷺ- («هُوَ)؛ أي: الدجّال (أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ») قال القاضي عياض -﵀- : معناه: هو أهون من أن يَجعل ما يَخلقه على يديه مضلًّا للمؤمنين، ومشكّكًا لقلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويرتاب الذين في قلوبهم مرض، فهو مثل قول الذي يقتله: ما كنت أشدّ بصيرةً مني فيك، لا أن قوله: «هو أهون على الله من ذلك» إنه ليس شيء من ذلك معه، بل المراد: أهون من أن يجعل شيئًا من ذلك آيةً على صدقه، ولا سيما، وقد جُعل فيه آية ظاهرة في كذبه، وكفره، يقرأها من قرأ، ومن لا يقرأ، زائدة على شواهد كذبه، مِنْ حَدَثه، ونَقْصه. قال الحافظ: الحامل على هذا التأويل أنه ورد في حديث آخر مرفوع: «ومعه جبل من خبز، ونهر من ماء»، أخرجه أحمد، والبيهقيّ في «البعث» من طريق جُنادة بن أبي أمية، عن مجاهد، قال: انطلقنا إلى رجل من الأنصار، فقلنا: حدّثنا بما سمعت من رسول الله -ﷺ- في الدجال، ولا تحدّثنا عن غيره، فذكر حديثًا فيه: «تُمْطَرُ الأرضُ، ولا يَنبُتُ الشجر، ومعه جنة، ونار، فناره جنة، وجنته نار، ومعه جبل خبز …» الحديث بطوله، ورجاله ثقات، ولأحمد من وجه آخر عن جنادة، عن رجل من الأنصار: «معه جبال الخبز، وأنهار الماء»، ولأحمد من حديث جابر: «معه جبال من خبز، والناس في جهد إلا من تبعه، ومعه نهران …» الحديث. فدلّ ما ثبت من ذلك على أن قوله: «هو أهون على الله من ذلك» ليس المراد به ظاهره، وأنه لا يَجعل على يديه شيئًا من ذلك، بل هو على التأويل المذكور. قال ابن العربيّ: أخذ بظاهر قوله: «هو أهون على الله من ذلك» مَن رَدّ من المبتدعة الأحاديث الثابتة أن معه جنة ونارًا، وغير ذلك، قال: وكيف يُرَدّ بحديث مُحْتَمِلٍ ما ثبت في غيره من الأحاديث الصحيحة؟ فلعل الذي جاء في حديث المغيرة جاء قبل أن يبيّن النبيّ -ﷺ- أمره، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: «أهو أهون»؛ أي: لا يجعل له ذلك حقيقة، وإنما هو تخييل، وتشبيه على الأبصار، فيثبت المؤمن، ويَزِلّ الكافر. ومال ابن حبان في «صحيحه» إلى الأخير، فقال: هذا لا يضادّ خبر أبي مسعود، بل معناه: أنه أهون على الله من أن يكون نهر ماء يجري، فإن الذي معه يُرَى أنه ماء، وليس بماء. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي مال إليه ابن حبّان -﵀- هو الذي يترجّح عندي، ففي حديث حذيفة -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال في الدجّال: «إن معه ماءً، ونارًا، فناره ماءٌ باردٌ، وماؤه نارٌ»، قال أبو مسعود: سمعته من رسول الله -ﷺ-، متّفقٌ عليه، زاد في رواية مسلم: «فلا تهلكوا»، فقد أوضح -ﷺ- أنه تخييل، لا حقيقةٌ، وسيأتي تمام البحث في الدجّال في أواخر الكتاب حينما يذكر مسلم أحاديثه في «كتاب الفتن» -إن شاء الله تعالى- وأسأل الله تعالى أن يبلغني إلى ذلك الكتاب، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٥٦١٢ و٥٦١٣] (٢١٥٢)، وسيأتي في «الفتن» (٢٩٣٩)، و(البخاريّ) في «الفتن» (٧١٢٢)، و(ابن ماجه) في «الفتن» (٤٠٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٤٦ و٢٤٨ و٢٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٤٨٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٧٨٢ و٦٨٠٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٠/ ٩٥٠ و٩٥١ و٩٥٢ و٩٥٤ و٩٥٥ و٩٥٦ و٩٥٧)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١٥٣٠ و١٠٣١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٢٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز قول الإنسان لغير ابنه: يا بُنىّ، من باب الملاطفة، والشفقة. ٢ - (ومنها): بيان حرص الصحابيّ الجليل المغيرة بن شعبة -﵁-، وشدّة اهتمامه بالسؤال عن شأن الدجّال حتى لا تصيبه فتنته. ٣ - (ومنها): بيان هوان الدّجّال على الله، وأن تمويهاته كلّها لا تؤثّر إلا على من أغواه الشيطان، وأما المؤمن فهو أكرم الله تعالى من أن ينخدع له، ولذا قال -ﷺ- في الحديث الآتي في «الفتن» لمّا اشتدّ خوف الصحابة -﵃- منه: «غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤٌ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم»، فهذه بشرى عظيمة، حيث إن الله يتولّى عباده المؤمنين، ويعصمهم من فتنه، اللهم أعذنا من فتنة المسيح الدجّال آمين. ٤ - (ومنها): بيان أن كلّ ما يموّه به الدجّال لا حقيقة له، وإنما هو مجرّد تغرير لمن ينخدع له، فيأتي بجنة ونار، لا حقيقة لهما، وإنما الجنّة نار، والنار جنّة، فلذا أمر -ﷺ- أمته أن يقعوا في النار؛ لأنها لا تضرّهم، عصمنا الله تعالى بفضله من جميع الفتن ما ظهر منها، وما بطن، إنه جواد، كريمٌ، رؤوفٌ، رحيمٌ، آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٦١٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشيْمٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلُ النَّبِىِّ -ﷺ- لِلْمُغِيرَةِ: «أَيْ بُنَيَّ»، إِلَّا في حَدِيثِ يَزِيدَ وَحْدَهُ). رجال هذه الأسانيد: عشرة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير، تقدّم قريبًا. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٢. ٤ - (هُشَيْمُ) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين. ٨ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ … إلخ)؛ يعني: أن هؤلاء الأربعة: وكيعًا، وهشيمًا، وجريرًا، وأبا أسامة رووا هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد بسنده المذكور؛ أي: عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة -﵁-. وقوله: (إِلَّا فِي حَدِيثِ يَزِيدَ وَحْدَهُ)؛ يعني: ابن هارون المذكور في الحديث الماضي. [تنبيه]: رواية وكيع، عن إسماعيل ساقها ابن ماجه -﵀- في «سننه»، فقال: (٤٠٧٣) - حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وعليّ بن محمد، قالا: ثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، قال: ما سأل أحدٌ النبيَّ -ﷺ- عن الدجال أكثر مما سألته -وقال ابن نمير: أشدّ سؤالًا مني- فقال لي: «ما تسأل عنه؟» قلت: إنهم يقولون: إن معه الطعامَ، والشرابَ، قال: «هو أهون على الله من ذلك». انتهى . ورواية هشيم، عن إسماعيل، ساقها مسلم ﵀ في «كتاب الفتن»، فقال: (٢٩٣٩) - حدّثنا سُريج بن يونس، حدّثنا هشيم، عن إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، قال: ما سأل أحدٌ النبيَّ -ﷺ- عن الدجال أكثر مما سألته، قال: «وما سؤالك؟» قال: قلت: إنهم يقولون: معه جبال من خبز، ولحم، ونهرٌ من ماء، قال: «هو أهون على الله من ذلك». انتهى . ورواية جرير بن عبد الحميد، عن إسماعيل، ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٦٨٠٠) - أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديّ، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، قال: أخبرنا جرير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، قال: قلت: يا رسول الله بلغني أن مع الدجال جبالَ الخبز، وأنهارَ الماء، فقال رسول الله -ﷺ-: «هو أهون على الله من ذلك»، قال المغيرة: فكنت من أكثر الناس سؤالًا عنه، فقال لي
مصادر المؤلف (١٥)

١. «الفتح»١٦/ ٥٧٤، كتاب«الفتن»رقم (٧١٢٢).

٢. «المفهم»٥/ ٤٧٢.

٣. متّفقٌ عليه بلفظ:«يُريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها»، وأما بهذا اللفظ ففي رواية الترمذيّ برقم (٣٨٦٩).

٤. «تاج العروس» ١/ ٩٧١.

٥. «المفهم» ٥/ ٤٧٢،

٦. «الفتح» ١٦/ ٥٧٤، كتاب «الفتن» رقم (٧١٢٢).

٧. «المفهم» ٥/ ٤٧٢.

٨. بسكون الهاء، وفتحها.

٩. «الفتح» ١٦/ ٥٧٤، كتاب «الفتن» رقم (٧١٢٢).

١٠. «المفهم» ٥/ ٤٧٢.

١١. «إكمال المعلم» ٧/ ٢٧.

١٢. راجع: «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ١٥/ ٢١١.

١٣. «الفتح» ١٦/ ٥٧٦ - ٥٧٨، كتاب «الفتن» رقم (٧١٢٢).

١٤. «سنن ابن ماجه» ٢/ ١٣٥٤.

١٥. «صحيح مسلم» ٤/ ٢٢٥٨.