HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٥٩

حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. ح وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيبة. حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّةَ. كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ. ح وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الفجاءة. فأمرني أن أصرف بصري.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص181
ج ٣ ص ١٦٩٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥١٤
[٦٣٠] وقوله: (فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي) ؛ فيه دلالة على التشديد في النظر إلى المُحَرَّم، وأمْرٌ بصرفِ البصر عنه، ونهيٌ أن يُملأ النظر منه. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٤٦٤
فهم المقصود، وبعضها بالقياس على ذلك. والله أعلم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه وقد تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١١) - (بَابُ نَظَرِ الْفَجْأَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٣٢] (٢١٥٩) - (حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ ، فَأَمَرَني أنْ أَصْرِفَ بَصَرِي). رجال هذه الأسانيد: عشرة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) العيشيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار الْعَبْديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ ورعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. ٥ - (عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ) القرشيّ، أو الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٥] (بخ م ٤) تقدم في «الجمعة» ١٥/ ٢٠٠٨. ٦ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير البجليّ الكوفيّ، اسمه هَرِم، أو عمرو، أو عبد الله، أو غيره، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٦. ٧ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جابر البجليّ الصحابيّ المشهور، مات - ﵁ - (٥١)، أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٧. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: يونس، وعمرو، وأبو زرعة، ورواية الأولين من رواية الأقران. شرح الحديث: (عَنْ أَبي زُرْعَةَ) بن عمرو (عَنْ) جدّه (جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البجليّ - ﵁ -، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ نَظَرِ الْفُجَأَءَةِ)؛ أي: عن حكمه، و«الْفُجاءة» بضم الفاء، وفتح الجيم، وبالمدّ، ويقال: بفتح الفاء، وإسكان الجيم، والقصر، لغتان، هي البغتة، ومعنى نظر الفجأة: أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد، فلا إثم عليه في أول ذلك، ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال، قاله النوويّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: «الْفُجاءة» بضم الفاء، والمدِّ، والهمز: مصدر فَجَأني الأمر يفجؤني فُجاءَة: إذا صادفك بغتة، من غير قصد، ومنه: قَطَرِيُّ بن الْفُجاءة؛ اسم رجل، ويقال: فاجأني يفاجئني مفاجأةً، وفُجَاء. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: فَجِئْتُ الرجلَ أَفْجَأُهُ مهموزٌ، من باب تَعِبَ، وفي لغة بفتحتين: جئته بغتةً، والاسم الْفُجَاءة بالضم، والمدّ، وفي لغة وزانُ تَمْرَةٍ، وفَجِئَهُ الأمرُ، من باب تَعِبَ ونَفَعَ أيضًا، وفَاجَأَهُ مفاجأة؛ أي: عاجله. انتهى . قال جرير - ﵁ - (فَأَمَرَنِي) - ﷺ - (أَنْ أصْرِفَ) بكسر الراء، من باب ضرب؛ أي: أردّ (بَصَرِي) إلى جهة أخرى غير الجهة المُحَرَّمة، قال القرطبيّ ﵀: وإنما أمره أن يصرف بصره عن استدامة النظر إلى ما وقعت عينه عليه أوّل مرّة؛ وإنما لم يتعرض لذكر الأُولى؛ لأنَّها لا تدخل تحت خطاب تكليف؛ إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصودًا، فلا تكون مكتسبة، فلا يكون مكلفًا بها، فأعرض عما ليس مكلَّفًا به، ونهاه عما يُكلَّف به؛ لأنَّ استدامة النظر مكتسبة للإنسان؛ إذ قد يستحسن ما وافقه بصره، فيتابع النظر، فيحصل المحذور -وهو النظر إلى ما لا يحل-. ولذلك قال النبيّ - ﷺ - لعليّ بن أبي طالب - ﵁ -: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأُولى، وليست لك الثانية» . انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٥٦٣٢ و٥٦٣٣] (٢١٥٩)، و(أبو داود) في «النكاح» (٢١٤٨)، و(الترمذيّ) في «الاستئذان» (٢٧٧٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٩٢٣٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٦٧٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٥٨ و٣٦١)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٧٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٥٧١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤٠٤)، و«الطحاويّ» في «مشكل الآثار» (٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣) و«شرح معاني الآثار» (٣/ ١٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٤٤٤)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٣٩٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٨٩ - ٩٠) وفي «الآداب» (٨٨٧) و«شُعَب الإيمان» (٤/ ٣٦٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم النظر إلى الأجنبيّة قصدًا، قال ابن حبّان ﵀: الأمر بصرف البصر أمر حتم عما لا يحلّ، وهو مقرون بالزجر عن ضدّه، وهو النظر إلى المحرّم. انتهى . وقال المناويّ ﵀: وقد سئل المصطفى - ﷺ - عن نظر الفجأة، فأمر السائل أن يصرف بصره، فأرشده إلى ما ينفعه، ويدفع ضرره، وقال لابن عمه عليّ - ﵁ - تحذيرًا مما يوقع في الفتنة، ويورث الحسرة: «لا تتبع النظرة النظرة»، أما سمعت قول العقلاء: من سَرّح ناظره، أتعب خاطره، ومن كَثُرت لحظاته، دامت حسراته، وضاعت أوقاته، نظر العيون إلى العيون هو الذي جعل الهلاك إلى الفؤاد سبيلًا؟ انتهى . ٢ - (ومنها): وجوب صرف البصر إذا وقع على الأجنبيّة بغتةً، فإذا صرف في الحال، فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أَثِمَ؛ لهذا الحديث، فإنه - ﷺ - أمره بأن يصرف بصره، مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ . ٣ - (ومنها): ما قال القاضي عياض: قال العلماء: وفي هذا حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سُنَّة مستحبة لها، ويجب على الرجال غَضّ البصر عنها في جميع الأحوال، إلا لغرض صحيحٍ شرعيّ، وهو حالة الشهادة، والمداواة، وإرادة خطبتها، أو شراء الجارية، أو المعاملة بالبيع والشراء، وغيرهما، ونحو ذلك، وإنما يباح في جميع هذا قَدْر الحاجة، دون ما زاد، والله أعلم. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قال ابن عبد البرّ ﵀- بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في هذا الباب- ما حاصله: وهذه الآثار، وما كان مثلها في معناها يدلّك على أن قوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم: «تضعين ثيابك، ولا يراك»، أراد به الإعلان بأن نظر الرجل إلى المرأة، وتأمله لها، وتكرار بصره في ذلك لا يجوز له؛ لِمَا فيه من داعية الفتنة. وفي حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن فاطمة - ﵂ -: أن النبيّ - ﷺ - قال لها: انتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم، فإنه رجل، قد ذهب بصره، فإن وضعت شيئًا من ثيابك لم ير شيئًا. وفي هذا الحديث دليل على جواز نظر المرأة الرجل الأعمى، وكونها معه، وإن لم تكن ذات محرم منه، في دار واحدة، وبيت واحد، وفي ذلك ما يَرُدّ حديث نبهان- مولى أم سلمة- عن أم سلمة - ﵂ - قالت: كنت أنا وميمونة جالستين عند رسول الله - ﷺ -، فاستأذن عليه ابن أم مكتوم الأعمى، فقال: «احتجبا منه»، فقلنا: يا رسول الله أليس بأعمى، ولا يبصرنا؟ قال: «أَفَعَمْيَاوَانِ أنتما». ففي هذا الحديث نهيه عن نظرهما إلى ابن أم مكتوم، وفي حديث فاطمة إباحة نظرها إليه، ويشهد لحديث نبهان هذا ظاهر قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، ويشهد لذلك من طريق الغَيْرة أن نظرها إليه كنظره إليها، وقد قال بعض الأعراب: لأن ينظر إلى وليّتي عشرة رجال خير من أن تنظر هي إلى رجل واحد. ومن قال بحديث فاطمة احتَجَّ بصحة إسناده، وأنه لا مطعن لأحد من أهل العلم بالحديث فيه، وقال: إن نبهان -مولى أم سلمة- ليس ممن يُحتجّ بحديثه، وزعم أنه لم يرو إلا حديثين منكرين: أحدهما هذا، والآخر عن أم سلمة، عن النبيّ - ﷺ - في المكاتَب: «إذا كان عنده ما يؤدي به كتابته احتجبت منه سيدته». انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: حديث مولى أم سلمة - ﵂ - المذكور ضعيف، فلا يعارض خديث فاطمة بنت قيس المذكور المتّفق عليه، وعلى تقدير صحّته فأمهات المؤمنين لسن كسائر النساء، يشدّد في حقِّهن ما يشدّد في غيرهنّ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٣٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و«إسحاق» هو: ابن راهويه. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن يونس ساقها هناد بن السريّ في «الزهد»، فقال: (١٤١٧) - حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جدّه، قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن نظر الفجأة، فقال: «اصْرِفْ بصرك». انتهى . وأما رواية عبد الأعلى عن يونس بن عبيد فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٣٩ - (كِتَابُ السَّلَامِ) مسألةٌ تتعلّق بهذه الترجمة: (اعلم): أن السّلام بفتح السين المهملة، وتخفيف اللام، بوزن الكلام: اسمٌ من سلّم يسلّم تسليمًا، وهو اسم من أسماء الله تعالى، قال الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»: «بابٌ السلام اسم من أسماء الله تعالى»، ثم أورد حديث ابن مسعود - ﵁ - في التشهّد، وفيه قوله: «إن الله هو السلام»، قال الحافظ ﵀: هذه الترجمة لفظ بعض حديث مرفوع له طرُق ليس منها شيء على شرط البخاريّ في «الصحيح»، فاستعمله في الترجمة، وأورد ما يؤدي معناه على شرطه، وهو حديث التشهد، لقوله فيه: «إن الله هو السلام»، وكذا ثبت في القرآن في أسماء الله: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، ومعنى السلام: السالم من النقائص، وقيل: المسلِّم لعباده، وقيل: المسلِّم على أوليائه، وأما لفظ الترجمة، فأخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» من حديث أنس، - ﵁ -، بسند حسن، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: «إن السلام اسم من أسماء الله، وضعه الله في الأرض، فأفشوه بينكم، إن الرجل إذا سلّم على القوم، فرَدُّوا عليه كانت له عليهم فضل درجة؛ لأنه ذَكَّرهم السلام، وإن لم يَرُدُّوا عليه رَدَّ عليه من هو خير منه، وأطيب» . وأخرجه البزار، والطبرانيّ من حديث ابن مسعود موقوفًا، ومرفوعًا، وطريق الموقوف أقوى، وأخرجه البيهقيّ في «الشعب» من حديث أبي هريرة مرفوعًا بسند ضعيف، وألفاظهم سواء، وأخرج البيهقيّ في «الشُّعب» عن ابن عباس موقوفًا: «السلام اسم الله، وهو تحية أهل الجنة»، وشاهِدُه حديث المهاجر بن قُنْفُذ أنه سَلَّم على النبيّ - ﷺ -، فلم يردّ عليه حتى توضأ، وقال: «إني كَرِهت أن أذكر الله إلا على طهر»، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وغيره. وَيحْتَمِل أن يكون أراد ما في ردّ السلام من ذِكْر اسم الله صريحًا في قوله: «ورحمة الله». وقد اختُلِف في معنى السلام، فنَقَل عياض: أن معناه اسم الله؛ أي: كلاءة الله عليك، وحِفظه، كما يقال: الله معك، ومصاحبك، وقيل معناه: أن الله مُطَّلِع عليك فيما تفعل، وقيل معناه: أن اسم الله يُذْكَر على الأعمال توقعًا لاجتماع معاني الخيرات فيها، وانتفاء عوارض الفساد عنها، وقيل معناه: السلامة، كما قال تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة: ٩١]، وكما قال الشاعر [من الوافر]: تُحَيِّي بِالسَّلَامَةِ أُمُّ عَمْرٍو … وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ فكان المسلِّم أعلمَ من سَلَّم عليه أنه سالم منه، وأن لا خوف عليه منه. وقال ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام»: السلام يُطلق بإزاء معان: منها: السلامة، ومنها: التحية، ومنها: أنه اسم من أسماء الله، قال: وقد يأتي بمعنى التحية محضًا، وقد يأتي بمعنى السلامة محضًا، وقد يأتي متردِّدًا بين المعنيين، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، فإنه يَحتمل التحية والسلامة، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٧ - ٥٨]. ثم أورد البخاريّ ﵀ تحت الترجمة المذكورة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، قال في «الفتح»: ومناسبة ذِكر هذه الآية في هذه الترجمة للإشارة إلى أن عموم الأمر بالتحية مخصوص بلفظ السلام، كما دلت عليه الأحاديث المشار إليها في الباب الأول، واتفق العلماء على ذلك، إلا ما حكاه ابن التين عن ابن خويز منداد عن مالك أن المراد بالتحية في الآية: الهدية، لكن حَكَى القرطبي عن ابن خويز منداد أنه ذكره احتمالًا، وادَّعَى أنه قول الحنفية، فإنهم احتجوا بذلك بأن السلام لا يمكن ردّه بعينه، بخلاف الهدية، فإن الذي يُهدَى له إن أمكنه أن يُهدي أحسن منها فَعَلَ، وإلا ردَّها بعينها.
مصادر المؤلف (١٥)

١. «الفتح» ١٦/ ٥٦، كتاب «الديات» رقم (٦٨٨٨).

٢. وفي نسخة: «عن نظرة الْفَجْأَة».

٣. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٣٩.

٤. «المفهم» ٥/ ٤٨٢.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٣.

٦. حديث حسن، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وكذا حسّنه الشيخ الألبانيّ، وصححه ابن حبّان.

٧. «المفهم» ٥/ ٤٨٢ - ٤٨٣.

٨. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ١٢/ ٣٨٤.

٩. هذا ليس من تمام الحديث، وإنما كلام بعض الناس.

١٠. «فيض القدير» ٤/ ٣٩٨.

١١. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٣٩.

١٢. «إكمال المعلم» ٧/ ٣٧.

١٣. «الاستذكار» ٦/ ١٦٩ - ١٦٨.

١٤. «الزهد لابن السريّ» ٢/ ٦٤٩.

١٥. «الأدب المفرد» ١/ ٣٥٨.