HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٦٥

وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ). قالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قالت: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» قَالَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ «قَدْ قلت: وعليكم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص4
ج ٤ ص ١٧٠٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٥٢١
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن عبد الله بن دينار هذه ساقها النسائيّ ﵀ في «الكبرى» فقال: (١٠٢١٢) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن اليهود إذا سلّموا قالوا: السام عليكم، فقولوا: وعليكم». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٤٤] (٢١٦٥) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرُو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ -وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ، وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»، قَالَتْ: ألَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَائِشَةُ) أمّ المؤمنين - ﵂ - تقدّمت أيضًا قريبًا. والباقون تقدّموا قبل أربعة أبواب، و«عمرو الناقد» هو عمرو بن محمد بن بُكير. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والراوي عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين - ﵂ - أنها (قَالَت: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ) «الرهط» بفتح الراء، وإسكان الهاء، وتُفتح: قال الفيّوميّ: الرَّهْطُ ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح مِنْ فَتْحها، وهو جَمْع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرَّهْطُ من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضًا: الرَّهْطُ، وَالنَّفَرُ، وَالقَوْمُ، وَالمَعْشَرُ، وَالعَشِيرَةُ، معناهم: الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السكيت: الرَّهْطُ، وَالْعَشِيرَةُ، بمعنى، ويقال: الرَّهْطُ: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في «كتاب الضاد والظاء»، ونقله ابن فارس أيضًا، ورَهْطُ الرجل: قومه، وقبيلته الْأقربونَ. انتهى . قال الحافظ ﵀: لم أعرف أسماء هؤلاء الرهط، لكن أخرج الطبرانيّ بسند ضعيف، عن زيد بن أرقم، قال: «بينما أنا عند النبيّ - ﷺ - إذ أقبل رجل من اليهود، يقال له: ثعلبة بن الحارث، فقال: السام عليك يا محمد، فقال: وعليكم»، فإن كان محفوظًا احتَمَلَ أن يكون أحد الرهط المذكورين، وكان هو الذي باشر الكلام عنهم، كما جَرَت العادة من نسبة القول إلى جماعة، والمباشر له واحد منهم؛ لأن اجتماعهم، ورضاهم به في قوّة من شاركه في النطق. انتهى . (عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ) «السام» بالسين المهملة، وتخفيف الميم: الموت، وألِفُه منقلبة عن الواو، ورواه قتادة مهموزًا، وقال: معناه تسأمون دينكم، يقال: سَئِمَهُ، ورواه غيره: السام، وهو الموت، فإن كان عربيًّا فهو من سَامَ يسوم: إذا مضى؛ لأن الموت مضى، قاله الطيبيّ ﵀ . وقال ابن بطال ﵀ : فسَّر أبو عبيد السام بالموت، وذكر الخطابيّ أن قتادة تأوّله على خلاف ذلك، ففي رواية عبد الوارث بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: كان قتادة يقول: تفسير السامُ عليكم: تسأمون دينكم، وهو يعني: السَّاَم مصدر سَئِمه سَآمَةً، وسَأَمًا، مثل رَضِعَه رَضَاعَةً، ورَضَاعًا، قال ابن بطال: ووجدت هذا الذي فسَّره قتادة مرويًّا عن النبيّ - ﷺ -، أخرجه بَقِيّ بن مَخْلَد في «تفسيره» من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس: «أن النبيّ - ﷺ - بينا هو جالس مع أصحابه؛ إذ أتى يهوديّ، فسلَّم عليه، فرَدُّوا عليه، فقال: هل تدرون ما قال؟ قالوا: سَلَّم يا رسول الله، قال: قال: سام عليكم؛ أي: تسأمون دينكم». قال الحافظ: يَحْتَمِل أن يكون قوله: «أي تسأمون دينكم» تفسير قتادة، كما بيّنته رواية عبد الوارث التي ذكرها الخطابيّ. وقد أخرج البزّار، وابن حبان في «صحيحه» من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: «مَرّ يهوديّ بالنبيّ - ﷺ - وأصحابه، فسلّم عليهم، فردّ عليه أصحاب النبيّ - ﷺ -، فقال: هل تدرون ما قال؟ قالوا: نعم، سلّم علينا، قال: فإنه قال: السام عليكم؛ أي: تسأمون دينكم، رُدُّوه عليّ، فرَدُّوه، فقال: كيف قلت؟ قال: قلت: السام عليكم، فقال: إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: عليكم ما قلتم»، لفظ البزار، وفي رواية ابن حبان: «أن يهوديًّا سَلَّم، فقال النبيّ - ﷺ -: أتدرون؟ …» والباقي نحوه، ولم يذكر قوله: «ردوه … إلخ»، وقال في آخره: «فإذا سلّم عليكم رجل من أهل الكتاب، فقولوا: وعليك». انتهى . (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵁ - (بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ)؛ أي: عليكم مفهوم ما تريدون من هذا اللفظ، وتحرّفونه إلى المعنى الفاسد، (وَاللَّعْنَةُ)؛ أي: عليكم اللعنة زيادة على ذلك. وقال في «الفتح»: قوله: هو اللعنة«يَحْتَمِل أن تكون عائشة - ﵂ - فَهِمت كلامهم بفطنتها، فأنكرت عليهم، وظَنَّت أن النبيّ - ﷺ - ظنّ أنهم تلفظوا بلفظ السلام، فبالغت في الإنكار عليهم. وَيحْتَمِل أن يكون سبق لها سماع ذلك من النبيّ - ﷺ -، كما في حديثَي ابن عمر، وأنس - ﵄ - في الباب، وإنما أَطلقت عليهم اللعنة، إما لأنها كانت ترى جواز لعن الكافر المعيَّن باعتبار الحالة الراهنة، لا سيما إذا صدر منه ما يقتضي التأديب، وإما لأنها تقدّم لها علمٌ بأن المذكورين يموتون على الكفر، فأَطلقت اللعن، ولم تقيّده بالموت، والذي يظهر أن النبيّ - ﷺ - أراد أن لا يتعود لسانها الفحش، أوأنكر عليها الإفراط في السبّ. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«يَا عَائِشَةُ) وفي الرواية الآتية: »مه يا عائشة«، و»مه« بفتح، فسكون: كلمة زجر عن الشيء، وفي رواية البخاريّ: »مهلًا يا عائشة«، وقوله: »مهلًا« معناه: تَأَنَّي، وارفُقِي، وانتصابه على المصدرية، وقال الجوهريّ: الْمَهَل، بالتحريك: التُّؤَدة، والتباطؤ، والاسم: الْمُهْلة بالضمّ، قال: وقولهم: مَهْلًا يا رجلُ، وكذلك للاثنين، والجمع، والمؤنّث، وهي موحّدةٌ بمعنى أَمْهِلْ. انتهى . (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ) قال المناويّ ﵀: «الرفق» -بكسر الراء، وسكون الفاء-: لِيْنُ الجانب بالقول، والفعل، والأخذُ بالأسهل، والدفع بالأخفّ، قال: عرَّف في «شرح الرسالة العَضُدية» الرفقَ بأنه حسن الانقياد إلى ما يؤدي إلى الجميل. انتهى . (فِي الأَمْرِ كُلِّهِ«)؛ أي: في أمر الدِّين، وأمر الدنيا، حتى في معاملة المرء نفسه، ويتأكد ذلك في معاشرة مَن لا بُدّ للإنسان من معاشرته، كزوجته، وخادمه، وولده، فالرفق محبوبٌ مطلوبٌ مرغوب، وكلُّ ما في الرفق من الخير ففي العنف مثله من الشر. انتهى . (قَالَتْ: أَلمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟) تعني قولهم: السام عليكم، (قَالَ) - ﷺ - («قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ») هكذا في رواية سفيان، عن الزهريّ لإثبات الواو، وفي الرواية التالية من طريق معمر، وصالح بن كيسان، كلاهما عن الزهريّ:«عليكم»بحذف الواو، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٥٦٤٤ و٥٦٤٥ و٥٦٤٦ و٥٦٤٧] (٢١٦٥)، و(البخاريّ) في«الجهاد»(٢٩٣٥) و«الأدب»(٦٠٢٤ و٦٠٣٠) و«الاستئذان »(٦٢٥٦) و«الدعوات»(٦٣٩٥ و٦٤٠١) وفي«الأدب المفرد»(٣١١ و٤١٢)، و(الترمذيّ) في«الاستئذان»(٢٧٠١)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٦/ ١٠٣)، و(ابن ماجه) في«الآداب»(٣٦٨٨)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١٩٤٦٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٦/ ٣٧ و٨٥ و١٩٩)، و(الدارميّ) في«سننه»(٢/ ٣٢٣)، و(عبد بن حميد) في«مسنده»(١/ ٤٢٨)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٤٤١)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٩/ ٢٠٣) وفي«الآداب»(٢٨٦)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (٣٣١٣ و٣٣١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما عليه اليهود من شدّة بغضهم للإسلام، وأهله، وقد أخبرنا الله ﷾ بذلك، فقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الآية [المائدة: ٨٢]. ٢ - (ومنها): ما قال المهلَّب ﵀: في هذا الحديث جواز انخداع الكبير للمكايد، ومعارضته من حيث لا يشعر؛ إذا رُجي رجوعه، قال الحافظ: في تقييده بذلك نظرٌ؛ لأن اليهود حينئذ كانوا أهل عهد، فالذي يظهر أن ذلك كان لمصلحة التأليف. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: قوله - ﷺ -: «يا عائشة إن الله يحبّ الرفق في الأمر كلِّه» هذا من عظيم خُلُقه - ﷺ -، وكمال حِلْمه، وفيه حثّ على الرفق، والصبر، والحلم، وملاطفة الناس، ما لم تَدْع حاجة إلى المخاشنة. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قيل: فيه جواز لعن الكافر المعيّن، وفيه خلاف قد حقّقناه في غير هذا المحلّ. ٥ - (ومنها): إثبات صفة المحبّة لله ﷿ من غير تأويل، ولا تمثيل، ولا تعطيل، بل على ما يليق بجلاله ﷾، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٤٥] (…) - (حَدَّثَنَاهُ حَسَنُ بْنُ عَلِق الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَدْ قُلْتُ: عَلَيْكُمْ»، وَلَمْ يَذْكُرَا الْوَاوَ). رجال هذين الإسنادين: ثمانية: ١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُ) نزيل مكة، أبو محمد الْهُذليّ، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م دت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٥٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ) ضمير التثنية لإبراهيم بن سعد وصالح بن كيسان. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ ساقها النسائيّ ﵀ في «الكبرى»، فقال: (١٠٢١٤) - أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا عَمِّي، قال: أخبرني أَبِي ، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عروة، أن عائشة قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله - ﷺ -، فقالوا: السام عليك، ففهمتها، فقلت: السام عليكم، واللعنة، فقال رسول الله - ﷺ -: «مَهْلًا يا عائشة، إن الله يُحِبّ الرفق في الأمر كله»، قلت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله - ﷺ -: «قد قلت: عليكم». انتهى . ورواية معمر عن الزهريّ ساقها عبد بن حميد ﵀ في «مسنده»، فقال: (١٤٧١) - أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله - ﷺ -، فقالوا: السام عليكم، فقال النبيّ - ﷺ -: «وعليكم»، فقالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام، واللعنة، فقال النبيّ - ﷺ -: «مَهْلًا يا عائشة، إن الله يحبّ الرفق في الأمر كله»، قالت: قلت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أليس قد قلت: عليكم؟». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٤٦] (…) - (حَدَّثنا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أتَى النَّبِيَّ - ﷺ - أناسٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: «وَعَلَيْكُمْ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ، وَالذَّامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَائِشَةُ، لَا تَكُونِي فَاحِشَةً»، فَقَالَتْ: مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمُ الَّذِي قَالُوا؟، قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُسْلِمُ) بن صُبيح الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار، ثقةٌ فاضل، من صغار [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٢/ ٦٣٥. ٢ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢١٧. و«عائشة» - ﵂ - ذُكرت قبله، والباقون تقدّموا قريبًا، و«أبو كُريب» هو: محمد بن العلاء، و«أبو معاوية» هو: محمد بن خازم الضرير، و«الأعمش» هو: سليمان بن مِهْران. وقولها: (أتى النَّبِي - ﷺ - أُنَاسٌ) ببناء الفعل للفاعل، و«أناس» مرفوع على الفاعليّة له، و«النبيَّ» مفعوله مقدّمًا، ووقع في بعض النُّسخ: «ناسٌ» بحذف الهمزة، قال الفيّوميّ ﵀: «الأُنَاسُ» قيل: فُعالٌّ بِضَمّ الفَاءِ، مُشْتَقُ مِنَ الإنِس، لكن يجوزُ حذف الهمزة تخفيفًا على غير قياس، فيبقى النَّاسَ، وعنِ الكسائيّ: أن الأُنَاسَ، والنَّاسَ لُغَتانِ بمِعَنْىً واحد، وليس أحدهما مشتقًّا من الآخر، وهو الوجهُ؛ لأنهما مادَّتَانِ مُخْتلِفَتانِ في الاشْتِقَاق، والحذف تَغْيِيرٌ، وهو خِلافُ الأَصْل. انتهى . وقولها: (بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ، وَالذَّامُ) قال النوويّ ﵀: «الذام» بالذال المعجمة، وتخفيف الميم، وهو الذّمّ، ويقال: بالهمزة أيضًا، والأشهر ترك الهمز، وألفه منقلبة عن واو، والذامُ، والذِّيمُ، والذّمّ بمعنى العيب، ورُوِي الدّامُ بالدال المهملة، ومعناه الدائم، وممن ذكر أنه رُوي بالمهملة ابن الأثير، ونقل القاضي عياض الاتفاق على أنه بالمعجمة، قال: ولو رُوي بالمهملة لكان له وجه، والله أعلم. انتهى. وقال في «الفتح»: «والذام» بالذال المعجمة، وهو لغة في الذّمّ ضِدِّ المدح، يقال: ذَمَّ بالتشديد، وذام بالتخفيف، وذَيْم بتحتانية ساكنة، وقال عياض: لم يختلف الرواة أن الذام في هذا الحديث بالمعجمة، ولو رُوي بالمهملة من الدوام، لكان له وجه، ولكن كان يحتاج لحذف الواو؛ ليصير صفة للسام، وقد حَكَى ابن الأعرابيّ: «الدام» لغة في الدائم. انتهى . وقال القاضي عياض ﵀ في «المشارق»: وقول عائشة - ﵂ -: «عليكم السام والذام» الرواية بغير همز عند الكافة، وذال معجمة، وعند العذريّ: والهام بالهاء، فعلى رواية الكافة، إما أن يقال: إن الألف منقلبة من همزة، والذأم بالهمز العيب، يقال: ذامه يَذامه ذامًا، قال الله تعالى: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]؛ أي: مَعِيبًا، أو تكون أيضًا منقلبة من ياء بمعناه، يقال منه: ذامه يَذيمه ذامًا، بغير همز، وكذلك ذمَّه يَذُمّه ذمًّا، وذماه يَذميه كله بمعنى، وقد ذكر الهرويّ هذا الحديث، فقال: «عليكم السام، والدام» بدال مهملة غير مهموز، وفسَّره: عليكم الموت الدائم، قال ابن الأعرابيّ: الدام: الموت الدائم، وقال ابن عرفة: ذامَتُه بالمعجمة مهموز: حَقَرته، وأما رواية من رواه: الهام، فإن صحت فمحملها على معنى الطيرة، والشؤم؛ لأن العرب تتشاءم بالهام، وهو ذَكَر الْبُوم، أو يراد بالهام هنا الموت، والهلاك، كما فُسِّر به السام في الرواية الأخرى، على أحد التفسيرين؛ لقولهم: هو هامة اليوم، أو غَدٍ؛ أي: ميت، وأصله أيضًا من قول الجاهلية: إن الميت إذا مات خرج من رأسه طائر يُسَمَّى الهام. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قول عائشة - ﵂ -: «بل عليكم السَّام، والذَّام»: الذَّام بتخفيف الميم؛ الرواية المشهورة فيه بالذال المعجمة، وهو العيب، ومنه: المثل: لا تَعْدَمُ الْحَسْنَاءُ ذَامًا؛ أي: عيبًا، ويهمز، ولا يهمز، ويقال: ذأمه يذأمه، مثل: دأب عليه يدأب، والمفعول: مذؤوم -مهموزًا- ومنه: ﴿مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] ويقال: ذامه يذومه -مخففًا- كرامه، يرومه، قال الأخفش: الذَّام أشدُّ العيب، وقد وقع للعذريّ هذا الحرف «الهام» بالهاء؛ يعني: هامة القتيل، وصداه التي كانت العرب تتحدَّث بها، وهي من أكاذيبها، كما تقدَّم، وتعني بذلك عائشة - ﵂ - على هذا القتلَ؛ دعت عليه بالموت والقتل، وقاله ابن الأعرابيّ بالدال المهملة، وفسَّره بالدائم، والصواب الأول -إن شاء الله تعالى- انتهى . وقوله: (لَا تَكُونِي فَاحِشَةً)؛ أي: مُعتديةً في الجواب، وقال القرطبيّ ﵀: أي: لا يصدر عنك كلام فيه جفاء، والفحش: ما يُستفحش من الأقوال، والافعال، غير أنَّه قد كَثُر إطلاقه على الزنى، وهو غير مراد هنا قطعًا، وهذا منه - ﷺ - أمر لعائشة - ﵂ - بالتثبت، والرفق، وترك الاستعجال، وتأديبٌ لها لِمَا نَطَقت به من اللَّعنة، وغيرها، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال المجد ﵀: الفاحشة الزنى، وما يشتدّ قبحه من الذنوب، وكل ما نهى الله عنه، والفحشاء البخل في أداء الزكاة، والفاحش البخيل جدًّا، والكثير الغالب، وقد فَحُش، كَكَرُم فُحْشًا، والفحش عدوان الجواب، ومنه: قوله - ﷺ - لعائشة: «لا تكوني فاحشةً»، ورجل فاحشٌ، وفَحّاش، وأفحش، قال الفحشَ، وتفاحش: أتى به، وأظهره. انتهى . وقال ابن الأثير ﵀: الفاحش: ذو الفحش في كلامه، وفِعاله، والمتفحّش الذي يتكلّف ذلك، ويتعمّده، قال: وقد تكرّر ذِكر الفحش، والفاحشة، والفواحش في الحديث، وهو كل ما يشتدّ قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيرًا ما تَرِدُ الفاحشة بمعنى الزنى، وكلّ خَصلة قبيحة من الأقوال، والأفعال، ومنه الحديث: قال لعائشة - ﵂ -: لا تقولي ذلك، فإن الله لا يحبّ الْفُحش ولا التفاحُش، أراد بالفُحش التعدّي في القول والجواب، لا الفُحش الذي هو من قَذَعِ الكلام، ورديئه، والتفاحش: تفاعُلٌ منه. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٤٧] … (-) حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَفَطِنَتْ بِهِمْ عَائِشَةُ، فَسَبَّتْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَهْ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَالتفَحُّشَ»، وَزَادَ: فَأْنزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إِلَى آخِرِ الآيةِ [المجادلة: ٨]). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٢ - (يَعْلَى بْنُ عُبَيْدِ) بن أُميّة الإياديّ، ويقال: الحنفيّ مولاهم الطنافسيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ، إلا في حديثه عن الثوريّ، ففيه لينٌ، من كبار [٩] مات سنة بضع و(٢٠٠) وله تسعون سنةً. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأعمش، وعبد العزيز بن سياه، ويزيد بن كيسان، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. وروى عنه ابن أخته علي بن محمد الطنافسيّ، وأخوه محمد بن عبيد، ومحمد بن مقاتل المروزيّ، وإسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وعبد بن حميد، وغيرهم. قال صالح بن أحمد عن أبيه: كان صحيح الحديث، وكان صالِحًا في نفسه، وقال عليّ بن الحسن الهسنجانيّ عن أحمد: يعلى أصحّ حديثًا من محمد بن عبيد، وأحفظ، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ضعيف في سفيان، ثقةٌ في غيره، وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أثبت أولاد أبيه في الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أحمد بن يونس: ما رأيت أحدًا يريد بعلمه الله تعالى إلا يعلى بن عبيد، ما رأيت أفضل منه، وقال أبو مسعود الرازيّ: كان يعلى ومحمد ابنا عبيد من أهل بيت بركة، ما رأيت يعلى ضاحكًا قط، وكان يعلى أكثر مجلسًا، وأحسن خُلُقًا، وقال ابن سعد: كان ثقةٌ كثير الحديث، وقال الدارقطنيّ: بنو عُبيد كلهم ثقات، وقال ابن عمار الموصليّ: أولاد عُبيد كلهم ثبت، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد، وقال سعيد بن أيوب البخاريّ: كان يعلى يحفظ عامة حديثه، أو جميعه. قال ابن نمير، وجماعة: مات في شوال سنة تسع ومائتين، وقال ابن حبان: مات في رمضان سنة سبع، وقيل: سنة تسع ومائتين، وقال غيره: كان مولده سنة سبع عشرة ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٢١٦٥)، وحديث (٢٤٤٧): «إن جبريل يقرأ عليكِ السلام …» الحديث. وقوله: (فَفَطِنَتْ بِهِمْ عَائِشَةُ) بفتح الفاء، وكسر الطاء المهملة، قال الفيّوميّ ﵀: فَطِنَ للأمر يَفْطُنُ، من بابي تَعِبَ، وقَتَل فِطْنًا، وفِطْنَةً، وفِطَانَةً بالكسر في الكلّ، فهو فَطِنُ، والجمع فُطُنُ بضمتين، وفَطُنَ بالضم: إذا صارت الفِطَانَةُ له سجية، فهو فَطِنُ أيضًا، ورجل فَطِن بخصومته: عالم بوجوهها، حاذق، ويتعدى بالتضعيف، فيقال: فَظَنتُهُ للأمر. انتهى . وقال النوويّ ﵀: هو بالفاء، وبالنون بعد الطاء من الفطنة، هكذا هو في جميع النُّسخ، وكذا نقله القاضي عن الجمهور، قال: ورواه بعضهم: «فَقَطَّبَت» بالقاف، وتشديد الطاء، وبالباء الموحّدة، وقد تُخفَّف الطاء في هذا اللفظ، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: «غَضِبَتْ»، ولكن الصحيح الأول. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «ففطنت بهم عائشة» صحيح الرواية بفاء، وطاء مهملة، ونون، من الْفِطنة، والفهم؛ أي: فَهِمت عنهم ما قالوه، ولابن الحذَّاء: فقَطَّبت، بقاف وجاء موحّدة، من التقطيب في الوجه، وهو العَبْسَة، والغضب، وقد جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى، انتهى . وقوله: (فَسَبَّتْهُمْ)؛ أي: شتمتهم، وبابه نصر، قال النوويّ ﵀: وأما سَبّها لهم ففيه الانتصار من الظالم، وفيه الانتصار لأهل الفضل ممن يؤذيهم. انتهى. وقوله: (مَهْ يَا عَائِشَةُ) بفتح الميم، وإسكان الهاء: اسم فعل بمعنى كفّي، وانزجري، وقال في «التاج»: قال الجوهريّ: مَهْ كَلِمةٌ بُنِيت على السكون، وهي اسمٌ سُمِّي به الفعل، ومعناه: اكْفُفْ؛ لأنّه زجر، فإن وَصَلتَ نَوَّنتَ، فقلتَ: مَهٍ مَهْ، ويقال: مَهْمَهْتُ به: أي: زجرته. انتهى، وقال بعض النحويين: أما قولهم: مَهْ إذا نَوَّنتَ فكأنك قلت: ازدجارًا، وإذا لم تنوّن فكأنك قلت: الازدجار، فصار التنوين عَلَمَ التنكير، وتَرْكَه عَلمَ التعريف. انتهى . وقال ابن الأثير ﵀: مَهْ اسم مبنيّ على السكون، بمعنى اسكت، قال: وفي حديث طلاق ابن عمر: «قلت: فيه»؛ أي: فماذا للاستفهام، فأبدلت الألف هاءً للوقف والسكت. انتهى . وقوله: (فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَالتَفَحُّشَ) قال النوويّ ﵀: أما الفُحْش فهو القبيح من القول والفعل، وقيل: الفحش مجاوزة الحدّ، قال: وفي هذا الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سَفَه المبطلين إذا لم تترتب عليه مفسدة، قال الشافعيّ ﵀: الكيِّس العاقل هو الفَطِنُ المتغافل. انتهى . وقال القاضي عياض ﵀: قال ابن عوفة: الفاحش ذو الفحش في كلامه، والمتَفَحِّش الذي يتكلَّف ذلك، ويتعمَّده، وقال الطبريّ: الفاحش البذيّ، قيل: ويكون المتفحش الذي يأتي الفاحشة المنهيّ عنها، وقوله لعائشة - ﵂ - حين رَدّت على اليهود: «عليكم السام واللعنة»: «لا تكوني فاحشة»، و«إن الله لا يحب الفُحش، ولا التفحش»، هو مما تقدم في القول، ألا تراه في الرواية الأخرى: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله»؛ وقيل: هو هنا عدوان الجواب؛ لأنه لم يكن منها إليهم فُحْش، قاله الهرويّ. قال القاضي: لا أدري ما قال؟ وأيُّ شيء أفحش من اللعنة، وما قالته لهم مما يستحقونه، وقوله: «من أجل ذلك حَرَّم الفواحش» قال ابن عرفة: كلُّ ما نهى الله عنه فهو فاحشة، وقيل: الفاحشة ما يشتدّ قبحه من الذنوب، والفحش زيادة الشيء على ما عُهِد من مقداره. انتهى . وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير يعلى بن عُبيد؛ أي: زاد في الحديث قوله: «فأنزل الله ﷿ … إلخ». وقوله: (فَأَنزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إِلَى آخِرِ الآيةِ [المجادلة: ٨]) فيه بيان سبب نزول الآية الكريمة، فإنها نزلت بسبب قول اليهود للنبيّ - ﷺ -: السام عليكم. وقال الإمام ابن جرير الطبريّ ﵀: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] يقول تعالى ذِكره لنبيّه محمد - ﷺ -: وإذا جاءك يا محمد هؤلاء الذين نُهُوا عن النجوى الذين وصف الله جَلّ ثناؤه صفتهم حَيَّوك بغير التحية التي جعلها الله لك تحيّةً، وكانت تحيتهم التي كانوا يحيّونه بها التي أخبر الله أنه لم يحيّه بها فيما جاءت به الأخبار أنهم كانوا يقولون: السام عليك. قال: وقوله جل ثناؤه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] يقول جل ثناؤه: ويقول محيّوك بهذه التحية من اليهود: هَلّا يعاقبنا الله بما نقول لمحمد - ﷺ -، فَيُعَجِّل عقوبته لنا على ذلك، يقول الله: حسب قائلي ذلك يا محمد جهنم، وكفاهم بها، يصلونها يوم القيامة، فبئس المصير جهنم. انتهى . وقال الحافظ ابن كثير ﵀: وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾؛ أي: يفعلون هذا، ويقولون ما يحرّفون من الكلام، وإيهام السلام، وإنما هو شَتْم في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبيًّا لعذّبنا الله بما نقول له في الباطن؛ لأن الله يعلم ما نُسِرّه، فلو كان هذا نبيًّا حقًّا لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا، فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [المجادلة: ٨]: أي: جهنم كفايتهم في الدار الآخرة. انتهى . [تنبيه]: رواية يعلى بن عُبيد عن الأعمش ساقها ابن راهويه ﵀ في «مسنده»، فقال:
مصادر المؤلف (٣٢)

١. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٦/ ١٠٢.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٤١.

٣. «الفتح» ١٤/ ١٩٢، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٥٦).

٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٥/ ٣٠٤١.

٥. «الأعلام» ٣/ ٢١٧٦ - ٢١٧٧.

٦. «الفتح»١٤/ ١٩٢، كتاب«الاستئذان»رقم ٦٢٥٦١).

٧. «الصحاح»١٠٠٧، و«عمدة القاري»٢٢/ ١١٣.

٨. «فيض القدير على الجامع الصغير»للمناويّ ٢/ ٢٨٧.

٩. «فيض القدير على الجامع الصغير»للمناويّ ٢/ ٢٨٧.

١٠. «الفتح» ١٤/ ١٩٤، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٥٦).

١١. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٤٥.

١٢. وفي نسخة: «ولم يذكروا».

١٣. سقط لفظ «أبي» من نسخة «الكبرى»، ولا بدّ منه، والإصلاح من رواية مسلم هذه، ومن «تحفة الأشراف» ١٢/ ٤٩، فتنبّه.

١٤. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٦/ ١٠٣.

١٥. «مسند عبد بن حميد» ١/ ٤٢٨.

١٦. وفي نسخة: «ناسٌ».

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٦.

١٨. «الفتح» ١٤/ ١٩٢، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٥٦).

١٩. «مشارق الأنوار»١/ ٢٧٤.

٢٠. «المفهم» ٥/ ٤٩٣.

٢١. «المفهم» ٥/ ٤٩٤.

٢٢. «القاموس المحيط» ١/ ٧٧٤.

٢٣. «النهاية في غريب الحديث والأثر» ص ٦٩٣.

٢٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٧.

٢٥. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٤٧.

٢٦. «المفهم» ٥/ ٤٩٣.

٢٧. «تاج العروس» ١/ ٨٢٤٣.

٢٨. «النهاية في غريب الحديث والأثر» ص ٨٨٩.

٢٩. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٤٧.

٣٠. «مشارق الأنوار»٢/ ١٤٨.

٣١. «تفسير الطبريّ» ١٥/ ٢٨.

٣٢. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٣٢٤.