HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٠١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا فِي سَفَرٍ. فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ. فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ. فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ. فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. فَبَرَأَ الرَّجُلُ. فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ. فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا. وَقَالَ: حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَاللَّهِ. مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. فَتَبَسَّمَ وَقَالَ «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟». ثُمَّ قَالَ «خُذُوا مِنْهُمْ. واضربوا لي بسهم معكم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص19
ج ٤ ص ١٧٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٢٣
[٦٥٥] وقوله: (مَا كُنَّا نَأبِنُهُ بِرُقيةٍ) ، أي: نتهمه، وقال أبو الدرداء: (إِنْ نُؤْبَن بِمَا لَيْسَ فِينَا، فَرُبَّمَا زُكِّينَا بِمَا لَيْسَ فِينَا) ؛ أي: إن نُتَّهَم ونُنْسَب إلى قبيح من الفعال. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص١٠٤
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٥٧٢٠] (٢٢٠٠)، و(أبو داود) في «الطبّ» (٣٨٨٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٠٩٤)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٢٨)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٨/ ٨٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٤٩)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ جَوَازِ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٧٢١] (٢٢٠١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصَحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَانُوا في سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَب، فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ، أَو مُصَابٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ، فَأَتَاهُ، فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، وَاللهِ مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب، فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا مِنْهُمْ، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وحشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعّفه شعبة في حبيب بن سالم، ومجاهد [٥] (ت ٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٨. ٤ - (أَبُو الْمُتَوَكِّلِ) عليّ بن داود، ويقال: دؤاد الناجيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٨) أو قبل ذلك (ع) تقدم في «الطهارة» ١٥/ ٦٠٢. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنان - ﵄ -، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد - ﵁ - صحابيّ ابن صحابيّ، من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) هو جعفر بن أبي وحشيّة، مشهور بكنيته أكثر من اسمه، كأبيه، واسمه إياس، وهو مشهور بكنيته. (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) عليّ بن داود الناجيّ، وقد ذكر البخاريّ في «صحيحه» تصريح أبي بشر بالسماع منه، ولفظه: «قال أبو عبد الله: وقال شعبة: حدّثنا أبو بشر، سمعت أبا المتوكّل». انتهى. قال في «الفتح»: وتابع أبا عوانة على هذا الإسناد شعبة، كما في آخر الباب، وهشيم كما أخرجه مسلم، والنسائيّ، وخالفهم الأعمش، فرواه عن جعفر بن أبي وحشية، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، جعل بدل أبي المتوكل أبا نضرة، أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، من طريقه، فأما الترمذيّ، فقال: طريق شعبة أصحِّ من طريق الأعمش، وقال ابن ماجة: إنها الصواب، ورجَّحها الدارقطنيّ في «العلل»، ولم يرجح في «السنن» شيئًا، وكذا النسائيّ، قال الحافظ: والذي يترجح في نقدي أن الطريقين محفوظان؛ لاشتمال طريق الأعمش على زيادات في المتن، ليست في رواية شعبة، ومن تابعه، فكأنه كان عند أبي بشر عن شيخين، فحدّث به تارةً عن هذا، وتارةً عن هذا، ولم يُصِبْ ابن العربيّ في دعواه أن هذا الحديث مضطرب، فقد رواه عن أبي سعيد أيضًا معبد بن سيرين، عند البخاريّ في «فضائل القرآن»، وسليمان بن قَتَّةَ - هو بفتح القاف، وتشديد المثناة - كما أخرجه أحمد، والدارقطنيّ، قال الحافظ - ﵀ -: وسأذكر ما في رواياتهم من الفوائد. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وسأذكر أنا أيضًا الفوائد التي ذكرها الحافظ - ﵀ - إن شاء الله تعالى -. (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ - (أَن نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَانُوا في سَفَرٍ) قال الحافظ - ﵀ -: لَمْ أقف على اسم أحد منهم، سوى أبي سعيد، وليس في سياق هذه الطريق ما يُشعر بأن السفر كان في جهاد، لكن في رواية الأعمش: «أن النبيّ - ﷺ - بعثهم»، وفي رواية سليمان بن قَتَّة عند أحمد: «بعثنا رسول الله - ﷺ - بعثًا»، زاد الدارقطنيّ فيه: «بَعَث سريّةً، عليها أبو سعيد»، ولم أقف على تعيين هذه السريّة في شيء من كتب المغازي، بل لَمْ يتعرض لِذِكْرها أحد منهم، وهي واردة عليهم، ولم أقف على تعيين الحيّ الذين نزلوا بهم من أي القبائل هم. انتهى . (فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ) الأحياء بفتح الهمزة: جمع حيّ، والمراد به: طائفة من العرب مخصوصة، قال الْهَمْداني في «الأنساب»: الشَّعْب، والحيّ بمعني، وسُمّي الشعبَ؛ لأنَّ القبيلة تتشعب منه . (فَاسْتَضَافُوهْمْ)؛ أي: طلبوا منهم الضيافة، وفي رواية الأعمش، عند غير الترمذيّ: «بعثنا رسول الله - ﷺ - ثلاثين رجلًا، فنزلنا بقوم ليلًا، فسألناهم القِرَى»، فأفادت عدد السريّة، ووقت النزول، كما أفادت رواية الدارقطنيّ تعيين أمير السرية، والقِرَى بكسر القاف مقصورًا: الضيافة. (فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ) قال في «الفتح»: بالتشديد للأكثر، وبكسر الضاد المعجمة مخفّفًا. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الضَّيْفُ: معروفٌ، ويُطلق بلفظ واحد على الواحد، وغيره؛ لأنه مصدر في الأصل، مِنْ ضَافَهُ ضَيْفًا، من باب باع: إذا نزل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضَيْفٌ، وضَيْفَةٌ، وأَضْيَافٌ، وضِيفَانٌ، وأَضَفْتُهُ، وَضَيَّفْتُهُ: إذا أنزلته، وقَرَيْتَهُ، والاسم: الضِّيَافَةُ، قال ثعلب: ضِفْتَهُ: إذا نزلت به، وأنت ضيف عنده، وأَضَفْتَهُ، بالألف: إذا أنزلته عندك ضَيْفًا. انتهى . (فَقَالُوا لَهُمْ)؛ أي: قال الحيّ لهؤلاء الصحابة - ﵃ -: (هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ) الفاء للتعليل؛ أي: لأنَّ (سَيِّدَ الْحَيِّ)؛ أي: رئيس القبيلة (لَدِيغٌ) قال القرطبيّ - ﵀ -: «اللَّديغ»: الذي لدغته الحيَّة، أو العقرب، وقد يُسمَّى بالسَّلِيم تفاؤلًا، كما قد جاء في الرواية الأخرى. انتهى . وقال في «الفتح»: «اللَّدْغ» - بالدال المهملة، والغين المعجمة - وهو اللَّسْع وزنًا ومعنى، وأما اللَّذْع بالذال المعجمة، والعين المهملة، فهو الإحراق الخفيف، واللاع المذكور في الحديث هو ضرب ذات الْحُمَة، من حيّة، أو عقرب، أو غيرهما، وأكثر ما يُستعمل في العقرب، وقد أفادت رواية الأعمش تعيين العقرب. وأما ما وقع في رواية هشيم عند النسائيّ أنه مصاب في عقله، أو لديغ، فشكّ من هشيم، وقد رواه الباقون، فلم يَشُكُّوا في أنه لديغ، ولا سيما تصريح الأعمش بالعقرب، وكذلك ما في الرواية الآتية من طريق مَعْبد بن سيرين، عن أبي سعيد، بلفظ: «إن سيد الحي سَلِيم»، وكذا في «الطب» عند البخاريّ من حديث ابن عباس: «إن سيد الحي سَلِيم»، والسَّليم: هو «اللديغ». نعم وقعت للصحابة قصة أخرى في رجل مصاب بعقله، فقرأ عليه بعضهم فاتحة الكتاب، فبرأ، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، من طريق خارجة بن الصَّلْت، عن عمه، أنه «مَرّ بقوم، وعندهم رجل مجنون، موثق في الحديد، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير، فارْقِ لنا هذا الرجل …» الحديث، فالذي يظهر أنهما قصتان، لكن الواقع في قصة أبي سعيد أنه لديغ، قاله في «الفتح» . (أَو مُصَابٌ) «أو» للشكّ من الراوي، هل قال: «لديغ»، أو قال: «مصابٌ»، والمراد أصابه اللاع، زاد في رواية البخاريّ: «فلُدِغ سيد ذلك الحيّ، فسَعَوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم، لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فَأَتَوْهم، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدِغ، فسعينا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لراقي، ولكن والله لقد استضفناكم، فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعْلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم». قال في «الفتح»: قوله: «فسعوا له بكل شيء»؛ أي: مما جرت به العادة، أن يُتداوى به، من لدغة العقرب، كذا للأكثر، من السعي؛ أي: طلبوا له ما يداويه، وللكشميهنيّ: «فشَفَوا» بالمعجمة، والفاء، وعليه شرح الخطابيّ، فقال: معناه طلبوا الشفاء، تقول: شَفَى الله مريضي؛ أي: أبرأه، وشفى له الطبيب؛ أي: عالجه بما يشفيه، أو وَصَف له ما فيه الشفاء، لكن ادَّعَى ابن التين أنَّها تصحيف. قوله: «لو أتيتم هؤلاء الرهط» قال ابن التين: قال تارةً: نفرًا، وتارة: رهطًا، والنفر ما بين العشرة والثلاثة، والرهط ما دون العشرة، وقيل: يصل إلى الأربعين، قال الحافظ: وهذا الحديث يدلّ له. قوله: «فأتوهم»، وفي رواية معبد بن سيرين الآتية أن الذي جاء في هذه الرسالة امرأة، وعند البخاريّ: جارية منهم، فيُحْمَل على أنَّه كان معها غيرها، زاد البزار في حديث جابر: «فقالوا لهم: قد بلغنا أن صاحبكم جاء بالنور، والشفاء، قالوا: نعم». قوله: «وسعينا» في رواية الكشميهنيّ: «وشفينا» بالمعجمة، والفاء، وقد تقدّم ما فيها. قوله: «فهل عند أحد منكم من شيء»، زاد أبو داود في روايته: «ينفع صاحبنا». قوله: «فقال بعضهم»، في رواية أبي داود: «فقال رجل من القوم: نعم والله، إني لأرقِي» بكسر القاف، وبيَّن الأعمش أن الذي قال ذلك هو أبو سعيد، راوي الخبر، ولفظه: «قلت: نعم، أنا، ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنمًا»، فأفاد بيان جنس الْجُعْل، وهو بضم الجيم، وسكون المهملة: ما يُعْطَى على عمل. وقد استُشكل كون الراقي هو أبا سعيد، راوي الخبر، مع ما وقع في رواية معبد بن سيرين الآتية من قوله: «فقام معها رجل، ما كنا نظنه يحسن رقية». وعند البخاريّ في «فضائل القرآن» بلفظ آخر، وفيه: «فلما رَجَع قلنا له: أكنت تحسن رقيةً؟»، ففي ذلك إشعار بأنه غيره. والجواب أنه لا مانع من أن يَكْنِي الرجل عن نفسه، فلعل أبا سعيد صرّح تارةً، وكَنَى أخرى، ولم ينفرد الأعمش بتعيينه، فقد وقع أيضًا في رواية سليمان بن قَتَّة، بلفظ: «فأتيته، فرَقَيته بفاتحة الكتاب»، وفي حديث جابر عند البزار: «فقال رجل من الأنصار: أنا أرقيه»، قال الحافظ: وهو مما يُقَوِّي رواية الأعمش، فإن أبا سعيد أنصاريّ، وأما حَمْل بعض الشارحين ذلك على تعدد القصة، وأن أبا سعيد روى قصتين، كان في إحداهما راقيًا، وفي الأخرى كان الراقي غيره، فبعيد جدًّا، ولا سيما مع اتحاد المخرج، والسياق، والسبب، ويكفي في ردّ ذلك أن الأصل عدم التعدد، ولا حامل عليه، فإن الجمع بين الروايتين ممكن بدونه، وهذا بخلاف ما تقدّم من حديث خارجة بن الصَّلْت، عن عمه، فإن السياقين مختلفان، وكذا السبب، فكان الحمل على التعدد فيه قريبًا. قوله: «فصالحوهم»؛ أي: وافقوهم. قوله: «على قطيع من الغنم» قال ابن التين: القطيع هو الطائفة من الغنم، وتُعُقب بأن القطيع هو الشيء المقتطع من غنم كان، أو غيرها، وقد صَرَّح بذلك ابن قرقول وغيره، وزاد بعضهم: أن الغالب استعماله فيما بين العشرة والأربعين. ووقع في رواية الأعمش: «فقالوا: إنا نعطيكم ثلاثين شاةً»، وكذا ثبت ذِكْر عدد الشياه في رواية معبد بن سيرين، عند البخاريّ، وهو مناسب لعدد السريّة كما تقدم في أول الحديث، وكأنهم اعتبروا عددهم، فجعلوا الْجُعْل بإزائه. انتهى . (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) تقدّم أنه أبو سعيد الخدريّ - ﵁ -، (نَعَمْ) عندنا راقٍ (فَأَتَاهُ)؛ أي: اللديغ، وفي رواية البخاريّ: «فانطلق يتفل» بضم الفاء، وبكسرها، وهو نفخ معه قليل بزاق، قال ابن أبي جمرة: محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة؛ لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يُمَرّ عليها الريق، فتحصل البركة في الريق الذي يتفله. (فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)؛ أي: بقراءتها، وفي رواية البخاريّ: «ويقرأ الحمد لله رب العالمين»، وفي رواية شعبة: «فجعل يقرأ عليها بفاتحة الكتاب»، وكذا في حديث جابر، وفي رواية الأعمش: «فقرأت عليه الحمد لله»، وششفاد منه تسمية الفاتحة: «الحمد»، و«الحمد لله رب العالمين»، ولم يذكر في هذه الطريق عدد ما قرأ الفاتحة، لكنه بيَّنه في رواية الأعمش، وأنه سبع مرات، ووقع في حديث جابر: ثلاث مرات، والحُكم للزائد . (فَبَرَأ الرَّجُلُ) بفتح الراء، وكسرها، وضمّها، يقال: برأ من المرض يبرأ، من بابي نفع، وتَعِبَ، وبرُؤَ بُرْءًا، من باب قَرُب لغة ، قاله الفيّوميّ. وقال في «التاج»: وبَرأَ المَريض مُثَلَّثًا، والفتحُ أَفصحُ، وهي لغة أهلِ الحجاز، والكَسْرُ لغة بني تميم، يَبْرَأُ بالفتح أيضًا على القياس، وبَرَأَ كنَصَرَ يَبْرُؤُ، كينْصُر، قالوا: ولم يجئْ فيما لامه همزة فَعَلْتُ أَفْعَل، إِلَّا في هذا الحرف، بُرْءًا بالضم، في لُغة الحجاز، وتميم، وبُرُوءًا، كقُعود، وبَرُؤ، ككَرُم يَبْرُؤُ بالضمِّ فيهما، وهذه اللغةُ الثالثةُ غيرُ فصيحةٍ، وبَرِئَ مثل فَرِحَ يَبْرَأُ، كيفْرَحُ، وهما - أَي: بَرَأَ كمنَعَ، وبَرِئَ كفرِح - لُغتان فَصيحتان، بَرْءًا بفتح فسكون، وبُرُؤًا بضمَّتين، وبُرُوءًا كقُعود: نَقِهَ، وفيه مَرَضٌ، ونَقِهَ كفرِحَ، من النَّقاهة، وهي الصِّحَّة الخفيفةُ التي تكون عَقِيب مرضٍ. انتهى ما في «التاج» باختصار . وفي رواية البخاريّ: «فكأنما نُشِط من عقال، فانطلق يمشي، وما به قَلَبة»، قال في «الفتح»: قوله: «فكأنما نُشط» كذا للجميع بضم النون، وكسر المعجمة، من الثلاثيّ، قال الخطابيّ: وهو لغة، والمشهور نَشَطَ : إذا عَقَدَ، وأَنشط: إذا حَلّ، وأصله الأُنشوطة بضم الهمزة، والمعجمة، بينهما نون ساكنة، وهي الحبل، وقال ابن التين: حَكَى بعضهم أن معنى أُنشط: حُلّ، ومعنى نَشِطَ: قام بسرعة، ومنه قولهم: رجل نشيط، ويَحْتَمِل أن يكون معنى نَشَط: فَزعَ ، ولو قرئ بالتشديد لكان له وجه؛ أي: حُلّ شيئًا فشيئًا. قوله: «من عقال» بكسر المهملة بعدها قاف: هو الحبل الذي يُشَدّ به ذراع البهيمة. قوله: «وما به قَلَبة» بحركات؛ أي: عِلَّة، وقيل للعلة: قلبةٌ؛ لأنَّ الذي تصيبه يقلب من جنب إلى جنب؛ ليُعْلَم موضع الداء، قاله ابن الأعرابيّ، ومنه قول الشاعر [من البسيط]: أَوْدَى الشَّبَابُ وَحُبُّ الْخَالَةِ الْخَلِبَهْ … وَقَدْ بَرِئْتُ فَمَا فِي الصَّدْرِ مِنْ قَلَبَهْ أي: برئت من داء الحبّ، وقال ابن الأعرابيّ: معناه: ليست به علّة، يُقلّب لها، فينظر إليه. انتهى . وفي نسخة الدمياطيّ بخطه: قال ابن الأعرابيّ: القَلَبة داء، مأخوذ من القُلاب، يأخذ البعير، فيألم قلبه، فيموت من يومه. انتهى . (فَأُعْطِيَ) بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير الرجل الراقي، والمعطي هو الرجل المرقيّ، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الرجل المرقيّ. (قَطِيعًا) قال القرطبيّ - ﵀ -: «القطيع»: هو الجزء المقتطع، فَعِيل، بمعنى: مفعول. انتهى ، وقال غيره: القطيع: هو الطائفة من الغنم، وغيرها، قال أهل اللغة: الغالب استعماله في بين العشرة والأربعين، وقيل: ما بين خمس عشرة إلى خمس وعشرين، وجمعه أقطاعٌ، وأَقطِعةٌ، وقُطعانٌ، وقِطاعٌ، وأقاطيع، والله تعالى أعلم. وقوله: (مِنْ غَنَمٍ) بيان لقطيع، وفي بعض النسخ: «من الغنم»، وتقدّم أنَّها ثلاثون شاةً. (فَأَبَى) الرجل الراقي (أَنْ يَقْبَلَهَا)؛ أي: تلك الغنم؛ لعدم علمه بحكمها، (وَفَالَ) لا أقبلها، ولا أقسمها بين أصحابي (حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِبيِّ - ﷺ -) قال القرطبيّ - ﵀ -: وإيقاف الصحابيّ قبول الغنم على سؤال النبيّ - ﷺ - عملٌ بما يجب من التوقف عند الإشكال إلى البيان، وهو أمرٌ لا يُختَلَف فيه. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «قال: فأَوْفَوْهم جُعْلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: أقسموا، فقال الذي رَقَى: لا تفعلوا، حتى نأتي النبيّ - ﷺ -، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا». قوله: فقال بعضهم: «أقسموا»، قال الحافظ: لَمْ أقف على اسمه. قوله: «فقال الذي رَقَى» بفتح القاف، وفي رواية الأعمش: «فلما قبضنا الغنم عَرَض في أنفسنا منها شيء»، وفي رواية معبد بن سيرين: «فأمَر لنا بثلاثين شاةً، وسقانا لبنًا»، وفي رواية سليمان بن قَتَّة: «فبَعَث إلينا بالشياه، والنُّزُل، فأكلنا الطعام، وأبوا أن يأكلوا الغنم، حتى أتينا المدينة»، وبَيَّن في هذه الرواية أن الذي منعهم من تناولها هو الراقي، وأما في باقي الروايات فأبهمه. قوله: «فننطر ما يأمرنا»؛ أي: فنتبعه، ولم يريدوا أنهم يُخَيَّرون في ذلك . (فَأَتَى) الراقي (النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ)؛ أي: ذَكَر للنبيّ - ﷺ - ما جرى له من الرقية، وأمْر القطيع، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، وَاللهِ مَا رَقَيْتُ) بفتح القاف، من باب ضرب، (إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)؛ أي: بقراءتها، وجَمْع بزاقي، والتفل عليه. (فَتَبَسَّمَ) - ﷺ - تعجّبًا مما صنع، وافق الحقّ دون أن يسبق له علم بذلك (وَقَالَ) - ﷺ - («وَمَا أَدْرَاكَ)؛ أي: أيّ شي جعلك تعلم؟ (أَنَّهَا)؛ أي: الفاتحة (رُقْيَةٌ؟)؛ أي: شفاء، قال النوويّ - ﵀ -: فيه التصريح بأنها رقية، فيستحب أن يقرأ بها على اللديغ، والمريض، وسائر أصحاب الأسقام، والعاهات. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«وما أدراك أنَّها رقية؟! »؛ أي: أيُّ شيء أعلمك: أنَّها رقية؟! قاله تعجبًا من وقوعه على الرُّقى بها، ولذلك تبسَّم النبيّ - ﷺ - عند قوله:«وما أدراك أنَّها رقية؟! »، وكأنّ هذا الرجل عَلِم أن هذه السورة قد خصَّت بأمور: منها: أنَّها فاتحة الكتاب، ومبدؤه، وأنها متضمنة لجميع علوم القرآن؛ من حيث إنها تشتمل على الثناء على الله - ﷿ - بأوصاف كماله، وجلاله، وعلى الأمر بالعبادات، والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلَّا بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إلى الله تعالى في الهداية إلى الصراط المستقيم، وكفاية أحوال الناكثين، وعلى بيان عاقبة الجاحدين، وقد رَوَى الدارقطنيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - مرفوعًا، وفيه: فقال: «وما يدريك أنَّها رقية؟!، فقلت: يا رسول الله! شيء أُلْقِي في رُوعي، قال: فكلوا، وأطعمونا من الغنم» . وقيل: إن موضع الرُّقية منها إنما هو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، قال القرطبيّ: ويظهر لي أن السُّورة كلها موضع الرُّقية؛ لِمَا ذكرناه، ولقوله - ﷺ -: «وما أدراك أنَّها رقية؟»، ولم يقل: أن فيها رقية. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ووقع في البخاريّ بلفظ: «وما يدريك أنَّها رُقية؟» بصيغة المضارع، قال في «الفتح»: قال الداوديّ: معناه: وما أدراك، وقد رُوي كذلك، ولعله هو المحفوظ؛ لأنَّ ابن عيينة قال: إذا قال: وما يدريك، فلم يُعْلِم، وإذا قال: وما أدراك، فقد أَعْلَم. وتعقبه ابن التين بأن ابن عيينة إنما قال ذلك فيما وقع في القرآن، وإلَّا فلا فرق بينهما في اللغة؛ أي: في نفي الدراية. وقد وقع في رواية هشيم: «وما أدراك»، ونحوه في رواية الأعمش. وفي رواية معبد بن سيرين الآتية: «وما كان يدريه»، وهي كلمة تقال عند التعجب من الشيء، وتُستعمل في تعظيم الشيء أيضًا، وهو لائق هنا، زاد شعبة في روايته: «ولم يذكر منه نهيًا»؛ أي: من النبيّ - ﷺ - عن ذلك. وزاد سليمان بن قَتّة في روايته بعد قوله: «وما يدريك أنَّها رقية؟»: قلت: أُلْقِيَ في رُوعِي«. وللدارقطنيّ من هذا الوجه:«فقلت: يا رسول الله شيءٌ أُلْقِي في رُوعي»، وهو ظاهر في أنه لَمْ يكن عنده علم متقدم بمشروعية الرُّقَى بالفاتحة، ولهذا قال له أصحابه لَمّا رَجَع:«أكنت تحسن رقية؟ »، كما وقع في رواية معبد بن سيرين الآتية، وفي لفظ:«ما كنت تحسن رُقية». زاد في رواية البخاريّ:«ثم قال: قد أصبتم»، وقوله:«قد أصبتم»يَحْتَمِل أن يكون صَوَّب فِعْلهم في الرقية، ويَحْتَمِل أن ذلك في توقفهم عن التصرف في الجعل، حتى استأذنوه، ويَحْتَمِل أعمّ من ذلك، قاله في«الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: كونه أعمّ هو الأقرب، والأوضح، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - («خُذُوا مِنْهُمْ)؛ أي: خذوا القطيع من الغنم من القوم الذين رَقَيتم لهم لديغهم، والمراد: تثبيتهم على ما هم عليه، من استلام القطيع، واستحسان صنيعهم ذلك. وقال ابن حبّان - ﵀ - في «صحيحه»: قوله - ﷺ -: «خذوا» أراد به جواز ذلك الشيء المأخوذ، مع جواز استعماله في المستقبل؛ لأنَّ الشاء أخذها الراقي قبل أن يأتي النبيّ - ﷺ -، ثم سأل بعد ذلك، فقال له النبيّ - ﷺ -: «خذوا» أراد به جواز فعل الماضي، والمستقبل معًا. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «خذوا منهم … إلخ» هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة، والذِّكر، وأنها حلال، لا كراهة فيها، وكذا الأجرة على تعليم القرآن، وهذا مذهب الشافعيّ، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وآخرين، من السلف، ومن بعدهم، ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن، وأجازها في الرقية. انتهى . (وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ»)؛ أي: اجعلوا لي منه نصيبًا، وكأنه أراد المبالغة في تأنيسهم، كما وقع له في قصة الحمار الوحشيّ، وغير ذلك، قاله في«الفتح». وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«خذوا منهم، واضربوا لي معكم بسهم»: بيان للحكم بالقول، وتمكين له بالعمل؛ إذ لَمْ تكن له حاجة لذلك السَّهم إلَّا ليبالغ في بيان أن ذلك من الحلال المحض الذي لا شبهة فيه، فكان ذلك أعظم دليل لمن يقول بجواز الأجرة على الرُّقى، والطبّ، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وجماعة من السَّلف، والخلف. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: وأما قوله - ﷺ -:«واضربوا لي بسهم معكم»، وفي الرواية الأخرى:«اقسموا، واضربوا لي بسهم معكم»، فهذه القسمة من باب المروءات، والتبرعات، ومواساة الأصحاب، والرفاق، وإلا فجميع الشياه ملك للراقي، مختصة به، لا حقّ للباقين فيها عند التنازع، فقاسَمَهُم تبرّعًا، وجُودًا، ومروءةً. قال: وأما قوله - ﷺ -:«واضربوا لي بسهم»، فإنما قاله تطييبًا لقلوبهم، ومبالغة في تعريفهم أنه حلال، لا شبهة فيه، وقد فعل رسول الله - ﷺ - في حديث العنبر، وفي حديث أبي قتادة في حمار الوحش مثله. انتهى . [تنبيه]: ذكر أبو داودء - ﵀ - في«سننه»قصّة مشابهة لقضة أبي سعيد - ﵁ -، عن خارجة بن الصَّلت، عن عمّه، فقال: (٣٤٢٠) - حدّثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبيّ، عن خارجة بن الصَّلْت، عن عمه، أنه مَرّ بقوم، فأتوه، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير، فارْقِ لنا هذا الرجل، فأتوه برجل معتوه في القيود، فرقاه بأم القرآن ثلاثة أيام، غُدْوةً، وعشيّةً، كلما ختمها جمع بزاقه، ثم تَفَل، فكأنما أُنشط من عِقَال، فأعطوه شيئًا، فأتى النبيّ - ﷺ -، فذكره له، فقال النبيّ - ﷺ -:«كُلْ، فلعمري لَمَن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حقّ». انتهى ، وهو حديث صحيح. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٥٧٢١ و٥٧٢٢ و٥٧٢٣ و٥٧٢٤] (٢٢٠١)، و(البخاريّ) في«الإجارة»(٢٢٧٦) و«فضائل القرآن»(٥٠٠٧) و«الطبّ»(٥٧٣٦ و٥٧٤٩)، و(أبو داود) في«الإجارة»(٣٤١٨) و«الطبّ»(٣٩٠٠)، و(الترمذيّ) في«الطبّ»(٢٠٦٣ و٢٠٦٤ و٢٠٦٥)، و(ابن ماجة) في«التجارات»(٢١٧٢)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٤/ ٣٦٤ و٦/ ٢٥٤)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٨/ ٥٣، ٥٤)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٢ و١٠ و٤٤)، و(الطحاويّ) في«معاني الآثار»(٤/ ١٢٦، ١٢٧)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦١١٢)، و(ابن السُّنّيّ) في«عمل اليوم والليلة»(٦٤١)، و(عبد بن حميد) في«مسنده»(١/ ٢٧٤)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٦/ ١٢٤) و«شُعَب الإيمان»(٢/ ٤٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الرقية بكتاب الله تعالى، وَيلتحق به ما كان بالذكر، والدعاء المأثور، وكذا غير المأثور، مما لا يخالف ما في المأثور، وأما الرُّقَى بما سوى ذلك، فقد تقدّم في الباب حديث عوف بن مالك - ﵁ -، وفيه قوله - ﷺ -:«لا بأس بالرقى ما لَمْ يكن فيه شرك»، فدلّ على أنَّ ما يشتمل على الشركيّات حرام، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان مشروعية الضيافة على أهل البوادي، والنزول على مياه العرب، وطلب ما عندهم على سبيل القِرَى، أو الشراء. ٣ - (ومنها): أن فيه مقابلةَ مَن امتنع من المكرُمة بنظير صنيعه؛ لِمَا صنعه هذا الصحابيّ - ﵁ - من الامتناع من الرقية في مقابلة امتناع أولئك من ضيافتهم، وهذه طريق موسى - ﵇ - في قوله تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، ولم يعتذر الخضر - ﵇ - عن ذلك إلَّا بأمر خارجيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه إمضاء ما يلتزمه المرء على نفسه؛ لأنَّ أبا سعيد - ﵁ - التزم أن يَرْقِي، وأن يكون الْجُعْل له، ولأصحابه، وأمره النبيّ - ﷺ - بالوفاء بذلك. ٥ - (ومنها): أن فيه الاشتراكَ في الموهوب، إذا كان أصله معلومًا. ٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «اقسموا … إلخ» هذه القسمة إنَّما هي قسمة برضا الرَّاقي؛ لأنَّ الغنم ملكه؛ إذ هو الذي فَعَل العوض الذي به استحقها، لكن طابت نفسه بالتشريك، فأحاله النبيّ - ﷺ - على ما يقع به رضا المشتركين عند القسمة، وهي القرعة، فكان فيه دليلٌ على صحة العمل بالقرعة في الأموال المشتركة، وقد تقدَّم ذكر الخلاف فيها في «النِّكَاح». انتهى . ٧ - (ومنها): جواز طلب الهدية ممن يُعْلَم رغبته في ذلك، وإجابته إليه، فإنه - ﷺ - قال لهم: «واضربوا لي بسهم معكم». ٨ - (ومنها): جواز قبض الشيء الذي ظاهره الحلّ، وترك التصرّف فيه، إذا عَرَضت فيه شبهة. ٩ - (ومنها): بيان جواز الاجتهاد عند فقد النصّ. ١٠ - (ومنها): بيان عظمة القرآن في صدور الصحابة - ﵃ - خصوصًا الفاتحة. ١١ - (ومنها): بيان أن الرزق المقسوم لا يستطيع من هو في يده منعه ممن قُسم له؛ لأنَّ أولئك القوم منعوا الضيافة، وكان الله قسم للصحابة - ﵃ - في مالهم نصيبًا، فمنعوهم، فسَبَّب لهم لَدْغَ العقرب، حتى سيق لهم ما قُسم لهم. ١٢ - (ومنها): أن فيه الحكمةَ البالغةَ حيث اختَصَّ بالعقاب مَن كان رأسًا في المنع؛ لأنَّ من عادة الناس الائتمار بأمر كبيرهم، فلما كان رأسهم في المنع اختصّ بالعقوبة دونهم، جزاءً وِفَاقًا، وكأن الحكمة فيه أيضًا إرادة الإجابة إلى ما يلتمسه المطلوب منه الشفاء، ولو كثُر؛ لأنَّ الملدوغ لو كان من آحاد الناس لعله لَمْ يكن يقدر على القدر المطلوب منهم، ذَكَر هذا كلّه في «الفتح» ، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال الإمام ابن القيّم - ﵀ -: ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواصّ، ومنافع مجربةٌ، فما الظنّ بكلام رب العالمين، الذي فضّله على كلّ كلام كفضل الله على خلقه، الذي هو الشفاء التامّ، والعصمة النافعة، والنور الهادي، والرحمة العامة، الذي لو أُنزل على جبل لتصدّع من عظمته، وجلالته، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، و«مِنْ» ها هنا لبيان الجنس، لا للتبعيض، هذا أصح القولين، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وكلهم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات فما الظنّ بفاتحة الكتاب التي لَمْ يُنزل في القرآن، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور مثلها، المتضمنة لجميع معاني كُتُب الله، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب - تعالى - ومجا معها، وهي الله، والربّ، والرحمن، وإثبات المعاد، وذِكر التوحيدين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وذِكر الافتقار إلى الربّ - ﷾ - في طلب الإعانة، وطلب الهداية، وتخصيصه بذلك، وذِكر أفضل الدعاء على الإطلاق، وأنفعه، وأفرضه، وما العباد أحوج شيء إليه، وهو الهداية إلى صراطه المستقيم، المتضمن كمال معرفته، وتوحيده، وعبادته بفعل ما أَمَر به، واجتناب ما نَهَى عنه، والاستقامة عليه إلى الممات، ويتضمن ذكر أصناف الخلائق، وانقسامهم إلى مُنْعَم عليه بمعرفة الحقّ، والعمل به، ومحبته، وإيثاره، ومغضوب عليه بعدوله عن الحقّ بعد معرفته له، وضالّ بعدم معرفته له، وهؤلاء أقسام الخليقة، مع تضمنها لإثبات القَدَر، والشرع، والأسماء والصفات، والمعاد، والنبوات، وتزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وذِكر عدل الله، وإحسانه، والردّ على جميع أهل البدع، والباطل، كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير «شرح مدارج السالكين»، وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يُستشفى بها من الأدواء، ويرْقَى بها اللديغ. وبالجملة فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية، والثناء على الله، وتفويض الأمر كله إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النعم كلها، وهي الهداية التي تجلب النِّعم، وتدفع النِّقَم، من أعظم الأدوية الشافية الكافية. وقد قيل: إن موضع الرقية منها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء، فإن فيهما من عموم التفويض، والتوكل، والالتجاء، والاستعانة، والافتقار، والطلب، والجمع بين أعلى الغايات، وهي عبادة الربّ وحده، وأشرف الوسائل، وهي الاستعانة به على عبادته، ما ليس في غيرها، ولقد مَرَّ بي وقتٌ بمكة سَقِمت فيه، وفقدت الطبيب، والدواء، فكنت أتعالج بها، آخُذ شربة من ماء زمزم، وأقرؤها عليها مرارًا، ثم أشربه، فوجدت بذلك البرء التامّ، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع. انتهى كلام ابن القيِّم - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): قال الإمام ابن القيّم - ﵀ - أيضًا: وفي تأثير الرُّقَى بالفاتحة، وغيرها في علاج ذوات السموم سرّ بديعٌ، فإن ذوات السموم أثّرت بكيفيات نفوسها الخبيثة، كما تقدم، وسلاحُها حُماتُها التي تلدغ بها، وهي لا تلدغ حتى تغضب، فإذا غَضِبت ثار فيها السمّ، فتقذفه بآلتها، وقد جعل الله - ﷾ - لكل داء دواءُ، ولكل شيء ضدًّا، ونفس الراقي تفعل في نفس الْمَرْقِيّ، فيقع بين نفسيهما فعلٌ وانفعال، كما يقع بين الداء والدواء، فتقوى نفس الراقي، وقوته بالرقية على ذلك الداء، فيدفعه بإذن الله تعالى، ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين، يقع بين الداء والدواء الروحانيين، والروحانيّ والطبيعيّ، وفي النَّفْث، والتَّفْل استعانة بتلك الرطوبة، والهواء، والنَّفَس المباشر للرقية، والذِّكر، والدعاء، فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه، فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه، من الريق، والهواء، والنَّفَس، كانت أتمّ تأثيرًا، وأقوى فعلًا، ونفوذًا، ويحصل بالازدواج بينهما كيفية موثرةٌ شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية. وبالجملة: فنفس الراقي تقابل تلك النفوس الخبيثة، وتزيد بكيفية نفسه، وتستعين بالرقية، وبالنَّفْث على إزالة ذلك الأثر، وكلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى، كانت الرقية أتمّ، واستعانته بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها، وفي النفث سرّ آخر، فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة، ولهذا تفعله السَّحَرَة، كما يفعله أهل الإيمان، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾، وذلك لأنَّ النفس تتكيف بكيفية الغضب، والمحاربة، وترسل أنفاسها سهامًا لها، وتُمِدّها بالنفث، والتفل الذي معه شيء من الريق، مصاحب لكيفية مؤثرة، والسواحر تستعين بالنفث استعانة بينةً، وإن لَمْ تتصل بجسم المسحور، بل تنفث على العقدة، وتعقدها، وتتكلم بالسحر، فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة، فتقابلها الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع، والتكلم بالرقية، وتستعين بالنفث، فأيهما قوي كان الحكم له، ومقابلة الأرواح بعضها لبعض، ومحاربتها وىلتها، من جنس مقابلة الأجسام، ومحاربتها، وآلتها سواءً، بل الأصل في المحاربة، والتقابل للأرواح، والأجسام آلتها، وجندها، ولكن من غلب عليه الحسّ لا يشعر بتأثيرات الأرواح، وأفعالها، وانفعالاتها؛ لاستيلاء سلطان الحسّ عليه، وبعده من عالم الأرواح، وأحكامها، وأفعالها. والمقصود: أن الروح إذا كانت قويّة، وتكيفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنفث والتفل، قابلت ذلك الأثرَ الذي حصل من النفوس الخبيثة، فأزالته، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - ، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في جواز أخذ الأجرة على الرُّقَى، وتعليم القرآن: قال القرطبيّ - ﵀ -: في الحديث أعظم دليل لمن يقول بجواز الأجرة على الرُّقى، والطب، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وجماعة من السَّلف، والخلف. وأمَّا الأجرة على تعليم القرآن: فأجازها الجمهور من السلف والخلف، متمسِّكين بهذا الحديث، وما زاد فيه البخاريّ من حديث ابن عباس - ﵄ -: أن النبيّ - ﷺ - قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»، وهذا يُلحق بالنُّصوص، وقد حرّم أبو حنيفة أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وكذلك أصحابه، تمسُّكًا بأمرين: أحدهما: أن تعلم القرآن وتعليمه واجبٌ من الواجبات التي تحتاج إلى نيَّة التقرُّب، والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة، والصيام. وثانيهما: ما رواه أبو داود من حديث عُبادة بن الصامت - ﵁ - قال: علَّمت ناسًا من أهل الصُّفة الكتاب والقرآن، وأهدى إليَّ رجل منهم قوسًا، فقلت: ليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله، فلآتينَّ رسول الله - ﷺ -، فلأسالنَّه، فأتيته، فسألته، فقال: «إن كنت تحب أن تطوَّق قوسًا من نار فاقبلها». وللجمهور أن يقولوا: لا نسلِّم صحة ذلك القياس؛ لأنَّه فاسد الوضع؛ لأنَّه في مقابلة قوله - ﷺ -: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»، وهو عمومٌ قويّ، وظاهرٌ جليّ. والجواب عن القياس أنه لا يصح للفرق الذي بين الفرع والأصل، سلَّمنا لكن بينهما فرق وهو أن الصوم والصلاة عبادات خاصَّة بالفاعل، وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم، فتجوز الأجرة على محاولة النقل، كتعليم كتابة القرآن. وأمَّا الجواب عن الحديث بعد تسليم صحته، فالقول بموجَبِه؛ لأنَّ تعليم عُبادة لَمْ تكن بإجارةٍ، ولا جُعْل، وإنما علَّم لله تعالى تطوعًا، لا لغيره، ومن كان كذلك حَرُم عليه أخذ العِوَض على ما فعله لله تعالى؛ لأنَّه ربما يفسد عمله، ويأكل مالًا بالباطل. انتهى . وقال في «الفتح»: استَدَلّ به للجمهور على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وخالف الحنفية، فمنعوه في التعليم، وأجازوه في الرُّقَى، كالدواء، قالوا: لأنَّ تعليم القرآن عبادة، والأجر فيه على الله، وهو القياس في الرُّقَى إلَّا أنهم أجازوه فيها؛ لهذا الخبر، وحَمَل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب، وسياق القصّة التي في الحديث يأبى هذا التأويل. وادَّعَى بعضهم نَسْخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد رواها أبو داود، وغيره. وتُعُقّب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال، وهو مردود، وبأن الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال، محتملةٌ للتأويل؛ لِتُوافق الأحاديث الصحيحة، كحديث الباب، وبأن الأحاديث المذكورة أيضًا ليس فيها ما تقوم به الحجة، فلا تعارض الأحاديث الصحيحة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان أقوال أهل العلم، وأدلّتهم في مسألة أخذ الأجرة على الرُّقَى، وعلى تعليم القرآن أن الحق هو قول الجمهور، وهو الجواز؛ للأحاديث الصحيحة الكثيرة، وأصرحها، وأصحّها حديث ابن عبّاس - ﵄ - مرفوعًا: «إن أحقّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»، فهو عامّ صريحٌ في الموضوع، وأما ما استدلّ به المانعون من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - المتقدّم، فلا يصلح معارضًا لهذا الصحيح الصريح؛ لأنَّ في سنده الأسود بن ثعلبة، وهو مجهول، وكذلك الأحاديث الأخرى، وقد ذكرها صاحب «التكملة» ، فكلّها فيها مقال؛ وعلى تقدير صحّتها فهي قابلة للتأويل، كما سبق عن الحافظ - ﵀ -. والحاصل أن أخذ الأجرة على التعليم جائز، وإن كان الأَولى للمسلم أن يحتسب في ذلك؛ لِمَا فيه من الفضل العظيم؛ فإنه ينال به الخيريّة عند الله - ﷿ -، فقد قال النبيّ - ﷺ -: «خيركم من تعلّم القرآن، وعلّمه»، رواه البخاريّ، فتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٥٧٢٢] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَجَعَلَ يَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآن، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ، وَيَتْفُلُ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٨. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب، «وأَبُو بِشْرٍ» جعفر بن إياس. [تنبيه]: رواية شعبة عن أبي بشر هذه ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه» بسند المصنّف، فقال: (٥٧٣٦) - حدّثني محمد بن بشار، حدّثنا غندر، حدّثنا شعبة، عن أبي بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - أن ناسًا من أصحاب النبيّ - ﷺ - أتوا على حَيٍّ من أحياء العرب، فلم يَقْرُوهم ، فبينما هم كذلك إذ لُدِغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء، أو رَاقٍ؟ فقالوا: إنكم لَمْ تَقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه، وَيتْفل ، فبرأ، فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبيّ - ﷺ -، فسألوه، فضحك، وقال: «وما أدراك أنَّها رُقية؟ خذوها، واضربوا لي بسهم». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٧٢٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِيِ سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: نَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَأَتَتْنَا امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيٍّ سَلِيمٌ، لُدِغَ، فَهَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا، مَا كُنَّا نَظُنُّهُ يُحْسِنُ رُقْيَةً، فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب، فَبَرَأَ، فَأَعْطَوْهُ غَنَمًا، وَسَقَوْنَا لَبَنًا، فَقُلْنَا: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً؟ فَقَالَ: مَا رَقَيْتُهُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُحَرِّكُوهَا، حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «مَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُم »). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥. ٢ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديّ الْقُردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يُرسل عنهما [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٠٨. ٤ - (مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم البصريّ، أكبر إخوته، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (خ م د س) تقدم في «النِّكَاح» ٢٣/ ٣٥٤٧. والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب. وقوله: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ .... الخ) ذكر البخاريّ - ﵀ - بعد إخراجه عن محمد بن المثنّي، حدّثنا وهبٌ، حدّثنا هشام، عن محمد، عن معبد، عن أبي سعيد الخدريّ … إلخ ما نصّه: وقال أبو معمر: حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا هشامَ، حدّثنا محمد بن سيرين، حدّثني مَعْبَد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدريّ بهذا. انتهى. وقوله: (فَأَتَتْنَا امْرَأَةٌ) ولفظ البخاريّ: «فأتتنا جارية»، وقد تقدّم بلفظ: «فأتوهم»، ويُجمع بينهما بأنه كان مع المرأة غيرها، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ)؛ أي: لديغ، قيل: سُمّي بذلك تفاؤلًا بالسلامة، وقيل: لأنه مستسلم لِمَا به . وقال في «الفتح»: السليم: هو اللديغ، سُمّي بذلك تفاؤلًا من السلامة؛ لكون غالب من يُلدَغ يَعْطَب، وقيل: سَلِيم فَعِيل بمعنى مفعول؛ لأنه أسلم للعطب، واستعمال اللدغ في ضرب العقرب مجازَ، والأصل أنه الذي يضرب بفيه، والذي يضرب بمؤخره يقال: لَسْعٌ، وبأسنانه: نَهْس - بالمهملة، والمعجمة - وبأنفه: نَكْز - بنون، وكاف، وزاي - وبنابه: نَشْط، هذا هو الأصل، وقد يُستعمل بعضها مكان بعض تجوّزًا. انتهى . وقوله: (فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا) تقدّم أنه أبو سعيد الخدريّ - ﵁ -. وقوله: (فَبَرَأَ) تقدّم أنه من باب نفع، وتعب، وكرُم. وقوله: (فَأَعْطَوْهُ غَنَمًا) تقدّم أنَّها ثلاثون شاةً. وقوله: (مَا رَقَيْتُهُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وفي بعض النُّسخ: «إلَّا بأمّ القرآن». وقوله: (قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُحَرِّكُوهَا)؛ أي: قال أبو سعيد - ﵁ - لأصحابه: لا تحرّكوا هذه الأغنام، وهو كناية عن التصرّف بالقسمة، ونحوها. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٧٢٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا، مَا كُنَّا نَأْبِنُهُ بِرُقْيَةٍ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العمريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم بن زيد الأزديّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٥. و«هشام» بن حسّان ذُكر قبله. وقوله: (مَا كُنَّا نَأْبِنُهُ بِرُقْيَةٍ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بكسر الباء، وضمها؛ أي: نظنه، كما سبق في الرواية التي قبلها، وأكثر ما يُستعمل هذا اللفظ بمعنى نتهمه، ولكن المراد هنا: نظنه، كما ذكرناه، والله أعلم. انتهى . وقال في «العمدة»: أي ما كنا نعلمه أنه يرقي، فنُعِيْنُه، ومادته همزة، وباء موحّدة، ونون، من أبنت الرجل آبُنُه، من باب نصر، وآبِنُهُ من باب ضرب: إذا رميته بخلّة سَوْء، وهو مأبون، والأَبْنُ بفتح الهمزة، وسكون الباء: التهمة. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «ما كنا نأبُنُه برقية»؛ أي: نتهمه بها، يقال: أَبَنْتُ الرَّجل آبنُهُ، وآبِنُهُ: إذا رميته بخلَّة سوء، ومنه رجل مأبون؛ أي: مَعِيبٌ، والأبْنَةُ: العيب، ومنه: عُودٌ مأبون: إذا كان فيه أُبْنَةٌ تعيبه؛ أي: عُقْدة، قاله القتبي وغيره، وقد روي هذا الحرف: «ما كنَّا نظنه» بدل: «نأبنه»؛ أي: نتهمه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الأَولى في تفسير «نأبنه» ما تقدّم عن النوويّ أنه بمعنى: نظنّه، لا بمعنى: نتّهمه، فهو بمعنى الرواية الأخرى بلفظ: «نظنّه»، فتنته، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٤٨)

١. وفي نسخة: «من الغنم».

٢. «الفتح» ٦/ ٤٩، كتاب «الإجارة» رقم (٢٢٧٦).

٣. «الفتح» ٦/ ٤٩، كتاب «الإجارة» رقم (٢٢٧٦).

٤. «الفتح» ٦/ ٤٦، كتاب «الإجارة» رقم (٢٢٧٦).

٥. «الفتح» ٦/ ٤٩، كتاب «الإجارة» رقم (٢٢٧٦).

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٣٦٦.

٧. «المفهم»٥/ ٥٨٥.

٨. «الفتح»٦/ ٤٩ - ٥٠، كتاب«الإجارة»رقم (٢٢٧٦).

٩. «الفتح» ٦/ ٥٠ - ٥١، كتاب «الإجارة» رقم (٢٢٧٦).

١٠. «الفتح» ٦/ ٥١، كتاب «الإجارة» رقم (٢٢٧٦).

١١. «المصباح المنير» ١/ ٤٧.

١٢. «تاج العروس» ١/ ٧٧.

١٣. من باب ضرب.

١٤. لعله نَزَعَ، كما في «القاموس»، فإنه قال: نشَطَ الدلوَ: نزعها بلا بَكْرة، والله تعالى أعلم.

١٥. وفي «اللسان»: «فما في القلب».

١٦. «اللسان العرب» ١/ ٦٨٦ - ٦٨٧.

١٧. «الفتح» ٦/ ٥١ - ٥٢، كتاب «الإجارة» رقم (٢٢٧٦).

١٨. «المفهم» ٥/ ٥٨٥.

١٩. «المفهم»٥/ ٥٨٧.

٢٠. «الفتح»٦/ ٥١ - ٥٢، كتاب«الإجارة»رقم (٢٢٧٦).

٢١. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٨٨.

٢٢. «سنن الدارقطنيّ» ٣/ ٦٣ - ٦٤.

٢٣. «المفهم» ٥/ ٥٨٥ - ٥٨٦.

٢٤. «الفتح» ٦/ ٥٣، كتاب «الإجارة» رقم (٢٢٧٦).

٢٥. «صحيح ابن حبان» ١٣/ ٤٧٥.

٢٦. «شرح النوويّ»١٤/ ١٨٨.

٢٧. «الفتح»٦/ ٥٣، كتاب«الإجارة»رقم (٢٢٧٦).

٢٨. «المفهم»٥/ ٥٨٨.

٢٩. «شرح النوويّ»١٤/ ١٨٨.

٣٠. «سنن أبي داود» ٣/ ٢٦٦.

٣١. «المفهم» ٥/ ٥٨٦.

٣٢. «الفتح» ٦/ ٥٣، كتاب «الإجارة» رقم (٢٢٧٦).

٣٣. من بابي ضرب، ونصر.

٣٤. «زاد المعاد» ٤/ ١٦٢.

٣٥. «زاد المعاد» ٤/ ١٦٤.

٣٦. «المفهم» ٥/ ٥٨٨ - ٥٨٩.

٣٧. «الفتح» ٦/ ٤٦ - ٤٧، كتاب «الإجارة» رقم (٢٢٧٦).

٣٨. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٤/ ٣٢٩ - ٣٣٠.

٣٩. بفتح حرف المضارعة، من باب رمى يرمي.

٤٠. بضمّ الفاء، وكسرها، من بابي نصر، وضرب.

٤١. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢١٦٦.

٤٢. وفي نسخة: «إلَّا بأم القرآن».

٤٣. وفي نسخة: «واضربوا سهمي معكم».

٤٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٨٨ - ١٨٩.

٤٥. «الفتح» ١٣/ ١٦١، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٣٧).

٤٦. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٨٩.

٤٧. «عمدة القاري» ٢٠/ ٢٩.

٤٨. «المفهم» ٥/ ٥٨٦.