HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢١٧

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى) قالا: حدثنا محمد بن جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اسْقِهِ عَسَلًا» فَسَقَاهُ. ثُمَّ جَاءَهُ فقال: إني سقينه عَسَلًا فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا. فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ «اسْقِهِ عَسَلًا» فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «صَدَقَ اللَّهُ. وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ» فَسَقَاهُ فبرأ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص26
ج ٤ ص ١٧٣٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٢٩
[٦٦٥] وقوله: (اسْتَطلَقَ بَطنُهُ) ؛ يريد: الإسهال، وقوله: (عَرِبَ بَطنه)؛ يقال: عَرِبَت معدتُه: إذا فسدت، والعَرْبُ والدَّرْبُ: إطلاق البطن. وقوله: (لَا يَبقَى مِنكُم أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ، غَيْرُ العَبَّاسِ، فَإِنَّهُ لَم يَشْهَدكُم) لَدُّ؛ النبي ﷺ إياهم كان أدبا لهم، إذ تطببوا ولم يعلموا الطب، وعفى عن عمه العباس إجلالا لقدره، ولأنه لم يحضرهم ولم يعاونهم. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٢٦٤
صحاحًا، وهو أكثر تغذيةً، وأقوى فعلًا، وأعظم جَلاءً، وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحًا؛ ليكون أرقّ، وألطف، فلا يثقل على طبيعة المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن، ورخاوتها، وثقل ماء الشعير المطحون عليها، والمقصود: أن ماء الشعير مطبوخًا صحاحًا ينفذ سريعًا، ويجلو جَلاءً ظاهرًا، ويُغَذِّي غذاء لطيفًا، وإذا شُرب حارًّا كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر، وتلميسه لسطوح المعدة أوفق. انتهى كلام ابن القيّم -﵀- ، وهو بحث نافع جدًّا، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٦) - (بَابُ التَّدَاوِي بِسَقْيِ الْعَسَلِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٦] (٢٢١٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي استَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اسْقِهِ عَسَلًا»، فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلًا، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا استِطْلَاقًا، فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا»، فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ»، فَسَقَاهُ، فَبَرَأَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت ٧ أو ١١٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٢ - (أَبُو الْمُتَوَكِّلِ) الناجيّ، عليّ بن داود، ويقال: دُؤاد البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٨) أو قبل ذلك (ع) تقدم في «الطهارة» ١٥/ ٦٠٢. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٥٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. والباقون كلّهم تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هدا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعىّ عن تابعىّ، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) قال في «الفتح»: كذا لشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وخالفهما شيبان، فقال عن قتادة، عن أبي الصدِّيق ، عن أبي سعيد، أخرجه النسائيّ، ولم يُرَجِّح، والذي يظهر ترجيح طريق أبي المتوكل؛ لاتفاق الشيخين عليها: شعبة، وسعيد أوّلًا، ثم البخاريّ ومسلم ثانيًا، ووقع في رواية أحمد: «عن حجاج، عن شعبة، عن قتادة، سمعت أبا المتوكل». انتهى . (عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه، ولا اسم أخيه المستطلق بطنه. (إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنَّ أخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ) ظاهر عبارة «اللسان»، و«المصباح» أنه بالبناء للفاعل، ونصّ الثاني: استَطْلَقَ بَطْنُهُ لازمًا، وأطلقه الدواءُ. انتهى ، وضَبَطه في «الفتح» بالبناء للمفعول، وعبارته: «استُطْلِق بطنُه» -بضم المثناة، وسكون الطاء المهملة، وكسر اللام، بعدها قاف-؛ أي: كَثُر خروج ما فيه، يريد الإسهال، ووقع في رواية سعيد بن أبي عروبة عند البخاريّ: «إن أخي يشتكي بطنه»، ولمسلم من طريقه: «قد عَرِبَ بطنه»، وهي بالعين المهملة، والراء المكسورة، ثم الموحّدة؛ أي: فسد هضمه؛ لاعتلال المعدة، ومثله ذَرِبَ بالذال المعجمة، بدل العين وزنًا ومعنًى. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «استطلق بطنه»: قيَّدناه بضم التاء، وكسر اللام، مبنيًّا للمفعول، و«بطنه» مرفوعٌ مفعولٌ لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، ومعناه أصيب بالإسهال، وقد عبَّر عنه في الرواية الأخرى: «عَرِبَ بطنه»؛ أي: تغيَّر عن حال الصحة إلى هذا المرض. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اسْقِهِ) بوصل الهمزة، من سقاه ثلاثيًّا، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، أو بقطع الهمزة، من أسقاه رباعيًّا، كما في قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. (عَسَلًا») وعند الإسماعيليّ من طريق خالد بن الحارث، عن شعبة: «اسقه العسل»، واللام عهديّة، والمراد عسل النحل، وهو مشهور عندهم، وظاهره الأمر بسقيه صِرْفًا، ويَحْتَمِل أن يكون ممزوجًا ، (فَسَقَاهُ، ثمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلًا، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا)، وفي رواية الترمذيّ: «ثم جاء، فقال: يا رسول الله، إني قد سقيته عسلًا، فلم يزده إلا استطلاقًا»، (فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)؛ أي: قال الرجل للنبيّ -ﷺ-: «إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلًا، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا»، وعند أحمد عن يزيد بن هارون، عن شعبة: «فذهب، ثم جاء، فقال: قد سقيته، فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال: اسقه عسلًا، فسقاه، كذلك ثلاثًا، وفيه: فقال في الرابعة: اسقه عسلًا»، وعند الإسماعيليّ من رواية خالد بن الحارث: «ثلاث مرات، يقول فيهنّ ما قال في الأُولى». (ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ)؛ أي: جاء الرجل المرة الرابعة إليه -ﷺ-، فأعاد عليه الكلام، (فَقَالَ) -ﷺ- («اسْقِهِ عَسَلًا»، فَقَالَ) الرجل (لَقَدْ سَقَيْتُهُ، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «صَدَقَ الله)؛ أي: في قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، قال ابن القيّم -﵀- بعد أن ذكر منافع العسل ما نصّه: إذا عُرِف هذا فهذا الذي وَصَف له النبيّ -ﷺ- العسل كان استطلاق بطنه عن تُخَمة أصابته عن امتلاء، فأَمَره بشرب العسل؛ لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة، والأمعاء، فإن العسل فيه جلاء، ودفع للفضول، وكان قد أصاب المعدة أخلاط لَزِجة، تمنع استقرار الغذاء فيها؛ للزوجتها، فإن المعدة لها خَمْل كخمل القطيفة، فإذا عَلِقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها، وأفسدت الغذاء، فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، والعسل جِلاءٌ، والعسل من أحسن ما عولج به هذا الداء، لا سيما إن مُزج بالماء الحارّ. قال: وفي تكرار سقيه العسل معنى طبيّ بديعٌ، وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار، وكمية بحسب حال الداء، إن قصر عنه لم يزله بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوى، فأحدث ضررًا آخر، فلما أمره -ﷺ- أن يسقيه العسل سقاه مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، ولا يبلغ الغرض، فلما أخبره عَلِم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة، فلما تكرر ترداده إلى النبيّ -ﷺ- أكد عليه المعاودة؛ ليصل إلى المقدار المقاوم للداء، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله، واعتبار مقادير الأدوية، وكيفياتها، ومقدار قوة المرض، والمريض من أكبر قواعد الطبّ. انتهى كلام ابن القيّم -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ») إسناد الكذب إلى البطن مجازٌ؛ لأن الكذب يختص بالأقوال، فجَعَل بطن أخيه حيث لم ينجع فيه العسل كذبًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، ويقال: العرب تستعمل الكذب بمعنى الخطأ والفساد، فتقول: كذب سمعي؛ أي: زَلّ، ولم يُدرك ما سمعه، فكذب بطنه حيث ما صلح للشفاء، فزَلّ عن ذلك، قاله في«العمدة». وقال في«الفتح»: قال الخطابيّ وغيره: أهل الحجاز يُطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال: كذب سَمْعُك؛ أي: زَلّ، فلم يُدرِك حقيقة ما قيل له، فمعنى كذب بطنه؛ أي: لم يصلح لقبول الشفاء، بل زَلّ عنه. انتهى . وقال الإمام ابن القيّم -﵀-: وفي قوله -ﷺ-:«صدق الله وكذب بطن أخيك»، إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، ولكن لكذب البطن، وكثرة المادة الفاسدة فيه، فأمره بتكرار الدواء؛ لكثرة المادة، وليس طبه -ﷺ- كطب الأطباء، فإن طبّ النبيّ -ﷺ- متيقنٌ، قطعيّ، إلهيّ، صادر عن الوحي، ومشكاة النبوة، وكمال العقل، وطبّ غيره أكثره حَدْسٌ، وظنون، وتجارب، ولا يُنْكَر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به مَن تلقاه بالقبول، واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان، والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لِمَا في الصدور -إن لم يُتَلقّ هذا التلقي- لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا رِجْسًا إلى رجسهم، ومرضًا إلى مرضهم، وأين يقع طب الأبدان منه؟ فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة، والقلوب الحية، فإعراض الناس عن طب النبوة؛ كإعراضهم عن طب الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع، وليس ذلك لقصور في الدواء، ولكن لخبث الطبيعة، وفساد المحلّ، وعدم قبوله، والله تعالى وليّ التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم -﵀- ، وهو تحقيق حسن جدًّا، والله تعالى أعلم. (فَسَقَاهُ، فَبَرَأَ)، وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون: «فقال في الرابعة: اسقه عسلًا، قال: فأظنه قال: فسقاه، فبرأ، فقال رسول الله -ﷺ- في الرابعة: صدق الله، وكذب بطن أخيك»، كذا وقع ليزيد بالشكّ، وفي رواية خالد بن الحارث: «فقال في الرابعة: صدق الله، وكذب بطن أخيك»، قال الحافظ -﵀-: والذي اتَّفَق عليه محمد بن جعفر، ومن تابعه أرجح، وهو أن هذا القول وقع منه -ﷺ- بعد الثالثة، وأمره أن يسقيه عسلًا، فسقاه في الرابعة، فَبَرَأَ، وقد وقع في رواية سعيد بن أبي عروبة: «ثم أتاه الثالثة، فقال: اسقه عسلًا، ثم أتاه، فقال: قد فعلت، فسقاه، فبرأ». انتهى . وقوله: (فَبَرَأَ) قال الفيّوميّ -﵀-: بَرَأ من المرض يَبْرأُ، من بابي نَفَعَ، وتَعِبَ، وبَرُؤَ بُرْءًا، من باب قَرُبَ لغةٌ. انتهى. وقال في «الفتح»: «فبرأ» -بفتح الراء، والهمز، بوزن قرأ- وهي لغة أهل الحجاز، وغيرُهم يقولها بكسر الراء، بوزن عَلِم، وقد وقع في رواية أبي الصديق الناجيّ في آخره: «فسقاه، فعافاه الله»، قاله في «الفتح» . وقال في «العمدة»: يقال: أَبْرَأُ من المرض بَرْءًا، بالفتح، فأنا بارئ، وأبرأني من المرض، وغير أهل الحجاز يقولون: بَرِئت بالكسر بُرْءًا بالضم، وقال الجوهريّ: يقول: برئت منك، ومن الديون، والعيوب، بَرَاءةً، وبَرِئت من المرض بُرْءًا بالضم، وأهل الحجاز يقولون: برأت من المرض بَرَءًا بالفتح، وأصبح فلان بارئًا من المرض، وأبرأه الله من المرض، وبرأ الله الخلق بَرْأً أيضًا؛ يعني: بالفتح . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٥٧٥٦ و٥٧٥٧] (٢٢١٧)، و(البخاريّ) في «الطبّ» (٥٦٨٤ و٥٧١٦)، و(الترمذيّ) في «الطبّ» (٢٠٨٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٦٣ و٣٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ٥٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٩ و٩٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٤٥١)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١/ ٢٩٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون العسل شفاء لمن استُطلق بطنه، بل لكثير من الأمراض المزمنة، ولقد أجاد الإمام ابن القيّم -﵀- حيث ذكر منافع العسل، فقال: والعسل فيه منافع عظيمة، فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق، والأمعاء، وغيرها، مُحَلِّل للرطوبات أكلًا، وطلاءً، نافع للمشايخ، وأصحاب البلغم، ومن كان مزاجه باردًا رطبًا، وهو مُغَذٍّ مليّن للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين، ولِمَا استُودع فيه، مُذهِبٌ لكيفيات الأدوية الكريهة، مُنَقٍّ للكبد، والصدر، مُدِرّ للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شُرِب حارًّا بدهن الورد نفع من نهش الهوامّ، وشُرْب الأفيون، وإن شُرِب وحده ممزوجًا بماء نفع من عَضّة الكلب الكَلِب، وأَكْل الفُطُر القتال، وإذا جُعل فيه اللحم الطريّ حَفِظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك إن جُعل فيه القثاء، والخيار، والقرع، والباذنجان، ويَحفظ كثيرًا من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويسمى الحافظ الأمين، وإذا لُطِخ به البدن المقمل، والشعر قتل قمله، وصِئْبانه ، وطَوَّل الشعر، وحسَّنه، ونَعَّمه، وإن اكتُحِل به جلا ظلمة البصر، وإن استُنّ به بَيَّض الأسنان، وصَقَلها، وحَفِظ صحتها، وصحة اللِّثَة، ويَفتح أفواه العروق، ويُدِرّ الطمث، ولَعْقه على الريق يُذهب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويدفع الفضلات عنها، ويُسَخِّنها تسخينًا معتدلًا، ويفتح سددها، ويفعل ذلك بالكبد، والكلى، والمثانة، وهو أقل ضررًا لسدد الكبد، والطحال من كل حلو. وهو مع هذا كله مأمون الغائلة، قليل المضارّ، مُضِرّ بالعرض للصفراويين، ودفعها بالخلّ ونحوه، فيعود حينئذ نافعًا له جدًّا. وهو غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطلاء مع الأطلية، ومُفْرِح مع المفرحات، فما خُلق لنا شيء في معناه أفضلَ منه، ولا مثلَهُ، ولا قريبًا منه، ولم يكن مُعَوّل القدماء إلا عليه، وأكثر كتب القدماء لا ذِكر فيها للسكر البتة، ولا يعرفونه، فإنه حديث العهد حَدَث قريبًا، وكان النبيّ -ﷺ- يشربه بالماء على الريق، وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة، لا يدركه إلا الفطن الفاضل. وفي «سنن ابن ماجه» مرفوعًا من حديث أبي هريرة -﵁-: «مَن لَعِقَ العسل ثلاث غدوات، كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء» ، وفي أثر آخر: «عليكم بالشفاءين: العسل، والقرآن» ، فجَمَع بين الطب البشريّ والإلهيّ، وبين طب الأبدان، وطب الأرواح، وبين الدواء الأرضيّ، والدواء السمائيّ. انتهى كلام ابن القيِّم -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن قوله -ﷺ-: «صدق الله … إلخ» فيه تنبيه: على أنه انتزع هذا العلاج بالعسل من قول الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، قال القرطبيّ -﵀-: والصحيح أن ضمير قوله: ﴿فِيهِ﴾ عائدٌ على العسل؛ بدليل هذا الحديث، ولأنه ليس في الآية ذكرٌ لغيره، وهو قول ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، وقتادة، وقال مجاهد: هو عائد إلى القرآن، والأوَّل أَولى لِمَا ذكرناه. قال: ومقتضى الآية أن العسل فيه شفاءٌ، لا كلُّ شفاءٍ؛ لأنَّ ﴿شِفَاءٌ﴾ نكرة في سياق الإثبات، ولا عموم فيها باتفاق أهل اللِّسان، ومحققي أهل الأصول، لكن قد حملتها طائفة من أهل الصدق والعزم على العموم، فكانوا يستشفون بالعسل من كل الأوجاع، والأمراض، وكانوا يستشفون من عللهم ببركة القرآن، وبصحة التصديق، والإيقان، وقد كان ابن عمر -﵄- لا يشكو قرحة، ولا شيئًا إلا جعل عليه عسلًا، حتى الدُّمَّلَ إذا خرج عليه طلاه عسلًا، فقيل له في ذلك؟ فقال: أليس الله سبحانه يقول: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. ورُوي: أن عوف بن مالك الأشجعيّ -﵁- مَرِضَ، فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: ائتوني بماء، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩]، ثم قال: ائتوني بعسل، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، ثم قال: ائتوني بزيت، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، فجاؤوه بذلك كله، فخلطه جميعًا، ثم شربه، فبَرَأَ. وحَكَى النقَّاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل، ويستمشي بالعسل، ويتداوى بالعسل، فهذا كله عَمَلٌ بمطلق القرآن الكريم، وأصله صِدْق النية، وصحة الإيمان . وقال ابن القيّم -﵀-: وقد اختَلَف الناس في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] هل الضمير في ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى الشراب، أو راجع إلى القرآن؟ على قولين: الصحيح رجوعه إلى الشراب، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والأكثرين، فإنه هو المذكور، والكلام سيق لأجله، ولا ذِكر للقرآن في الآية، وهذا الحديث الصحيح، وهو قوله: «صدق الله» كالصريح فيه، والله تعالى أعلم. انتهى . ٣ - (ومنها): أن القرآن الكريم حاوٍ لأنواع من الطبّ والأدوية، فهو جامع لمصالح العباد الدنيويّة والأخرويّة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن في قوله -ﷺ-: «وكذب بطن أخيك» إشارة إلى أن هذا الدواء نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمَرَه بمعاودة شرب العسل؛ لاستفراغها، فكان كذلك، وبرأ بإذن الله تعالى. قال الخطابيّ: والطب نوعان: طب اليونان، وهو قياسيّ، وطب العرب، والهند، وهو تجاربيّ، وكان أكثر ما يصفه النبيّ -ﷺ- لمن يكون عليلًا على طريقة طبّ العرب، ومنه ما يكون مما اطَّلَع عليه بالوحي. وقد قال صاحب «كتاب المائة في الطبّ»: إن العسل تارةً يَجري سريعًا إلى العروق، وينفذ معه جل الغذاء، ويُدِرّ البول، فيكون قابضًا، وتارةً يبقى في المعدة، فيهيجها بلذعها حتى يدفع الطعام، ويسهل البطن، فيكون مُسهلًا، فإنكار وصفه للمسهل مطلقًا قصور من المنكِرِ. وقال غيره: طبّ النبيّ -ﷺ- متيقن البرء؛ لصدوره عن الوحي، وطبّ غيره أكثره حَدْسٌ، أو تجربة، وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة، وذلك لمانع قام بالمستعمل، من ضَعْف اعتقاد الشفاء به، وتلقيه بالقبول، وأظهر الأمثلة في ذلك القرآن الذي هو شفاء لِمَا في الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره؛ لقصوره في الاعتقاد، والتلقي بالقبول، بل لا يزيد المنافق إلا رِجْسًا إلى رجسه، ومَرَضًا إلى مرضه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا القلوب الطيبة، والله أعلم. وقال ابن الجوزيّ -﵀- : في وصفه -ﷺ- العسل لهذا المنسهل أربعة أقوال: [أحدها]: أنه حَمْل الآية على عمومها في الشفاء، وإلى ذلك أشار بقوله: «صدق الله»؛ أي: في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، فلمّا نبّهه على هذه الحكمة، تلقاها بالقبول، فشُفي بإذن الله تعالى. [الثاني]: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم، من التداوي بالعسل، في الأمراض كلها. [الثالث]: أن الموصوف له ذلك كانت به هيضة ، كما تقدم تقريره. [الرابع]: يَحْتَمِل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البلغم، فلعله شربه أوّلًا بغير طبخ. انتهى. قال الحافظ: والثاني، والرابع ضعيفان. قال: وفي كلام الخطابيّ احتمال آخر ، وهو أن يكون الشفاء يحصل للمذكور ببركة النبيّ -ﷺ-، وبركة وصفه، ودعائه، فيكون خاصًّا بذلك الرجل دون غيره، وهو ضعيف أيضًا. قال: ويؤيد الأول حديث ابن مسعود -﵁-: «عليكم بالشفاءين: العسل، والقرآن»، أخرجه ابن ماجه، والحاكم، مرفوعًا، وأخرجه ابن أبي شيبة، والحاكم موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح. وأثر عليّ: «إذا اشتكى أحدكم، فليستوهب من امرأته من صداقها، فليشتر به عسلًا، ثم يأخذ ماء السماء، فيجمع هنيئًا، مريئًا، شفاءً مباركًا»، أخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير» بسند حسن. ٥ - (ومنها): ما قال ابن بطال -﵀- : يؤخذ من قوله: «صدق الله، وكذب بطن أخيك» أن الألفاظ لا تُحْمَل على ظاهرها؛ إذ لو كان كذلك لبرئ العليل من أول شربة، فلمّا لم يبرأ إلا بعد التكرار دَلّ على أن الألفاظ تُقتَصر على معانيها. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يخفى تكلف هذا الانتزاع . ٦ - (ومنها): ما قال ابن بطال أيضًا: فيه أن الذي يَجعل الله فيه الشفاء قد يتخلف لتتمّ المدة التي قدّر الله تعالى فيها الداء. انتهى. (المسألة الرابعة): قد اعترض بعض الملاحدة على هذا الحديث، فقال: العسل مسهل، فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟ والجواب: أن ذلك جَهْل من قائله، بل هو كقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]، فقد اتَّفَق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السنّ، والعادة، والزمان، والغذاء المألوف، والتدبير، وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يَحدُث من أنواع، منها الهيضة التي تنشأ عن تُخَمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة، وفعلها، فإن احتاجت إلى مُسهل مُعِيْن أعينت ما دام بالعليل قوّة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه عن تُخَمة أصابته، فوَصَف له النبيّ -ﷺ- العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة، والأمعاء؛ لِمَا في العسل من الجلاء، ودَفْع الفضول التي تصيب المعدة من أخلاط لَزِجة تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خَمْل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها، وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك مثل العسل، لا سيما إن مُزِج بالماء الحارّ، وإنما لم يُفِدْه في أول مرة؛ لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار، وكمية، بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوّة، وأحدث ضررًا آخر، فكأنه شرب منه أوّلًا مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء، بَرَأ بإذن الله تعالى، قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ-: «اسقه عسلًا» قد اعتَرَض بعضُ زنادقة الأطباء على هذا، فقال: قد أجمعت الأطباء على أن العسل يُسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال؟!. فجوابه: أن يقال: إن هذا الطعن صدر عن جهل بأدلة صدق النبيّ -ﷺ-، وبصناعة الطبّ. أما الأول: فلو نظر في معجزاته -ﷺ- نظرًا صحيحًا لعلم على القطع أنه يستحيل عليه الكذب، والخلف، ومن حصل له هذا العلم فحقّه شرعًا وعقلًا؛ إذا وجد من كلامه ما يقصر عن إدراكه أن يَعلَم أن ذلك القول حقّ في نفسه، وأن يضيف القصور إلى نفسه، فإنْ أرشده هذا الصادق إلى فعل ذلك الشيء على وجه، فيستعمله على الوجه الذي عيَّنه، وفي المحل الذي أمره بعقد نيَّة، وحسن طويَّة؛ فإنَّه يرى منفعته، ويدرك بركته، كما قد اتَّفَق لصاحب هذا العسل، وإن لم يعيَّن له كيفية، ولا وجهًا، فسبيل العاقل ألا يُقْدِم على استعمال شيء حتى يعرف كيفية العمل به، فليبحث عن وجه العمل اللائق بذلك الدواء، فإذا انكشف له ذلك فهو الذي أراده الصادق، وهذا البحث إنما يكون مع العلماء بالطبّ من المسلمين الموثوق بعلمهم، وصحَّة تجربتهم. وأما جهل هذا الطاعن بصناعة الطبّ، فقد جازف في النقل حيث أطلق في موضع التقييد، وحَكَى إجماعًا لا يصح له، وبيان ذلك بما قاله الإمام أبو عبد الله، قال: ينبغي أن يُعْلَم أن الإسهال يَعْرِض من ضروب كثيرة؛ فمنها: الإسهال الحادث عن التُّخم، والهيضات، والأطباء مجمعون في مثل هذا على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفِعْلها، وإن احتاجت إلى مُعِين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية، فأما حَبْسها: فضرر، فإذا وضح هذا؛ قلنا: فيمكن أن يكون هذا الرجل أصابه الإسهال عن امتلاء وهيضة، فأمره النبيّ -ﷺ- بشرب العسل، فزاده، فزاده، إلى أن فنيت تلك المادة، فوقف الإسهال، فوافقه شرب العسل، فإذا خرج هذا على صناعة الطب أَذِنَ ذلك بجهل المعترض بتلك الصناعة. قال: ولسنا نستظهر على قول نبيِّنا -ﷺ- بأن يصدقه الأطبَّاء، بل لو كذّبوه لكذّبناهم، وكفّرناهم، وصدَّقناه -ﷺ-، فإنْ أوجدونا بالمشاهدة صحة ما قالوه، فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله -ﷺ-، وتخريجه على ما يصح؛ إذ قامت الدلالة على أنه لا يكذب. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ -﵀- بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ. وخلاصته أن اعتراض هذا المعترض مبنيّ على جهل فلا قيمة له، ولو فرضنا كونه عن علم إلا أن واجبنا أن نكذّبه، ونردّ عليه علمه القاصر، ونصدّق ما قاله نبيّنا -ﷺ-؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]، فلا يكون خلافَ الواقع، ولا يُعارَض بالحدس والتخمين، والظنون الكاسدة، فهذا هو الحقّ الذي يجب على المسلم تجاه الكتاب والسُّنَّة، ونسأل الله تعالي الثبات عليهما إلى الممات، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ -يَعْنى: ابْنَ عَطَاءٍ- عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلًا أتى النَّبِىَّ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي عَرِبَ بَطْنُهُ، فَقَالَ لَهُ: «اسْقِهِ عَسَلًا»، بِمَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بن واقد الكلابيّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م س) تقدم في «القسامة» ٤/ ٤٣٦٥.
مصادر المؤلف (٢٨)

١. «زاد المعاد» ٤/ ١٢٠ - ١٢١.

٢. هو أبو الصدّيق الناجيّ بكرو بن عمرو.

٣. «الفتح» ١٣/ ١١٢، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧١٦).

٤. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٧، و«لسان العرب» ١٠/ ٢٢٩.

٥. «الفتح» ١٣/ ١١٢، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧١٦).

٦. «المفهم»٥/ ٦٠٨.

٧. «الفتح»١٣/ ١١٢، كتاب«الطبّ» رقم (٥٧١٦).

٨. «زاد المعاد»٤/ ٣٥.

٩. «عمدة القاري»٢١/ ٢٣٤.

١٠. «الفتح»١٣/ ١١٢، كتاب«الطبّ» رقم (٥٧١٦).

١١. «زاد المعاد» ٥/ ٣٥ - ٣٦.

١٢. «الفتح» ١٣/ ١١٣، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧١٦).

١٣. «الفتح» ١٣/ ١١٣، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧١٦).

١٤. «عمدة القاري» ٢١/ ٢٣٤.

١٥. الْفُطُر بضمّتين: نوع من الكمأة قتّال.

١٦. الصُّؤَابة، كغُرابة: بيضة القمل والبُرْغُوث، جمعه صُؤَابٌ، وصِئْبانٌ. اهـ. «ق».

١٧. ضعيف في سنده راو ليِّن الحديث، وآخر مجهول.

١٨. حديث صحيح، صححه الحاكم، ووافقه الذهبىّ، إلا أن البيهقىّ يصحح كونه موقوفًا على ابن مسعود -﵁-.

١٩. «زاد المعاد» ٥/ ٣٣ - ٣٣٥.

٢٠. «المفهم» ٥/ ٦٠٩ - ٦١٠.

٢١. «زاد المعاد» ٥/ ٣٦.

٢٢. «كشف المشكل» ٣/ ١٥٩.

٢٣. «الهَيضة»: مرض من أعراض القيء الشديد، والإسهال، والْهُزال (الكوليرا). انتهى. من هامش «المفهم» ٥/ ٦٠٩.

٢٤. «الأعلام» ٣/ ٢١١.

٢٥. «شرح البخاريّ» لابن بطال ٩/ ٤١٦.

٢٦. «الفتح» ١٣/ ١١٥، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧١٦).

٢٧. «الفتح» ١٣/ ١١٥، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧١٦).

٢٨. «المفهم» ٥/ ٦٠٨ - ٦٠٩.