HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٥٧

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا حفص وأبو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَأَنْ يمتلئ جوف الرجل قيحا يريه، خيرا مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إلا أن حفصا لم يقل «يريه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص49
ج ٤ ص ١٧٦٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٦٣٦
الحديث؛ لأنه اعتَرَضَ عثمانُ بن مظعون على أمية حينما أنشد القصيدة في مجلس قريش، فقال له في الشطر الأول: صدقت، وفي الشطر الثاني: كذبت، وجرت بينهما قصّة، تقدّم ذكرها، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٨٧٩] (٢٢٥٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثنًا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرَّجُلِ قَيْحًا يَرِيهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»، قَالَ أَبُو بَكْر: إِلَّا أَنَّ حَفْصًا لَمْ يَقُلْ: «يَرِيهِ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَفْصُ) بن غياث النخعيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة أيضًا تقدّم قريبًا. ٦ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قريبًا. ٧ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم أيضًا قريبًا. ٨ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان، تقدّم أيضًا قريبًا. و«أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-» ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، والراوي عنه، فمدنيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو كريب، والأشج كلاهما من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لأَنْ يَمْتَلِى جَوْفُ الرَّجُلِ) اللام فيه للتأكيد، و»أن«مصدريّة، وهو في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله:»خير له«. قال ابن أبي جمرة ﵀ : يَحْتَمِل ظاهره أن يكون المراد جوفه كله، وما فيه من القلب وغيره، وَيحْتَمِل أن يريد به القلب خاصّةً، وهو الأظهر؛ لأن أهل الطب يزعمون أن القيح إذا وصل إلى القلب شيء منه، وإن كان يسيرًا، فإن صاحبه يموت لا مَحَالةَ، بخلاف غير القلب، مما في الجوف، من الكبد، والرئة. قال الحافظ: ويُقَوِّي الاحتمال الأول روايةُ عوف بن مالك:«لأن يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى لَهاته»، وتظهر مناسبته للثاني؛ لأن مقابِله، وهو الشِّعر محله القلب؛ لأنه ينشا عن الفكر، وأشار ابن أبي جمرة إلى عدم الفرق في امتلاء الجوف من الشِّعر بين من ينشئه، أو يتعانى حفظه من شِعر غيره، وهو ظاهر. انتهى . وقوله: (قَيْحًا) منصوب على التمييز، وهو بفتح القاف، وسكون التحتانيّة: الصديد الذي يسيل من الدُّمّل، والْجُرْح، ويقال: هو الْمِدَّة التي لا يخالطها الدم، قاله في«العمدة». وقال الفيّوميّ ﵀: القيح: هو الأبيض الخاثر الذي لا يخالطه دمٌ، يقال: قاح الجرحُ قَيْحًا، من باب قال: سال قيحه، أو تهيّأ، ويقوحُ، وأقاح بالألف لغتان فيه، وقيّح بالتشديد: صار فيه قيح. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«قيحًا»- بفتح القاف، وسكون التحتانية، بعدها مهملة-: الْمِدَّة ، لا يخالطها دم. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: القيح: الْمِدَّة يخالطها دم، يقال منه: قاح الجرحُ، يقيح. وتقيَّح، وقيَّح، وصديد الجرح: ماؤه المختلط بالدَّم الرقيق قبل أن تغلظ الْمِدَّة. انتهى . (يَرِيهِ) قال أهل اللغة، والغريب: بفتح الياء، وكسر الراء، من الْوَرْي، وهو داء يُفسد الجوف، ومعناه: قَيحًا يأكل جوفه، ويفسده، قالَه النوويّ ﵀ . وقال في«الفتح»:«يَرِيه »بفتح الياء آخر الحروف، بعدها راء، ثم ياء أخرى، قال الأصمعيّ: هو من الْوَرْيِ، بوزن الرَّمْيِ ، يقال منه: رجل مَوْرِيّ، غير مهموز، وهو أن يُورَى جوفُهُ، وأنشد: قَالَتْ لَهُ وَرْيًا إِذَا تَنَحْنَحَا تدعو عليه بذلك، وقال أبو عبيد: الْوَرْيُ: هو أن يأكل القيح جوفَه، وحَكَى ابن التين فيه الفتح، بوزن الْفَرَى، وهو قول الفراء، وقال ثعلب: هو بالسكون المصدر، وبالفتح الاسم، وقيل معنى قوله:«حتى يَرِيه»؛ أي: يُصيب رئته، وتُعُقِّب بأن الرئة مهموزة، فإذا بَنَيت منه فعلًا قلت: رآه يَرآه فهو مَرْئِيّ. انتهى. قال الحافظ: ولا يلزم من كون أصلها مهموزًا أن لا تُستعمل مُسَهَّلةً، ويُقَّرِّب ذلك أن الرئة إذا امتلأت قيحًا يحصل الهلاك. انتهى . [تنبيه]: قوله:«يريه»جملة في محلّ نصب صفة«قيحًا»، وقع في رواية البخاريّ بلفظ:«حتى يريه»، بزيادة«حتى»، قال في«الفتح»: ذكر- يعني: البخاريّ- حديث:«لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا»من حديث ابن عمر، ومن حديث أبي هريرة، وزاد أبو ذرّ في روايته عن الكشميهنيّ في حديث أبي هريرة:«حتى يَرِيه»، وهذه الزيادة ثابتة في«الأدب المفرد»عن الشيخ الذي أخرجه عنه هنا، وكذلك رواية النسفيّ، ونَسَبها بعضهم للأصيليّ، ولسائر رواة«الصحيح»:«قَيحًا يَرِيه»بإسقاط«حتى»، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وأبو عوانة، وابن حبان، من طرق عن الأعمش، في أكثرها:«حتى يَريه»، ووقع عند الطبراني من وجه آخر، عن سالم، عن ابن عمر، بلفظ:«حتى يريه»أيضًا، قال ابن الجوزيّ : وقع في حديث سعد عند مسلم:«حتى يَرِيَهُ»، وفي حديث أبي هريرة عند البخاريّ بإسقاط«حتى»، فعلى ثبوتها يُقرأ:«يريه»بالنصب، وعلى حذفها بالرفع، قال: ورأيت جماعة من المبتدئين يقرؤونها بالنصب مع إسقاط«حتى»؛ جَرْيًا على المألوف، وهو غلط؛ إذ ليس هنا ما يَنْصِب، وذكر أن ابن الخشاب نَبَّه على ذلك، ووجّه بعضهم النصب على بدل الفعل من الفعل، وإجراء إعراب«يمتلئ»على«يريه». ووقع في حديث عوف بن مالك عند الطحاويّ، والطبرانىّ:«لأن يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى لَهَاته قيحًا، يتخضخض خير له من أن يمتلئ شعرًا»، وسنده حسن. انتهى . (خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا») قال في «الفتح»: ظاهره العموم في كل شعر، لكنه مخصوص بما لم يكن مدحًا حقًّا، كمدح الله تعالى، ومدح رسوله -ﷺ-، وما اشتَمَل على الذكر، والزهد، وسائر المواعظ، مما لا إفراط فيه«ويؤيده حديث عمرو بن الشَّرِيد، عن أبيه -يعني: المذكور هنا أول الباب-. قال ابن بطال: ذكر بعضهم أن معنى قوله:«خير له من أن يمتلئ شعرًا»؛ يعني: الشعر الذي هُجِي به النبيّ -ﷺ-. وقال أبو عبيد: والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول؛ لأن الذي هُجي به النبيّ -ﷺ- لو كان شطر بيت لكان كفرًا، فكأنه إذا حُمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه أنه قد رُخِّص في القليل منه، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه من الشعر، حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن، وعن ذِكر الله تعالى، فيكون الغالب عليه، فإما إذا كان القرآن، والعلم الغالبين عليه، فليس جوفه ممتلئًا من الشعر. وأخرج أبو عبيد التأويل المذكور من رواية مُجالد عن الشعبيّ مرسلًا، فذكر الحديث، وقال في آخره -يعني: من الشعر الذي هُجي به النبيّ -ﷺ-: وقد وقع لنا ذلك موصولًا من وجهين آخرين، فعند أبي يعلى من حديث جابر في الحديث المذكور: «قيحًا، أو دمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هُجيت به»، وفي سنده راو لا يُعرف، وأخرجه الطحاويّ، وابن عديّ من رواية ابن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مثل حديث الباب، قال: فقالت عائشة: لم يحفظ إنما قال: من أن يمتلئ شعرًا هُجيت به، وابن الكلبيّ واهي الحديث، وأبو صالح شيخه ما هو الذي يقال له السمان المتفق على تخريج حديثه في الصحيح، عن أبي هريرة، بل هذا آخر ضعيف، يقال له: باذان، فلم تثبت هذه الزيادة. ويؤيد تأويل أبي عبيد ما أخرجه البغويّ في «معجم الصحابة»، والحسن بن سفيان في «مسنده»، والطبراني في «الأوسط» من حديث مالك بن عُمير السلميّ، أنه شَهِد مع رسول الله -ﷺ- الفتح وغيرها، وكان شاعرًا، فقال: يا رسول الله أفتني في الشعر، فذكر الحديث، وزاد: قلت: يا رسول الله امسح على رأسي، قال: فوضع يده على رأسي، فما قلت بيت شعر بعدُ. وفي رواية الحسن بن سفيان بعد قوله: على رأسي، ثم أَمَرَّها على كَبِدي، وبطني، وزاد البغويّ في روايته: «فإن رابك منه شيء فاشبب بامرأتك، وامدح راحلتك»، فلو كان المراد الامتلاء من الشعر لَمَا أَذِن له في شيء منه، بل دلّت الزيادة الأخيرة على الإذن في المباح منه. وذكر السُّهيلي في غزوة وَدّان عن جامع ابن وهب أنه رُويَ فيه أن عائشة -﵁- تأولت هذا الحديث على ما هُجِي به النبيّ -﵁-، وأنكرت على من حمله على العموم في جميع الشعر، قال السهيليّ: فإن قلنا بذلك، فليس في الحديث إلا عيب امتلاء الجوف منه، فلا يدخل في النهي رواية اليسير على سبيل الحكاية، ولا الاستشهاد به في اللغة، ثم ذكر استشكال أبي عبيد، وقال: عائشة أعلم منه، فإن الذي يروي ذلك على سبيل الحكاية لا يكفر، ولا فرق بينه وبين الكلام الذي ذَمُّوا به النبيّ -ﷺ-، وهذا هو الجواب عن صنيع ابن إسحاق في إيراده بعض أشعار الكَفَرة في هجو المسلمين، والله أعلم. وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْر: إِلَّا أَنَّ حَفْصًا لَمْ يَقُلْ: «يَرِيهِ») أبو بكر هو ابن أبي شيبة شيخ المصنّف في السند، أراد به أنه بيّن اختلاف شيخيه، في إثبات لفظ: «يَرِيه»، فأثبتها أبو معاوية، وأسقطها حفص بن غياث، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٨٧٩] (٢٢٥٧)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٦١٥٥) وفي «الأدب المفرد» (٨٦٠)، و(أبو داود) في «الأدب» (٥٠٠٩)، و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٨٥١)، و(ابن ماجه) في «الآداب» (٣٧٥٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٧١٩ - ٧٢٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٨٨ و٣٥٥ و٣٩١ و٤٧٨ و٤٨٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٧٧٧ و٥٧٧٩)، و(أبو القاسم البغويّ) في «الجعديّات» (٣١٠٦)، و(الطحاويّ) في «شرح السنّة» (٤/ ٢٩٥)، و(ابن عديّ) في «الكامل» (٥/ ١٨٩٤ و٦/ ٢١٣٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٢٤٤) و«شُعب الإيمان» (٤/ ٢٧٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٤١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ذمّ الاشتغال بالشعر، وهذا إذا شغله عن القرآن، وذِكر الله ﷿، قال البخاريّ في «صحيحه»: «باب ما يُكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر، حتى يصدّه عن ذكر الله، والعلم، والقرآن». انتهى. وقال النوويّ: قال أبو عبيد: قال بعضهم: المراد بهذا الشعر: شعر هُجِيَ به النبيّﷺ-، قال أبو عبيد والعلماء كافّة: هذا تفسير فاسد؛ لأنه يقتضي أن المذموم من الهجاء أن يمتلئ منه دون قليله، وقد أجمع المسلمون على أن الكلمة الواحدة من هجاء النبيّ -ﷺ- موجبة للكفر، قالوا: بل الصواب أن المراد أن يكون الشعر غالبًا عليه، مستوليًا عليه بحيث يَشغله عن القرآن، وغيره، من العلوم الشرعية، وذِكر الله تعالى، وهذا مذموم من أيّ شعر كان، فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه، فلا يضرّ حفظ اليسير من الشعر مع هذا؛ لأن جوفه ليس ممتلئًا شعرًا، والله أعلم. انتهى . ٢ - (ومنها): ما قال في «الفتح»: استُدِلّ بتأويل أبي عبيد على أن مفهوم الصفة ثابت باللغة؛ لأنه فَهِم منه أن غير الكثير من الشعر ليس كالكثير، فخصّ الذم بالكثير الذي دلّ عليه الامتلاء، دون القليل منه، فلا يدخل في الذم، وأما من قال: إن أبا عبيد بنى هذا التأويل على اجتهاده، فلا يكون ناقلًا للّغة، فجوابه أنه إنما فَسَّر حديث النبيّ -ﷺفي كتابه على ما تلقّفه من لسان العرب، لا على ما يَعْرِض في خاطره؛ لِمَا عُرِف من تحرزه في تفسير الحديث النبويّ. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قال النوويّ: واستَدَلّ بعض العلماء بهذا الحديث على كراهة الشعر مطلقًا، قليلِهِ وكثيرِهِ، وإن كان لا فُحش فيه، وتعلق بقوله -ﷺ-: «خُذُوا الشيطان»، وقال العلماء كافّةً: هو مباح ما لم يكن فيه فُحش، ونحوه، قالوا: وهو كلام حسنه حسنٌ، وقبيحه قبيحٌ، وهذا هو الصواب، فقد سمع النبيّ -ﷺ- الشعر، واستنشده، وأمر به حسان في هجاء المشركين، وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار، وغيرها، وأنشده الخلفاء، وأئمة الصحابة، وفضلاء السلف، ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه، وإنما أنكروا المذموم منه، وهو الفُحش ونحوه، وأما تسمية هذا الرجل الذي سمعه يُنشد شيطانًا فلعله كان كافرًا، أو كان الشعر هو الغالب عليه، أو كان شعره هذا من المذموم، وبالجملة فتسميته شيطانًا إنما هو في قضية عين تتطرق إليها الاحتمالات المذكورة، وغيرها، ولا عموم لها، فلا يُحتج بها، والله أعلم. انتهى . ٤ - (ومنها): أن ابن أبي جمرة: ألحق بامتلاء الجوف بالشعر المذموم حتى يشغله عما عداه من الواجبات والمستحبات الامتلاء من السجع مثلًا، ومن كل علم مذموم، كالسحر، وغير ذلك من العلوم التي تُقسي القلب، وتشغله عن الله تعالى، وتُحدث الشكوك في الاعتقاد، وتفضي به إلى التباغض، والتنافس. انتهى . [تنبيه]: قال في «الفتح»: مناسبة هذه المبالغة في ذمّ الشعر أن الذين خوطبوا بذلك كانوا في غاية الإقبال عليه، والاشتغال به، فزَجَرهم عنه؛ لِيُقبلوا على القرآن، وعلى ذِكر الله تعالى، وعبادته، فمن أخذ من ذلك ما أُمر به لم يضره ما بقي عنده، مما سوى ذلك، والله أعلم. انتهى . ٥ - (ومنها): أن الطحاويّ ﵀ قال -بعد أن أخرج الأحاديث المذكورة-: فكره قوم رواية الشعر، واحتجوا بهذه الآثار، قال العينيّ ﵀: أراد بالقوم هؤلاء: مسروقًا، وإبراهيم النخعيّ، وسالم بن عبد الله، والحسن البصريّ، وعمرو بن شعيب، فإنهم قالوا: يكره رواية الشعر، وإنشاده، واحتجوا في ذلك بهذه الأحاديث المذكورة، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود -﵃-. ثم قال الطحاويّ: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس برواية الشعر الذي لا قَذْعَ فيه، قال العينيّ: أراد بالَاخرين: الشعبيّ، وعامر بن سعد، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيِّب، والقاسم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعيّ، وأحمد، وأبا يوسف، ومحمدًا،
مصادر المؤلف (٢٠)

١. «بهجة النفوس»٤/ ١٧٢.

٢. «الفتح»١٤/ ٢٥، كتاب«الأدب»رقم (٦١٥٤).

٣. «عمدة القاري»٢٢/ ١٨٨.

٤. راجع:«المصباح المنير»٢/ ٥٢١.

٥. المِدّة بكسر الميم، وتشديد الدال: القيح، قال الفيّومي: المِدَّةُ بالكسر؛ القيح: وهي الْغَثِيثة الغليظة، وأما الرقيقة فهي صديد. انتهى.«المصباح المنير»٢/ ٥٦٦.

٦. «الفتح»١٤/ ٢٥، كتاب«الأدب»رقم (٦١٥٤).

٧. «المفهم»٥/ ٥٢٩.

٨. «شرح النوويّ»١٥/ ١٤.

٩. قال في«تاج العروس»١/ ٨٦٤٤: الْوَرْيُ بالسكون قيح يكون في الجوف، أو قُرْح شديد يُقاء منه القيح، والدم، وقد وَرَى القيح جوفه -كَوَعَى- يَرِيه وَرْيًا: أفسده، وفي«الصحاح»: أكله. انتهى.

١٠. «الفتح»١٤/ ٢٥، كتاب«الأدب»رقم (٦١٥٤).

١١. «كشف المشكل»٣/ ٤٥٦.

١٢. قال الجامع: لا يوجد في النُّسخ الموجودة عندنا إلا بلفظ:«يريه»بدون«حتى»، ولعل ابن الجوزيّ وقع عنده نسخة بإثباتها، والله تعالى أعلم.

١٣. «الفتح»١٤/ ٢٥، كتاب«الأدب»رقم (٦١٥٤).

١٤. أي: الشعر الذي هُجي به النبيّ -ﷺ-.

١٥. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٤.

١٦. «الفتح» ١٤/ ٢٥، كتاب «الأدب» رقم (٦١٥٤).

١٧. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥ - ١٥.

١٨. «بهجة النفوس» ٤/ ١٧٢.

١٩. «الفتح» ١٤/ ٢٧، كتاب «الأدب» رقم (٦١٥٤).

٢٠. يقال: قَذَعَهُ، كمنعه: رماه بالفُحش، وسوء القول، كاقذعه. انتهى. «القاموس» ص ١٠٣٦.