HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٦١

حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَإسحاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ (وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ).حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا. غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ. حَتَّى لَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ. وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا. وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شرها. فإنها لن تضره».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص50
ج ٤ ص ١٧٧١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الجامع عفا الله عنه: ابتدأتُ بكتابة الجزء السابع والثلاثين من شرح «صحيح الإمام مسلم» المسمّى«البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج ﵀» ليلة الخميس الثالثة والعشرين من شهر جمادى الثانية ٢٣/ ٦/ ١٤٣٢ هـ. ٤٤ - (كِتَابُ الرُّؤْيا) (١) - (بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤيا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبوَّةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٨٨٣] (٢٢٦١) - (حَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ اِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤيا، أُعْرَى مِنْهَا، غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ، حَتى لَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمًا يَكْرَهُهُ، فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَعَوْذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بكير، أبو عثمان البغدادي، نزل الرقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه الْحَنْظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كثية يحيى، صدوق، صنّف «المسند»، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ، إلا أنه تغير حفظه بأخَرَة، وكان ربما دلّسَ، لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار [٨] مات في رجب سنة (١٩٨)، وله إحدى وتسعون سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٥ - (الزهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشيّ، أبو بكر الفقيه الحافظ، متّفَق على جلالته، وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) وقيل: قبل ذلك بسنة، أو سنتين (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ، مكثرُ [٣] (ت ٩٤ أو ١٠٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٧ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ، هو الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعِيّ -بكسر الراء، وسكون الموحّدة، بعدها مهملة، بضم الموحّدة، والمهملة، بينهما لام ساكنة- السَّلَميّ بفتحتين، المدنيّ شَهِد أُحُدًا، وما بعدها، ولم يصح شهوده بدًا، ومات سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وثلاثين، والأول أصحّ، وأشهر (ع) تقدم في «الطهارة» ١٨/ ٦١٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة تحمّلهم عنه، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف أنه (قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا) قال القرطبيّ ﵀: الرؤيا: مصدر رأى في المنام رؤيا، على وزن فُعْلى، وألفه للتأنيث؛ ولذلك لم ينصرف، والرؤية: مصدر رأى بعينه في اليقظة رؤية، هذا المعروف من لسان العرب، وقال بعض العلماء: إن الرؤيا قد تجيء بمعنى الرؤية؛ وحَمَل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ الآية [الإسراء: ٦٠]، وقال: إنما يعني بها: رؤية النبيّ -ﷺ- في الإسراء لَمّا أراه الله من عجائب السماوات، والملكوت، وكان الإسراء من أوله إلى آخره في اليقظة، وقد ذكرنا هذا في «باب الإسراء» من «كتاب الإيمان». انتهى . وقوله: (أعْرَى مِنْهَا) -بضم الهمزة، وإسكان العين، وفتح الراء- أي: أُحَمّ؛ لخوفي من ظاهرها في معرفتي، قال أهل اللغة: يقال: عُرِي الرجلُ بضم العين، وتخفيف الراء، يُعْرَى: إذا أصابه عُرَاء، بضم العين، وبالمدّ، وهو نفض الْحُمَّى، وقيل: رِعْدَةٌ . (غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ) بضمّ أوله، وتشديد الميم، مبنيًّا للمفعول؛ أي: لا أغطَّى، ولا أُلَفّ كالمحموم، (حَتَّى لَقِيتُ أَبما قَتَادَةَ) الأنصاريّ -﵁- (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ)؛ أي: الذي يصيبه من رؤيا تسوؤه، وتشتدّ عليه، وفي رواية عبد ربّه، عن أبي سلمة الآتية: «إن كنت لأرى الرؤيا تُمرضني، قال: فلقيت أبا قتادة، فقال: وأنا كنت لأرى الرؤيا، فتُمرضني، حتى سمعت رسول الله -ﷺ- يقول …». (فَقَالَ) أبو قتادة -﵁- (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الرُّؤْيَا) قال النوويّ: الرؤيا مقصورة، مهموزةٌ، ويجوز ترك همزها؛ كنظائرها. (مِنَ اللهِ)؛ أي: بشرى من الله، أو تحذير وإنذار، وقال في»العمدة«: إضافة الرؤيا إلى الله للتشريف، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣)﴾ [الشمس: ١٣]، والرؤيا المضافة إلى الله لا يقال لها: حُلُم، والتي تضاف إلى الشيطان لا يقال لها: رؤبا، وهذا تصرّف شرفي، وإلا فالكل يسمى رؤيا. انتهى . وقال المازريّ: الرؤيا اسم للمحبوب، والحُلُم اسم للمكروه، وقال غيره: أضاف الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف، بخلاف المكروهة، وإن كانتا جميعًا من خلق الله تعالى، وتدبيره، وبإرادته، ولا فِعل للشيطان فيهما، لكنه يحضر المكروهة، ويرتضيها، ويُسَرُّ بها. انتهى . وفي رواية عبد ربّه بن سعيد عن أبي سلمة الآتية: «الرؤيا الصالحة من الله»، وفي لفظ للبخاريّ: «الرؤيا الصادقة من الله»، قال في «الفتح»: قوله: «الرؤيا الصادقة»، وفي رواية الكشميهنيّ: «الصالحة»، وهو الذي وقع في معظم الروايات، وسقط الوصف من رواية أحمد بن يحيى الحلوانيّ، عن أحمد بن يونس شيخ البخاريّ فيه، أخرجه أبو نعيم في «المستخرج» بلفظ: «الرؤيا من الله»؛ كالترجمة ، وكذا في «الطب» من رواية سليمان بن بلال، والإسماعيليّ، من رواية الثوريّ، وبشر بن المفضَّل، ويحيى القطان، كلهم عن يحيى بن سعيد، ولمسلم من رواية الزهريّ، عن أبي سلمة ، ووقع في رواية عبد ربه بن سعيد، عن أبي سلمة بلفظ: «الرؤيا الحسنة من الله»، ووقع عند مسلم من هذا الوجه: «الصالحة»، زاد في هذه الرواية: «فإذا رأى أحدكم ما يحبّ فلا يُخْبر به إلا من يُحِبّ»، ولمسلم في رواية من هذا الوجه: «فإن رأى رؤيا حسنة فليَبْشُر، ولا يخبر إلا من يحب»، وقوله: «فليبشر»، بفتح التحتانية، وسكون الموحّدة، وضم المعجمة، من البشرى، وقيل: بنون بدل الموحّدة؛ أي: ليحدّث بها، وزعم عياض أنها تصحيف، ووقع في بعض النسخ من مسلم: «فليستر» بمهملة، ومثناة، من الستر. وفي حديث أبي رزين عند الترمذيّ: «ولا يقصّها إلا على وادّ -بتشديد الدال، اسم فاعل من الوُدّ- أو ذي رأي»، وفي أخرى: «ولا يحدّث بها إلا لبيبًا، أو حبيبًا»، وفي أخرى: «ولا يقصّ الرؤيا إلا على عالم، أو ناصح». قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: أما العالِم فإنه يؤولها له على الخير، مهما أمكنه، وأما الناصح فإنه يُرشد إلى ما ينفعه، وُيعِينُه عليه، وأما اللبيب، وهو العارف بتأويلها، فإنه يُعْلِمه بما يُعَوِّل عليه في ذلك، أو يسكت، وأما الحبيب فإن عرف خيرًا قاله، وإن جهل، أو شكّ سكت. قال الحافظ: والأَولى الجمع بين الروايتين، فإن اللبيب عُبِّر به عن العالِم، والحبيب عُبّر به عن الناصح، وسيأتي عند مسلم في حديث أبي سعيد: «فليحمد الله عليها، ولْيُحَدِّث بها» . (وَالْحُلْمُ) -بضم الحاء المهملة، وسكون اللام، وقد تضمّ-: ما يراه النائم، ولم يَحْكِ النوويّ غير السكون، يقال: حَلَم بفتح اللام، يحلُم بضمها، وأما من الحلم بكسر أوله، وسكون ثانيه، فيقال: حَلُم بضم اللام، وجَمْع الحلُم بالضم، والحِلْم بالكسر: أحلام . (مِنَ الشَّيْطَانِ) إضافة الحلم إلى الشيطان، بمعنى أنها تناسب صفته، من الكذب، والتهويل، وغير ذلك، بخلاف الرؤيا الصادقة، فأضيفت إلى الله إضافةَ تشريف، وإن كان الكلّ بخلق الله تعالى، وتقديره، كما أن الجميع عباد الله، ولو كانوا عُصاة، كما قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الآية [الحجر: ٤٢] . وقال المهلّب: سَمَّى الشارع الرؤيا الخالصة من الأضغاث صالحة، وصادقةً، وأضافها إلى الله تعالى، وسَمَّى الأضغاث حُلُمًا، وأضافها إلى الشيطان؛ إذ كانت مخلوقة على شاكلته، فأعلمَ الناس بكيده، وأرشدهم إلى دفعه؛ لئلا يُبْلغِوه أَرَبه في تحزينهم، والتهويل عليهم. وقال أبو عبد الملك: أضيفت إلى الشيطان؛ لكونها على هواه، ومراده. وقال ابن الباقلانيّ: يخلق الله الرؤيا الصالحة بحضرة الملك، ويخلق الرؤيا التي تقابلها بحضرة الشيطان، فمن ثَمّ أضيفت إليه، وقيل: أضيفت إليه؛ لأنه الذي يُخَيّل بها، ولا حقيقة لها في نفس الأمر . (فَإِذَا حَلَمَ) بفتح اللام، من باب نصر: إذا رأى في منامه الرؤيا، ويقال: احتلم أيضًا، ومنه حلَم الصبيّ، واحتلم: إذا بلغ مبلغ الرجال، وأما حَلُم بمعنى صفح، وستر، فهو بضمّ اللام؛ ككرُم، حِلْمًا بكسر، فسكون . (أَحَدُكُمْ حُلْمًا) بضمّتين، وبإسكان الثاني تخفيفًا. وقال القرطبيّ: الْحُلْم -بضم الحاء، وسكون اللام- مصدر حَلَم -بفتح الحاء واللام-: إذا رأى في منامه رؤيا، ويُجمع على أحلام في القلَّة، وفي الكثرة: حلوم؛ وإنَّما جُمع، وإن كان مصدرًا لاختلاف أنواعه، وهو في الأصل عبارة عما يراه الرائي في منامه حسنًا كان، أو مكروهًا، وأراد به النبيّ -ﷺ- هنا ما يُكره، وما لا ينتظم، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. فأمَّا الحِلم -بكسر الحاء-، فهو مصدر حَلُمَ -بضم اللام- يَحْلِمُ: إذا صفح وتجاوز حتى صار له ذلك كالغريزة، وتحفم: تكثّف الحلم. والْحَلم- بفتح الحاء- هو فساد الإهاب من الدباغ، وتثقيبه فيه. يقال منه: حَلِم الأديم- بكسر اللام- يحلم -بفتحها-: إذا صار كذلك. انتهى . وقوله: (يَكْرَهُهُ) من باب فَهِم، صفة لـ«حُلُمًا»، (فَلْيَنْفُثْ) بضمّ الفاء، وكسرها، قال القاضي عياض ﵀: اختُلِف في التفل والنفث، فقيل: معناهما واحد، ولا يكونان إلا بِريق، وقيل: يُشترط في التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث، وقيل عكسه. وقال النوويّ: أكثر الروايات: «فلينفث»، وهو النفخ اللطيف، بلا ريق، فيكون التفل، والبصق محمولين عليه مجازًا. وتعقبه الحافظ بأن المطلوب طرد الشيطان، وإظهار احتقاره، واستقذاره، كما نقله هو عن عياض كما مرّ، فالذي يَجمع الثلاثة الحمل على التفل، فإنه نفخٌ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى النفخ قيل له: نفث، وبالنظر إلى التفل قيل له: بصق. انتهى . وقال في «التاج»: «نَفَثَ يَنْفُثُ» بالضَّمّ، «ويَنفِثُ» بالكسر، نَفْثًا، ونَفَثَانًا، محرّكة، وهو كالنَّفْخِ، مع رِيقٍ، كذا في «الكَشّاف»، وفي «النَّشْرِ»: النَّفْث: شِبْهُ النَّفْخِ، يكون في الرُّقْيَة، ولا رِيقَ معه، فإِن كان معه رِيقٌ، فهو التَّفْل، وهو الأَصحّ، كذا في «العِناية»، وفي «الأَذكار»: قال أَهلُ اللّغةِ: «النَّفْثُ»: نَفْخٌ لَطِيفٌ بلا رِيقٍ، و«النَّفْث»: أَقَلُّ من التَّفْلِ؛ لأنّ التَّفْلَ لا يكون إِلّا ومعه شَي من الرِّيقِ، وقيل: هو التَّفْل بِعَيْنِه، وعن بعضهم: النَّفْثُ: فوقَ النَّفْخِ، أَو شِبْهُه، ودُونَ التَّفْلِ، وقد يكون بلا رِيقٍ، بخلاف التَّفْلِ، وقد يكون بريقٍ خفِيفٍ، بخلافِ النَّفْخٍ. وقيل: النَّفْثُ: إِخْرَاجُ الرِّيحِ من الفَمِ بقليل من الرِّيقِ. وفي «المصباح»: نَفثَه من فَمِه نَفْثًا، من باب ضَرَب: رَمَى به، ونَفَثَ: إِذا بَزَقَ، وبَعْضهُم يقول: إِذا بَزَقَ، ولا رِيقَ معه، ونَفَثَ في العُقْدَةِ عند الرُّقَى، وهو البُصَاقُ الكَثِيرُ. انتهى . (عَنْ يَسَارر ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث مرّات، (وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا)؛ أي: شرّ هذه الرؤيا التي كرهها، (فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ») قال القرطبيّ عند قوله:«والحلم من الشيطان»: يعني به: ما يُلقيه مما يهوِّل، أو يخوف، أو يحزن به، وهذا النوع هو المأمور بالاستعاذة منه؛ لأنَّه من تخييلات الشيطان، وتشويشاته، فإذا استعاذ الرائي منه صادقًا في التجائه إلى الله تعالى، ونفث عن يساره ثلاثًا، وتحوَّل عن جَنْبه كما أمره النبيّ -ﷺ- هذا الحديث، وصلى؛ أذهب الله عنه ما أصابه، وما يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء ببركة صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وامتثال أوامر رسوله -ﷺ-. وعلى هذا فيكون قوله: «فإذا رأى أحدكم ما يكره» إنَّما يعني به: ما يكون سببه الشيطان. وقيل: بل الخبر بحكم عمومه يتناول ما يسببه الشيطان، وما لا يسببه، مما يكرهه الرائي. ويكون فِعل هذه الأمور كلها مانعًا من وقوع ذلك المكروه، كما يقال: إن الدعاء يدفع البلاء، والصَّدقة تدفع ميتة السوء، وكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره، ولكن الوسائط والأسباب عاديات لا موجودات . وفائدة أَمْرِه بالتحول عن جنبه الذي كان عليه ليتكامل استيقاظه، وينقطع عن ذلك المنام المكروه، وفائدة الأمر بالصلاة، أن تكمل الرغبة، وتصح الطَّلِبة، فإنَّ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٨٨٣ و٥٨٨٤ و٥٨٨٥ و٥٨٨٦ و٥٨٨٧ و٥٨٨٨ و٥٨٨٩] (٢٢٦١)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٣٩٢) و«الطبّ» (٥٧٤٧) و«التعبير» (٦٩٨٤)، و(أبو داود) في «الأدب» (٥٠٢١)، و(الترمذيّ) في «الرؤيا» (٢٢٧٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٩١ و٦/ ٢٢٤)، و«عمل اليوم والليلة» (٨٩٧ و٩٠٠ و٩٠١)، و(ابن ماجه) في «تعبير الرؤيا» (٣٩٠٩)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٥٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١/ ٢١٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١١/ ٧٠)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ٢٠٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣١٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٢٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٠٥٩)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٥/ ١٧٠)، و(البيهقيّ) في «شُعَب الإيمان» (٤/ ١٨٧)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٢٧٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): أن الرؤيا الصالحة من الله تعالى بشرى، لعبده، والرؤيا السيّئة من الشيطان، قال ابن عبد البرّ ﵀: وأما قوله -ﷺ- في الحديث: «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح»، وربما جاء في الحديث: «الرؤيا الصالحة» فقط، وربما جاء في الحديث أيضًا: «رؤيا المؤمن» فقط، وربما جاء: «يراها الرجل الصالح، أو تُرى له»؛ يعني: من صالح وغير صالح، وهي ألفاظ المحدِّثين، والله أعلم بها، والمعنى عندي في ذلك على نحو ما ظهر لي في الأجزاء المختلفة من النبوة، والرؤيا إذا لم تكن من الأضغاث، والأهاويل، فهي الرؤيا الصادقة، وقد تكون الرؤيا الصادقة من الكافر، ومن الفاسق؛ كرؤيا الملِك التي فسَّرها يوسف -ﷺ-، ورؤيا الفَتَيَيْن في السجن، ورؤيا بختنصر التي فسَّرها دانيال في ذهاب مُلكه، ورؤيا كسرى في ظهور النبيّ -ﷺ-، ورؤيا عاتكة عمة رسول الله -ﷺ- أمر النبىّ -ﷺ-، ومثل هذا كثير، وقد قسم رسول الله -ﷺ- الرؤيا أقسامًا تغني عن قول كل قائل، ثم أخرج بسنده حديث عوف بن مالك عن رسول الله -ﷺ- قال: «الرؤيا ثلاثة: منها أهاويل الشيطان؛ ليحزن ابن آدم، ومنها ما يَهُمّ به في يقظته، فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة». انتهى . ٢ - (ومنها): بيان آداب من رآى ما يكرهه، وهو أن ينفث عن يساره ثلاثًا، ويتعوّذ بالله من شرها، فإنها لا تضرّه. ٣ - (ومنها): بيان عداوة الشيطان للإنسان في كلّ أحواله، في يقظته، ومنامه، فلا يتركه في أيّ حال من الأحوال إلا يتعرّض لأذيّته، وأنه لا ملجأ ولا منجى له إلا بالالتجاء إلى الله، والتحصّن بذكره، فإنه الكافي عبدَه، فقد وعد بذلك حيث قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥]. ٤ - (ومنها): بيان آداب الرؤيا الصالحة، وهي ثلاثة أشياء: أن يحمد الله تعالى عليها، وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها، لكن لمن يُحِبّ دون من يكره. ٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: «ولا يذكرها» على أن الرؤيا تقع على ما يُعَبَّر به، وسيأتي تمام البحث في ذلك -إن شاء الله تعالى-. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضًا على أن للوهم تأثيرًا في النفوس؛ لأن التفل، وما ذُكر معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا، فلو لم يكن للوهم تأثير لَمَا أَرشد إلى ما يدفعه، وكذا في النهي عن التحديث بما يكره لمن يكره، والأمر بالتحديث بما يحب لمن يحب. ٧ - (ومنها): أنه وقع في حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- عند البخاريّ: «وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان»، قال في «الفتح»: ظاهر الحصر أن الرؤيا الصالحة لا تشتمل على شيء مما يكرهه الرائي، ويؤيده مقابلة رؤيا البشرى بالحلم، وإضافة الحلم إلى الشيطان، وعلى هذا ففي قول أهل التعبير، ومن تبعهم: إن الرؤيا الصادقة قد تكون بشرى، وقد تكون إنذارًا نظرٌ؛ لأن الإنذار غالبًا يكون فيما يكره الرائي. ويمكن الجمع بأن الإنذار لا يستلزم وقوع المكروه، وبأن المراد بما يكره ما هو أعمّ من ظاهر الرؤيا، ومما تعبَّر به. وقال القرطبيّ في «المفهم»: ظاهر الخبر أن هذا النوع من الرؤيا -يعني: ما كان فيه تهويل، أو تخويف، أو تحزين- هو المأمور بالاستعاذة منه؛ لأنه من تخيلات الشيطان، فإذا استعاذ الرائي منه صادقًا في التجائه إلى الله تعالى، وفَعَل ما أُمر به من التفل، والتحول، والصلاة، أذهب الله عنه ما به، وما يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء. وقيل: بل الخبر على عمومه فيما يكرهه الرائي، بتناول ما يتسبب به الشيطان، وما لا تسبُّب له فيه، وفِعل الأمور المذكورة مانع من وقوع المكروه، كما جاء أن الدعاء يدفع البلاء، والصدقة تدفع ميتة السوء، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، ولكن الأسباب عادات، لا موجودات ، وأما ما يرى أحيانًا مما يُعجب الرائي، ولكنه لا يجده في اليقظة، ولا ما يدل عليه، فإنه يدخل في قسم آخر، وهو ما كان الخاطر به مشغولًا قبل النوم، ثم يحصل النوم، فيراه، فهذا قسم لا يضرّ، ولا ينفع ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): حاصل ما ذُكر في هذه الأحاديث من آداب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرّها، ومن شر الشيطان، وأن يتفل حين يَهُمث من نومه عن يساره ثلاثًا، ولا يذكرها لأحد أصلًا، ووقع عند الشيخين من حديث أبي هريرة -﵁- خامسةٌ، وهي الصلاة، ولفظه: «فمن رأى شيئًا يكرهه، فلا يقصّه على أحد، وليقم، فليصلّ»، لكن لم يصرح البخاريّ بوصله، وصرح به مسلم، كما سيأتي. وغفل القاضي أبو بكر ابن العربيّ، فقال: زاد الترمذي على «الصحيحين» بالأمر بالصلاة. انتهى. وزاد مسلم سادسةً، وهي التحول عن جنبه الذي كان عليه. وفي الجملة فتكمل الآداب ستة: الأربعة الماضية، والصلاة، والتحول. قال الحافظ: ورأيت في بعض الشروح ذَكَر سابعةً، وهي قراءة آية الكرسيّ، ولم يذكر لذلك مستندًا، فإن كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة: «ولا يقربنك شيطان»، فيتّجه، وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة ، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): فيما قاله العلماء من الحكمة في الأمر بالاستعاذة، وغيرها: قال في «الفتح»: قد ذكر العلماء حكمة هذه الأمور، فأما الاستعاذة بالثه من شرها فواضح، وهي مشروعة عند كل أمر يكره. وأما الاستعاذة من الشيطان: فَلِمَا وقع في بعض طرق الحديث أنها منه، وأنه يُخَيِّل بها لقصد تحزين الآدميّ، والتهويل عليه، كما تقدم. وأما التفل: فقال عياض: أمر به طردًا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة؛ تحقيرًا له، واستقذارًا، وخُصّت به اليسار؛ لأنها محل الأقذار، ونحوها، قال الحافظ: والتثليث للتأكيد. وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: فيه إشارة إلى أنه في مقام الرُّقية؛ ليتقرر عند النفس دَفْعه عنها، وعَبَّر في بعض الروايات بالبصاق؛ إشارةً إلى استقذاره، وقد ورد بثلاثة ألفاظ: التفث، والتفل، والبصق. قال النوويّ في الكلام على النفث في الرقية تبعًا لعياض: اختُلِف في التفث، والتفل، فقيل هما بمعنى، ولا يكونان إلا بريق. وقال أبو عبيد: يُشترط في التفل ريق يسير، ولا يكون في التفث، وقيل: عكسه، وسئلت عائشة -﵂- عن التفث في الرقية، فقالت: كما ينفث آكل الزبيب، لا ريق معه، قال: ولا اعتبار بما يخرج معه من بلّة بغير قصد، قال: وقد جاء في حديث أبي سعيد في الرقية بفاتحة الكتاب، فجعل يجمع بُزاقه، قال عياض: وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة، والهواء، والتفث المباشر للرقية المقارن للذِّكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يُكتب من الذِّكر والأسماء. وقال النوويّ أيضًا: أكثر الروايات في الرؤيا: «فلينفث»، وهو نفخ لطيف بلا ريق، فيكون التفل، والبصق محمولين عليه، مجازًا. قال الحافظ: لكن المطلوب في الموضعين مختلف؛ لأن المطلوب في الرقية التبرك برطوبة الذِّكر كما تقدم، والمطلوب هنا طرد الشيطان، وإظهار احتقاره، واستقذاره، كما نقله هو عن عياض، كما تقدم، فالذي يجمع الثلاثة: الحمل على التفل، فإنه نفخٌ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى النفخ قيل له: تفث، وبالنظر إلى الريق قيل له: بصاق. قال النوويّ: وأما قوله: «فإنها لا تضرّه» فمعناه أن الله تعالى جَعَل ما ذُكر سببًا للسلامة من المكروه المترتب على الرؤيا، كما جعل الصدقة وقاية للمال. انتهى. وأما الصلاة: فَلِمَا فيها من التوجه إلى الله تعالى، واللجأ إليه، ولأن في التحرّم بها عصمة من الأسواء، وبها تكمل الرغبة، وتصح الطَّلِبة؛ لِقُرْب المصلي من ربه ﷿ زعند سجوده. وأما التحول: فللتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها، قال النوويّ: وينبغي أن يُجمع بين هذه الروايات كلِّها، وَيعْمَل بجميع ما تضمّنه، فإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله تعالى، كما صرَّحت به الأحاديث. قال الحافظ: لم أر في شيء من الأحاديث الاقتصار على واحدة، نعم أشار المهلَّب إلى أن الاستعاذة كافية في دَفْع شرّها، وكأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٨، ٩٩]، فيحتاج مع الاستعاذة إلى صحة التوجه، ولا يكفي إمرار الاستعاذة باللسان. وقال القرطبيّ في «المفهم»: الصلاة تجمع ذلك كله؛ لأنه إذا قام، فصلى تحوّل عن جَنْبه، وبصق، ونفث عند المضمضة في الوضوء، واستعاذ قبل القراءة، ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله شرها بمنه وكرمه. وورد في صفة التعوذ من شرّ الرؤيا أثر صحيح، أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، بأسانيد صحيحة، عن إبراهيم النخعيّ قال: «إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره، فليقل إذا استيقظ: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله، ورسله، من شرّ رؤياي هذه، أن يصيبني فيها ما أكره في ديني، ودنياي». وورد في الاستعاذة من التهويل في المنام ما أخرجه مالك، قال: «بلغني أن خالد بن الوليد قال: يا رسول الله إني أُرَؤَع في المنام، فقال: قل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر غضبه، وعذابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون»، وأخرجه النسائيّ من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كان خالد بن الوليد يفزع في منامه، فذكر نحوه، وزاد في أوله: «إذا اضطجعت، فقل: باسم الله …»، فذكره، وأصله عند أبي داود، والترمذيّ، وحسّنه، والحاكم، وصححه. واستثنى الداوديّ من عموم قوله: «إذا رأى ما يكره» ما يكون في الرؤيا الصادقة؛ لكونها قد تقع إنذارًا، كما تقع تبشيرًا، وفي الإنذار نوعُ ما يكرهه الرائي، فلا يُشْرَع إذا عُرف أنها صادقة ما ذَكَره من الاستعاذة، ونحوها، واستند إلى ما ورد من مرائي النبيّ -ﷺ-؛ كالبقر التي تُنحر، ونحو ذلك. ويمكن أن يقال: لا يلزم من ترك الاستعاذة في الصادقة، أن لا يتحول عن جنبه، ولا أن لا يصلي، فقد يكون ذلك سببًا لدفع مكروه الإنذار، مع حصول مقصود الإنذار، وأيضًا فالمنذورة قد ترجع إلى معنى المبشِّرة؛ لأن من أُنذِر بما سيقع له، ولو كان لا يسرّه أحسن حالًا ممن هُجِم عليه ذلك، فوإنه ينزعج ما لا ينزعج من كان يعلم بوقوعه، فيكون ذلك تخفيفًا عنه، ورفقًا به. قال الحكيم الترمذيّ: الرؤيا الصادقة أصلها حق تُخبر عن الحقّ، وهو بشرى، وإنذار، ومعاتبة؛ لتكون عونًا لِمَا نُدِب إليه، قال: وقد كان غالب أمور الأوَّلين الرؤيا، إلا أنها قلَّت في هذه الأمة؛ لِعِظَم ما جاء به نبيّها -ﷺ- من الوحي، ولكثرة من في أمته من الصدِّيقين من الْمُحَدَّثين بفتح الدال، وأهل اليقين، فاكتفَوْا بكثرة الإلهام والملْهَمين عن كثرة الرؤيا التي كانت في المتقدِّمين. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «وقد كان غالب أمور الأَوَّلين الرؤيا» لم يذكر مستنده في هذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال القاضي عياض: يَحْتَمِل قوله: الرؤيا الحسنة، والصالحة أن يرجع إلى حُسن ظاهرها، أو صِدْقها، كما أن قوله: الرؤيا المكروهة، أو السوء يَحْتَمِل سوء الظاهر، أو سوء التأويل. وأما كتمها: مع أنها قد تكون صادقة، فخَفِيَتْ حكمته، ويَحتمل أن يكون لمخافة تعجيل اشتغال سرّ الرائي بمكروه تفسيرها؛ لأنها قد تبطئ، فإذا لم يُخبِر بها زال تعجيل رَوْعها وتخويفها، ويبقى إذا لم يعبِّرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيرًا حسنًا، أو الرجاء في أنها من الأضغاث، فيكون ذلك أسكن لنفسه، والله تعالى أعلم . (المسألة السادسة): في ذكر ما قيل في كيفيّة الرؤيا: قال القرطبيّ تعالى ﵀: وقد اختلف الناس في حقيقة الرؤيا قديمًا وحديثًا، فقال غير المتشرِّعين أقوالًا مختلفة، وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة، قد عَرِيت عن البرهان، فأشبهت الهذيان، وسبب ذلك التخليط العظيم: الإعراض عما جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم. وبيان ذلك أن حقيقة الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس، وقد غُيِّب عنا عِلْم حقيقتها، وإذا لم يعلم ذلك لعدم الطريق الموصل إليه كان أحرى، وأَولى ألّا نعلم ما غُيِّب عنا من إدراكاتها، بل نقول: إنا لا نعلم حقيقةَ كثير مما قد انكشف لنا جملته من إدراكاتها؛ كحس السمع، والعين، والأذن، وغير ذلك، فإنا إنما نعلم منها أمورًا جُمْلية، لا تفصيلية، وأوصافًا لازمة، أو عَرَضية، لا حقيقية، وسبيل العاقل ألّا يطمع في معرفة ما لم يُنْصَب له عليه دليل عقليّ، ولا حسيّ، ولا مركَّب منهما؛ إلا أن يُخْبِر بذلك صادق، وهو الذي دلَّ الدليل القطعيّ على صدقه، وهم الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- فإنَّهم دَلّت على صدقهم دلائل المعجزات، وإذا كان كذلك، فسبيلنا أن نُعْرِض عن أحوال المعرضين، ونتشاغل بالبحث عن ذلك في كلام الشارع، والمتشرّعين. قال الإمام أبو عبد الله المازريّ: المذهب الصحيح ما عليه أهل السُّنَّة، وهو أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات، كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء، وما يمنعه من فعله نوم، ولا يقظة، وكأنه سبحانه جعل هذه الاعتقادات عَلَمًا على أمور أُخَر يخلقها في ثاني حال، أو كان قد خلقها. وقال غيره: إن لله تعالى مَلَكًا موكّلًا يَعْرِض المرئيَّات على المحل المُدْرِك من النائم، فيمثّل له صورًا محسوسة؛ فتارة تكون تلك الصور أمثلة موافقةً لِمَا يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعاني معقولة غير محسوسة، وفي الحالتين تكون مبشرة ومنذرة. قال القرطبيّ: وهذا مِثل الأول في المعنى؛ غير أنه زاد فيه قضية الْمَلَك، ويحتاج في ذلك إلى توقيف من الشرع؛ إذ يجوز أن يخلق الله تعالى تلك التمثيلات من غير مَلَك. وقيل: إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله إعلامأ على ما كان، أو يكون؛ وهو أشبهها. فإنْ قيل: كيف يقال: إن الرؤيا إدراك مع أن النوم ضد الإدراك؛ فإنه من الأضداد العامة؛ كالموت، فلا يجتمع معه إدراك؟ فالجواب: أن الجزء المدرِك من النائم لم يحلِّه النوم، فلم يجتمع معه، فقد تكون العين نائمة، والقلب يقظان؛ كما قال النبيّ -ﷺ-: «إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي»، وإنما قال: منضبطة التخيل؛ لأنَّ الرائي لا يرى في منامه إلا من نوع ما أدركه في اليقظة بحسِّه، غير أنه قد تُركَّب المتخيَّلات في النوم تركيبًا يحصل من مجموعها صورة لم يوجد لها مثال في الخارج، تكون عَلَمًا على أمر نادر؛ كمن يرى في نومه موجودًا رأسه رأس الإنسان، وجسده جسد الفرس مثلًا، وله جناحان، إلى غير ذلك مما يمكن من التركيبات التي لا يوجد مثلها في الوجود، وإن كانت آحادُ أجزائها في الوجود الخارجيّ، وإنَّما قال: جعلها الله إعلامًا على ما كان، أو يكون؛ لأنَّه يعني به: الرؤيا الصحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ثمّ إن النبيّ -ﷺ- قد ذكر أنواع الرؤيا هنا، وفيما رواه الترمذيّ من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حقّ، ورؤيا يحدِّث المرء بها نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان»، وذَكَر الحديث، فرؤيا الحقّ هي المنتظمة التي لا تخليط فيها، وقد سَمَّاها في رواية أخرى: «الصادقة»، وفي أخرى: «الصالحة»، وهي التي يحضل بها التنبيه على أمر في اليقظة صحيح، وهي -التي إذا صدرت من الإنسان الصالح- جزء من أجزاء النبوة؛ أي: خصلة من خصال الأنبياء التي بها يعلمون الوحي من الله تعالى. وأما الثانية: فهي التي تكون عن أحاديث نفس متوالية، وشهواتٍ غالبة، وهموم لازمة، ينام عليها، فيرى ذلك في نومه، فلا التفات إلى هذا، وكذلك الثالثة، فإنها تحزين، وتهويل، وتخويف، يُدخل كل ذلك الشيطان على الإنسان في نومه؛ ليشوّش يقظته، وقد يجتمع هذان السببان، أعني هموم النفس، وأُلقيات الشيطان في منام واحد، فتكون أضغاث أحلام لاختلاطها، والضغث: هي القبضة من الحشيش المختلط. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٨٨٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، وَعَبْدِ رَبِّهِ، وَيَحْيَى ابْنَىْ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِمْ قَوْلَ أَبِي سَلَمَةَ: كُنْتُ أَرَى الرّؤْيَا، أُعْرَى مِنْهَا، غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طلحَةَ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن عُبيد القرشيّ، الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في «الطلاق» ١/ ٣٦٥٩. ٢ - (عَبْدُ رَبِّهِ) بن سعيد بن قيس الأنصاريّ، أخو يحيى المدنىّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٩) وقيل بعد ذلك (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ١٩/ ١٢٧٢. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصارفي المدنيّ، أبو سعيد القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ) بن وَقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦] (ت ١٤٥) على الصحيح (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (مِثْلَهُ)؛ أي: مثل حديث الزهريّ المذكور قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل؛ أي: لم يذكر سفيان بن عيينة (فِي حَدِيثِهِمْ)؛ أي: في حديث هؤلاء الأربعة: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، وَعَبْدِ رَبِّهِ بن سعيد، وَأخيه يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، وإنما رواه في حديث الزهريّ فقط. وقوله: (قَوْلَ أَبِي سَلَمَةَ … إلخ) بنصب «قولَ» مفعولًا لـ «يَذْكُر»، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن هؤلاء الأبعة، ساقها الحميدىّ ﵀ في «مسنده»، فقال: (٤١٩) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: وحدّثناه أربعة: محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، وعبدُ ربه، ويحيى ابنا سعيد، ومحمد بن عمرو بن علقمة، أنهم سمعوه من أبي سلمة بن عبد الرحمن، يحدّثه عن أبي قتادة، أن رسول الله -ﷺ- قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والْحُلُم من الشيطان، فإذا حَلَم أحدكم حُلْمًا يكرهه، فلينفْث عن يساره، وليستعذ بالله من شر ما رأى، فإنها لن تضرّه». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٨٨٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا أُعْرَى مِنْهَا، وَزَادَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ: «فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاثٍ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عِمران، أبو حفص التُّجِيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت ٣ أو ١٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدُ [٩] (ت ١٩٧) وله اثنتان وسبعون سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ -بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، بعدها لام- أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ، إلا أن في روايته عن الزهريّ وَهَمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٤ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الكسّيّ، بمهملة، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٥ - (عَبْدُ الزَزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَرِيّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنِّفٌ، شَهِيرٌ، عَمِي في آخر عمره، فتغير، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١)، وله خمس وثمانون (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلُ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حَدَّث به بالبصرة، من كبار [٧] (ت ١٥٤)، وهو ابن ثمان وخمسين سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا … إلخ) الضمير ليونس بن يزيد، ومعمر بن راشد. وقوله: (حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ)؛ أي: يستيقظ، يقال: هبّ من نومه، من باب نصر: استيقظ. [تنبيه]: رواية يونس بن يزيد عن الزهريّ هذه ساقها الطبرانى ﵀ في «الدعاء»، فقال: (١٢٧٥) - حدّثنا إسماعيل بن الحسن الخفّاف المصريّ، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «خير الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حَلَم أحدكم بالشيء يكرهه، فليبصق عن يساره حين يَهُبّ من نومه ثلاث مرات، وليستعذ بالله ﷿ من شرّها، فلن تضرّه». انتهى . ورواية معمر عن الزهريّ ساقها عبد الرزّاق ﵀ في «مصنّفه»، فقال: (٢٠٣٥٣) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، قال: كنت ألقى من الرؤيا شدّة، غير أني لا أُزَمَّل، حتى حدّثني أبو قتادة، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حَلَم أحدكم شيئًا يكرهه، فليبصق عن شماله ثلاث نَفَثَات، وليستعذ من الشيطان، فإنه لا يضرّه». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٨٨٦] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -يَعْني: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الرُّؤيا مِنَ اللهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ، فَلْيَنْفثْ عَنْ يَسَارر ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا ، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ»، فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤيا أَثْقَلَ عَلَىَّ مِنْ جَبَلٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَمَا أُبالِيهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، أصله من المدينة، وسكنها مدّة، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المديني لا يُقَدِّمان عليه في «الموطأ» أحدًا، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ) زاد في رواية للبخاريّ: «عن أبي سلمة، أن أبا قتادة الأنصاريّ، وكان من أصحاب النبيّ -ﷺ-، قال: سمعت رسول الله - ﷺ-»، قال في «العمدة»: قوله: «وكان من أصحاب النبىّ -ﷺ-» ذَكَر هذا تعظيمًا له، وافتخارًا به، وتعليمًا للجاهل، وإن كان من الصحابة المشهورين. وقوله: «وفرسانه»؛ أي: ومن فرسان النبيّ -ﷺ-، ومن فُروسيته أنه قَتَل يوم خيبر عشرين رجلًا، فنفّله النبيّ -ﷺ- سَلَبَهم. انتهى . وقوله: («الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ)؛ أي: المنام المحبوب منه ﷾. وقوله: (وَالْحُلْمُ) بضم الحاء، واللام، قال ابن التين: كذا قرأناه، وفي ضَبْط الجوهريّ بسكون اللام، وهو ما يراه النائم، وحَلَمَ بفتح الحاء، واللام؛ كضَرَب، تقول: حَلَمت بكذا، وحلمته، وقال ابن سِيده في«مثلثه»: ويُجمع على أحلام، لا غير، وقال الزمخشريّ: الحالم: النائم يرى في منامه شيئًا، وإذا لم ير شيئًا فليس بحالم، وقال الزجاج: الحلم بالضم ليس بمصدر، وإنما هو اسم، وحَكَى ابن التبّاني في«الموعب»عن الأصمعيّ في المصدر: حُلمًا، وحلمًا، والحلم بالكسر الأناءة، يقال منه: حَلُم بضم اللام. وقوله: (مِنَ الشَّيْطَانِ) أضيفت إليه؛ لكونها على هواه، ومراده، وقيل: لأنه الذي يُخَيّل بها، ولا حقيقة لها في نفس الأمر. وقال المباركفوريّ ﵀: الحلم بضم الحاء، وسكون اللام، وتُضمّ: ما يُرى في المنام من الخيالات الفاسدة. وقال في«النهاية»: الحلم عبارة عما يراه النائم في نومه، من الأشياء، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير، والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشرّ، والأمر القبيح، ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤]، ويُستعمل كل منهما موضع الآخر، وتضم لام الحلم، وتسكن. انتهى . وقوله: (فَلْيَنْفثْ) من بابي نصر، وضرب؛ أي: فليبصق. وقوله: (وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَما)، ووقع في بعض النسخ:«وليتعوّذ من شرّها». وقوله: (فَإِنَّهَما لَنْ تَضُرَّهُ»)؛ أي: فإن الرؤيا المكروهة لا تضره، قال النوويّ: معناه أنه تعالى جعل فعله من التعوذ، والتفل، وغيره سببًا لسلامته من المكروه، يترتب عليها، كما جَعَل الصدقة وقايةً للمال، وسببًا لدفع البلاء . وقوله: (فَقَالَ)؛ أي: أبو سلمة (إِنْ كُنْتُ)؛ أي: قبل أن أسمع بهذا الحديث، (لأَرَى الرُّؤْيَا) «إن» مخفّفة من الثقيلة، ولذا دخلت اللام بعدها، كما قال في «الخلاصة»: وَخُفِّفَتْ «إِن» فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ وقوله: (أَثْقَلَ عَلَىَّ مِنْ جَبَلٍ)؛ أي: ثِقْل جبل لو حملته. وقوله: (فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ)؛ أي: فما الأمر والشأن إلَّا سماعي بهذا الحديث. وقوله: (فَمَا أُبَالِيهَا)؛ أي: ما ألتفت إلى تلك الرؤيا التي تثقل عليّ، ولا أُلقي لها بالًا، ولا أخطرها على فكري ثقةً بالله تعالي، وتوكّلًا عليه، وامتثالا لأمره -ﷺ-، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٨٨٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ -يَعْنى: الثَّقَفِي- (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَإِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤيَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَابْنِ نُمَيْرٍ قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ: «وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد بن جَمِيل -بفتح الجيم- ابن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجَاء الْبَغْلانيّ -بفتح الموحّدة، وسكون المعجمة- يقال: اسمه يحيي، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرَّحمن اللهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) في شعبان (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد الْعَنَزيّ -بفتح النون، والزاي- أبو موسى البصريّ، المعروف بالزَّمِنِ، مشهورٌ بكنيته، وباسمه، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢)، وكان هو وبُندار فَرَسي رِهان، وماتا في سنة واحدة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٥ - (عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ تغير قبل موته بثلاث سنين [٨] (ت ١٩٤) عن نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ الأصلِ، ثمّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) -بنون مصغّرًا- الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السُّنَّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩)، وله أربع وثمانون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. و«يحيى بن سعيد» هو: الأنصاريّ، ذُكر قبله. وقوله: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ يعني: عن أبي سلمة، عن أبي قتادة، مثل حديث سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد. وقوله: (وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ) ووقع في بعض النسخ: «في روايته هذا الحديث»، وعليه فـ «هذا الحديث» منصوب بـ «روايته»، بخلاف الأول، فإنه مجرور بالإضافة، فتنبّه. وقوله: (وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ: «وَلْيَتَحَوَّلْ … إلخ») قال في «الفتح»: ذكر بعض الحفَّاظ أن هذه الزيادة إنما هي في حديث الليث، عن أبي الزبير، كما اتَّفَقَ عليه قتيبة وابن رُمْح، وأما طريق يحيى بن سعيد في حديث أبي قتادة، فليست فيه، ولذلك لَمْ يذكرها قتيبة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أراد هذا البعض إعلال زيادة: «وليتحوّل عن جنبه الذي كان عليه»؛ بتفرّد محمد بن رُمح بها، والذي يظهر لي أن هذا لا يضرّ؛ لأن ابن رُمح ثقةٌ ثبت، فلا يضرّ تفرّده بزيادتها، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية قتيبة، عن الليث، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ ساقها الترمذيّ -﵀- في «جامعه»، فقال: (٢٢٧٧) - حَدَّثَنَا قتيبة، حَدَّثَنَا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، عن أبي قتادة، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فلينفْث عن يساره ثلاث مرات، وليستعذ بالله من شرّها، فإنها لا تضرّه»، قال: وهذا حديث حسنٌ صحيحٌ. انتهى . ورواية محمد بن رُمح، عن الليث، عن يحيى بن سعيد ساقها ابن ماجه في «سننه»، فقال: (٣٩٠٩) - حَدَّثَنَا محمد بن رُمح، ثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن بن عوف، عن أبي قتادة، أن رسول الله -ﷺ- قال: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإن رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه». انتهى . ورواية عبد الله بن نُمير، عن يحيى بن سعيد ساقها أبو بكر بن أبي شيبة، في «مصنّفه»، فقال: (٢٩٥٤٤) - حَدَّثَنَا عبد الله بن نُمير، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يَكره فلينفث عن يساره، وليتعوذ من شرّها، فإنها لا تضرّه». انتهى . وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أَوَّل الكتاب قال: [٥٨٨٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، وَالرُّؤْيَا السَّوْءُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا، فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا، فَلْيَنْفِثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، لَا تَضُرُّهُ، وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنْ رَأَى رُؤيَا حَسَنَةً، فَلْيُبْشِرْ، وَلَا يُخْبِرْ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عَمْرو بن عبد الله بن عَمْرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧)، وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، أبو أيوب، ثقةٌ فقية حافظٌ [٧] مات قديمًا قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٤ - (عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاري، أخو يحيى المدنيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٩) وقيل بعد ذلك (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ١٩/ ١٢٧٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: («الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ)؛ أي: المنتظمة الواقعة على شروطها الصحيحة، وهي ما فيها بشارةٌ أو تنبيه على غفلة، وقال الكرمانيّ: الصالحة صفة موضِّحة؛ لأنَّ غيرها يسمى بالحلُم، أو مخصِّصة، والصلاح باعتبار صورتها، أو تعبيرها، وقال عياض تبعًا للباجيّ: يَحْتَمِل أن معنى الصالحة والحسنة: حسنُ ظاهرها، ويَحْتَمِل أن المراد: صحتها. وقوله: (مِنَ اللهِ)؛ أي: بشري، وتحذير، وإنذار منه -﷾-. وقوله: (وَالرُّؤيَا السَّوْءُ) بفتح السين المهملة، وسكون الواو، صفةٌ لـ «الرؤيا»، قال الفيّوميّ -﵀-: هو رجلُ سَوْءٍ بالفتح والإضافة، وعَمَلُ سَوْءٍ، فإن عرّفتَ قلتَ: الرجلُ السَّوْءُ، والعملُ السَّوْءُ على النعت. انتهى . وقال السيد محمد مرتضى: السُّوءُ -أي: بالضمّ-: كلُّ آفةٍ، ومرضٍ؛ أي: اسمٌ جامعٌ للآفاتِ، والأَمراض، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤] قال الزجَّاج: السُّوءُ: خيانَةُ صاحِبَةِ العزيز، والفحشاء: رُكوب الفاحشة، ويقال: لا خيرَ في قولِ السَّوءِ بالفتح، والضمّ، إِذا فتحتَ السين فمعناه: لا خَيْرَ في قولٍ قَبيح، وإذا ضممتَ السِّين فمعناه: لا خَيْرَ في أن تقولَ سُوءًا؛ أي: لا تقل سُوءًا، وقرئ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] بالوجهين: الفتح، والضم، قال الفرَّاء: هو مثل قولك: رجلُ السَّوْءِ، والسَّوْءُ، بالفتح في القراءة أَكثرُ، وقلَّما تقولُ العربُ: دائرة السُّوءِ بالضمِّ، وقال الزجَّاج في قوله تعالى: ﴿لظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦]: كانوا ظنُّوا أَنْ لن يعودَ الرسولُ والمؤمنون إلى أَهليهم فجعلَ اللهُ دائرة السَّوْءِ عليهم، قال: ومن قرأَ: (ظنَّ السُّوءِ) فهو جائزٌ، قال: ولا أعلم أَحدًا قرأَ بها، إِلَّا أَنَّها قد رُوِيَتْ، قال الأَزهريُّ: قولُه: لا أَعلم أحدًا إلى آخره وَهَم، قرأَ ابنُ كثيرٍ، وأَبو عمرٍو: (دائِرَةُ السُّوءِ) بضم السِّين، ممدودًا في «سورة بَراءة»، و«سورة الفتح»، وقرأَ سائرُ القُرَّاء: السَّوْءِ بفتح السين في السُّورتين. قال: وتعجَّبتُ أَن يذهَبَ على مِثْلِ الزجَّاج قِراءةُ القارِئَيْنِ الجليلين: ابنِ كثيرٍ، وأبي عمرٍو، وقال أَبو منصور: أنها قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ فلم يُقرأ إِلَّا بالفتح، قال: ولا يجوز فيه ضمّ السين، وقد قرأَ ابنُ كثير، وأبو عمرو: (دائِرَةُ السُّوءِ) بضم السِّين ممدودًا في السُّورتين، وقرأَ سائر القُرَّاء بالفتح فيهما، وقال الفرَّاء في «سورة براءة» في قوله تعالى: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨]، قال: قراءة القُرَّاءِ بنصب السَّوْءِ، وأَراد بالسَّوْء المصدَرَ، ومن رفع السِّين جعله اسمًا، قال: ولا يجوز ضمُّ السِّين في قوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨]، ولا في قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾؛ لأنَّه ضدٌّ لقولهم: هذا رجلُ صدقٍ، وثوبُ صدقٍ، وليس للسَّوْءِ هنا معنًى في بلاءٍ، ولا عذاب، فيُضَمَّ، وقُرئ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: الهزيمَةِ، والشَّرِّ، والبلاءِ، والعذاب، والرَّدي، والفَساد، وكذا في قوله تعالى: ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠] بالوجهين، أَو أَنَّ المضموم هو الضَّرَرُ، وسوءُ الحال، والسَّوْءُ المفتوح: من المَسَاءة، مثل الفَساد، والرَّدي، والنَّار، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠]، قيل: هي جهنم -أَعاذنا الله منها- في قراءةٍ؛ أي: عند بعض القُرَّاء، والمشهور: ﴿السُّوأَى﴾، ورجلُ سَوْءٍ بالفتح؛ أَي: يعملُ عملَ سَوْءٍ، وإذا عرَّفته وصفتَ به، تقول: هذا رجلُ سَوْءٍ بالإضافة وتُدخل عليه الألف واللام فتقول: هذا رجلُ السَّوْءِ. قال الفرزدق [من الطويل]: وَكُنْتَ كَذِئب السَّوْءِ لمَّا رأَى دَمًا … بِصَاحِبِهِ يومًا أَحالَ على الدَّمِ وقال الأخَفش: ولا يقال الرَّجلُ السَّوْءُ، ويقال: الحقُّ اليَقينُ، وحقُّ اليقينِ جميعًا؛ لأَنَّ السَّوْءَ ليس بالرجل، واليقينُ هو الحقُّ، قال: ولا يقال: هذا رجلُ السُّوءِ بالضَّمِّ، قال ابن بَرِّيّ: وقد أَجاز الأخفشُ أن يُقال: رجلُ السَّوْءِ، ورجلُ سَوْءٍ بفتح السين فيهما، ولم يُجز: رجلُ السُّوءِ بضم السِّين؛ لأَنَّ السُّوءَ اسمٌ للضُّرِّ، وسوءِ الحال، وإِنَّما يُضاف إلى المصدر الذي هو فِعله، كما يقال: رجلُ الضَّرب، والطَّعنِ، فيقومُ مقامَ قولك: رجل ضرَّابٌ، وطعَّان، فلهذا جاز أَن يقال: رجَلُ السَّوْءِ بالفتح، ولم يَجُزْ أن يقال: هذا رجلُ السُّوءِ بالضَّمِّ، وتقول في النكرة: رجلُ سَوْءٍ، وإذا عرَّفت قلت: هذا الرجلُ السَّوْءُ ولم تُضِف، وتقول: هذا عملُ سَوْءٍ، ولا تقل السَّوْءِ؛ لأنَّ السَّوْءَ يكون نعتًا للرجل، ولا يكون السَّوْءُ نعتًا للعمل؛ لأنَّ الفعل من الرجل، وليس الفعل من السَّوْءِ، كما تقول: قوْلُ صدقٍ، والقولُ الصِّدقُ، ورجلُ صدق، ولا تقول: رجلُ الصِّدق؛ لأنَّ الرجل ليس من الصِّدقِ. انتهى . (مِنَ الشَّيْطَانِ)؛ أي: من إلقائه، يُخَوِّف، وَيحْزُن الإنسان بها، قال عياض: إضافةُ؛ أي: نسبة الرؤيا إلى الله تعالى إضافة تكريم وتشريف؛ لطهارتها من حضور الشيطان، وإفساده لها، وسلامتها من الأضغاث؛ أي: التخليط، وجمعِ الأشياء المتضادة، بخلاف المكروهة، وإن كانتا جميعًا من خلق الله تعالي، وبإرادته، ولا فِعل للشيطان فيها، لكنه يحضرها، ويرتضيها، ويُسَرّ بها، فلذا نُسبت إليه، أو لأنَّها مخلوقة على طبعه، من التحذير، والكراهة التي خُلِق عليها، أو لأنَّها توافقه، ويستحسنها؛ لِمَا فيها من شَغْل بال المسلم، وتضرره بها، قاله الزرقانيّ -﵀- . وقوله: (فَلْيَنْفِثْ) تقدّم بلفظ: «فليبصق»، وفي رواية: «فليتفل»، قال في «الصحاح»: التفل شبيه بالبصق، وهو أقلّ منه، أَوَّله البزاق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ، وقال الزركشيّ: جاء في رواية: «فليتفل»، وفي أخرى: «فلينفث»، وفي أخرى: «فليبصق» وبينها تفاوت، فينبغي فِعْل الكل؛ لأنه زجر للشيطان، فهو من باب رمي الجمار. انتهى . وقوله: (عَنْ يَسَارِهِ) إنما عيّن اليسار؛ لأنه موقف القرين؛ أي: الشيطان، واليمين موقف المَلَك، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَلْيَتَعَوَّذْ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ)، وفي رواية: «وليستعذ بالله من شرها»، قال الحافظ -﵀-: وَرَدَ في صفة التعوذ من شر الرؤيا أثر صحيح أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، بأسانيد صحيحة، عن إبراهيم النخعيّ، قال: «إذا رأى أحدكم في منامه ما يَكره، فليقل إذا استيقظ: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله، ورسله، من شرّ رؤياي هذه، أن يصيبني فيها ما أكره في ديني، ودنياي»، وقال غيره: وَرَدَ أنه يقول: «اللهم إني أعوذ بك من عمل الشيطان، وسيئات الأحلام»، رواه ابن السنيّ . وقوله: (لَا تَضُرُّهُ)؛ أي: لأنَّ الله تعالى جعل ما ذُكِر سببًا للسلامة من المكروه المترقب من الرؤيا، كما جَعَل الصدقة وقايةً للمال، وأنها تدفع البلاء إذا فَعَل ذلك مصدِّقًا متَّكلًا على الله تعالى في دفع المكروه. وقوله: (وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا)؛ أي: لئلا يعبّرها بتعبير غير مرضيّ؛ إما حسدًا، أو لجهله، فتقع ذلك، ويتضرّر الرائي، فقد أخرج أبو داود، والترمذيّ، وصححه ابن حبّان، عن أبي رَزين الْعُقيليّ، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الرؤيا على رجل طائر، ما لَمْ تُعبَّر، فإذا عُبِّرت وقعت -قال: وأحسبه- قال: ولا يقصّها إلَّا على وادّ، أو ذي رأي» . وقوله: (فَلْيُبْشِرْ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في معظم الأصول: «فَلْيُبْشِرْ» بضم الياء، وبعدها باء ساكنة، من الإبشار، والبشري، وفي بعضها: بفتح الياء، وبالنون، من النشر، وهو الإشاعة، قال القاضي في «المشارق»، وفي «الشرح»: هو تصحيف، وفي بعضها: «فليستر» بسين مهملة، من الستر، والله أعلم. انتهى . وقوله: (وَلَا يُخْبِرْ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ») وفي رواية الترمذيّ:«لا يحدّث بها إلَّا لبيبًا، أو حبيبًا»؛ أي: لأنه إذا حدّث بها من لا يحبّ قد يفسرها بما لا يحب، إما بغضًا، وإما حسدًا، فقد يقع على تلك الصفة، أو يتعجل لنفسه من ذلك حزنًا، ونَكَدًا، فأُمر بترك تحديث من لا يحب؛ لسبب ذلك، وقد رُوي مرفوعًا:«الرؤيا لأول عابر»، وهو ضعيف، لكن له شاهد عند أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، بسند حسن، وصححه الحاكم، عن أبي رزين العُقيليّ، رفعه:«الرؤيا على رجل طائر، ما لَمْ تعبَّر، فإذا عُبِّرت وقعت»، قال أبو عبيدة وغيره: معناه إذا كان العابر الأول عالِمًا، فعبَّر، وأصاب وجه التعبير، وإلا فهي لمن أصاب بعده؛ إذ ليس المدار إلَّا على إصابة الصواب في تعبير المنام؛ ليتوصل بذلك إلى مراد الله تعالى فيما ضَرَب من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإن لَمْ يُصِب فليسأل الثاني، وعليه أن يُخبر بما عنده، ويبيّن ما جَهِل الأول، وفيه بحث يطول ذكره، قاله الزرقانيّ -﵀- . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
مصادر المؤلف (٤٦)

١. «المفهم» ٥/ ٦ - ٦.

٢. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٦.

٣. «عمدة القاري» ٢٤/ ١٣٢.

٤. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٩.

٥. أي: كترجمة البخاريّ، حيث قال: «باب الرؤيا من الله».

٦. يعني: هذه الرواية التي نشرحها الآن.

٧. «الفتح» ١٦/ ٣٠٦، كتاب «التعبير» رقم (٦٩٨٤).

٨. «الفتح» ١٦/ ٣٤٤، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٠٥).

٩. «الفتح» ١٦/ ٣٤٤ - ٣٤٥، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٠٥).

١٠. «شرح ابن بطّال على البخاريّ» ٩/ ٥١٤، و«الفتح» ١٦/ ٣٠٧، كتاب «التعبير» رقم (٦٩٨٤).

١١. راجع: «المصباح المنير» ١/ ١٤٨.

١٢. «المفهم» ٦/ ٦.

١٣. «شرح الزرقاني على الموطّأ» ٤/ ٤٥٣.

١٤. «تاج العروس» ١/ ١٣١٥.

١٥. هكذا نسخة «المفهم»، والظاهر أن صوابه: لا موجبات، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

١٦. «المفهم» ٦/ ٩ - ١٠.

١٧. المراد فوائد أحاديث الباب، لا خصوص سياق هذه الرواية، فتنبّه.

١٨. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١/ ٢٨٦.

١٩. هكذا النسخة، ولعله لا موجبات، والله أعلم.

٢٠. «الفتح» ١٦/ ٣١١ - ٣١٢، كتاب «التعبير» رقم (٦٩٨٥).

٢١. «الفتح» ١٦/ ٣٠٨، كتاب «التعبير» رقم (٦٩٨٤).

٢٢. «الفتح» ١٦/ ٣١١، كتاب «التعبير» رقم (٦٩٨٤).

٢٣. «المفهم» ٦/ ٦ - ٩.

٢٤. هذا من قول الراوي عن الحميديّ، فتنبّه.

٢٥. «مسند الحميديّ» ١/ ٢٠٣.

٢٦. وفي نسخة: «عن يساره».

٢٧. «الدعاء للطبرانيّ» ١/ ٣٨١.

٢٨. قائل: «أخبرنا» هو تلميذ عبد الرّزاق، فتنبّه.

٢٩. «مصنف عبد الرزاق» ١١/ ٢١٢.

٣٠. وفي نسخة:«وليتعوّذ من شرّها».

٣١. «عمدة القاري»٢٤/ ١٤٦.

٣٢. «تحفة الأحوذيّ» ٦/ ٤٥٩.

٣٣. «عون المعبود» ١٣/ ٢٤٨.

٣٤. وفي نسخة: «في روايته»، فعليه يكون «هذا الحديثَ» منصوبًا على المفعوليّة، فتنبّه.

٣٥. «الفتح» ١٦/ ٣٠٨، كتاب «التعبير» رقم (٦٩٨٤).

٣٦. «جامع الترمذيّ» ٤/ ٥٣٥.

٣٧. «سُنن ابن ماجه» ٢/ ١٢٨٦.

٣٨. «مصنف ابن أبي شيبة» ٦/ ٧٠.

٣٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٨.

٤٠. «تاج العروس» ١/ ١٣٩ - ١٤٠.

٤١. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٤٥٢.

٤٢. «فيض القدير على الجامع الصغير» للمناويّ ١/ ٣٥٠.

٤٣. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ٤/ ٤٥٣.

٤٤. صححه ابن حبّان، والشيخ الألبانيّ، وحسّنه الحافظ في «الفتح».

٤٥. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٩ - ٢٠.

٤٦. شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ٤/ ٤٥٤.