HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٦٣

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبي ﷺ. قال: «إذا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ. وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا. وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ من خمسة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ. وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ. فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ. وَلَا يحدث بها الناس». قال «وأحب القيد أكره الْغُلَّ. وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ» فَلَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص52
ج ٤ ص ١٧٧٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٣٦
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٨٩١] (٢٢٦٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤَيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤَيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللهِ، وَرُؤَيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ، فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ»، قَالَ:«وَأُحِبُّ الْقَيْدَ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ»، فَلَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ، أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) -بفتح السين المهملة، بعدها خاء معجمة، ثم مثناة، ثم تحتانية، وبعد الألف نون- هو: أيوب بن أبي تَمِيمة كيسان، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، حجة، من كبار الفقهاء العباد [٥] (ت ١٣١)، وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»ج ١ ص ٣٠٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبت عابدٌ، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٠٨. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسلٌ بالبصريين غير الصحابيّ، فمدنيّ، وشيخه، فمكيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أَنَّه (قَالَ:«إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ) قال الخطابيّ في »المعالم« : في قوله: »إذا اقترب الزمان« قولان: أحدهما: أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار، وهو وقت استوائهما أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبًا، وكذلك هو في الحديث، والمعبِّرون يقولون: أصدق الرؤيا ما كان وقت اعتدال الليل والنهار، وإدراك الثمار، ونقله في «غريب الحديث» عن أبي داود السجستانيّ، ثم قال: والمعبِّرون يزعمون أن أصدق الأزمان لوقوع التعبير وقت انفتاق الأزهار، وإدراك الثمار، وهما الوقتان اللذان يعتدل فيهما الليل والنهار. والقول الآخر: أن اقتراب الزمان انتهاء مدته، إذا دنا قيام الساعة. انتهى. وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-. وقوله: (لَمْ تَكَدْ رُؤَيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ)؛ أي: لَمْ تقارب الكذب، وفيه إشارة إلى غلبة الصدق على الرؤيا، وإن أمكن أن شيئًا منها لا يصدق، والراجح أن المراد: نفي الكذب عنها أصلًا؛ لأن حرف النفي الداخل على «كاد» ينفي قرب حصوله، والنافي لقرب حصول الشيء أدلّ على نفيه نفسه، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، ذكره الطيبيّ . وقال القرطبيّ في «المفهم»: قيل في اقتراب الزمان قولان: أحدهما: تقارب الليل والنهار في الاعتدال، وهو الزمان الذي تتفتق فيه الأزهار، وتينع فيه الثمار، وموجب صدق الرؤيا في ذلك الزمان اعتدال الأمزجة فيه؛ فلا يكون في المنام أضغاث الأحلام، فإنَّ من موجبات التخليط فيها غلبة بعض الأخلاط على صاحبها. وثانيهما: أن المراد بذلك: آخر الزمان المقارب للقيامة. وقد روي عن النبيِّ -ﷺ- من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: «في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن» . قال: والمراد -والله أعلم- بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث: زمان الطائفة الباقية مع عيسى ابن مريم بعد قتله الدجال، فقد ذكر مسلم في حديث عبد الله بن عمر -﵄- ما نصّه: «فيبعث الله عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يُرسل الله ريحًا باردةً من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرّة من خير، أو إيمان إلَّا قبضته» الحديث، قال: فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالًا بعد الصَّدْر الأَوَّل، وأصدقهم أقوالًا، فكانت رؤياهم لا تكذب، ومن ثَمّ قال عقب هذا: «وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا»، وإنما كان كذلك؛ لأن من كَثُر صِدْقه تنوّر قلبه، وقَوِيَ إدراكه، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في يقظته، استَصْحَب ذلك في نومه، فلا يرى إلَّا صدقًا، وهذا بخلاف الكاذب، والمخلِّط، فإنه يفسد قلبه، ويُظلِم فلا يرى إلَّا تخليطًا، وأضغاثًا، وقد يندر أحيانًا، فيرى الصادق ما لا يصحّ، ويرى الكاذب ما يصحّ ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم، والله أعلم. انتهى . قال الحافظ: وهذا يؤيده ما ثبت أن الرؤيا لا تكون إلَّا من أجزاء النبوة، إن صدرت من مسلم صادق صالح، ومن ثَمّ قُيِّد بذلك في حديث: «رؤيا المسلم جزء»، فإنه جاء مطلقًا مقتصرًا على المسلم، فأخرج الكافر، وجاء مقيَّدًا بالصالح تارةً، وبالصالحة، وبالحسنة، وبالصادقة، كما تقدم بيانه، فيُحمَل المطلق على المقيَّد، وهو الذي يناسب حالُه حالَ النبيّ -ﷺ-، فيُكْرَم بما أُكْرِم به النبيّ -ﷺ-، وهو الاطلاع على شيء من الغيب، فأما الكافر، والمنافق، والكاذب، والمخلِّط، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات، فإنها لا تكون من الوحي، ولا من النبوة؛ إذ ليس كلّ من صدق في شيءٍ ما يكون خبره ذلك نبوةً، فقد يقول الكاهن كلمة حقّ، وقد يُحَدِّث المنجِّم، فيصيب، لكن كلُّ ذلك على الندور والقلة، والله أعلم. وقال ابن أبي جمرة ﵀ : معنى كون رؤيا المؤمن في آخر الزمان لا تكاد تكذب، أنَّها تقع غالبًا على الوجه الذي لا يَحتاج إلى تعبير، فلا يدخلها الكذب، بخلاف ما قبل ذلك، فإنها قد يخفى تأويلها، فيعبّرها العابر، فلا تقع كما قال، فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار. قال: والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان، أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا، كما في الحديث: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا»، أخرجه مسلم، فيقِلّ أنيس المؤمن، ومُعِيْنه في ذلك الوقت، فيُكْرَم بالرؤيا الصادقة، قال: ويمكن أن يؤخذ من هذا سبب اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء النبوة بالنسبة لرؤيا المؤمن، فيقال: كلما قَرُب الأمر، وكانت الرؤيا أصدق حُمل على أقلّ عدد وَرَدَ، وعكسه، وما بين ذلك. قال الحافظ: وتنبغي الإشارة إلى هذه المناسبة فيما تقدم من المناسبات. وحاصل ما اجتمع من كلامهم في معنى قوله: «إذا اقترب الزمان لَمْ تكد رؤيا المؤمن تكذب» إذا كان المراد آخر الزمان ثلاثة أقوال: أحدها: أن العلم بأمور الديانة لَمّا يَذهبُ غالبه بذهاب غالب أهله، وتعذرت النبوة في هذه الأمة عُوِّضُوا بالرؤيا الصادقة؛ ليجدَّد لهم ما قد دَرَسَ من العلم. والثاني: أن المؤمنين لَمّا يقلّ عددهم، ويغلب الكفر، والجهل، والفسق على الموجودين، يُؤْنَس المؤمن، ويعان بالرؤيا الصادقة؛ إكرامًا له، وتسليةً، وعلى هذين القولين لا يختصّ ذلك بزمان معيَّن، بل كلما قَرُب فراغ الدنيا، وأَخَذ أمر الدين في الاضمحلال تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق. والثالث: أن ذلك خاصّ بزمان عيسى ابن مريم، وأولها أَولاها، والله أعلم. (وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا)؛ يعني: أن من كان أكثر صدقًا في حديثه كان أكثر صدقًا في رؤياه، قال النوويّ: ظاهره أنه على إطلاقه، وحَكَى القاضي عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم، وموت العلماء، والصالحين، ومن يُستضاء بقوله، وعمله، فجعله الله تعالى جابرًا، وعِوَضًا، ومنبِّهًا لهم، والأول أظهر؛ لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه، وحكايته إياها. انتهى . (وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسةٍ) وقع في معظم النسخ: بلفظ: «خمس» بحذف التاء، والأول أولى، والله تعالى أعلم. (وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) قال السيوطيّ ﵀ في «شرحه»: هذا عندي من الأحاديث المتشابهة التي نؤمن بها، ونكل معناها المراد إلى قائله -ﷺ-، ولا نخوض في تعيين هذا الجزء من هذا العدد، ولا في حكمته خصوصًا، وقد اختلفت الروايات في كمية العدد، ففي رواية: «من ستة وأربعين»، وفي رواية: «من ستة وعشرين»، وفي رواية: «من أربعين»، وفي رواية: «من أربعة وأربعين»، وفي رواية: «من تسعة وأربعين»، وفي رواية: «من خمسين»، وفي رواية: «من سبعين»، والله أعلم بمراد نبّيه -ﷺ-. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: سأذكر في المسألة الخامسة ما قاله أهل العلم في قوله -ﷺ-: «جزء من أربعين جزءًا من النبوّة» -إن شاء الله تعالى-. (وَالرُّؤْيَا ثَلاثَةٌ)؛ أي: ثلاثة أنواع، (فَرُؤَيَا الصَّالِحَةِ) من إضافة الموصوف إلى الصفة؛ كمسجد الجامع، وهو مبتدأ خبره قوله: (بُشْرَى مِنَ اللهِ) تعالى؛ أي: الرؤيا الصالحة التي يراها المسلم، أو تُرى له بُشرى من الله -﷾- له، قال القرطبيّ ﵀: قوله: «بشرى من الله»؛ أي: مُبشرة بخير، ومحذِّرة عن شرٍّ، فإن التحذير عن الشرِّ خيرٌ، فتتضمَّنه البشري، وإنَّما قلنا ذلك هنا؛ لأنَّه قد قال في حديث الترمذيّ: «الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله» مكان: «بشرى من الله»، فأراد بذلك -والله أعلم- الرؤيا الصادقة المبشِّرة، والمحذِّرة. انتهى . (وَرُؤْيَا) مبتدأ سوّغه التقسيم، وخبره قوله: (تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ)؛ أي: إيقاع منه للمسلم في حُزْن وَهَمّ، قال القرطبيّ ﵀: ويُلحق بالرؤيا المحزنة: المفزعات، والمهوِّلات، وأضغاث الأحلام؛ إذ كل ذلك مذموم؛ لأنَّها من آثار الشيطان، وكل ما ينسب إليه مذموم. انتهى . (وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ) بتشديد الدال، (الْمَرْءُ) به (نَفْسَهُ)؛ أي: من الأشياء التي يُحدّث بها الشخص في يقظته، قال القرطبيّ ﵀: يدخل فيه ما يلازمه المرء في يقظته من الأعمال، والعلوم، والأقوال، وما يقوله الأطباء: من أن الرؤيا تكون عن خلطٍ غالبٍ على الرائي، فيرى في نومه ما يناسب ذلك الخلط؛ فمن يغلب عليه البلغم رأى السِّباحة في الماء، وما أشبهه؛ لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران، والصعود في الارتفاع؛ لمناسبة النَّار في الطبيعة طبيعة الصفراء، وهكذا يقولون في بقية الأخلاط، ونحن ننازعهم في موضعين: أحدهما: في أصل تأثير الطبيعة؛ فإنْ قالوا: إن الطبيعة سببٌ عاديّ، والله تعالى هو الفاعل بالحقيقة، وهو مذهب المسلمين؛ فهو الحقّ، وإن قالوا: إن الطبيعة تفعل ذلك بذاتها؛ حكمنا بتكفيرهم، وانتقل الكلام إلى علم الكلام. والثاني: أن من أراد منهم أن الرؤيا لا تكون إلَّا عن الأخلاط؛ فهو باطل بما قد ثبت عن الصادق فيما ذكرناه من الأحاديث: أن الرؤيا منها ما يكون من الله، وهي المبشرة، والمحذرّة، وهذا من باب الخير، وليس في قوة الطبيعة أن تطّلع على الغيب بالإخبار عن أمور مستقبلة تقع في المستقبل على نحو ما اقتضته الرؤيا بالاتفاق بين العقلاء، ومن أراد منهم: أن الأخلاط قد تكون سببًا لبعض المنامات، فقد يُسَلَّم ذلك على ما قرَّرناه، ثمَّ يبقى نظر آخر، وهو أنه لو كان ما قالوه صحيحًا للزم عليه ألا يرى من غلب عليه خلط من تلك الأخلاط إلَّا ما يناسبه، ونحن نشاهد خلافه، فيرى البلغمي النيران، والصعود في الارتفاعات، وعكس ذلك في الصفراويّ، فبطل ما قالوه بالمشاهَد، والله وليُّ المعاضدة. انتهى . (فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِب، (فَلْيَقُمْ) من منامه (فَلْيُصَلِّ) ليس هذا مخالفًا لقوله -ﷺ- في الرواية الأخرى: «فلينفث عن يساره ثلاثًا، وليتعوَّذ بالله من شرِّها، وليتحوَّل عن جنبه الذي كان عليه»؛ وإنما الأمر بالصلاة زيادة، فينبغي أن تزاد على ما في هذه الرواية، فيفعل الجميع، ويَحْتَمِل أن يقال: إنما اقتصر في هذا الموضع على ذكر الصلاة وحدها؛ لأنَّه إذا صلَّى تضمَّن فِعله للصلاة جميع تلك الأمور؛ لأنَّه إذا قام إلى الصلاة تحوَّل عن جنبه، وإذا تمضمض نَفَث، وبصق، وإذا قام إلى الصلاة تعوَّذ، ودعا، وتفرَّغ لله تعالى في ذلك في حالٍ هي أقرب الأحوال إجابةً، كما قدَّمناه، والله تعالى أعلم، قاله القرطبيّ ﵀ . (وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ) من التحديث، وفي الرواية الماضية: «ولا يُخبر بها أحدًا»، قال القرطبيّ ﵀: أي: لا يُعَلِّق نفسه بتأويلها، إذ لا تأويل لها، فإنها من أُلْقيات الشيطان التي يقصد بها التشويش على المؤمن، إما بتحزين، وإما بترويع، أو ما أشبه ذلك، وفِعْلُ ما ذُكر كافٍ في دفع ذلك، ومانعٌ من أن يعود الشيطان لمثل ذلك، وهذا هو الذي فهمه أبو سلمة من الحديث -والله تعالى أعلم- فقال: «إن كنت لأرى الرؤيا أثقل عليَّ من الجبل، فما أباليها»، وفي أصل كتاب مسلم قال: «كنت لأرى الرؤيا أُعْرَى لها، غير أني لا أزَّمَّل»؛ أي: تصيبي الْعُرَوَاء، وهي الرِّعْدة، وقال في رواية أخرى: «إن كنت لأرى الرؤيا، فَتُمْرِضني غير أنِّي لا أزَّمَّل لها»، والتزميل: اللفّ، والتَّدثير، يعني: أنَّها ما كانت تدوم عليه، فيحتاج إلى أن يدَّثَّر، لكنه بنفس ما كان يفعل ما أمر به النبيّ -ﷺ- من النفث، والتعوُّذ، وغيره يزول عنه ذلك، ببركة الصدق، والتصديق، والامتثال، وفائدة هذا أن لا يَشْغَل الرائي نفسه بما يَكره في نومه، وأن يُعرِض عنه، ولا يلتفت إليه، فإنَّه لا أصل له، هذا هو الظاهر من الأحاديث، والله تعالى أعلم. انتهى . (قَالَ: وَأُحِبُّ الْقَيْدَ) قال القرطبيّ ﵀: ظاهره أنه من قول النبيّ -ﷺ-، غير أن أيوب السختيانيّ هو الذي رَوَى هذا الحديث عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وقد أخبر عن نفسه أنه شكَّ: هل هو من قول النبيّ -ﷺ-، أو من قول ابن سيرين؟ فلا يُعَوَّل على ذلك الظاهر، غير أن هذا المعنى صحيح في العبارة؛ لأنَّ القيد في الرجلين، وهو يُثبِّت الإنسان في مكانه، فإذا رآه من هو على حالٍ مّا على رجليه كان ذلك دليلًا على ثبوته على تلك الحالة، فإذا رآه من هو من أهل الدين والعلم كان ثباتًا على تلك الحال، ولو رأى المريض قيدًا في رجليه كان ذلك دليلًا على دوام مرضه. (وَأَكْرَهُ الْغُلَّ) بضم الغين المعجمة، وتشديد اللام: طَوْقٌ من حديد يُجعل في الْعُنُق، والجمع أغلالٌ، مثلُ: قُفْل وأقفال. قال القرطبيّ ﵀: وإنما كَرِهَ الْغُلّ؛ لأنَّه لا يُجعل إلَّا في الأعناق نِكايةً، وعُقوبةً، وقهرًا، وإذلالًا، فَيُسحب على وجهه، ويجرّ على قفاه، كما قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ [غافر: ٧١، ٧٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]، و﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾ [يس: ٨]. وعلى الجملة فهو مذموم شرعًا، وعادة، فرؤيته في النوم دليلٌ على وقوع حالة سيئة بالرائي تلازمه، ولا ينفك عنها، وقد يكون ذلك في دينه؛ كواجبات فرَّط فيها، أو معاصٍ ارتكبها، أو ديونٍ، وحقوقٍ لازمة له، وقد يكون ذلك في دنياه من شدائد تصيبه، أو أنكاد تلازمه. وبالجملة فالمعتبَر في أعظم أصول العِبارة النظر إلى أحوال الرائي، واختلافها، فقد يرى الرائيان شيئًا واحدًا، ويدلّ في حق أحدهما على خلاف ما يدلّ عليه في حقّ الآخر. انتهى . (وَالْقَيْدُ ثَبَات فِي الدِّينِ») قال النوويّ ﵀: قال العلماء: إنما أحب القيد؛ لأنه في الرِّجلين، وهو كفّ عن المعاصي والشرور، وأنواع الباطل، وأما الغلّ فموضعه العنق، وهو صفة أهل النار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨]، وقال الله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، وأما أهل العبارة فنزّلوا هاتين اللفظتين منازل، فقالوا: إذا رأى القيد في رجليه، وهو في مسجد، أو مشهد خير، أو على حالة حسنة، فهو دليل لثباته في ذلك، وكذا لو رآه صاحب ولاية، كان دليلًا لثباته فيها، ولو رآه مريضٌ، أو مسجونٌ، أو مسافرٌ، أو مكروبٌ، كان دليلًا لثباته فيه، قالوا: ولو قارنه مكروه بأن يكون مع القيد غُلٌّ غلب المكروه؛ لأنَّها صفة المعذَّبين، وأما الغُلّ فهو مذموم إذا كان في العنق، وقد يدلّ للولايات، إذا كان معه قرائن، كما أن كلّ وال يُحشر مغلولًا حتى يُطلقه عَدْله، فأما إن كان مغلول اليدين دون العنق، فهو حسنٌ، ودليلٌ لكفهما عن الشرّ، وقد يدلُّ على بُخلهما، وقد يدلّ على منع ما نواه من الأفعال. انتهى . قال أيوب: (فَلَا أَدْرِي هُوَ)؛ أي: قوله: «قال: وأحبّ القيد، وأكره الغُلّ، والقيد ثبات في الدين»، (فِي الْحَدِيثِ) المرفوع (أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟) من عند نفسه، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٨٩١ و٥٨٩٢ و٥٨٩٣ و٥٨٩٤] (٢٢٦٣)، و(البخاريّ) في «التعبير» (٧٠١٧)، و(أبو داود) في «الأدب» (٥٠١٩)، و(الترمذيّ) في «الرؤيا» (٢٢٧٠)، و(ابن ماجه) في «الرؤيا» (٣٨٩٤)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٥٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٣٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١١/ ٥٠ - ٥١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٣ و٢٦٩ و٣١٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٢٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٠٤٠)، و(الحاكم) في «مستدركه» (٤/ ٣٩٥)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٣/ ٤٦)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ١٢٣)، و(البيهقيّ) في «شُعب الإيمان» (٤/ ١٨٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٢٧٨ و٣٢٧٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أنه إذا اقترب الزمان لا تكاد رؤيا المسلم تكذب، وقد تقدّم الخلاف في المراد باقتراب الزمان، فلا تنس، والله تعالى وليّ التوفيق. ٢ - (ومنها): بيان أن من كان أصدق في حديثه كان أصدق في رؤياه. ٣ - (ومنها): أن رؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوَّة، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-. ٤ - (ومنها): أن الرؤيا ثلاثة أنواع: الأولى: الرؤيا الصالحة، وهي بُشرى من الله تعالى لعبده المسلم، والثانية: رؤيا هي تحزين من الشيطان للمؤمن، ولا تضرّه، والثالثة: رؤيا من نوع ما يُحدّث المرء به نفسه. ٥ - (ومنها): أن من آداب من رآى رؤيا يكرهها أن يقوم من منامه، فيصلي، وأن لا يحدّث بها الناس، فإنها لا تضرّه. ٦ - (ومنها): أن المسلم إذا رآى القيد في منامه كان خيرًا له؛ لأنه يدلّ على ثباته في دينه. ٧ - (ومنها): أن رؤيا الغُلّ مذموم؛ لأنه من صفة أهل النار، كما أخبر الله عنهم في قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)﴾ [غافر: ٧١]، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في إدراج قوله: «وأحبّ القيد، وأكره الغلّ … إلخ»: قال أبو بكر الخطيب البغداديّ ﵀ في كتابه «الفصل للوصل المدرج» بعد إيراده الحديث من طرق ما نصّه: جاء في هذه الأحاديث التي ذكرناها أن جميع هذا المتن قول رسول الله -ﷺ- إلَّا ذكر القيد، والغُلّ، فإنه من قول أبي هريرة، أدرجه هؤلاء الرواة في الحديث، وبيَّنه معمر بن راشد في روايته عن أيوب، عن محمد بن سيرين، ثم ساقه بسنده من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، والرؤيا ثلاثة: الرؤياء الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدّث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزين من الشيطان، وإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها، فلا يحدّث بها أحدًا، وليقم، فليصلّ، قال: وقال أبو هريرة: يعجبني القيد، وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين». انتهى . وقال البخاريّ ﵀ في «صحيحه»: «باب القيد في المنام»: (٦٦١٤) - حَدَّثَنَا عبد الله بن صَبّاح، حَدَّثَنَا معتمر، سمعت عوفًا، حَدَّثَنَا محمد بن سيرين، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا اقترب الزمان لَمْ تَكَدْ رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب، قال محمد: وأنا أقول هذه. قال: وكان يقال: الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله، فمن رأى شيئًا يكرهه، فلا يقصُّه على أحد، وليقم، فليصلّ، قال: وكان يُكْرَه الغُلّ في النوم، وكان يُعجبهم القيد، ويقال: القيد ثبات في الدين. ورَوَى قتادة، ويونس، وهشام، وأبو هلال، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-، وأدرجه بعضهم كلَّه في الحديث، وحديث عوف أبْيَن. وقال يونس: لا أحسبه إلَّا عن النبيّ -ﷺ- في القيد. قال أبو عبد الله: لا تكون الأغلال إلَّا في الأعناق. انتهى. ولنذكر شرحه من «الفتح»؛ لأنَّ فيه تحقيقات كثيرة يتبيّن بها ما وقع في الحديث من الإدراج على وجه التفصيل، قال: قوله: «باب القيد في المنام»؛ أي: من رأى في المنام أنه مقيَّد ما يكون تعبيره؟ وظاهر إطلاق الخبر أنه يعبَّر بالثبات في الدين في جميع وجوهه، لكن أهل التعبير خَصوا ذلك بما إذا لَمْ يكن هناك قرينة أخري، كما لو كان مسافرًا، أو مريضًا، فإنه يدلّ على أنَّ سفره، أو مرضه يطول، وكذا لو رأى في القيد صفة زائدةً، كمن رأى في رجله قيدًا من فضة، فإنه يدلّ على أنَّه يتزوج، وإن كان من ذهب، فإنه لأمر يكون بسبب مال يتطلبه، كان كان من صُفْر، فإنه لأمر مكروه، أو مال فات، وإن كان من رصاص، فإنه لأمر فيه وَهْن، وإن كان من حَبْل، فلأمر في الدين، وإن كان من خشب، فلأمر فيه نفاق، كان كان من حطب، فلتهمة، وإن كان من خرقة، أو خيط فلأمر لا يدوم. قال الجامح عفا الله عنه: لا يخفى مخالفة ما قاله أهل التعبير من التفصيلات لإطلاق حديث الباب، فليُتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وقوله: «إذا اقترب الزمان لَمْ يَكَد رؤيا المؤمن تَكْذِب» كذا للأكثر، ووقع في رواية أبي ذرّ عن غير الكشميهنيّ بتقديم «تكذب» على «رؤيا المؤمن»، وكذا في رواية محمد بن يحيي، وكذا في رواية عيسى بن يونس، عن عوف عند الإسماعيليّ، قال الخطابيّ في «المعالم» في قوله: «إذا اقترب الزمان» قولان: أحدهما: أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار، وهو وقت استوائهما أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبًا، وكذلك هو في الحديث، والمعبِّرون يقولون: أصدق الرؤيا ما كان وقت اعتدال الليل والنهار، وإدراك الثمار، ونقله في غريب الحديث عن أبي داود السجستانيّ، ثم قال: والمعبِّرون يزعمون أن أصدق الأزمان لوقوع التعبير وقت انفتاق الأزهار، وإدراك الثمار، وهما الوقتان اللذان يعتدل فيهما الليل والنهار. والقول الآخر: أن اقتراب الزمان انتهاء مدته إذا دنا قيام الساعة. قال الحافظ: يُبعد الأول التقييد بالمؤمن، فإن الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع لا يختصّ به، وقد جزم ابن بطال بأن الأول هو الصواب، واستند إلى ما أخرجه الترمذيّ من طريق معمر، عن أيوب في هذا الحديث، بلفظ: «في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا»، قال: فعلى هذا فالمعنى إذا اقتربت الساعة، وقُبض أكثر العلم، ودَرَست معالم الديانة بالهرْج والفتنة، فكان الناس على مثل الفترة محتاجين إلى مذكِّر، ومجدِّد لِمَا دَرَس من الدين، كما كانت الأمم تُذَكَّر بالأنبياء، لكن لمّا كان نبيّنا -ﷺ- خاتم الأنبياء، وصار الزمان المذكور يشبه زمان الفترة، عُوِّضوا بما مُنِعوا من النبوة بعده بالرؤيا الصادقة التي هي جزء من النبوة الآتية بالتبشير والإنذار. انتهى. ويؤيده ما أخرجه ابن ماجة من طريق الأوزاعيّ، عن محمد بن سيرين، بلفظ: «إذا قرب الزمان»، وأخرج البزار من طريق يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، بلفظ: «إذا تقارب الزمان»، وفي حديث آخر عن أبي هريرة: «يتقارب الزمان، ويُرفع العلم …» الحديث، والمراد به اقتراب الساعة قطعًا. وقال الداوديّ: المراد بتقارب الزمان: نَقص الساعات والأيام والليالي. انتهي، ومراده بالنقص سرعة مرورها، وذلك قرب قيام الساعة، كما ثبت في الحديث الآخر عند مسلم وغيره: «يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السَّعَفَة»، وقيل: إن المراد بالزمان المذكور: زمان المهديّ عند بسط العدل، وكثرة الأمن، وبسط الخير والرزق، فإن ذلك الزمان يُستقصَر لاستلذاذه، فتتقارب أطرافه. وأما قوله: «لَمْ تكد … إلخ» فيه إشارة إلى غلبة الصدق على الرؤيا، وإن أمكن أن شيئًا منها لا يصدق، والراجح أن المراد: نفي الكذب عنها أصلًا؛ لأن حرف النفي الداخل على كاد ينفي قرب حصوله، والنافي لقرب حصول الشيء أدلّ على نفيه نفسه، ذكره الطيبيّ. وقوله: «ورؤيا المؤمن جزء» الحديث هو معطوف على جملة الحديث الذي قبله، وهو: «إذا اقترب الزمان» الحديث، فهو مرفوع أيضًا، وقد تقدم شرحه مستوفى قريبًا. وقوله: «وما كان من النبوة فإنه لا يكذب» هذا القدر لَمْ يتقدم في شيء من طرق الحديث المذكور، وظاهر إيراده هنا أنه مرفوع، ولئن كان كذلك فإنه أَولى ما فُسّر به المراد من النبوة في الحديث، وهو صفة الصدق، قال الحافظ: ثم ظهر لي أن قوله بعد هذا: «قال محمد: وأنا أقول هذه»: الإشارة في قوله: «هذه» للجملة المذكورة، وهذا هو السرّ في إعادة قوله: «قال» بعد قوله: «هذا»، ثم رأيت في «بُغية النقاد» لابن المواق أن عبد الحق أغفل التنبيه على أنَّ هذه الزيادة مدرجة، وأنه لا شك في إدراجها، فعلى هذا فهي من قول ابن سيرين، وليست مرفوعة. قوله: «وأنا أقول هذه» كذا لأبي ذرّ وفي جميع الطرق، وكذا ذكره الإسماعيليّ، وأبو نعيم، في «مستخرجيهما»، ووقع في «شرح ابن بطال» : «وأنا أقول هذه الأمة، وكان يقال … إلخ» قال الحافظ: وليست هذه اللفظة في شيء من نُسخ «صحيح البخاري»، ولا ذكرها عبد الحق في «جمعه»، ولا الحميديّ، ولا من أخرج حديث عوف، من أصحاب الكتب، والمسانيد، وقد تقلّده عياض، فذكره كما ذكره ابن بطال، وتبعه في «شرحه»، فقال: خشي ابن سيرين أن يتاول أحد معنى قوله: «وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا»، أنه إذا تقارب الزمان لَمْ يصدق إلَّا رؤيا الرجل المصالح، فقال: وأنا أقول هذه الأمة -يعني: رؤيا هذه الأمة- صادقة كلها، صالحها وفاجرها؛ ليكون صدق رؤياهم زاجرًا لهم، وحجةً عليهم؛ لدروس أعلام الدين، وطموس آثاره بموت العلماء، وظهور المنكر. انتهى. قال الحافظ: وهذا مرتَّب على ثبوت هذه الزيادة، وهي لفظة: «الأمة»، ولم أجدها في شيء من الأصول، وقد قال أبو عوانة الإسفرائينيّ بعد أن أخرجه موصولًا مرفوعًا، من طريق هشام، عن ابن سيرين: هذا لا يصحّ مرفوعًا عن ابن سيرين، قلت: وإلى ذلك أشار البخاريّ في آخره بقوله: «وحديث عوف أبْيَن»؛ أي: حيث فَصَل المرفوع من الموقوف. قوله: قال: وكان يقال: «الرؤيا ثلاث … إلخ» قائل «قال» هو محمد بن سيرين، وأبهم القائل في هذه الرواية، وهو أبو هريرة، وقد رفعه بعض الرواة، ووقفه بعضهم، وقد أخرجه أحمد عن هَوْذة بن خليفة، عن عوف، بسنده مرفوعًا: «الرؤيا ثلاث …» الحديث مثله، وأخرجه الترمذيّ، والنسائيّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حقّ، ورؤيا يُحَدِّث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان»، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ من طريق عبد الوهاب الثقفيّ، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، مرفوعًا أيضًا بلفظ: «الرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله»، والباقي نحوه. قوله: «حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله»، وقع في حديث عوف بن مالك عند ابن ماجه بسند حسن، رفعه: «الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان؛ ليحزن ابن آدم، ومنها ما يَهُمّ به الرجل في يقظته، فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة». قال الحافظ: «وليس الحصر مرادًا من قوله:»ثلاث«؛ لثبوت نوع رابع في حديث أبي هريرة في الباب، وهو حديث النفس، وليس في حديث أبي قتادة، وأبي سعيد الماضيين سوى ذِكر وَصْف الرؤيا بأنها مكروهة، ومحبوبة، أو حسنة وسيئة. وبقي نوع خامس، وهو تلاعب الشيطان، وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر قال:«جاء أعرابيّ، فقال: يا رسول الله رأيت في المنام؛ كأن رأسي قُطِع، فأنا أتبعه»، وفي لفظ:«فقد خرج، فاشتددت في أثره، فقال: لا تُخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام»، وفي رواية له:«إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يُخبر به الناس». ونوع سادس: وهو رؤيا ما يعتاده الرائي في اليقظة؛ كمن كانت عادته أن يأكل في وقت، فنام فيه، فرأى أنه يأكل، أو بات طافحًا من أكل، أو شرب، فرأى أنه يتقيأ، وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص. وسابع: وهو الأضغاث. قوله:«فمن رأى شيئًا يكرهه، فلا يقصه على أحد، ولْيَقُم، فليصلّ»، زاد في رواية هَوْذة:«فإذا رأى أحدكم رؤيا تُعجبه، فليقصها لمن يشاء، وإذا رأى شيئًا يكرهه … »فذكر مثله، ووقع في رواية أيوب عن محمد بن سيرين:«فليصلّ، ولا يحدِّث بها الناس»، وزاد في رواية سعيد بن أبي عروبة، عن ابن سيرين عند الترمذيّ:«وكان يقول: لا تقص الرؤيا إلَّا على عالم، أو ناصح»، وهذا ورد معناه مرفوعًا في حديث أبي رزين، عند أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجة:«ولا يقصها إلَّا على وادٍّ، أو ذي رأي». قوله:«قال: وكان يَكره الْغُلّ في النوم، ويعجبهم القيد، ويقال: القيد ثبات في الدين»كذا ثبت هنا بلفظ الجمع في«يعجبهم»، والإفراد في«يَكرَه»، و«يقول»، قال الطيبيّ: ضمير الجمع لأهل التعبير، وكذا قوله:«وكان يقال»، قال المهلَّب: الغل يُعَبَّر بالمكروه؛ لأنَّ الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ الآية [غافر: ٧١]، وقد يدلّ على الكفر، وقد يعبَّر بامرأة تؤذي. وقال ابن العربيّ: إنما أحبوا القيد؛ لِذِكر النبيّ -ﷺ- له في قسم المحمود، فقال:«قَيَّدَ الإيمانُ الْفَتْكَ» ، وأما الغُلّ فقد كُرِه شرعًا في المفهوم؛ كقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠)﴾ [الحاقة: ٣٠]، ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]، ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، وإنما جُعل القيد ثباتًا في الدين؛ لأنَّ المقيَّد لا يستطيع المشي، فضُرب مثلًا للإيمان الذي يمنع عن المشي إلى الباطل. وقال النوويّ: قال العلماء: إنما أحبّ القيد؛ لأنَّ محله الرِّجل، وهو كفّ عن المعاصي، والشرّ، والباطل، وأبغضَ الغُلَّ؛ لأنَّ محله العنق، وهو صفة أهل النار، وأما أهل التعبير فقالوا: إن القيد ثبات في الأمر الذي يراه الرائي، بحسب من يُرَى ذلك له، وقالوا: إن انضم الغلّ إلى القيد دلّ على زيادة المكروه، وإذا جُعل الغلّ في اليدين حُمِد؛ لأنه كفّ لهما عن الشرّ، وقد يدلّ على البخل بحسب الحال، وقالوا أيضًا: إن رأى أن يديه مغلولتان فهو بخيل، وإن رأى أنه قُيِّد وغُلّ، فإنه يقع في سجن، أو شدّة. قال الحافظ: وقد يكون الغلّ في بعض المرائي محمودًا كما وقع لأبي بكر الصديق -﵁-، فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة، بسند صحيح، عن مسروق قال: «مَرَّ صهيب بأبي بكر، فأعرض عنه، فسأله، فقال: رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر، رجل من الأنصار، فقال أبو بكر: جُمِع لي ديني إلى يوم الحشر». وقال الكرمانيّ: اختُلِف في قوله: «وكان يقال» هل هو مرفوعٌ، أو لا؟ فقال بعضهم: من قوله: «وكان يقال»، إلى قوله: «في الدين» مرفوعٌ كلّه، وقال بعضهم: هو كله كلام ابن سيرين، وفاعل «كان يَكره» أبو هريرة. قال الحافظ: أخذه من كلام الطيبيّ، فإنه قال: يَحْتَمِل أن يكون مقولًا للراوي عن ابن سيرين، فيكون اسم «كان» ضميرًا لابن سيرين، وأن يكون مقولًا لابن سيرين، واسم «كان» ضمير أبي هريرة، أو النبيّ -ﷺ-، وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن ابن سيرين، وقال في آخره: «لا أدري هو في الحديث، أو قاله ابن سيرين؟». قوله: «ورواه قتادة، ويونس، وهشام، وأبو هلال، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-»؛ يعني: أصل الحديث، وأما من قوله: «وكان يقال» فمنهم من رواه بتمامه مرفوعًا، ومنهم من اقتصر على بعضه، كما سيأتي. قوله: «وأدرجه بعضهم كله في الحديث»؛ يعني: جعله كله مرفوعًا، والمراد به رواية هشام، عن قتادة، كما سيأتي. قوله: «وحديث عوف أبين»؛ أي: حيث فَصَلَ المرفوع من الموقوف، ولا سيما تصريحه بقول ابن سيرين: «وأنا أقول هذه»، فإنه دالّ على الاختصاص ، بخلاف ما قال فيه: «وكان يقال»، فإن فيها الاحتمال بخلاف أول الحديث، فإنه صَرَّح برفعه، وقد اقتصر بعض الرواة عن عوف على بعض ما ذكره معتمر بن سليمان عنه، كما بُيّن من رواية هَوْذة، وعيسى بن يونس. قال القرطبيّ: ظاهر السياق أن الجميع من قول النبيّ -ﷺ- غير أن أيوب هو الذي روى هذا الحديث عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وقد أخبر عن نفسه أنه شكّ أهو من قول النبيّ -ﷺ-، أو من قول أبي هريرة؟ فلا يُعَوَّل على ذلك الظاهر. قال الحافظ: وهو حصر مردودٌ، وكأنه تكلم عليه بالنسبة لرواية مسلم خاصّةً، فإن مسلمًا ما أخرج طريق عوف هذه، ولكنه أخرج طريق قتادة، عن محمد بن سيرين، فلا يلزم من كون أيوب شكّ أن لا يُعَوَّل على رواية من لَمْ يشكّ، وهو قتادة مثلًا، لكن لمّا كان في الرواية المفصّلة زيادةٌ، فَرُجّحت. قوله: «وقال يونس: لا أحسبه إلَّا عن النبيّ -ﷺ- في القيد»؛ يعني: أنه شكّ في رفعه. قوله: «قال أبو عبد الله» هو البخاريّ، وقوله: «لا تكون الأغلال إلَّا في الأعناق»؛ كأنه يشير إلى الردّ على من قال: قد يكون الغُلّ في غير العنق؛ كاليد، والرجل، والْغُلّ -بضم المعجمة، وتشديد اللام- واحد الأغلال، قال: وقد أطلق بعضهم الغُلّ على ما تُربط به اليد، وممن ذكره أبو علي القاليّ، وصاحب «المحكم»، وغيرهما، قالوا: الغُلّ جامعة تُجْعَل في العنق، أو اليد، والجمع أغلال، ويدٌ مغلولةٌ جُعِلت في الغلّ، ويؤيده قوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، كذا استشهد به الكرمانيّ، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ اليد تُغَلّ في العنق، وهو عند أهل التعبير عبارة عن كفّهما عن الشرّ، ويؤيده منام صهيب في حقّ أبي بكر الصديق، كما تقدم قريبًا. فأما رواية قتادة المعلّقة فوَصَلها مسلم، والنسائيّ من رواية معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدّستوائيّ، عن أبيه، عن قتادة، ولفظ النسائيّ بالسند المذكور: عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يقول: «الرؤيا الصالحة بشارة من الله، والتحزين من الشيطان، ومن الرؤيا ما يُحَدِّث به الرجل نفسه، فإذا رأى أحدكم رؤيا يَكرهها، فليقم، فليصلّ، وأكره الغُلّ في النوم، ويُعجبني القيد، فان القيد ثبات في الدين». وأما مسلم فإنه ساقه بسنده عقب رواية معمر، عن أيوب التي فيها: قال أبو هريرة: «فيعجبني القيد، وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين»، قال مسلم: فأدرج؛ يعني: هشامًا عن قتادة في الحديث قوله: «وأكره الغُلّ … إلخ»، ولم يذكر: «الرؤيا جزء …» الحديث، وكذلك رواه أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: قال أبو هريرة: «أحب القيد في النوم، وأكره الغُلّ، القيد في النوم ثبات في الدين»، أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من رواية سفيان بن عيينة عنه، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، من رواية عبد الوهاب الثقفيّ، عن أيوب، فذكر حديث: «إذا اقترب الزمان …» الحديث، ثم قال: «ورؤيا المسلم جزء من …» الحديث، ثم قال: «والرؤيا ثلاث …» الحديث، ثم قال بعده: «قال: وأُحِبّ القيد، وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين، فلا أدري هو في الحديث، أو قاله ابن سيرين؟»، هذا لفظ مسلم، ولم يذكر أبو داود، ولا الترمذيّ قوله: «فلا أدري … إلخ»، وأخرجه الترمذيّ، وأحمد، والحاكم، من رواية معمر، عن أيوب، فذكر الحديث الأول، ونحوَ الثاني، ثم قال بعدهما: «قال أبو هريرة: يعجبني القيد … إلخ»، قال: وقال النبيّ -ﷺ-: «رؤيا المؤمن جزء … إلخ»، وقد أخرج الترمذيّ، والنسائيّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، حديث: «الرؤيا ثلاثة …» مرفوعًا، ثم قال بعده: «وكان يقول: يعجبني القيد …» الحديث، وبعده: «وكان يقول: من رآني، فإني أنا هو …» الحديث، وبعده: «وكان يقول: لا تقصّ الرؤيا إلَّا على عالم، أو ناصح»، وهذا ظاهر في أن الأحاديث كلها مرفوعة. وأما رواية يونس، وهو ابن عبيد، فأخرجها البزار في «مسنده» من طريق أبي خَلَف -وهو: عبد الله بن عيسى الخزاز، بمعجمات، البصريّ- عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: «إذا تقارب الزمان لَمْ تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأُحب القيد، وأكره الغُلّ»، قال: ولا أعلمه إلَّا وقد رفعه عن النبيّ -ﷺ-، قال البزار: رُوِي عن محمد من عِدّة أوجه، وإنما ذكرناه من رواية يونس لِعِزَّة ما أَسند يونس عن محمد بن سيرين. قال الحافظ: وقد أخرج ابن ماجة من طريق أبي بكر الْهُذَليّ، عن ابن سيرين حديثَ القيدِ موصولًا مرفوعًا، ولكن الهذليّ ضعيفٌ. وأما رواية هشام فقال أحمد: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام -هو ابن حسان- عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -ﷺ- قال: «إذا اقترب الزمان …» الحديث، و«رؤيا المؤمن …» الحديث، و«أحب القيد في النوم …» الحديث، و«الرؤيا ثلاث …» الحديث، فَسَاقَ الجميع مرفوعًا، وهكذا أخرجه الدارميّ من رواية مخلد بن الحسين، عن هشام، وأخرجه الخطيب في «المدرج» من طريق عليّ بن عاصم، عن خالد، وهشام، عن ابن سيرين مرفوعًا، قال الخطيب: والمتن كله مرفوع، إلَّا ذِكر القيد، والغُلّ، فإنه قول أبي هريرة، أُدْرج في الخبر، وبيّنه معمر، عن أيوب. وأخرج أبو عوانة في «صحيحه» من طريق عبد الله بن بكر، عن هشام قصة القيد، وقال: الأصح أن هذا من قول ابن سيرين، وقد أخرجه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، وأيوب جميعًا، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: «إذا اقترب الزمان …» قال: وساق الحديث، ولم يذكر فيه النبيّ -ﷺ-، وكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن هشام موقوفًا، وزاد في آخره: قال أبو هريرة: اللبن في المنام الفطرة. وأخرج أحمد في «الزهد» عن عثمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب، قال: رأيت ابن سيرين مقيّدًا في المنام، وهذا يُشعر بأن ابن سيرين كان يَعتمد في تعبير القيد على ما في الخبر، فأُعطي هو ذلك، وكان كذلك. انتهى ما في «الفتح» بطوله، وهو بحث مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): في ذِكر ما قاله أهل العلم في قوله -ﷺ-: «جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوّة»: قال القرطبيّ ﵀: قوله: «رؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة»، وفي حديث عبادة: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا»، وفي رواية عن أبي هريرة: «رؤيا الرجل المصالح جزء من ستة وأربعين»، وفي أخرى عنه: «الرؤيا الصالحة»، وفي رواية: «رؤيا الرجل الصالح ستة وأربعون جزءًا من النبوة»، وفي حديث ابن عمر -﵄-: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين»، وفي غير كتاب مسلم عن ابن عباس: «جزء من أربعين»، وعن عبد الله بن عمرو -﵄-: «جزء من سبعة وأربعين»، وفي حديث العباس -﵁-: «من خمسين»، وعن أنس -﵁-: «من ستة وعشرين»، وعن عبادة بن الصامت -﵁-: «من أربعة وأربعين». قال أبو عبد الله المازريّ: والأكثر والأصح عند أهل الحديث: «من ستة وأربعين». وحُكي عن بعض الناس: أنه نَزّل هذا الحديث بهذه الرواية على مدّة الوحي للنبيّ، وذلك أنه -ﷺ- أقام يوحى إليه ثلاثًا وعشرين سنة، منها ستة أشهر يوحى إليه في نومه، وذلك في أول أمره. وقد اعتُرِض عليه بأن هذه المدة لَمْ يصحَّ نقل تحديدها، ولا هو معروف، فتقديره تحكُّم. قال القرطبيّ: القَدْر الذي اختَلَف الرواة فيه من هذا الحديث أمران: أحدهما: من أضيفت الرؤيا إليه، فتارة سكت عنه، وأخرى قيل فيه: «المسلم»، وفي أخرى: «المؤمن»، وفي أخرى: «المصالح»، وهذا الأمر الخلاف فيه أهون من الخلاف في الأمر الثاني، وذلك أنه حيث سكت عنه لم يضر السكوت عنه، مع العلم بأن الرؤيا مضافة إلى راءٍ ما، فإذا صُرِّح به في موضع آخر فهو المعنيُّ، وأما حيث نُطِق به فالمراد به واحد، وإن اختلفت الألفاظ، وذلك أن الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلَّا إذا وقعت من مسلم صادق صالح، وهو الذي يناسب حالُه حالَ النبيّ -ﷺ- فأُكرم بنوع مما أُكرم به الأنبياء -﵈-، وهو الاطّلاع على شيء من علم الغيب، كما قال -ﷺ-: «إنه لَمْ يبق من مبشِّرات النبوة إلَّا الرؤيا الصادقة في النوم، يراها الرجل الصالح، أو تُرى له» ، فإنَّ الكافر، والكاذب، والمخلِّط -وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات- لا تكون من الوحي، ولا من النبوّة؛ إذ ليس كلّ من صَدَق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة. وقد قدَّمنا: أن الكاهن يُخبر بكلمة الحقّ، وكذلك المنجِّم قد يحدُس ، فيصدق، لكن على الندور والقلَّة، وكذلكْ الكافر، والفاسق، والكاذب. وقد يرى المنام الحق، ويكون ذلك المنام سببًا في شرٍّ يلحقه، أو أمرٍ يناله، إلى غير ذلك من الوجوه المعتبرة المقصودة به. وقد وقعت لبعض الكفار منامات صحيحة صادقة؛ كمنام الملِك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفَتَيَيْن في السجن، ومنام عاتكة عمَّة رسول الله -ﷺ-، وهي كافرة، ونحوه كثير، لكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلطة والفاسدة، فهذا هو الأمر الأول. وأما الأمر الثاني: وهو اختلاف عدد أجزاء النبوة التي جُعلت رؤيا الرجل الصالح واحدًا منها: فاختلفت الرواية فيه من ستة وعشرين إلى سبعين، كما قد ذكرناه، وأكثرها في «الصحيحين»، وكلها مشهورٌ فلا سبيل إلى أخذ أحدها، وطَرْح الباقي، كما قد فعل أبو عبد الله المازريّ، فإنَّه قد يكون بعض ما ترك أَولى مما قَبِل إذا بحثنا عن رجال أسانيدها، ولمّا ترجَّح عند غيره غير ما اختاره هو، فإذًا: الوجه الذي يتعيَّن المصير إليه أن يقال: إن هذه الأحاديث -وإن اختلفت ألفاظها- متفقة على أنَّ الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من أجزاء النبوة. فهذه شهادة صحيحة من النبيّ -ﷺ- بأنها وحي من الله تعالي، وأنها صادقة لا كذب فيها. ولذلك قال مالك وقد قيل له: أيُفَسّر الرؤيا كلّ أحد؟ فقال: أيُلْعَب بالوحي؟!. وإذا كانت هكذا فتعيَّن على الرائي أن يعتني بها، ويسعى في تفهُّمها، ومعرفة تأويلها، فإنَّها إما مبشِّرة له بخير، أو محذرة له من شر، فإنْ أدرك تأويلها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهليَّة ذلك، وهو اللبيب الحبيب. ولذلك كان النبيّ -ﷺ- يقول إذا أصبح: «هل رأى أحدٌ منكم الليلة رؤيا فليقصها، أُعبِّرها؟»، فكانوا يقصُّون عليه، وَيعْبُرُ. وقد سلك أصحابه ذلك المسلك في حياته، وبعد وفاته، وقد كان يقتبس الإحكام من منامات أصحابه، كما فعل في رؤيا الأذان، وفي رؤيا ليلة القدر. وكل ذلك بناءً على أنَّها وحي صحيح. وإذا تقرَّر هذا فلا يضرنا الاضطراب الذي وقع في عدد تلك الأجزاء مع حصول المقصود من الخير؛ غير أن علماءنا قد راموا إزالة ذلك الاضطراب، وتأوَّلوه تأويلات، فلنذكرها، وننبِّه على الأقرب منها؛ وهي أربع: الأول: ما صار إليه أبو عبد الله. وقد ذكرناه، وما وَرَدَ عليه. والثاني: أن المراد بهذا الحديث: أن المنام الصادق خصلة من خصال النبوة، كما جاء في الحديث الآخر: «التؤدة، والاقتصاد، وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة» ؛ أي: النبوة مجموع خصال مبلغ أجزائها ستة وعشرون، هذه الثلاثة الأشياء جزء واحدٌ منها، وعلى مقتضى هذه التجزئة: كلّ جزء من الستة والعشرين ثلاثة أشياء في نفسه، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين صحَّ لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية وسبعون. ويصحُّ أن يسمَّى كلّ اثنين من الثمانية والسبعين جزءًا وخصلة، فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين جزءًا، ويصحُّ أن يسمَّى كلّ أربعة منها جزءًا، فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار تسعة عشر جزءًا ونصف جزء، فتختلف أسماء العدد المجزَّأ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء، وعلى هذا: فلا يكون اختلاف أعداد أجزاء النبوَّة في أحاديث الرؤيا المذكورة اضطرابًا، وإنَّما هو اختلاف اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة. والله تعالى أعلم. الثالث: ما أشار إليه الطبريّ، وهو: أن هذا الاختلاف راجعٌ إلى اختلاف حال الرائي. فالمؤمن الصَّالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين، وغيرُ الصالح من سبعين، ولهذا لَمْ يَشترط في رواية السَّبعين في وصف الرائي ما اشترطه في وصفه في رواية: «ستة وأربعين»، فإنَّه شرط فيها الصَّلاح في الرائي، وسكت عن اشتراطه في رواية السبعين. قال القرطبيّ: وهذا فيه بُعدٌ؛ لِمَا قدَّمناه من صحَّة احتمال حمل مطلق الرِّوايات على مقيّدها، وبما قد رُوي عن ابن عباس: «الرؤيا الصالحة جزء من أربعين»، وسكت فيه عن ذِكر وصف الرائي. وكذلك حديث عبد الله بن عمرو حين ذَكَر سبعة وأربعين. وحديث العبَّاس حين ذكر خمسين. الرابع: قيل: يَحْتَمِل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي؛ إذ منه ما سُمِع من الله تعالى دون واسطة، كما قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، ومنه بواسطة المَلَك، كما قال: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، ومنه ما يُلقى في القلب، كما قال: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١]، أي: إلهامًا، ثمَّ منه ما يأتيه المَلَك على صورته، ومنه ما يأتيه على صورة آدمي يعرفه، ومنه ما يتلقاه منه وهو لا يعرفه، ومنه ما يأتيه في مثل صلصلة الجرس، ومنه ما يسمعه من الملك قولًا مُفصَّلًا، إلى غير ذلك من الأحوال التي كانت تختلف على النبيّ -ﷺ- في الوحي وحالاته المختلفة، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدت غايتها انتهت إلى سبعين. قال القرطبيّ: ولا يخفى ما في هذا الوجه من البُعد والتساهل، فإنَّ تلك الأعداد كلها إنما هي أجزاء النبوَّة، وأكثر هذه الأحوال التي ذكرت هنا ليست من النبوة في شيء؛ ككونه يعرف المَلَك، أو لا يعرفه، أو يأتيه على صورته، أو على غير صورته، ثمَّ مع هذا التكلف العظيم لَمْ يَقْدِر أن يبلغ عدد ما ذكر إلى ثلاثين. قال: وأشبه ما ذكر في ذلك: الوجه الثاني؛ مع أنَّه لَمْ تَثْلَجُ النفسُ به، ولا طاب لها. وقد ظهر لي وجه خامس -وأنا أستخير الله في ذِكره- وهو: أن النبوَّة معناها: أن يُطلع الله من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه: إما بالمشافهة، وإما بواسطة مَلَك، أو بإلقاء في القلب، لكن هذا المعنى المسمَّى بالنبوَّة لا يخلق الله به إلَّا من خصَّه بصفات كمال نوعه من المعارف، والعلوم، والفضائل، والآداب، ونزّهه عن نقائص ذلك. ولذلك قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى لمّا ذكر الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام: ٨٤]، وقال لنبيِّه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، فقد حصل من هذا: أن النبوَّة لَمْ يخصّ الله بها إلَّا أكمل خلقه، وأبعدهم عن النقائص. ثم: إنه لمّا شرّفهم بالنبوَّة حصلت لهم بذلك على جميع نوعهم الخصوصية، فلمّا كانت النبوَّة لا يخصّ الله بها إلَّا من حصلت له خصال الكمال أطلق على تلك الخصال نبوّة، كما قال -ﷺ-: «التؤدة والاقتصاد، والسَّمت الحسن جزء من النبوة» ؛ أي: من خصال الأنبياء، لكن الأنبياء في هذه الخصال متفاضلون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فتفاضلهم بحسب ما وُهب لكل واحد منهم من تلك الصفات، وشُرِّف به من تلك الحالات، وكلٌّ منهم الصدق أعظم صفته في نومه ويقظته، وكانوا تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، فنائمهم يقظان، ووحيهم في النوم واليقظة سيَّان؛ فمن ناسبَهُم في الصِّدق حصل من رؤياه على الحق؛ غير أنه لمّا كان الأنبياء في مقاماتهم وأحوالهم متفاضلين، وكان كذلك أتباعهم من الصَّادقين، وكان أقلّ خصال كمال الأنبياء ما إذا اعتُبر كان ستًّا وعشرين جزءًا، وأكثر ما يكون ذلك سبعين، وبين العددين مراتب مختلفة بحسب ما اختلفت ألفاظ تلك الأحاديث. وعلى هذا: فمن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصدقه على رتبة تناسب كمال نبيٍّ من الأنبياء، كانت رؤياه جزءًا من نبوّة ذلك النبيّ، وكمالاتهم متفاضلة كما قرَّرناه، فنسبة أجزاء منامات الصَّادقين متفاوتة على ما فصَّلناه. وبهذا الذي أُظهر لنا يرتفع الاضطراب. وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأَولى تفويض العلم في ذلك إلى العليم الخبير، كما أسلفته في كلام السيوطيّ ﵀، فلا يخفى ما في هذه الأقوال من التكلّفات والتعسّفات، ولنذكر ما كتبه الحافظ في «الفتح»، وإن كان كثير منه تقدّم، إلَّا عنده زيادات تحقيق، وتوضيح، قال ﵀: قوله: «جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» كذا وقع في أكثر الأحاديث، ولمسلم من حديث أبي هريرة: «جزء من خمسة وأربعين»، أخرجه من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين عنه، وللبخاريّ من طريق عوف، عن محمد بلفظ: «ستة» كالجادة، ووقع عند مسلم أيضًا من حديث ابن عمر: «جزء من سبعين جزءًا»، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود موقوفًا، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر عنه مرفوعًا، وله من وجه آخر عنه: «جزءٌ من ستة وسبعين»، وسندها ضعيف، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، من رواية حُصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفًا كذلك، وأخرجه أحمد مرفوعًا، لكن أخرجه مسلم من رواية الأعمش، عن أبي صالح كالجادّة، ولابن ماجة مثل حديث ابن عمر مرفوعًا، وسنده لَيِّنٌ، وعند أحمد، والبزار عن ابن عباس بمثله، وسنده جيّد، وأخرج ابن عبد البرّ من طريق عبد العزيز بن المختار، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: «جزء من ستة وعشرين»، والمحفوظ من هذا الوجه كالجادّة، وهو للبخاري أيضًا، ومثله لمسلم من رواية شعبة، عن ثابت، وأخرج أحمد، وأبو يعلي، والطبريّ في «تهذيب الآثار»، من طريق الأعرج، عن سليمان بن عَرِيب -بمهملة، وزانُ عظيم- عن أبي هريرة كالجادّة، قال سليمان: فذكرته لابن عباس، فقال: «جزء من خمسين»، فقلت له: إني سمعت أبا هريرة، فقال ابن عباس: فإني سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من خمسين جزءًا من النبوة»، وللترمذيّ، والطبريّ من حديث أبي رَزِين الْعُقيليّ: «جزء من أربعين»، وأخرجه الترمذيّ من وجه آخر كالجادّة، وأخرجه الطبريّ من وجه آخر، عن ابن عباس: «أربعين»، وللطبريّ من حديث عُبادة: «جزء من أربعة وأربعين»، والمحفوظ عن عبادة كالجادّة، وأخرج الطبريّ، وأحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «جزء من تسعة وأربعين»، وذكره القرطبي في «المفهم» بلفظ: «سبعة» بتقديم السين. فحصلنا من هذه الروايات على عشرة أوجه، أقلها: «جزء من ستة وعشرين»، وأكثرها: «من ستة وسبعين»، وبين ذلك: «أربعين»، و«أربعة وأربعين»، و«خمسة وأربعين»، و«ستة وأربعين»، و«سبعة وأربعين»، و«تسعة وأربعين»، و«خمسين»، و«سبعين»، أصحها مطلقًا الأول، ويليه السبعين. قال الحافظ: ووقع في «شرح النوويّ» وفي رواية عبادة: «أربعة وعشرين»، وفي رواية ابن عمر: «ستة وعشرين»، وهاتان الروايتان لا أعرف من أخرجهما، إلَّا أن بعضهم نسب رواية ابن عمر هذه لتخريج الطبريّ. ووقع في كلام ابن أبي جمرة أنه ورد بألفاظ مختلفة، فذكر بعض ما تقدم، وزاد في رواية: «اثنين وسبعين»، وفي أخرى: «اثنين وأربعين»، وفي أخرى: «سبعة وعشرين»، وفي أخرى: «خمسة وعشرين»، فبلغت على هذا خمسة عشر لفظًا. قال: وقد استُشكل كون الرؤيا جزءًا من النبوة مع أن النبوة انقطعت بموت النبيّ -ﷺ-. فقيل في الجواب: إن وقعت الرؤيا من النبيّ -ﷺ-، فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقةً، وإن وقعت من غير النبيّ -ﷺ- فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز. وقال الخطابيّ: قيل: معناه: إن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة، لا أنَّها جزء باق من النبوة، وقيل: المعنى إنها جزء من عِلْم النبوة؛ لأنَّ النبوة وإن انقطعت فعِلْمها باق. وتُعُقِّب بقول مالك -فيما حكاه ابن عبد البر- أنه سئل: أيُعَبَّر الرؤيا كلُّ أحد؟ فقال: أبالنبوة يُلْعَب؟ ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة، فلا يُلعَب بالنبوة. والجواب أنه لَمْ يُرِد أنَّها نبوة باقية، وإنما أراد أنَّها لمّا أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب، لا ينبغي أن يُتَكَلَّم فيها بغير علم. وقال ابن بطال: كون الرؤيا جزءًا من أجزاء النبوة، مما يُستعظم، ولو كانت جزءًا من ألف جزء، فيمكن أن يقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء، وهو الإعلام لغةً، فعلى هذا فالمعنى أن الرؤيا خبرٌ صادقٌ من الله، لا كَذِب فيه، كما أن معنى النبوة نبأ صادقٌ من الله، لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرؤيا النبوة في صِدْق الخبر. وقال المازريّ: يَحْتَمِل أن يراد بالنبوة في هذا الحديث: الخبر بالغيب لا غير، وإن كان يَتْبَع ذاك إنذار أو تبشير، فالخبر بالغيب أحد ثمرات النبوة، وهو غير مقصود لذاته؛ لأنه يصحّ أن يُبعث نبي يقرر الشرع، ويبيّن الإحكام، وإن لَمْ يُخبِر في طول عمره بغيب، ولا يكون ذلك قادحًا في نبوته، ولا مبطلًا للمقصود منها، والخبر بالغيب من النبيّ لا يكون إلَّا صدقًا، ولا يقع إلَّا حقًّا، وأما خصوص العدد فهو مما أَطْلَعَ الله عليه نبيّه -ﷺ-؛ لأنه يَعلم من حقائق النبوة ما لا يعلمه غيره، قال: وقد سبق بهذا الجواب جماعة، لكنهم لم يكشفوه، ولم يحقّقوه. وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: أجزاء النبوة لا يَعلم حقيقتها إلَّا مَلَك، أو نبيّ، وإنما القَدْر الذي أراده النبيّ -ﷺ- أن يبيّن أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة؛ لأنَّ فيها اطِّلاعًا على الغيب من وجه ما، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة. وقال المازريّ: لا يلزم العالم أن يعرف كلّ شيء جملةً وتفصيلًا، فقد جعل الله للعالم حدًّا يقف عنده، فمنه ما يَعلم المراد به جملةً وتفصيلًا، ومنه ما يعلمه جملةً لا تفصيلًا، وهذا من هذا القبيل. قال الجامع عفا الله عنه: ما أحسن ما قاله ابن العربيّ، والمازريّ -رحمهما الله تعالى- في هذا، فمنه يتبيّن لنا أن قوله -ﷺ-: «جزء من أجزاء النبوّة» حقٌ نؤمن به، وأن الله تعالى يُكرم العبد المؤمن بهذا الجزء من النبوّة كما أكرم الأنبياء بكامل النبوّة، وأما تفاصيل ذلك، ومعرفة نسبته، فالعلم إلى الله تعالي، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة وأبدى لها مناسبةً، فنقل ابن بطال عن أبي سعيد السفاقسيّ أن بعض أهل العلم ذكر أن الله أوحى إلى نبيّه -ﷺ- في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، ونِسْبتها من الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءًا؛ لأنه عاش بعد النبوة ثلاثًا وعشرين سنةً على الصحيح، قال ابن بطال: هذا التأويل يَفْسد من وجهين: أحدهما: أنه قد اختُلِف في قدر المدة التي بعد بعثة النبيِّ -ﷺ- إلى موته، والثاني: أنه يبقى حديث السبعين جزءًا بغير معنى. قال الحافظ: ويضاف إليه بقية الأعداد الواقعة، وقد سبقه الخطابيّ إلى إنكار هذه المناسبة، فقال: كان بعض أهل العلم يقول في تأويل هذا العدد قولًا لا يكاد يتحقّق، وذلك أنه -ﷺ- أقام بعد الوحي ثلاثًا وعشرين سنةً، وكان يوحى إليه في منامة ستة أشهر، وهي نصف سنة، فهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، قال الخطابيّ: وهذا وإن كان وجهًا تَحتمله قسمة الحساب والعدد، فأول ما يجب على من قاله أن يُثبت بما ادعاه خبرًا، ولم يُسمع فيه أثر، ولا ذَكَر مدعيه في ذلك خبرًا، فكأنه قاله على سبيل الظنّ، والظنّ لا يغني من الحق شيئًا، ولئن كانت هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة، على ما ذهب إليه، فليلحق بها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه فيها في منامه في طول المدة، كما ثبت ذلك عنه في أحاديث كثيرة؛ كليلة القدر، والرؤيا في أُحُد، وفي دخول مكة، فإنه يتلفق من ذلك مدة أخري، وتزاد في الحساب، فتبطل القسمة التي ذكرها، قال: فدلّ ذلك على ضَعْف ما تأوله المذكور، وليس كلُّ ما خفي علينا عِلْمه لا يلزمنا حجته؛ كأعداد الركعات، وأيام الصيام، ورمي الجمار، فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها، ولم يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها، وهو كقوله في حديث آخر: «الهدي الصالح، والسَّمْت الصالح، جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة»، فإن تفصيل هذا العدد وحصر النبوة متعذر، وإنما فيه أن هاتين الخصلتين من جملة هدي الأنبياء، وسَمْتهم، فكذلك معنى حديث الباب المراد به تحقيق أمر الرؤيا، وأنها مما كان الأنبياء عليه، وأنها جزء من أجزاء العلم الذي كان يأتيهم، والأنباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم. وقد قَبِل جماعة من الأئمة المناسبة المذكورة، وأجابوا عما أورده الخطابيّ. أما الدليل على كون الرؤيا كانت ستة أشهر، فهو أن ابتداء الوحي كان على رأس الأربعين من عمره -ﷺ-، كما جزم به ابن إسحاق وغيره، وذلك في ربيع الأول، ونزول جبريل إليه، وهو بغار حراء كان في رمضان، وبينهما ستة أشهر. وفي هذا الجواب نظرٌ؛ لأنه على تقدير تسليمه ليس فيه تصريح بالرؤيا، وقد قال النوويّ ﵀: لَمْ يثبت أن زمن الرؤيا للنبيّ -ﷺ- كان ستة أشهر. وأما ما ألزمه به من تلفمِق أوقات المرائي، وضمّها إلى المدة، فإن المراد وحي المنام المتتابع، وأما ما وقع منه في غضون وحي اليقظة، فهو يسير بالنسبة إلى وحي اليقظة، فهو مغمور في جانب وحي اليقظة، فلم يُعتبر بمدته، وهو نظير ما اعتمدوه في نزول الوحي، وقد أطبقوا على تقسيم النزول إلى مكيّ ومدنيّ قطعًا، فالمكي ما نزل قبل الهجرة، ولو وقع بغيرها مثلًا: كالطائف، ونخلة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، ولو وقع، وهو بغيرها، كما في الغزوات، وسفر الحجِّ والعمرة، حتى مكة. قال الحافظ: وهو اعتذار مقبول، ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد أنه وقع بحسب الوقت الذي حَدّث فيه النبيّ -ﷺ- بذلك؛ كأن يكون لمّا أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدّث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك، وذلك وقت الهجرة، ولمّا أكمل عشرين حدّث بأربعين، ولمّا أكمل اثنين وعشرين حدّث بأربعة وأربعين، ثم بعدها بخمسة وأربعين، ثم حدّث بستة وأربعين في آخر حياته، وأما ما عدا ذلك من الرؤيات بعد الأربعين، فضعيف، ورواية الخمسين يَحْتَمِل أن تكون لجبر الكسر، ورواية السبعين للمبالغة، وما عدا ذلك لَمْ يثبت، وهذه مناسبة لَمْ أر من تعرَّض لها. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا حاول الحافظ في الجواب عن اعتراضات الخطابيّ، ولا يخفى على منصف ما فيه من التعسّف، والتكلّف، فالحقّ أن نكل علم هذه التفاصيل إلى الله -﷾-، ولا نتكلّف، ولا نتعسّف؛ فإن هذا هو الأسلم، والأحكم، والله تعالى الهادي إلى الطريق الأقوم. قال: ووقع في بعض الشروح مناسبة للسبعين ظاهرة التكلّف، وهي أنه -ﷺ- قال في الحديث الذي أخرجه أحمد، وغيره: «أنا بشارة عيسي، ودعوة إبراهيم، ورأت أمي نورًا»، فهذه ثلاثة أشياء تُضْرَب في مدة نبوته، وهي ثلاثة وعشرون سنةً، تضاف إلى أصل الرؤيا، فتبلغ سبعين. قال الحافظ: ويبقى في أصل المناسبة إشكال آخر، وهو أن المتبادَر من الحديث إرادة تعظيم رؤيا المؤمن الصالح، والمناسبة المذكورة تقتضي قصر الخبر على سورة ما اتَّفَقَ لنبينا -ﷺ-؛ كأنه قيل: كانت المدة التي أوحى الله إلى نبيّنا -ﷺ- فيها في المنام جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من المدة التي أوحى الله إليه فيها في اليقظة، ولا يلزم من ذلك أن كلّ رؤيا لكل صالح تكون كذلك، ويؤيد إرادة التعميم الحديث الذي ذكره الخطابيّ في الهدي والسمت، فإنه ليس خاصًّا بنبوّة نبيِّنا -ﷺ- أصلًا. وقد أنكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة التأويل المذكور، فقال: ليس فيه كبير فائدة، ولا ينبغي أن يُحمل كلام المؤيَّد بالفصاحة والبلاغة على هذا المعني، ولعل قائله أراد أن يجعل بين النبوة والرؤيا نوع مناسبة فقط، ويعكر عليه الاختلاف في عدد الأجزاء. [تنبيه]: حديث الهدي الصالح الذي ذكره الخطابيّ، أخرجه الترمذيّ، والطبرانيّ، من حديث عبد الله بن سَرْخِس، لكن بلفظ أربعة وعشرين جزءًا، وقد ذكره القرطبي في «المفهم» بلفظ: «من ستة وعشرين». انتهى. وقد أبدى غير الخطابيّ المناسبة باختلاف الروايات في العدد المذكور، وقد جمع بينها جماعة، أولهم الطبريّ، فقال: رواية السبعين عامّة في كلّ رؤيا صادقة، من كلّ مسلم، ورواية الأربعين خاصّة بالمؤمن الصادق الصالح، وأما ما بين ذلك فبالنسبة لأحوال المؤمنين. وقال ابن بطال: أما الاختلاف في العدد قلة وكثرةً، فأصح ما ورد فيها: «من ستة وأربعين»، و«من سبعين»، وما بين ذلك من أحاديث الشيوخ، وقد وجدنا الرؤيا تنقسم قسمين: جلية ظاهرة؛ كمن رأى في المنام أنه يُعطَى تمرًا، فالمعطي تمرًا مثله في اليقظة، فهذا القسم لا إغراب في تأويلها، ولا رمز في تفسيرها، ومرموزة بعيدة المرام، فهذا القسم لا يقوم به حتى يَعْبُره إلَّا حاذق لِبُعد ضرب المثل فيه، فيمكن أن هذا من السبعين، والأول من الستة والأربعين؛ لأنه إذا قلّت الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى الصدق، وأسلم من وقوع الغلط في تأويلها، بخلاف ما إذا كثرت، قال: وقد عرضت هذا الجواب على جماعة فحسَّنوه، وزادني بعضهم فيه أن النبوة على مثل هذين الوصفين تلقّاها الشارع عن جبريل، فقد أخبر أنه كان يأتيه الوحي مرةً، فيكلمه بكلام فيعيه بغير كلفة، ومرة يلقي إليه جُمَلًا، وجوامع، يشتد عليه حملها حتى تأخذه الرُّحَضاء، ويتحدَّر منه العرق، ثم يُطلعه الله على بيان ما ألقى عليه منها. ولخّصه المازريّ ، فقال: قيل: إن المنامات دلالات، والدلالات منها ما هو جليّ، ومنها ما هو خفيّ، فالأقل في العدد هو الجليّ، والأكثر في العدد هو الخفيّ، وما بين ذلك. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما حاصله: أن النبوة جاءت بالأمور الواضحة، وفي بعضها ما يكون فيه إجمال، مع كونه مبيَّنًا في موضع آخر، وكذلك المَرائي منها ما هو صريح، لا يحتاج إلى تأويل، ومنها ما يحتاج، فالذي يفهمه العارف من الحقّ الذي يعرج عليه منها جزء من أجزاء النبوة، وذلك الجزء يكثر مرّةً، ويقِلّ أخري، بحسب فهمه، فأعلاهم من يكون بينه وبين درجة النبوة أقلّ ما ورد من العدد، وأدناهم الأكثر من العدد، ومن عداهما ما بين ذلك. وقال القاضي عياض: ويَحْتَمِل أن تكون هذه التجزئة في طُرُق الوحي؛ إذ منه ما سُمِع من الله بلا واسطة، ومنه ما جاء بواسطة المَلَك، ومنه ما ألقي في القلب من الإلهام، ومنه ما جاء به المَلَك، وهو على صورته، أو على صورة آدمي معروف، أو غير معروف، ومنه ما أتاه به في النوم، ومنه ما أتاه به في صلصلة الجرس، ومنه ما يُلقيه روح القدس في رُوعه، إلى غير ذلك، مما وقفنا عليه، ومما لَمْ نقف عليه، فتكون تلك الحالات إذا عُدّدت انتهت إلى العدد المذكور. قال القرطبيّ في «المفهم»: ولا يخفى ما فيه من التكلف والتساهل، فإن تلك الأعداد إنما هي أجزاء النبوة، وأكثر الذي ذكره إنما هي أحوال لغير النبوة؛ لكونه يَعرف المَلَك، أو لا يعرفه، أو يأتيه على صورته، أو على صورة أَدميّ، ثم مع هذا التكلف لَمْ يبلغ عدد ما ذكر عشرين فضلًا عن سبعين. قال الحافظ: والذي نحاه القاضي سبقه إليه الْحَلِيميّ، فقرأت في «مختصره» للشيخ علاء الدين القونويّ بخطه ما نصه: ثم إن الأنبياء يختصون بآيات، يؤيدون بها؛ ليتميزوا بها عمن ليس مثلهم، كما تميزوا بالعلم الذي أوتوه، فيكون لهم الخصوص من وجهين، فما هو في حيز التعليم هو النبوة، وما هو في حيز التأبيد، هو حجة النبوة، قال: وقد قصد الحليميّ في هذا الموضع بيان كون الرؤيا الصالحة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فذكر وجوهًا من الخصائص العلمية للأنبياء، تكلَّف في بعضها، حتى أنهاها إلى العدد المذكور، فتكون الرؤيا واحدًا من تلك الوجوه: فأعلاها: تكليم الله بغير واسطة. ثانيها: الإلهام بلا كلام، بل يجد علم شيء في نفسه من غير تقدم ما يوصل إليه بحسّ، أو استدلال. ثالثها: الوحي على لسان ملك يراه فيكلمه. رابعها: نفث المَلَك في رُوعه، وهو الوحي الذي يُخص به القلب دون السمع، قال: وقد ينفث المَلَك في رُوع بعض أهل الصلاح، لكن بنحو الأطماع في الظفر بالعدوّ، والترغيب في الشيء، والترهيب من الشيء، فيزول عنه بذلك وسوسة الشيطان بحضور الملَك، لا بنحو نفي علم الإحكام، والوعد، والوعيد، فإنه من خصائص النبوة. خامسها: إكمال عقله، فلا يَعرض له فيه عارض أصلًا. سادسها: قوّة حفظه، حتى يسمع السورة الطويلة، فيحفظها من مرّة، ولا ينسى منها حرفًا. سابعها: عصمته من الخطأ في اجتهاده. ثامنها: ذكاء فهمه، حتى يتسع لضروب من الاستنباط. تاسعها: ذكاء بصره، حتى يكاد يُبصر الشيء من أقصى الأرض. عاشرها: ذكاء سمعه، حتى يسمع من أقصى الأرض ما لا يسمعه غيره. حادي عشرها: ذكاء شمه، كما وقع ليعقوب في قميص يوسف. ثاني عشرها: تقوية جسده، حتى سار في ليلة مسيرة ثلاثين ليلة. ثالث عشرها: عروجه إلى السماوات. رابع عشرها: مجيء الوحي له في مثل صلصلة الجرس. خامس عشرها: تكليم الشاة. سادس عشرها: إنطاق النبات. سابع عشرها: إنطاق الْجِذْع. ثامن عشرها: إنطاق الحجر. تاسع عشرها: إفهامه عُواء الذئب أن يفرض له رزقًا. العشرون: إفهامه رُغاء البعير. الحادي والعشرون: أن يسمع الصوت، ولا يرى المتكلم. الثانية والعشرون: تمكينه من مشاهدة الجنّ. الثالثة والعشرون: تمثيل الأشياء المغيبة له، كما مُثِّل له بيت المقدس صبيحة الإسراء. الرابعة والعشرون: حدوث أمر يعلم به العاقبة، كما قال في الناقة لَمّا بَرَكت في الحديبية: «حبسها حابس الفيل». الخامسة والعشرون: استدلاله باسم على أمر، كما قال لمّا جاءهم سهيل بن عمرو: «قد سَهُل لكم الأمر». السادسة والعشرون: أن ينظر شيئًا علويًّا، فيستدل به على أمر يقع في الأرض، كما قال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب. السابعة والعشرون: رؤيته مِن ورائه. الثامنة والعشرون: اطلاعه على أمر وقع لمن مات قبل أن يموت، كما قال في حنظلة: «رأيت الملائكة تغسله»، وكان قُتل وهو جُنُب. التاسعة والعشرون: أن يظهر له ما يَستدلّ به على فتوح مستقبل، كما جاء ذلك يوم الخندق. الثلاثون: اطّلاعه على الجَنَّة والنار في الدنيا. الحادية والثلاثون: الفراسة. الثانية والثلاثون: طواعية الشجرة حتى انتقلت بعروقها وغصونها من مكان إلى مكان، ثم رجعت. الثالثة والثلاثون: قصة الظبية، وشكواها له ضرورة خِشْفها الصغير. الرابعة والثلاثون: تأويل الرؤيا بحيث لا تخطئ. الخامسة والثلاثون: الحزر في الرُّطَب، وهو على النخل أنه يجيء كذا وكذا وسقًا من التمر، فجاء كما قال. السادسة والثلاثون: الهداية إلى الإحكام. السابعة والثلاثون: الهداية إلى سياسة الدين والدنيا. الثامنة والثلاثون: الهداية إلى هيئة العالم، وتركيبه. التاسعة والثلاثون: الهداية إلى مصالح البدن بأنواع الطبّ. الأربعون: الهداية إلى وجوه القربات. الحادية والأربعون: الهداية إلى الصناعات النافعة. الثانية والأربعون: الاطلاع على ما سيكون. الثالثة والأربعون: الاطلاع على ما كان مما لَمْ ينقله أحد قبله. الرابعة والأربعون: التوقيف على أسرار الناس، ومخبآتهم. الخامسة والأربعون: تعليم طرق الاستدلال. السادسة والأربعون: الاطلاع على طريق التلطف في المعاشرة. قال: فقد بلغت خصائص النبوة فيما مرجعه العلم ستة وأربعين وجهًا، ليس منها وجه إلَّا وهو يصلح أن يكون مقاربًا للرؤيا الصالحة التي أخبر أنَّها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والكثير منها وإن كان قد يقع لغير النبي، لكنه للنبي لا يخطئ أصلًا، ولغيره قد يقع فيه الخطأ، والله أعلم. وقال الغزاليّ في «كتاب الفقر والزهد» من «الإحياء» لَمّا ذكر حديث: «يدخل الفقراء الجَنَّة قبل الأغنياء بخمسمائة عام»، وفي رواية: «بأربعين سنة» قال: وهذا يدلّ على تفاوت درجات الفقراء، فكان الفقير الحريص على جزء من خمسة وعشرين جزءًا من الفقير الزاهد؛ لأنَّ هذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة، ولا يُظَنّ أن تقدير النبيّ -ﷺ- يتجزأ على لسانه كيف ما اتفق، بل لا ينطق إلَّا بحقيقة الحقّ، وهذا كقوله: «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»، فإنه تقديرُ تحقيقٍ، لكن ليس في قوة غيره أن يعرف علة تلك النسبة إلَّا بتخمين؛ لأنَّ النبوة عبارة عما يختص به النبيّ، ويفارق به غيره، وهو يختص بأنواع من الخواصّ، منها أنه يعرف حقائق الأمور المتعلقة بالله، وصفاته، وملائكته، والدار الآخرة، لا كما يَعلمه غيره، بل عنده من كثرة المعلومات، وزيادة اليقين والتحقيق، ما ليس عند غيره، وله صفة تتم له بها الأفعال الخارقة للعادات؛ كالصفة التي بها تتم لغيره الحركات الاختياربة، وله صفة يبصر بها الملائكة، ويشاهد بها الملكوت؛ كالصفة التي يفارق بها البصير الأعمي، وله صفة بها يُدرِك ما سيكون في الغيب، ويطالع بها ما في اللوح المحفوظ؛ كالصفة التي يفارق بها الذكيّ البليد، فهذه صفات كمالات ثابتة للنبيّ، يمكن انقسام كلّ واحدة منها إلى أقسام، بحيث يمكننا أن نقسمها إلى أربعين، وإلى خمسين، وإلى أكثر، وكذا يمكننا أن نقسمها إلى ستة وأربعين جزءًا، بحيث تقع الرؤيا الصحيحة جزءًا من جملتها، لكن لا يرجع إلَّا إلى ظنّ وتخمين، لا أنه الذي أراده النبيّ -ﷺ- حقيقةً. انتهى ملخصًا. قال الحافظ: وأظنه أشار إلى كلام الْحَلِيميّ، فإنه مع تكلفه ليس على يقين أن الذي ذكره هو المراد، والله أعلم. وقال ابن الجوزيّ : لمّا كانت النبوة تتضمن اطّلاعًا على أمور يظهر تحقيقها فيما بعدُ وقع تشبيه رؤيا المؤمن بها، وقيل: إن جماعة من الأنبياء كانت نبوّتهم وحيًا في المنام فقط، وأكثرهم ابتدئ بالوحي في المنام، ثم رَقُوا إلى الوحي في اليقظة، فهذا بيان مناسبة تشبيه المنام الصادق بالنبوة، وأما خصوص العدد المذكور، فتكلم فيه جماعة، فذَكَرَ المناسبة الأُولي، وهي أن مدة وحي المنام إلى نبينا -ﷺ- كانت ستة أشهر، وقد تقدم ما فيه، ثم ذَكَر أن الأحاديث اختلفت في العدد المذكور، قال: فعلى هذا تكون رؤيا المؤمن مختلفة، أعلاها ستة وأربعون، وأدناها سبعون، ثم ذكر المناسبة التي ذكرها الطبريّ. وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة وجهًا آخر، ملخّصه: أن النبوة لها وجوه من الفوائد الدنيوية والآخروية خصوصًا وعمومًا، منها ما يُعلم، ومنها ما لا يُعلم، وليس بين النبوة والرؤيا نسبة إلَّا في كونها حقًّا، فيكون مقام النبوة بالنسبة لمقام الرؤيا بحسب تلك الأعداد راجعة إلى درجات الأنبياء، فنِسبتها من أعلاهم، وهو من ضَمّ له إلى النبوة الرسالة أكثر ما ورد من العدد، ويسبتها إلى الأنبياء غير المرسلين أقلّ ما ورد من العدد، وما بين ذلك، ومن ثَمَّ أطلق في الخبر النبوة، ولم يقيِّدها بنبوة نبيّ بعينه. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن أبي جمرة من نوع التكلّفات السابقة، فتنبّه. قال الحافظ: ورأيت في بعض الشروح أن معنى الحديث أن للمنام شَبَهًا بما حصل للنبيّ، وتميَّز به عن غيره بجزء من ستة وأربعين جزءًا. قال: فهذه عدة مناسبات، لَمْ أر من جَمَعها في موضع واحد، فللَّه الحمد على ما ألهم، وعَلّم، ولم أقف في شيء من الأخبار على كون الإلهام جزءًا من أجزاء النبوة، مع أنه من أنواع الوحي، إلَّا أن ابن أبي جمرة تعرّض لشيء منه. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك أن هذه التأويلات، والمناسبات التي سبق ذِكرها في كلام الحافظ ﵀ تكلّفات، وتخرّصات لا يليق الخوض فيها، ولا اتّباع الخائضين فيها، بل الصواب الذي نعتقده، ونرى أنه الحقّ: أن رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزءًا من النبوّة، ونَكِلُ علم حقيقة ذلك إلى عالم الغيب والشهادة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٨٩٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَيُعْجِبُنِي الْقَيْدُ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ، وَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (محمد بن رافع) القشيريّ مولاهم الزاهد، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابد حافظ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل «قال» ضمير معمر، والمعنى أن معمرًا فصل المدرج، فجعل قوله: «فَيُعْجِبُنِي الْقَيْدُ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ» من قول أبي هريرة، موقوفًا عليه، وجَعَل المرفوع قوله: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»، وقد تقدّم أن هذا أرجح الروايات. [تنبيه]: رواية معمر عن أيوب هذه ساقها عبد الرزّاق في «مصنّفه»، فقال: (٢٠٣٥٢) - أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -ﷺ- قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، والرؤيا ثلاث: الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدّث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزين من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فلا يحدّث بها أحدًا، وليقم، فليصلّ»، قال أبو هريرة: يعجبني القيد، وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين، وقال النبيّ -ﷺ-: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة». انتهى . [تنبيه آخر]: قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ -بعد ذِكر اختلاف الروايات في عدد الأجزاء- ما خلاصته: اختلاف آثار هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا من النبوة ليس ذلك عندي باختلاف تضادّ، وتدافع، والله أعلم؛ لأنه يَحْتَمِل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على ستة وأربعين جزءًا، أو خمسة وأربعين جزءًا، أو أربعة وأربعين جزءًا، أو خمسين جزءًا، أو سبعين جزءًا، على حَسَب ما يكون الذي يراها من صِدْق الحديث، وأداء الأمانة، والدين المتين، وحُسن اليقين، فعلى قَدْر اختلافَ الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد، والله أعلم، فمن خَلَصَت له نيّته في عبادة ربه، ويقينه، وصِدْق حديثه كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب، كما أن الأنبياء يتفاضلون، والنبوة كذلك، والله أعلم، قال الله -عَزَّوَجَلَّ-: وَ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، ثم أخرج بسنده، عن ابن عباس -﵄-، عن النبيِّ -ﷺ- قال: «كان من الأنبياء من يسمع الصوت، فيكون به نبيًّا، وكان منهم من يرى في المنام، فيكون بذلك نبيًّا، وكان منهم من يُنفَث في أذنه، وقلبه، فيكون بذلك نبيًّا، وإن جبرئيل يأتيني، فيكلمني، كما يكلِّم أحدكم صاحبه». قال أبو عمر: هذا على أنَّه يكلمه جبريل كثيرًا بالوحي في الأغلب من أمره، وقد قال -ﷺ-: «إن روح القدس نَفَث في رُوعي، أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، خذوا ما حَلَّ، ودَعُوا ما حَرُم». وفي حديث عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- قيل له: كيف يأتيك الوحي؟ قال: «يأتيني الوحي أحيانًا في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيُفْصَم عني، وقد وعيت ما قال»، وقد كان يتراءى له جبريل من السحاب، وكان أولُ ما ابتدئ من النبوة أنه كان يرى الرؤيا، فتأتي كأنها فَلَق الصبح، وربما جاء جبريل في صفة إنسان حسن الصورة، فيكلمه، وربما اشتدّ عليه، حتى يَغِطّ غطيط البَكْر، ويئنّ، ويَحْمَرَّ وجهه، إلى ضروب كثيرة يطول ذكرها. وقد يَحْتَمِل أن تكون الرؤيا جزءًا من النبوة؛ لأنَّ فيها ما يُعجِز، ويمتنع؛ كالطيران، وقلب الأعيان، ولها التأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل. وجملة القول في هذا الباب أن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوة، وأن التصديق بها حقّ، وفيها من بديع حكمة الله ولطفه ما يزيد المؤمن في إيمانه، ولا أعلم بين أهل الدين والحقّ من أهل الرأي والأثر، خلافًا فيما وصفت لك، ولا ينكر الرؤيا إلَّا أهل الإلحاد، وشِرْذمة من المعتزلة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ ، وهو تحقيق نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٨٩٣] (…) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -يَعْنِي: ابْنَ زيدٍ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَهِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الرَّبيعِ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ، أبو الربيع الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لَمْ يتكلم فيه أحد بحجة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، قيل: إنه كان ضريرًا، ولعله طرأ عليه؛ لأنه صح أنه كان يكتب، من كبار [٨] (ت ١٧٩) وله (٧٩) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٣ - (هِشَامُ) بن حَسَان الأزديّ الْقُرْدوسيّ -بالقاف، وضم الدال- أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقالٌ؛ لأنه قيل: كان يُرسل عنهما [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيِّ -ﷺ-) فاعل «ساق»، و«يَذكُر» ضمير حمّاد بن زيد. [تنبيه]: رواية حماد بن زيد عن أيوب السختيانيّ، وهشام بن حسّان، كلاهما عن محمد بن سيرين لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٨٩٤] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: «وَأَكْرَهُ الْغُلّ» إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ، وَلَمْ يَذْكُر: «الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»).
مصادر المؤلف (٣٥)

١. وفي نسخة:«من خمسة».

٢. «معالم السُّنن» ٤/ ١٢٩.

٣. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٩/ ٣٠٠٣.

٤. حديث صحيحٌ، رواه أحمد في «مسنده» (٢/ ٢٦٩)، والترمذيّ في «جامعه» (٢٢٩١).

٥. «المفهم» ٦/ ١١ - ١٢.

٦. «بهجة النفوس» ٤/ ٢٤٧.

٧. «شرح النوويّ» ١٥/ ٢٠.

٨. «الديباج على مسلم» ٥/ ٢٨٤.

٩. «المفهم» ٦/ ١٨.

١٠. «المفهم» ٦/ ١٨.

١١. «المفهم» ٦/ ١٨ - ١٩.

١٢. «المفهم» ٦/ ١٩.

١٣. «الأُلْقية» كأُغْنية: ما أُلقي من التحاجي. اهـ. «القاموس» ص ١١٨٥.

١٤. «المفهم» ٦/ ١٩ - ٢٠.

١٥. «المفهم» ٦/ ١٩ - ٢٠.

١٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ٢٣ - ٢٤.

١٧. «الفصل للوصل المدرج» ١/ ١٦٧ - ١٧١.

١٨. هكذا نسخة «الفتح» «بأن الأول»، والظاهر أن الصواب: «بأن الثاني هو الصواب». فليُتأمل.

١٩. راجع: «شرح البخاريّ» لابن بطّال ٩/ ٥٣٧.

٢٠. قوله: «قَيَّدَ الإيمانُ الْفَتْكَ»؛ أي: الإيمان يمنع عن الفتك، كما يمنع القيد عن التصرف، فكأنه جعل الفتك مقيدًا، قال في «النهاية»: الفتك أن يأتي الرجل صاحبه، وهو غارّ، غافلٌ، فيشدّ عليه، فيقتله، والغِيلة أن يخدعه، ثم يقتله في موضع خفيّ. انتهى.

٢١. هكذا نسخة «الفتح»، ولعله: «على التنصيص»، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.

٢٢. «الفتح» ١٦/ ٣٦٣ - ٣٧٢، كتاب «التعبير» رقم (٧٠١٧).

٢٣. رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والنسائيّ.

٢٤. من بابي نصر، وضرب، من الْحَدْس، وهو الظنّ والتخمين.

٢٥. حديث صحيح، رواه عبد بن حميد في «مسنده» (١/ ١٨٣)، والطبرانيّ في «الأوسط» (١/ ٣٠٣)، والضياء في «المختارة» (٩/ ٤٠٥) وكلهم بلفظ: «جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوّة».

٢٦. تقدّم أنه صحيح باللفظ الماضي.

٢٧. «المفهم»٦/ ١٢ - ١٨.

٢٨. تقدّم أنه صحيح بلفظ: «من أربعة وعشرين جزءًا من النبوّة»، فتنبّه.

٢٩. «المعلم» ٣/ ١١٨.

٣٠. «بهجة النفوس» ٤/ ٢٣٦.

٣١. «كشف المشكل» ٢/ ٧٦ - ٧٧.

٣٢. «الفتح» ١٦/ ٢٩٥ - ٣٠٥، كتاب «التعبير» رقم (٦٩٨٣).

٣٣. هذا من قول الراوي عن عبد الرزّاق، فتنبّه.

٣٤. «مصنف عبد الرزاق» ١١/ ٢١١.

٣٥. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤.