HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٥٦

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ. فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ. فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ «مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ. فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ. فَوَاللَّهِ! لَأَنَا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص90
ج ٤ ص ١٨٢٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٧١٦
«لِكُلّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَقَالَ كَمَا قَالَ مَنْ قَبْلَهُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ». وَأَمَّا الصَّاحِبُ: فَبِمَا كَانَ مَعَ مَن اتَّبَعَهُ مِنْ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وَعَظِيمِ الْوَفَاء، وَالْمُرُوءَةِ وَالْبِرِّ وَالْكَرَامَةِ. وَأَمَّا الشَّفِيعُ الْمُشَفَّعُ: فَإِنَّهُ يَرْغَبُ إلَى اللهِ فِي أَمْرِ الْخَلْقِ بِتَعْجِيلِ الْحِسَاب، وَإِسْقَاطِ الْعَذَابِ وَتَخْفِيفِه، فَيَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيُخَصُّ بِهِ دُونَ الْخَلْق، ويُكَرَّمُ بِسَبَبِهِ غَايَةَ الْكَرَامَةِ. وَأَمَّا الْمُتَوَكِّلُ: فَهُوَ الْمُلْقِي مَقَالِيدَ الْأُمُورِ إلَى اللهِ عِلْمًا، كَمَا قَالَ: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك»، وَعَمَلًا، كَمَا قَالَ: «إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَو إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْته أَمْرِي»؟. وَأَمَّا الْمُقَفَّى: فِي التَّفْسِيرِ فَكَالْعَابِدِ. وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ: لِأَنَّهُ تَابَ اللهُ عَلَى أُمَّتِهِ بِالْقَوْلِ وَالاعْتِقَادِ دُونَ تَكْلِيفِ قَتْلٍ أَو إصْرٍ. وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ: تَقَدَّمَ فِي اسْمِ الرَّحِيمِ. وَنَبِي الْمَلْحَمَةِ: لِأَنَّهُ الْمَبْعُوثُ بِحَرْبِ الْأَعْدَاءِ وَالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يَعُودُوا جَزْرًا عَلَى وَضَمٍ وَلَحْمًا عَلَى وَضَمٍ. انتهى كلام ابن العربيّ ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٥) - (بابُ عِلْمِهِ -ﷺ- بِاللهِ تَعَالَى، وَشِدَّةِ خَشْيَتِهِ لَهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٩١] (٢٣٥٦) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: صَنَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَمْرًا، فَتَرَخصَ فِيه، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِه، فَكَأَنَّهُمْ كلرِهُوهُ، وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: «مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخُّصْتُ فِيه، فَكَرِهُوهُ، وَتنزَّهُوا عَنْهُ؟ فَوَاللهِ لأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِالله، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح -بالتصغير- الْهَمَدانيّ الكوفيّ العطار مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضل [٤] مات سنة مائة (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٢/ ٦٣٥. ٢ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ٢٢٧. ٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت قبل بابين. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و«جرير» هو: ابن عبد الحميد. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغداديّ، وعائشة -﵂-، فمدنيّة، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، وأعلم نساء الأمة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَمْرًا، فَتَرَخَّصَ فِيهِ)، وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش الآتية: «رَخَّص النبيّ -ﷺ- في أمر»، يقال: تَرَخَّصَ في الأُمُورِ: أَخَذَ فِيهَا بالرُّخْصَة، أفاده المرتضى ، والرُّخْصَةُ بالضمّ وزانُ غُرفة، وتُضمّ الخاء للإتباع: التسهيل في الأمر، والتيسير، يقال: رَخَّصَ، الشرع لنا في كذا تَرْخِيصًا، وأَرْخَصَ إِرْخَاصًا: إذا يسَّره، وسهّله، أفاده الفيّوميّ . وقال القرطبيّ ﵀: قول عائشة -﵂-: «صنع رسول الله -ﷺ- أمرًا، فترخَّص فيه»؛ أي: فَعَل أمرًا ترك فيه التشديد؛ لأنه رُخِّص له فيه، كما قال في الرواية الأخرى: «ما بال رجال يرغبون عما رُخِّص لي فيه؟»، ولعل هذا من عائشة -﵂- إشارة لحديث النَّفر الذين استقلُّوا عبادة النبيّ -ﷺ-، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي، ولا أنام، وقال الآخر: وأنا أصوم، ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا لا أنكح النساء، فلما بلغ النبيّ -ﷺ- ذلك، قال: «وأما أنا فأصلي، وأنام، وأصوم، وأُفطر، وأنكح النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني»، وقد تقدَّم في «النكاح». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لم يُذكر في الرواية تعيين الأمر الذي ترخّص فيه النبيّ -ﷺ-، وتنزّهوا عنه، إلا أن ابن بطال ﵀ أومأ إلى أنه القبلة للصائم، وقال غيره: لعله الفطر في السفر، ذكره في «الفتح» ، ولم يذكر مستنَد ذلك. ثم رأيت الحافظ قال في «الفتح» في موضع آخر: ولم أعرف أعيان القوم المشار إليهم في هذا الحديث، ولا الشيء الذي ترخص فيه النبيّ -ﷺ-، ثم وجدت ما يمكن أن يُعْرَف به ذلك، وهو ما أخرجه مسلم في «كتاب الصيام» من وجه آخر عن عائشة -﵂-: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أصبح جنبًا، وأنا أريد الصيام، فأغتسل، وأصوم، فقال رسول الله -ﷺ-: «وأنا تدركني الصلاة، وأنا جنب، فأصوم»، فقال: يا رسول الله، إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله -ﷺ-، وقال: «إني أرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي». وفي حديث أنس -﵁-: «أن ثلاثة رهط سألوا عن عمل رسول الله -ﷺ- في السرّ. . .» الحديث، وفيه قولهم: وأين نحن من النبيّ -ﷺ-؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وفيه قوله لهم: «والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم، وأفطر، وأصلي، وأرقد، وأتزوج النساء» . (فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا) لم تُعرف أسماؤهم كما مرّ آنفًا. (مِنْ أَصْحَابِهِ) -ﷺ- (فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ)؛ أي: ما ترخّص فيه النبيّ -ﷺ-، (وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ)؛ أي: باعدوا أنفسهم عنها؛ يعني: أنهم لم يريدوا العمل بها طلبًا للعزيمة حيث كانت رخصة، (فَبَلَغَهُ)؛ أي: بلغ النبيّ -ﷺ- (ذَلِكَ)؛ أي: كراهة هؤلاء، وتنزّههم عما ترخّص فيه، (فَقَامَ) -ﷺ- حال كونه (خَطِيبًا) للناس، وفي رواية أبي معاوية الآتية: «فَغَضِبَ، حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ»، (فَقَالَ: «مَا بَالُ رِجَالٍ) وفي رواية أبي معاوبة:»ما بالُ أقوام«، (بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ)؛ أي: أخذت فيه بالرخصة، (فَكَرِهُوهُ) أي: فكرهوا الأخذ برخصتي، (وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ؟»)، وفي رواية أبي معاوية: «يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ». وقال القرطبيّ ﵀: قوله -ﷺ-: «ما بال رجال … إلخ» هذا منه -ﷺ- عدول عن مواجهة هؤلاء القوم بالعتاب، وكانوا معيَّنين عنده، لكنه فعل ذلك لغلبة الحياء عليه، ولتلطُّفه في التأديب، ولسَتْر المعاتب، وتنزهُ هؤلاء عما ترخص به النبيّ -ﷺ- أوقعهم فيه ظنُّ أن المغفور له يُسامَح في بعض الأمور، وتسقط عنه بعض التكاليف، والأمر بالعكس؛ لوجهين: أحدهما: أن المغفور له يتعيَّن عليه وظيفة الشكر، كما قال -ﷺ-: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»، متفقٌ عليه. وثانيهما: أن الأعلم بالله تعالى، وبأحكامه هو الأخشى له، كما قال -ﷺ-: «إني لأعلمكم بالله تعالى، وأشدكم له خشية»، وقال في موضع آخر: «وأعلمكم بما أتقي». انتهى . (فَوَاللهِ لأَنَّا أَعْلَمُهُمْ بِالله، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً)؛ معناه: أنهم يتوهمون أن رغبتهم عما فعلت أقرب لهبم عند الله تعالى، وليس كما توهموا، بل أنا أعلمهم بالله، وأشدّهم له خشية، وإنما يكون القُرب إليه ﷾ والخشية له على حَسَب ما أَمَرَ، لا بمخيّلات النفوس، وتَكَلُّف أعمال لم يأمر بها، والله أعلم . وقال في «الفتح»: أشار -ﷺ- بقوله: «أعلمهم» إلى القوّة العلمية، وبقوله: «أشدهم له خشية» إلى القوة العملية؛ أي: أنا أعلمهم بالفضل، وأَولاهم بالعمل به. وحاصل ما أشار إليه أنه -ﷺ- قد جمع بين القوة العلمية والقوة العملية؛ أي: إنهم توهموا أن رغبتهم عما أفعل أقرب لهم عند الله تعالى، وليس كذلك؛ إذ هوأعلمُهم بالقربة، وأَولاهم بالعمل بها. وقال ابن بطال ﵀: كان النبيّ -ﷺ- رفيقًا بأمته، فلذلك خُفِّف عنهم العتاب؛ لأنهم فعلوا ما يجوز لهم من الأخذ بالشدّة، ولو كان ذلك حرامًا لأَمَرهم بالرجوع إلى فعله. قال الحافظ ﵀: أما المعاتبة فقد حصلت منه لهم بلا ريب، وإنما لم يميِّز الذي صدر منه ذلك سَتْرًا عليه، فحصل منه الرفق من هذه الحيثية، لا بترك العتاب أصلًا، وأما استدلالة بكون ما فعلوه غير حرام، فواضح من جهة أنه لم يُلزمهم بفعل ما فعله هو ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٦٠٩١ و٦٠٩٢ و٦٠٩٣] (٢٣٥٦)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٦١٠١) و«الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» (٧٣٠١) وفي «الأدب المفرد» (١/ ١٥٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٦٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٥ و١٨١)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٣/ ٨١٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٠١٥ و٢٠٢١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٨/ ٣١٠)، و(تمام) في «فوائده» (١/ ٢٢٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الحثّ على الاقتداء بالنبيّ -ﷺ-، وذمّ التعمق، والتنزه عن المباح شكًّا في إباحته. ٢ - (ومنها): حسن العشرة عند الموعظة، والإنكار، والتلطف في ذلك، حيث قال ﵀: «ما بال رجال»، ولم يقل: ما بال فلان بتعيينه، سترًا عليه. ٣ - (ومنها) بيان أن الخير كلّه في الاتباع، سواء كان ذلك في العزيمة، أو الرخصة. ٤ - (ومنها): بيان أن استعمال الرخصة بقصد الاتباع في المحل الذي وردت فيه أَولى من استعمال العزيمة، بل ربما كان استعمال العزيمة حينئذ مرجوحًا، كما في إتمام الصلاة في السفر ، وربما كان مذمومًا؛ إذا كان رغبةً عن السُّنَّة؛ كترك المسح على الخفين. ونقل ابن التين عن الداوديّ أن التنزه عما ترخّص فيه النبيّ -ﷺ- من أعظم الذنوب؛ لأنه يرى نفسه أتقى دئه تعالى من رسوله -ﷺ-، وهذا إلحاد. قال الحافظ: لا شك في إلحاد من اعتقد ذلك، ولكن الذي اعتَلّ به من أُشيَر إليهم في الحديث أنه غُفر له ما تقدم وما تأخر؛ أي: فإذا ترخص في شيء لم يكن مثل غيره، ممن لم يُغْفَر له ذلك، فيحتاج الذي لم يُغْفَر له إلى الأخذ بالعزيمة والشدة؛ لينجو، فأعلمهم النبيّ -ﷺ- أنه، وإن كان غفر الله له، لكنه مع ذلك أخشى الناس لله، وأتقاهم، فمهما فعله -ﷺ- من عزيمة، ورخصة، فهو فيه في غاية التقوى والخشية، لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجذ في العمل قيامًا بالشكر، ومهما ترخص فيه، فإنما هو للإعانة على العزيمة؛ ليعملها بنشاط. انتهى . ٥ - (ومنها): أن العبادة الأَولى فيها القصد، وملازمة ما يمكن الدوام عليه. ٦ - (ومنها): أن العلماء هم أخشى الناس دئه تعالى، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]. ٧ - (ومنها): أن الرجل الصالح ينبغي أن لا يترك الاجتهاد في العمل اعتمادًا على صلاحه. ٨ - (ومنها): أن الرجل يجوز له الإخبار بفضيلته؛ إذا دعت إلى ذلك حاجة، فإنه -ﷺ- قال: «فوالله لأنا أعلمهم … إلخ» مع أنه نهى عن تزكية النفس، فقال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. ٩ - (ومنها): جواز الغضب عند ردّ أمر الشرع، ونفوذ الحكم في حال الغضب، والتغير. وقال النوويّ: وفيه الغضب عند انتهاك حرمات الشرع، وإن كان المنتهك متأوِّلًا تأويلًا باطلًا . ١٠ - (ومنها): أن القُرب إلى الله تعالى سبب لزيادة العلم به، وشدة خشيته. ١١ - (ومنها): أن فيه دليلًا على رفق النبيّ -ﷺ- بأمته، وأن الدين يُسْر، وأن الشريعة حنيفية سمحة. ١٢ - (ومنها): أن فيه الإشارةَ إلى شدة رغبة الصحابة -﵃- في العبادة، وطلبهم الازدياد من الخير . ١٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: إنما كان النبيّ -ﷺ- أعلم الناس بالله تعالى؛ لِمَا خصَّه الله تعالى به في أصل الخلقة، من كمال الفطنة، وجَوْدة القريحة، وسداد النظر، وسرعة الإدراك، ولمَا رفع الله تعالى عنه من موانع الإدراك، وقواطع النظر قبل تمامه، ومن اجتمعت له هذه الأمور سَهُل عليه الوصول إلى العلوم النظرية، وصارت في حقه كالضرورية، ثم إن الله تعالى قد أطلعه من علم صفاته وأحكامه، وأحوال العالم كلّه على ما لم يُطْلِع عليه غيره، وهذا كلُّه معلوم من حاله -ﷺ- بالعقل الصريح، والنقل الصحيح، وإذا كان في علمه بالله تعالى أعلم الناس لزم أن يكون أخشى الناس لله تعالى؛ لأنَّ الخشية منبعثة عن العلم، وبحسبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، وقد أشار بعض المتصوفة إلى أن علوم الأنبياء ضرورية، وسمّاها كشفًا، وهذا كلام فيه إجمالٌ، ويحتاج إلى استفصال، فيقال لقائله: إن أردت بكونها ضرورية أنها حاصلة في أصل فطرتهم، وأنهم جُبلوا عليها، بحيث لم يستعملوا في شيء منها أفكارهم، ولا حَدّقوا نحوها بصائرهم، ولا أنظارهم، فهو قول باطل؛ لِمَا يُعْلَم قطعًا أنهم مكلّفون بمعرفة الله، ومعرفة صفاته، وأحكامه، ومأمورون بها، والضروريّ لا يكلَّف به؛ لأنَّه حاصل، والحاصل لا يُطْلَب، ولا يبتغَى، ولأن الإنسان لا يتمكن من ترك ما جُبل عليه، ولا من فِعله، وما كان كذلك لم يقع في الشريعة التكليف به بالنصّ والإجماع، وإنما الخلاف في جوازه عقلًا، وإن أراد به أن تلك العلوم تصير في حقهم ضرورية بعد تحصيلها بالطرق النظرية، والقيام بالوظائف التكليفية، فتتوالى عليهم تلك العلوم، فلا يتأتى لهم التشكك فيها، ولا الانفكاك عنها، فنقول: ذلك صحيح في حقّ الأنبياء قطعًا، وخصوصًا في حقّ النبيّ -ﷺ-، كما هو المعلوم من حاله، وحالهم -صلى الله عليه، وعليهم أجمعين -، وأما غيرهم فيجوز أن يُكرم الله تعالى بعض أوليائه بشيء من نوع ذلك، لكن على وجه الندور والقلة، وليس مُطردًا في كل الأولياء، ومن فُتِح له في شيء من ذلك ففي بعض الأوقات، وبعض المعلومات، ويكون ذلك خرقًا للعادات، فإنَّ سُنَّة الله تعالى في العلوم النظرية أنها لا تتوالى، ولا تدوم، ويمكن أن يُشكِّكَ فيما كان منها معلومًا، هذه سُنَّة الله الجارية، وحكمته الماضية، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلًا، ولا تحويلًا. انتهى . ١٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀ أيضًا: ويُستفاد من هذا الحديث النهي عن التنطع في الدين، وعن الأخذ بالتشديد في جميع الأمور فإنَّ دين الله يُسر، وهو الحنيفية السَّمحة، وإن الله يحب أن تؤتى رُخَصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه. وحاصل الأمر أن الواجب التمسك بالاقتداء بهدي النبيّ -ﷺ-، فما شدَّد فيه التزمناه على شدَّته، وفعلناه على مشقته، وما ترخص فيه أخذنا برخصته، وشكرنا الله تعالى على تخفيفه ونعمته، ومن رغب عن هذا، فليس على سُنَّته، ولا على منهاج شريعته. انتهى . ١٥ - (ومنها): ما قاله أيضًا: وفيه حجَّة على القول بمشروعية الاقتداء به -ﷺ- في جميع أفعاله، كما نقوله في جميع أقواله، إلا ما دلَّ دليل على أنه من خصوصياته، وقد أوضحنا هذا في الأصول. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: مسألة الاقتداء بأفعال النبيّ -ﷺ- جميعها إلا ما خُصّ به، قد استوفيت بحثه في «التحفة المرضيّة» ، و«شرحها» في الأصول، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوَّلَ الكتاب قال: [٦٠٩٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ -يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ- (ح) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَش، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ، نَحْوَ حَدِيثِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) -بمعجمة مكسورة، وياء، ومثلّثة- ابن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ تغيَّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) -بمعجمتين، وزانُ جعفر- المروزيّ، ثقةٌ من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقارب المائة (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل، كوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ) ضمير التثنية لحفص بن غياث، وعيسى بن يونس. وقوله: (بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ … إلخ)؛ يعني: ابن عبد الحميد المذكور في الحديث الماض، وإسناده: عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة -﵂-. [تنبيه]: رواية حفص بن غياث عن الأعممش ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٥٧٥٠) - حدّثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدّثنا مسلم، عن مسروق، قالت عائشة: صَنَع النبيّ -ﷺ- شيئًا، فرَخَص فيه، فتنزّه عنه قومٌ، فبلغ ذلك النبيّ -ﷺ-، فخَطَب، فحمد الله، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني لأَعْلَمُهم بالله، وأشدّهم له خشية». انتهى . ورواية عيسى بن يونس عن الأعمش ساقها ابن راهويه ﵀ في «مسنده»، فقال: (١٤٥٨) - أخبرنا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق، عن عائشة، قالت: صنع رسول الله -ﷺ- أمرًا، ترخَّص فيه، فبلغة أن أناسًا منهم بلغهم ذلك، فتنزهوا عنه، فخطبهم، فقال: «ما بال أقوام بلغهم أني صنعت أمرًا، ترخّصت فيه، يتنزهون عنه، والله إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشيةً. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي أَمْرٍ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ نَاسٌ مِنَ النَّاس، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَغَضِبَ، حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِه، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ؟ فَوَاللهِ لأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِالله، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله تعالى الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. متّفقٌ عليه.

٢. «أحكام القرآن» لابن العربيّ ٧/ ٣٨١ - ٣٨٩.

٣. «تاج العروس» ١/ ٤٤٥٥.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٣.

٥. «المفهم» ٦/ ١٥١ - ١٥٢.

٦. «الفتح» ١٧/ ١٧٦، كتاب «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» رقم (٧٣٠١).

٧. «الفتح» ١٣/ ٦٧٨ - ٦٧٩، كتاب «الأدب» رقم (٦١٠١).

٨. «المفهم» ٦/ ١٥٢.

٩. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٠٧.

١٠. «الفتح» ١٣/ ٦٧٨، كتاب «الأدب» رقم (٦١٠١).

١١. تقدّم في «كتاب الصلاة» أن القصر واجب على القول الراجح؛ لقوّة دليله، فتنبّه.

١٢. «الفتح» ١٧/ ١٧٦، كتاب «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» رقم (٧٣٠١).

١٣. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٠٧.

١٤. راجع: «عمدة القاري» ١/ ١٦٧.

١٥. «المفهم» ٦/ ١٥٠ - ١٥١.

١٦. «المفهم» ٦/ ١٥٠ - ١٥١.

١٧. «المفهم» ٦/ ١٥١.

١٨. راجع: «التحفة المرضيّة» ص ٤٦ - ٤٨.

١٩. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢٢٦٣.

٢٠. «مسند إسحاق بن راهويه» ٣/ ٨١٨.