HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٥٩

حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ السلمي ويحيى بن محمد اللؤلؤي. وألفاظهم متقاربة (قَالَ مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ). أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ. فَخَطَبَ فَقَالَ «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ. فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قَالَ، فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يوم أشد منه. قال، غطوا رؤوسهم وَلَهُمْ خَنِينٌ. قَالَ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا. وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا. وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. قَالَ، فَقَامَ ذَاكَ الرَّجُلُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ «أبوك فلان». فنزلت: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تبد لكم تسؤكم﴾ [٥/المائدة].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص92
ج ٤ ص ١٨٣٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص١٣
ورواية معمر عن الزهريّ ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٥٢٠) - حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أكبر المسلمين في المسلمين جُرْمًا رجلًا سأل عن شيء، ونَقَّرَ عنه، حتى أُنزل في ذلك الشيءِ تحريمٌ، من أجل مسألته». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦١٠١] (٢٣٥٩) - (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ السُّلَمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ اللُّؤْلُؤِيُّ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدثَنَا مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ، فَخَطَبَ، فَقَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، قَالَ: فَمَا أتى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ، قَالَ: غَطَّوْا رُؤُوسَهُمْ، وَلَهُمْ خَنِينٌ، فَالَ: فَقَامَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَالَ: فَقَامَ ذَاكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ فُلَانٌ»، فَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠١]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) العَدوي مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩)، وقيل: بعد ذلك (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨١. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ السُّلَمِيُّ) ابن إسماعيل البخاريّ، نزيل مرو، ثقةٌ [١١] (م) تقدم في «الصيام» ٣٩/ ٢٧٥٤، من أفراد المصنّف. ٣ - (يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ اللُّؤْلُؤِيُّ) هو: يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بن معاوية، أبو زكريّا اللؤلؤيّ المروزيّ نزيل بخاري، مقبول [١١] (ت ٢٥٧) (م) من أفراد المصنّف أيضًا، تقدم في «الصيام» ٣٩/ ٢٧٥٤. ٤ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مَرْوَ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) وله اثنتان وثمانون سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الْوَرْد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ، كان الثوريّ يقول: هوأمير المؤمنين في الحديث، وهوأوّل من فَتَّش بالعراق عن الرجال، وذَبَّ عن السُّنَّة، وكان عابدًا [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. ٦ - (مُوسَى بْنُ أَنَسِ) بن مالك الأنصاريّ، قاضي البصرة، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤٩/ ١٥٠٣. ٧ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، خادم رسول الله - ﷺ -، خَدَمه عشر سنين، ومات سمنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثمّ فصل؛ لمَا ذكرناه غير مرّة، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بالنصب على المفعوليّة، (عَنْ أَصْحَابِهِ) - ﵃ - (شَيْءٌ)، مرفوع على الفاعليّة؛ أي: شيء كرهه، وأنكره عليهم، وفي رواية قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ الآتية: «أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ». وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «بلغ رسول الله - ﷺ - عن أصحابه شيء»؛ أي: عن بعض أصحابه، وذلك أنه بلغة -والله تعالى أعلم - أن بعض مَن دَخَل في أصحابه، ولم يتحقق إيمانه هَمَّ أن يمتحن النبيّ - ﷺ - بالأسئلة، ويُكثر عليه منها لِيُعْجزه، وهذا كان دأب المنافقين وغيرهم من المُعادِين له، ولدِين الإسلام؛ فإنَّهم كانوا: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾ [التوبة: ٣٢]، ولذلك لمّا فَهِم النبيّ - ﷺ - ذلك قال لهم في هذا المجلس: «سلوني، سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلَّا أنبأتكم به»، فكلّ من سأله في ذلك المقام عن شيء أخبره به - أحبَّه أو كرهه -، ولذلك أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١]، فأدَّبهم الله تعالى بترك السؤال عما ليس بِمُهم، وخصوصًا عما تقدَّم من أحوال الجاهلية التي قد عفا الله عنها، وغفرها، ولمّا سمعت الصحابة - ﵃ - هذا كله انتهت عن سؤال رسول الله - ﷺ - إلَّا في أمر لا يجدون منه بدًّا، ولذلك قال أنس - ﵁ - فيما تقدم: «نُهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية، فيسأله، ونحن نسمع». انتهى . (فَخَطَبَ)، وفي رواية ابن شهاب عن أَنَس الآتية: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى لَهُمْ صَلَاةَ الظُّهْر، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ»، (فَقَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ) بضم العين المهملة مبنيًّا للمفعول؛ أي: أُظهرت لي، وقُرّبت منّي، وفي رواية ابن شهاب:»وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفأ، فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ«، (فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ) صفة لمحذوف؛ أي: فلم أر يومًا مثل هذا اليوم (فِي الْخَيْرِ) هو ما رآه في الجنّة، (وَالشَّرِّ) هو ما رآه في النار، (وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ)؛ أي: من أحوال الآخرة، وأهوالها، وقيل: ما أعلم من عظيم قدرة الله، وانتقامه من أهل الجرائم، وشدة عقابه وأهوال القيامة وما بعدها، وقيل: معناه لو دام علمكم كما دام علمي؛ لأن علمه متواصل بخلاف علم غيره . (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلَا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا») قيل: معنى القلة هنا: العدمُ، والتقدير: لتركتم الضحك، ولم يقع منكم؛ لغلبة الخوف، واستيلاء الحزن عليكم. وقال النوويّ - ﵀ -: فيه أن الجَنَّة والنار مخلوقتان، وقد سبق شرح عرضهما، ومعنى الحديث: لَمْ أر خيرًا أكثر مما رأيته اليوم في الجَنَّة، ولا شرًّا أكثر مما رأيته اليوم في النار، ولو رأيتم ما رأيت، وعلمتم ما علمت مما رأيته اليوم، وقبل اليوم، لأشفقتم إشفاقًا بليغًا، ولقلّ ضحككم، وكثر بكاؤكم. وفيه دليل على أنه لا كراهة في استعمال لفظة «لو» في مثل هذا، والله أعلم. انتهى . وقال المناويّ - ﵀ -: قوله: «لو تعلمون ما أعلم»؛ أي: من عِظَم انتقام الله من أهل الجرائم، وأهوال القيامة، وأحوالها ما علمته، لَمَا ضحكتم أصلًا المعبَّر عنه بقوله: «لضحكتم قليلًا»؛ إذ القليل بمعنى: العديم على ما يقتضيه السياق؛ لأنَّ «لو» حرف امتناع لامتناع، وقيل: معناه: لو تعلمون ما أعلم مما أُعِدّ في الجَنَّة من النعيم، وما حُفَّت به من الحُجُب، لَسَهُل عليكم ما كُلِّفتم به، ثم إذا تأملتم ما وراء ذلك من الأمور الخطرات، وانكشاف المعظمات يوم العرض على فاطر السماوات، لاشتد خوفكم، ولبكيتم كثيرًا، فالمعنى مع البكاء لامتناع عِلْمكم بالذي أعلم، وقدَّم الضحك لكونه من المسرة، وفيه من أنواع البديع مقابلة الضحك بالبكاء، والقلة بالكثرة، ومطابقة كل منهما بالآخر، قيل: الخطاب إن كان للكفار فليس لهم ما يوجب ضحكًا أصلًا، أو للمؤمنين فعاقبتهم الجَنَّة، وإن دخلوا النار فما يوجب البكاء؟ فالجواب أن الخطاب للمؤمن، لكن خرج الخبر في مقام ترجيح الخوف على الرجاء. انتهى . وقال في «الفتح»: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا» دلالة على اختصاصه بمعارف بصرية، وقلبية، وقد يُطلِع الله عليها غيره من المخلصين من أمته، لكن بطريق الإجمال، وأما تفاصيلها فاختُصّ بها النبيّ -ﷺ -، فقد جَمَع الله له بين علم اليقين، وعين اليقين، مع الخشية القلبية، واستحضار العظمة الإلهية، على وجه لَمْ يجتمع لغيره، ويشير إلى ذلك قوله - ﷺ -: في حديث عائشة - ﵂ -: «إن أتقاكم، وأعلمكم بالله لأنا». انتهى . (قَالَ) أنس - ﵁ - (فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك اليوم الذي خطب النبيّ - ﷺ - فيه هذه الخطبة البليغة، (قَالَ) أنس (غَطَّوْا) بفتح الطاء المشدّدة، وأصله: غَطَّيُوا بوزن تكلّموا، فقُلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثمّ حُذفت لالتقائها ساكنة مع واو الضمير؛ أي: ستروا (رُؤُوسَهُمْ، وَلَهُمْ خَنِينٌ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بالخاء المعجمة، هكذا هو في معظم النُّسخ، ولمعظم الرواة، ولبعضهم بالحاء المهملة، وممن ذكر الوجهين القاضي عياض، وصاحب «التحرير»، وآخرون، قالوا: ومعناه بالمعجمة: صوت البكاء، وهو نوع من البكاء دون الانتحاب، قالوا: وأصل الخنين: خروج الصوت من الأنف كالحنين -بالمهملة- من الفم، وقال الخليل: هو صوت فيه غُنّة، وقال الأصمعيّ: إذا تردّد بكاؤه، فصار في حوته غُنّة فهو خنين، وقال أبو زيد: الخنين مثل الحنين، وهو شدة البكاء. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «لهم حنين» بالحاء المهملة في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهنيّ بالخاء المعجمة، قال النوويّ: هكذا في معظم النُّسخ، ولمعظم الرواة؛ يعني: بالمعجمة، قال القرطبيّ: وهو المشهور، وهو خروج الصوت من الأنف بغنة، وفي «التوضيح»: وعند العذريّ بحاء مهملة، وممن ذكرها القاضي، وصاحب «التحرير»، وذكر القزاز أنه قد يكون الحنين والخنين واحدًا، إلَّا أن الذي بالمهملة من الصدر، وبالمعجمة من الأنف، وقال ابن سِيدهْ: الحنين من بكاء النساء دون الانتحاب، وقيل: هو تردد البكاء حتى يصير في الصوت غنة، وقيل: هو رفع الصوت بالبكاء، وقيل: هو صوت يخرج من الأنف حتى يَخِنّ، والخنين أيضًا الضحك؛ إذا أظهره الإنسان، فخرج خافيًا، وقال في الحاء المهملة: الحنين: الشديد من البكاء، والطرب، وقيل: هو صوت الطرب، كان ذلك عن حزن، أو فَرَح. وقال الخطابيّ: الحنين: بكاء دون الانتحاب. (قَالَ) أنس - ﵁ - (فَقَامَ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ - (فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالاسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا)، وفي الرواية التالية: «وبمحمد رسولًا»، وفي رواية قتادة من الزيادة: «نعوذ بالله من شرّ الفتن»، وفي مرسل السّدّيّ عند الطبريّ في نحو هذه القصة: «فقام إليه عمر، فقبّل رجله، وقال: رضينا بالله ربًّا …»، فذكر مثله، وزاد: «وبالقرآن إمامًا، فاعف عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي». قال ابن بطال - ﵀ -: فَهِم عمر منه أن تلك الأسئلة قد تكون على سبيل التعنت أو الشك، فخشي أن تنزل العقوبة بسبب ذلك، فقال: «رضينا بالله ربًّا … إلخ»، فَرَضِيَ النبيّ -ﷺ- بذلك، فسكت. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «فقال: رضينا بالله» معناه: رضينا بما عندنا من كتاب الله، وسُنَّة نبيناء - ﷺ -، واكتفينا به عن السؤال أبلغ كفاية، وقوله هذه المقالة إنما كان أدبًا، وإكرامًا لرسول الله - ﷺ -، وشفقةً على المسلمين؛ لئلا يؤذوا النبيّ - ﷺ -، فيدخلوا تحت قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]. وعن ابن عباس - ﵄ -: كان قوم يسألون رسول الله - ﷺ - استهزاءً، فيقول الرجل: من أبي؟، ويقول الرجل تَضِلّ ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. [فإن قلت]: بماذا نُصِب «ربًّا، ودينًا، ونبيًّا»؟. [قلت]: على التمييز، وهو وإن كان الأصل أن يكون في المعنى فاعلًا يجوز أن يكون مفعولًا أيضًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]، ويجوز أن يكون نصبها على المفعولية؛ لأن «رَضِي» إذا عُدِّي بالباء يتعدى إلى مفعول آخر. والمراد من الدين ها هنا التوحيد، وبه فسَّر الزمخشريّ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ الآية [آل عمران: ٨٥]؛ يعني: التوحيد. وأما في حديث عمر -﵁- قال: «بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - ذات يوم؛ إذ طلع علينا رجل. . .» الحديث، فقد أطلق رسول الله - ﷺ - الذين على الإسلام، والإيمان، والإحسان، بقوله: «إنه جبريل - ﵇ - أتاكم يعلمكم دينكم»، وإنما علّمهم هذه الثلاثة. والحاصل: أن الدِّين تارةً يطلق على الثلاثة التي سأل عنها جبريل - ﵇ -، وتارة يطلق على الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، وهذا يَمنع قول من يقول: بين الآية والحديث معارضة، حيث أطلق الدين في الحديث على ثلاثة أشياء، وفي الآية على شيء واحد، واختلاف الإطلاق إما بالاشتراك، أو بالحقيقة، أو المجاز، أو بالتواطئ، ففي الحديث أطلق على مجموع الثلاثة، وهوأحد مدلوليه، وفي الآية أطلق على الإسلام وحده، وهو مسماه الآخر. [فإن قلت]: لِمَ قال: بالإسلام؟ ولم يقل: بالإيمان؟. [قلت]: الإسلام، والإيمان واحد، فلا يَرِدُ السؤال. انتهى . (قَالَ: فَقَامَ ذَاكَ الرَّجُلُ)، وفي الرواية التالية: «فقام عبد الله بن حُذافة»، وفي رواية للعسكريّ: نزلت في قيس بن حذافة، وفي رواية للإسماعيليّ أنه خارجة بن حُذافة، قال الحافظ: والأول أشهر، وكلهم له صحبة. انتهى . (فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ فُلَانٌ»)، وفي الرواية التالية: «أبوك حُذافة»، (فَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾) فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. . .﴾ إلخ مرفوع على الفاعليّة لـ «نزلت» محكيّ؛ لِقَصْد لفظه. قال الإمام ابن كثير - ﵀ - في «تفسيره»: نَهَى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبيِّ - ﷺ - عن الأشياء قبل كونها، وقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]؛ أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تُبَيَّن لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه، فلعله أن يُحَرَّم من أجل تلك المسألة. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ٦١٠١ و٦١٠٢ و٦١٠٣ و٦١٠٤ و٦١٠٥ و٦١٠٦] (٢٣٥٩)، و(البخاريّ) في «العلم» (٩٣) و«مواقيت الصلاة» (٥٤٠)، و«الأذان» (٧٤٩) و«الدعوات» (٦٣٦٢) و«الرقاق» (٦٤٦٨) و«الفتن» (٧٠٨٩) و«الاعتصام» (٧٢٩٤)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٠٥٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٣٨)، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٦٢٤٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٨٩٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠٧ و١٦٢ و١٧٧ و٢٥٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٠٦ و١٥٠٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥/ ٤٣٦ و٦/ ٢٨٧ و٣٦٠ و٣٦١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٧٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ترجيح التخويف في الخطبة على التوسع في الترخيص؛ لِمَا في ذِكر الرُّخَص من ملاءمة النفوس لِمَا جُبِلت عليه من الشهوة، والطبيب الحاذق يقابل العلة بما يضادّها. ٢ - (ومنها): إيثار الستر على المسلمين، وكراهة التشديد عليهم، وكراهية التنقيب عما لَمْ يقع، وتكلّف الأجوبة لمن يقصد بذلك التمرّن على التفقه، والله أعلم. ٣ - (ومنها): مراقبة الصحابة - ﵃ - أحوالّ النبيّ - ﷺ -»، وشدّة إشفاقهم إذا غضب؛ خشيةَ أن يكون لأمر يَعُمّ، فيعمّهم. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه عمر - ﵁ - من الإدلال على النبيّ - ﷺ -. ٥ - (ومنها): جواز تقبيل رِجل الرَّجل. ٦ - (ومنها): جواز الغضب في الموعظة إذا وُجد هناك ما يستدعي ذلك، من مخالفة أمر، أو نحو ذلك. ٧ - (ومنها): جواز بروك الطالب بين يدي من يستفيد منه، وكذا التابع بين يدي المتبوع إذا سأله في حاجة. ٨ - (ومنها): مشروعية التعوذ من الفتن عند وجود شيء قد يظهر منه قرينة وقوعها، حيث قال عمر -﵁-، كما في الرواية: «عائذًا بالله من سوء الفتن». ٩ - (ومنها): جواز استعمال المزاوجة في الدعاء، حيث قال عمر - ﵁ - أيضًا: «اعفُ عفا الله عنك»، وإلا فالنبيّ - ﷺ - معفوّ عنه قبل ذلك. ١٠ - (ومنها): النهي عن إكثار السؤال، والابتداء بالسؤال عما لا يقع، قال النوويّ - ﵀ -: وإنما كُرِه ذلك لِمَعان: [منها]: أنه ربما كان سببًا لتحريم شيء على المسلمين، فيلحقهم به المشقة، وقد بيّن هذا بقوله - ﷺ - في الحديث الماضي: «أعظم المسلمين جُرْمًا مَن سأل عن شيء لَمْ يُحَرَّم على المسلمين، فحُرِّم عليهم من أجل مسألته». [ومنها]: أنه ربما كان في الجواب ما يكرهه السائل، ويسوؤه، ولهذا أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، كما صُرِّح به في الحديث في سبب نزولها. [ومنها]: أنهم ربما أَحْفَوه - ﷺ - بالمسألة، وألحقوه المشقة والأذي، فيكون ذلك سببًا لهلاكهم، وقد صُرِّح بهذا في حديث أنس -﵁- المذكور في الكتاب في قوله: «سألوا نبيّ الله - ﷿ - حتى أحفوه بالمسألة»، إلى آخره، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]. انتهى . وقال الإمام ابن عبد البرّ - ﵀ -: سئل مالك - ﵀ - عن معنى النهي عن كثرة السؤال، فقال: ما أدري، أنُهِي عن الذي أنتم فيه من السؤال عن النوازل، أو عن مسألة الناس المال؟ قال ابن عبد البرّ: الظاهر الأول، وأما الثاني فلا معنى للتفرقة بين كثرته وقلَّته، لا حيث يجوز، ولا حيث لا يجوز، قال: وقيل: كانوا يسألون عن الشيء، ويُلِحُّون فيه إلى أن يُحَرَّم، قال: وأكثر العلماء على أنَّ المراد: كثرة السؤال عن النوازل، والأغلوطات، والتوليدات. انتهى. وقال ابن عبد البرّ أيضًا: والسؤال إذا لَمْ يحلّ فلا يحل منه الكثير ولا القليل، وإذا كان جائزًا حلالًا فلا بأس بالإكثار منه حتى يبلغ إلى الحد المنهي عنه، والله أعلم، وقد كان رسول الله - ﷺ - يَكره كثرة المسائل، ويعيبها، والانفكاكُ عندي من هذا المعنى، والانفصال من هذا السؤال والإدخال، أن السؤال اليوم لا يُخاف منه أن ينزل تحريم، ولا تحليل من أجله، فمن سأل مُستفهِمًا راغبًا في العلم، ونفي الجهل عن نفسه، باحثًا عن معنًى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء الْعِيِّ السؤالُ، ومن سأل معنتًا، غير متفقه، ولا متعلِّم، فهذا لا يحلّ قليل سؤاله، ولا كثيرةُ. انتهى . ١١ - (ومنها): أن الحديث بيّن سبب نزول الآية المذكورة، قال في «الفتح» عند قوله: «فنزلت هذه الآية»: ووقع في «الفتن» من طريق قتادة، عن أنس في آخر هذا الحديث، بعد أن ساقه مطوَّلًا قال: «فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠١]. وأخرج الشيخان عن قتادة، عن أنس بن مالك:«أن الناس سألوا نبيّ الله - ﷺ - حتى أحفوه بالمسألة، فخرج ذات يوم، فصَعِد المنبر، فقال: سلوني، لا تسألوني عن شيء إلَّا بيّنته لكم، فلمّا سمع ذلك القومُ أرَمُّوا، ورَهِبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر، قال أنس: فجعلت ألتفت يمينًا وشمالًا، فإذا كل رجل لافّ رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل من المسجد كان يُلاحَي، فيدعى لغير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثم أنشأ عمر بن الخطاب -﵁ -، فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، عائذًا بالله من سوء الفتن، فقال رسول الله - ﷺ -: لَمْ أر كاليوم قطّ في الخير والشرّ، إني صُوِّرت لي الجَنَّة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط». وروى الطبريّ من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: خرج رسول الله - ﷿ - غضبان مُحمارٌّ وجهه، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل، فقال: أين أبي؟ قال: في النار، فقام آخر، فقال: من أبي؟ فقال: حُذافةُ، فقام عمر، فذكر كلامه، وزاد فيه:«وبالقرآن إمامًا»، قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية، قال الحافظ: وهذا شاهد جيّد لحديث موسى بن أنس المذكور. وأما ما روى الترمذيّ من حديث عليّ - ﵁ - قال:«لما نزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، ثم قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فقال: لا، ولو قلت: نعم، لوجبت، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا﴾، فهذا لا ينافي حديث أبي هريرة -﵁- لاحتمال أن تكون نزلت في الأمرين، ولعل مراجعتهم له في ذلك هي سبب غضبه. وقد رَوَى أحمد من حديث أبي هريرة - ﵁ -، والطبريّ من حديث أبي أمامة - ﵁ - نحو حديث عليّ هذا، وكذا أخرجه من وجه ضعيف، ومن آخر منقطع، عن ابن عباس - ﵄ -. وجاء في سبب نزولها قول ثالث، وهو ما يدل عليه حديث ابن عباس - ﵄ - الذي أخرجه البخاريّ عن أبي الجويرية عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان قوم يسألون رسول الله - ﷺ - استهزاءً، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تَضِلّ ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلها، قال الحافظ: وهو أصح إسنادًا، لكن لا مانع أن يكون الجميع سبب نزولها، والله أعلم. وجاء في سبب نزولها قولان آخران، فأخرج الطبريّ، وسعيد بن منصور، من طريق خُصيف عن مجاهد، عن ابن عباس أن المراد بالأشياء: البَحِيرةُ، والوَصِيلةُ، والسائبةُ، والحامُ، قال: فكان عكرمة يقول: إنهم كانوا يسألون عن الآيات، فنُهُوا عن ذلك، قال: والمراد بالآيات: نحو سؤال قريش أن يَجعل الصفا لهم ذهبًا، وسؤال اليهود أن يُنزل عليهم كتابًا من السماء، ونحو ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الكريم، عن عكرمة، قال: نزلت في الذي سأل عن أبيه. وعن سعيد بن جبير: في الذين سألوا عن البَحيرة، وغيرها. وعن مِقْسَمٍ: فيما سأل الأمم أنبياءها عن الآيات. قال الحافظ: وهذا الذي قاله مُحْتَمِلٌ، وكذا ما أخرج ابن أبي حاتم من طريق عطيّة، قال: نُهُوا أن يسالوا مثل ما سأل النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، وقد رجّحه الماورديّ، وكأنه من حيث المعنى؛ لوقوع قصة المائدة في السورة بعد ذلك، واستبعد نزولها في قصة من سأل عن أبيه، أو عن الحجِّ كل عام، وهو إغفال منه لِمَا في «الصحيحين»، ورجَّح ابن الْمُنَيِّر نزولها في النهي عن كثرة المسائل عما كان، وعما لَمْ يكن، واستَنَد إلى كثير مما أورده البخاريّ في «باب ما يُكره من كثرة السؤال» في «كتاب الاعتصام»، وهو مُتّجِه، لكن لا مانع أن تتعدد الأسباب، وما في «الصحيح» أصح. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أن الآية الكريمة نزلت في الأسباب التي ذُكرت في الروايات السابقة؛ إذ لا مانع من ذلك، فلا حاجة إلى التكلّف بترجيح بعضها على بعض دودن بيّنة وحجة، وإن صير إلى الترجيح ولا بدّ، فما في «الصحيحين» أرجح، لكن الجمع بتعدّد الأسباب، أَولي، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦١٠٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبِي؛ قَالَ: «أَبُوكَ فُلَان»، وَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ) البصريّ البحرانيّ - بالموحّدة، والمهملة - صدوقٌ، من [١١] (ت ٢٥٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤، وهو أحد التسعة الذي روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضل، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبِي؟) تقدّم أنه عبد الله بن حُذافة، وقيل: غيره. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوَّلَ الكتاب قال: [٦١٠٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى لَهُمْ صَلَاةَ الظُّهْر، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَر، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ، فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ، فَوَاللهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِه، مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا»، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَقُولَ: «سَلُوني»، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُدَافَةَ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي»، بَرَكَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًا، وَبِالإسْلَام دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ، ثم قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوْلَى وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا، فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِط، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ، أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّة، فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ: وَاللهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسَ)؛ أي: مالت عن بطن السماء، يقال: زاغت الشمس تزيغ زَيْغًا: مالت، وزاغ الشيءُ كذلك، وزاغ يزوغ زَوْغًا -بالواو- لغةٌ . (فَصَلَّى لَهُمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ) هذا يقتضي أن زوال الشمس أول وقت الظهر؛ إذ لَمْ يُنقل أنه - ﷺ - صلى قبله، وهذا هو الذي استقرّ عليه الإجماع، وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة، أنه جوّز صلاة الظهر قبل الزوال، وعن أحمد، وإسحاق مثله في الجمعة، كما سبق بيانه في بابه . (فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَر، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ، فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ، فَوَاللهِ لَا تَسْأَلُونَنِي) هكذا بنونين، ووقع عند البخاريّ:»فلا تسألوني«بنون واحدة، قال في»العمدة«: قوله:»فلا تسألوني«بلفظ النفي، وحذف نون الوقاية منه جائز . (عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ)؛ أي: إلَّا أُخبركم به، فاستَعْمل الماضي موضع المستقبل؛ إشارةً إلى تحققه، وأنه كالواقع، وقال المهلّب: إنما خطب النبيّ - ﷺ - بعد الصلاة، وقال:»سلوني«؛ لأنه بلغة أن قومًا من المنافقين يسألون منه، ويُعجِّزونه عن بعض ما يسألونه، فتغيَّظ، وقال:»لا تسألوني عن شيء إلَّا أخبرتكم به«. (مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا»، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ) يُمَدّ، ويُقْصَر؛ إذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها. (حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)، وذلك لِمَا سمعوا من الأمور العظام الهائلة التي بين أيديهم، وخوفًا من نزول عذاب الله لِغضبه - ﷺ - كما كان ينزل على الأمم عند ردّهم على أنَّبيائهم - عليهم الصلاة والسلام - (وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَقُولَ) كلمة «أنْ» مصدرية، تقديره: وأكثر رسول الله - ﷺ - القول بقوله: (سَلُونِي) وأصله: اسألوني، فنُقلت حركة الهمزة إلى السين، فحُذفت، واستُغني عن همزة الوصل، فقيل: سلوني على وزن فَلُوني، قاله في «العمدة» . قال الجامع عفا الله عنه: الذي ذكره أهل اللغة أن سال لغة في سأل، قال الفيّوميّ -﵀- بعد ذِكر معنى سأل ما نصّه: والأمر مِن سَأَلَ: اسْأَلْ بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو: واسْأَلُوا، وسَلُوا، وفيه لغةٌ، سَالَ يَسَالُ، من باب خاف، والأمر من هذه: سَلْ، وفي المثنى والمجموع: سَلا، وسَلُوا على غير قياس ، وسِلْتُهُ أنا، وهما يَتَسَاوَلانِ. انتهى . (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ) -بضمّ الحاء المهملة، وبالذال المعجمة، وبعد الألف فاء- ابن قيس بن عديّ بن سعد -بفتح السين، وسكون العين- ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي أخو خُنيس بن حذافة زوج حفصة، أصابته جراحة بأُحُد فمات منها، وخلف عليها بعده رسول الله -ﷺ-، وعبد الله أسلم قديمًا، وكان من المهاجرين الأولين، وكانت فيه دُعابة، وقيل: إنه شهد بدرًا ولم يذكره الزهريّ، ولا موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق في البدريين، وأَسَره الروم في زمن عمر -﵁-، فأرادوه على الكفر، وله في ذلك قصة طويلة، وآخرها أنه قال له ملكهم: قَبِّل رأسي أُطلقك، قال: لا، قال له: وأُطلق من معك من أسرى المسلمين، فقبَّل رأسه، فأطلق معه ثمانين أسيرًا من المسلمين، فأخبر عمر بخبره، فقال: حقّ على كل مسلم أن يُقَبِّل رأس عبد الله بن حُذافة، وأنا أبدأ، فقام عمر، فقبّل رأسه، وقام المسلمون، فقبَّلوا رأسه، تُوُفي عبد الله في خلافة عثمان -﵄- . (فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟) إنما سأله عن ذلك؛ لأنه كان يُنسب إلى غير أبيه إذا لاحى أحدًا، فنسبه -ﷺ- إلى أبيه، فـ (قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ») إنما عرف -ﷺ- ذلك بالوحي، وهذا هو الظاهر، وقال في «العمدة»: إما بالوحي، وهو الظاهر، أو بحكم الفراسة، أو بالقياس، أو بالاستلحاق. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «أو بحكم الفراسة. . . إلخ» لا يخفى ما فيه، والأول هو الحقّ، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِنْ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي») قال العلماء: هذا القول منه -ﷺ- محمول على أنه أوحي إليه، وإلا فلا يَعلم كل ما سئل عنه من المغيَّبات إلا بإعلام الله تعالى، قال القاضي عياض: وظاهر الحديث أن قوله -ﷺ-: «سلوني» إنما كان غضبًا، كما قال في الرواية الأخرى: «سئل النبيّ -ﷺ- عن أشياء كرهها، فلما أُكثر عليه غَضِبَ، ثم قال للناس: سلوني»، وكان اختياره -ﷺ- ترك تلك المسائل، لكن وافقهم في جوابها؛ لأنه لا يمكن ردّ السؤال، ولِمَا رآه من حرصهم عليها، والله أعلم. (بَرَكَ عُمَرُ) بفتح الموحّدة، وتخفيف الراء من «بَرَك»، من البروك؛ أي: جَثَى على ركبتيه، كبروك البعير، يقال: برك البعير: إذا استناخ، واستُعمل في الآدميّ مجازًا . (فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) قال النوويّ -﵀-: وأما بروك عمر -﵁-، وقوله، فإنما فعله أدبًا وإكرامًا لرسول الله -ﷺ-، وشفقةً على المسلمين؛ لئلا يؤذوا النبيّ -ﷺ-، فيهلكوا، ومعنى كلامه: رضينا بما عندنا من كتاب الله تعالى، وسُنَّة نبينا محمد -ﷺ-، واكتفينا به عن السؤال، ففيه أبلغ كفاية. انتهى . (قَالَ) أنس (فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَوْلَى) قال النوويّ -﵀-: قوله:»أولى«تهديد، ووعيد، وقيل: كلمة تَلَهّف، فعلى هذا يستعملها مَن نجا من أمر عظيم، والصحيح المشهور أنها للتهديد، ومعناها قَرُب منكم ما تكرهونه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾ [القيامة: ٣٤]؛ أي: قاربك ما تكره، فاحذره، مأخوذ من الْوَلْيِ، وهو القرب. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«أولى»هي كلمة تهديد، ووعيد، وإذا كررت كان التهديد أعظم، كما قال تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، وهذا المقام الذي قامه النبيّ -ﷺ- كان مقامًا هائلًا مخوفًا، ولذلك قال أنس -﵁- في الرواية السابقة:«بلغ رسول الله -ﷺ- عن أصحابه شيء، فخطب، فقال: عُرضت عليّ الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا قال: فما أتى على أصحاب رسول الله -ﷺ- يوم أشدُّ منه. . .»الحديث . (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ عُرِضَتْ) بالبناء للمفعول، (عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا) بالمدّ، ويجوز بالقصر؛ أي: الساعةَ، من قولك: استأنفت؛ أي: ابتدأت، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]؛ أي: في وقت يقرب منّا، قاله في«العمدة»، وقال النوويّ: المشهور فيه المدّ، ويقال: بالقصر، وقرئ بهما في السبع، والأكثرون بالمدّ . (فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ) بضم العين؛ أي: جانبه، وفي رواية:«لقد مثّلت»، وفي رواية:«لقد صُوِّرت». قال في«العمدة»: [فإن قلت]: انطباع الصورة إنما يكون في الأجسام الصقيلة. [قلت]: هذا من حيث العادة، فلا يمتنع خرق العادة، لا سيما في حقّ هذا النبيّ العظيم -ﷺ-، ومع هذا هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر، وتلك في صلاة الكسوف، ولا مانع أن تُرَى الجنة والنار مرتين، وأكثر، على صور مختلفة. وقال القرطبيّ: ليس من المحال إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيما على مذهب أهل السُّنَّة في أن الجنة والنار قد خُلقتا، وهما موجودتان الآن، فيرجع إلى أن الله تعالى خَلَق لنبيه -ﷺ- إدراكًا خاصًّا به، أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما، ومنهم من تأول الرؤية هنا بالعلم، وقد أَبعد؛ لعدم المانع من الأخذ بالحقيقة، والعدول عن الأصل من غير ضرورة. انتهى . وقال المناويّ -﵀-: قوله:«عُرِضت علي الجنة والنار»؛ أي: نُصبتا، ومُثِّلتا إليّ كما تنطبع الصورة في المرآة. وقوله:«آنفًا»بالمدّ، والنصب على الظرفية؛ أي: قريبًا، وقيل: أوّلَ وقت كُنّا فيه، وقيل: الساعةَ، وقال أبو البقاء: تقديره: زمانًا آنفًا؛ أي: قريبًا من وقتنا، حُذِف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، زاد في رواية:«وأنا أصلّي»، وقد تجلى له الكون كله، وزُويت له الأرض بأسرها، فأُري مشارقها ومغاربها، وكلّ ذلك عند اندراج المسافات في حقّه. وقوله:«في عُرْض هذا الحائط»بضم العين المهملة: جانبه، أو وسطه. وقوله:«فلم أر»: فلم أبصر،«كاليوم»صفة محذوف؛ أي: يومًا كهذا اليوم، وأراد باليوم: الوقت الذي هو فيه، أو المعنى: لم أر منظرًا مثل منظر رأيته اليوم، فحَذَف المرئيّ، وأَدْخَل التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه، وبُعْده عن النظر المألوف، وقيل: الكاف اسم، والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا في الخير والشرّ؛ أي: ما أبصرت مثل الخير الذي رأيته في الجنة، والشر الذي رأيته في النار، فبالغوا في طلب الجنة، والهرب من النار. وقوله:«ولو تعلمون ما أعلم» من شدة عقاب الله، وقوّة سطوته بأهل المعاصي، لضحكتم قليلًا؛ أي: لتركتم الضحك في غالب الأحيان، وأكثر الأزمان، ولبكيتم كثيرًا لغلبة سلطان الوجل على قلوبكم. ولا يَرِد على ما تقرّر أوّلًا أن الانطباع إنما هو في الأجسام الصقيلة، ما ذاك إلا أنه شرط عاديّ، فيجوز أن تنخرق العادة، وفيه أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، ونُصْحُ المصطفى -ﷺ- لأمته، وتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرّهم، وتعذيب أهل الوعيد على المعاصي. [تنبيه]: قال بعضهم: من الحِكَم، والفوائد التي اشتَمَل عليها رؤية المصطفى -ﷺ- الجنة والنار الأُنس بأهوال القيامة؛ ليتفرغ فيه لشفاعة أمته -ﷺ-، ويقول: أمتي، أمتي، حيث يقول غيره من عظيم الهول: نفسي، نفسي. انتهى . (فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ»)؛ أي: لم أر خيرًا أكثر مما رأيته اليوم في الجنة، ولا شرًّا أكثر مما رأيته اليوم في النار. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ بالسند السابق، وليس معلّقًا، (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذلي، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه المشهور، تُوفّي سنة (٩٤) على الصحيح، وتقدّم في«المقدمة» ٣/ ١٤. (قَالَ) عبيد الله (قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ) لم تُسَمّ أمه، ثم إن عبيد الله لم يروه عنها، ولا عن ابنها عبد الله، وإنما رواه بواسطة رجل مجهول، كما بيَّنه في الرواية التالية، فتكون هذه الزيادة ضعيفةً؛ لجهالة من حدّث عبيد الله بها. [فإن قلت]: كيف أخرجها مسلم مع ضعفها؟. [قلت]: مراد مسلم أصل الحديث، دون الزيادة، وهو صحيح، فلا تضرّه الزيادة، والله تعالى أعلم. (لِعَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا) نافية، (سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ)؛ أي: في الزمان الماضي، وتقدّم البحث فيها مستوفًى. (أَعَقَّ)؛ أي: أكثر عُقوقًا لأمه، يقال: عقّ الولد أباه عُقُوقًا، من باب قَعَدَ: إذا عصاه، وترك الإحسان إليه، فهو عاقّ، والجمع: عَقَقَةٌ بفتحات . (مِنْكَ، أَأَمِنْتَ) بهمزتين، أُولاهما للاستفهام الإنكاريّ، والفعل بكسر الميم، من باب فَهِمَ، قال المجد -﵀-: الأَمْنُ، والآمِنُ كصاحِبٍ: ضِدُّ الخَوْف، أمِنَ كفَرِحَ أمْنًا، وأمانًا، بفَتْحِهِما، وأمَنًا، وأمَنَةً، محرَّكتينِ، وإمْنًا، بالكسر، فهو أمِنٌ، وأمِينٌ، كَفَرِحٍ، وأميرٍ. انتهى . (أنْ تَكُونَ أُمُّكَ) «أن» مصدريّة، والمؤوّل مفعول «أمنتَ»؛ لأن أَمِن يتعدّى بنفسه وبحرف الجرّ، فيقال: أَمِنته، وأمنته، وأمنت منه . (قَدْ قَارَفَتْ)؛ أي: فعلت واكتسبت (بَعْضَ مَما تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ)؛ أي: من الزنا، قال النوويّ -﵀-: أما قولها: «قارفت»: فمعناه: عَمِلت سُوءًا، والمراد: الزنى، والجاهلية هم مَن قبل النبوة، سُمُّوا به؛ لكثرة جهالاتهم، وكان سبب سؤاله أن بعض الناس كان يَطْعُن في نسبه، على عادة الجاهلية من الطعن في الأنساب، وقد بُيِّن هذا في الحديث الآخر بقوله؛ «كان يُلاحَى، فيُدعَى لغير أبيه»، والْمُلاحاة: المخاصمة، والسِّباب . (فَتَفْضَحَهَا) بفتح حرف المضارعة، والضاد المعجمة، يقال: فضحته فَضْحًا، من باب نَفَع: إذا كشفته، والفضيحة: العيب، والجمع فضائح . وقال النوويّ: معناه: لو كنتَ من زنا، فنفاك النبيّ -ﷺ- عن أبيك حُذافة، فضحتني (عَلَى أَعْيُن النَّاسِ؟)؛ أي: عَلَنًا وجهرًا. (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ) ردًّا على أمه (وَاللهِ لَوْ أَلْحَقَنِي) النبيّ -ﷺ-؛ أي: ذكر نسبي الحقيقيّ (بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ)؛ أي: انتسبت إلى ذلك العبد الأسود، قال النوويّ -﵀-: قد يقال: هذا لا يُتَصَوَّر؛ لأن الزنى لا يَثبُت به النسب. ويجاب عنه بأنه يَحْتَمِل وجهين: أحدهما: أن ابن حُذافة ما كان بلغه هذا الحكم، وكان يظنّ أن ولد الزنى يَلحَق الزاني، وقد خَفِي هذا على أكبر منه، وهو سعد بن أبي وقاص حين خاصم في ابن وَليدة زَمْعة، فظنّ أنه يَلحق أخاه بالزنى. والثاني: أنه يُتصوّر الإلحاق بعد وطئها بشبهة، فيثبت النسب منه، والله أعلم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ مَعَهُ، غَيْرَ أَنَّ شُعَيْبًا قَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ أُمَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ قَالَتْ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرَام السَّمَرْقَنْديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب «المسند»، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرَانيّ -بفتح الموحدة- الْحِمْصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأُمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الْحِمْصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لمعمر بن راشد، وشعيب بن أبي حمزة. وقوله: (وَحَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ مَعَهُ)؛ يعني: أن قول ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. . . إلخ، مذكور في جملة حديث معمر، وشعيب عن الزهري، مثل ما ذُكر في حديث يونس عنه، وإنما بيّن مسلم هذا؛ لأن بعض الرواة لم يذكر عنهما ذلك، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» روايتهما بدون زيادة حديث عبيد الله، فقال -﵀- في رواية معمر عن الزهريّ دون الزيادة: (٦٨٦٤) - وحدّثني محمود، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، أخبرني أنس بن مالك -﵁- أن النبيّ -ﷺ- خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: «من أحب أن يسأل عن شيء، فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء، إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا»، قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله -ﷺ- أن يقول: «سلوني»، فقال أنس: فقام إليه رجل، فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟، قال: «النار»، فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: «أبوك حذافة»، قال: ثم أكثر أن يقول: «سلوني، سلوني»، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -ﷺ- رسولًا، قال: فسكت رسول الله -ﷺ- حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله -ﷺ-: «أَولى، والذي نفسي بيده، لقد عُرضت علي الجنة والنار آنفًا في عُرض هذا الحائط، وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشرّ». انتهى . وقال في رواية شعيب عن الزهري دون الزيادة: (٥١٥) - حدّثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن رسول الله -ﷺ- خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فقام على المنبر، فذكر الساعة، فذكر أن فيها أمورًا عظامًا، ثم قال: «من أحب أن يسأل عن شيء، فليسأل، فلا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، ما دُمت في مقامي هذا»، فأكثر الناس في البكاء، وأكثر أن يقول: «سَلُوني»، فقام عبد الله بن حُذافة السهميّ، فقال: من أبي؟ قال: «أبوك حذافة»، ثم أكثر أن يقول: «سلوني»، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، فسكت، ثم قال: «عُرِضت عليّ الجنة والنار آنفًا في عُرض هذا الحائط، فلم أر كالخير والشر». انتهى . (غَيْرَ أَنَّ شُعَيْبًا قَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ)، وقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. . . إلخ)؛ أي: قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: حديث رجل. . . إلخ، ولم يسمّ الرجل، وهذا بيان صريح أن عبيد الله لم يرو هذه الزيادة إلا بواسطة رجل مجهول بينه وبين أم عبد الله حذافة، فتكون هذه الزيادة ضعيفة، كما أسلفت بيان ذلك في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم .. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه بالزيادة المذكورة ساقها أبو يعلى -﵀- في «مسنده»، فقال: (٣٦٠١) - حدّثنا إسحاق، حدّثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر، عن الزهريّ، قال: حدّثني أنس بن مالك، أن رسول الله -ﷺ- خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عظامًا، قال: «من أحب أن يسأل عن شيء، فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا حدثتكم به، ما دمت في مقامي هذا»، قال أنس: فقام إليه رجل، فقال: أين مدخل أبي يا رسول الله؟، قال: «النار»، فقام عبد الله بن حذافة، قال: من أبي يا رسول الله؟ قال: «أبوك حذافة»، ثم أكثر أن يقول: «سلوني»، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، فسكت رسول الله -ﷺ- حين قال عمر ذلك، ثم قال النبيّ -ﷺ-: «والذي نفسي بيده، لقد عُرضت عليّ الجنة والنار آنفًا في عُرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشرّ». قال الزهريّ: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ابنًا قطّ أعقّ منك، أكنت تأمَن أن تكون أمك قارفت في الجاهلية، فتفضحها على رؤوس النساء؟ قال عبد الله: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته. انتهى . وأما رواية شعيب عن الزهري بالزيادة المذكورة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٠٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «سَلُونِي، لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ»، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْمُ أَرَمُّوا، وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ، قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، كَانَ يُلَاحَى فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، عَائِذًا بِاللهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، إِنِّي صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ) أبو يعقوب البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م ت س ق) تقدم في «الصلاة» ٥٢/ ١١٤٣. [تنبيه]: قوله: «الْمَعْنيّ» بفتح الميم، وسكون العين المهملة، ثم نون، وتشديد الياء: نسبة إلى معن بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بطن من الأزد، قاله في «اللباب» . وقال النوويّ: هو بكسر النون، وتشديد الياء، قال السمعانيّ: منسوب إلى مَعْن بن زائدة. انتهى . ٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى البصريّ الساميّ -بالمهملة- أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمَّام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عَرُوبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختَلَط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة بن قتادة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. و«أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ» ذُكر قبله، وهذا الإسناد كله بصريون. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّ النَّاسَ) لم يُسمَّوا، (سَأَلُوا نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ) بالحاء المهملة والفاء؛ أي: ألحّوا، وأكثروا عليه، حتى جعلوه كالحافي، يقال: أحفاه في السؤال: إذا ألحّ عليه، قاله في «الفتح» ، وقال القرطبيّ: يقال: أحفى في المسألة، وألحّ بمعنى واحد . وقال في «العمدة»: قوله: «أحفوه» بالحاء المهملة، والفاء؛ أي: ألحوا عليه في السؤال، وأكثروا السؤال عنه، ويقال: أحفيته إذا حملته على أن يبحث عن الخبر، ويقال: أحفى، وألحف، وقال الداوديّ: يريد: سألوه عما يَكره الجواب فيه؛ لئلا يضيق على أمته، وهذا في مسائل الدين، لا في مسائل المال. انتهى . (فَخَرَجَ) -ﷺ- (ذَاتَ يَوْمٍ)؛ أي: يومًا من الأيام، وقال في «العمدة» عند قوله: «ذات غداة»: لفظة «ذات» زائدة، وقال الداوديّ: لفظة «ذات» بمعنى «في»؛ أي: في غداة، ورَدّ عليه ابن التين بأنه غير صحيح، بل تقديره: في ذات غداة، قال العينيّ: الصواب معه؛ لأنه لم يقل أحد: إن «ذات» بمعنى «في»، ويجوز أن يكون من باب إضافة المسمى إلى اسمه. انتهى . (فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «سَلُونِي، لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ»)؛ معناه: أنه أوحي إليه بذلك، (فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْمُ أَرَمُّوا)؛ أي: سكتوا، وأصله من المرمَّة، وهي؛ الشَّفة، فكأنهم أطبقوا مرمَّاتهم، فلم يحركوها بلفظة، قاله القرطبيّ . وقال النوويّ: هو بفتح الراء، وتشديد الميم المضمومة؛ أي: سكتوا، وأصله من المرمّة، وهي الشفة؛ أي: ضمّوا شفاههم بعضها على بعض، فلم يتكلموا، ومنه رَمَّت الشاةُ الحشيشَ: ضمّته بشفتيها. انتهى . (وَرَهِبُوا) بكسر الهاء؛ أي: خافوا (أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ)؛ أي: من العذاب النازل عليهم عند غضبه -ﷺ-. (قَالَ أَنَسٌ) -﵁- (فَجعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا) كلمة المفاجأة؛ أي: ففاجأني (كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ) «اللافّ»: اسم فاعل من لفّ الشيءَ يلُفّه، من باب نصر: إذا ضمّه إليه، ووصله به، قال الكرمانيّ: «لافّ» بالرفع، والنصب، قال العينيّ: أما الرفع فعلى أنه خبر المبتدأ، وهو قوله: «كلُّ رجل»، وأما النصب فعلى أنه حال من «رجل»، وقوله: (يَبْكِي) على هذا هو خبر قوله: «فإذا كلُّ رجل»، وعلى الرفع يكون جملة حالية. انتهى . [تنبيه]: قال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فإذا كل إنسان لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي»: هذه حالة العارفين بالله تعالى، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما تفعله جُهَّال العوام، والمبتدعة الطَّغام من الزعيق والزفير، ومن النهيق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وَجْدٌ وخشوع: إنك لم تبلغ حالك أن تساوي حال رسول الله -ﷺ-، ولا حال أصحابه -﵃- في المعرفة بالله تعالى، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله تعالى، والبكاء خوفًا من الله، والوقار حياءً من الله، وكذلك وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]، فصدَّر الله تعالى الكلام في هذه الآية بـ «إنما» الحاصرة لِمَا بعدها، المحقِّقة له، فكأنه قال: المؤمنون على التحقيق هم الذين تكون أحوالهم هكذا عند سماع ذكر الله، وتلاوة كتابه، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم، وكذلك قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣]، فهذا وصف حالهم، وحكاية مقالهم، فمن كان مُستنًّا فليستنّ، ومن تعاطى أحوال المجانين والمجون، فهو من أخسِّهم حالًا، والجنون فنون. [فإن قيل]: فقد صحَّ عن جماعة من السلف أنهم صَرَخُوا عند سماع القرآن، والمواعظ، فقد رُوي عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه سمع قارئًا يقرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور: ٧، ٨]، فصاح صيحة خرَّ مغشيًّا عليه، فحُمِل إلى أهله، فلم يزل مريضًا شهرًا. قال الجامع عفا الله عنه: في ثبوت هذا عن عمر -﵁- نظر لا يخفى، فأين سنده؟ حتى ننظر فيه، ومعلوم أن عمر -﵁-، وكذا بقيّة الصحابة -﵃- أحوالهم لا تخالف الآيتين السابقتين، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: وروي أن زرارة بن أوفى قرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ [المدثر: ٨]، فصَعِق، ومات في محرابه، وقرأ صالح المرِّيّ على أبي جهين فمات، وسمع الشافعيّ قارئًا يقرأ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]، فغُشِي عليه. وسَمِع عليّ بن الفضل قارئًا يقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦]، فسقط مغشيًّا عليه. فالجواب: أين الدرُّ من الصدف، والمسك من الجيف؟ هيهات، قياس الملائكة بالحدَّادين، والمحقِّقين بالممخرقين. فإنْ كنت -يا من لُبِّس عليه- تدَّعي أنك على نَعْتهم، فمُتْ كموتهم، فتنبَّه لبهرجتك؛ فإنَّ الناقد بصير، والمحاسب خبير، ثم يقال لمن صرخ في حال خطبة الجمعة: إن كنت قد ذهب عقلك حال صعقتك، فقد خَسِرت في صفقتك؛ إذ قد سُلِب عقلك، وذهب فهمك، ولحقت بغير المكلفين، وصرت كالصبيان، والمجانين، وحُرِمت سماع الموعظة، وشهود الخطبة، وقد قال مشايخ الصوفية: مهما كان الوارد مانعًا من القيام بفرض، ومانعًا من الخير فهو من الشيطان، ثم يلزم من ذهب عقله أن ينتقض وضوؤه، فإنْ صلى بعد تلك الغشية الجمعة، ولم يتوضأ، كان كمن لم يشهد الخطبة، ولا صلى، فأي صفقة أخسر ممن هذه صفقته؟ وأيّ مصيبة أعظم ممن هذه مصيبته؟ وإن كان وقت صراخه في عقله، فقد تكلم في حال الخطبة، وشَوّش على الحاضرين سماعها، وأظهر بدعة في مجتمع الناس، وعَرَّضهم؛ لأنه يجب عليهم تغييرها، فإنْ لم يفعلوا عَصَوا، فقد عصى الله من جهات متعددة، وحمَل الناس على المعصية، إلى ما ينضاف إلى ذلك من رياء كامنٍ في القلب، وفِسق ظاهر على الجوارح، فنسأل الله تعالى الوقاية من الخذلان، وكفاية أحوال الجهَّال والمُجَّان. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو مفيد في بابه، والله تعالى أعلم. (فَأَنْشَأَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن حُذافة، (مِنَ الْمَسْجِدِ، كَانَ يُلَاحَى) بالبناء للمفعول؛ أي: يخاصَم، من الملاحاة، وهي المخاصمة والمنازعة، (فَيُدْعَى) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: يُنسب (لِغَيْرِ أَبِيهِ)؛ يعني: يقولون له: يا ابن فلان، وهو غير أبيه، (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ) -ﷺ- («أَبُوكَ حُذَافَةُ») وهذا قاله بالوحي، كما هو الظاهر. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فأنشأ رجل من المسجد، كان يُلاحَى، فَيُدْعَى لغير أبيه»: أنشأ: أخذ في الكلام، وشرع فيه، ويُلاحَى: يُعيَّرُ، ويُذَم، بأن يُنْسَبَ إلى غير أبيه، ويُنفى عن أبيه، وسببُ هذا ما كانت أنكحة الجاهلية عليه؛ فإنَّها كانت على ضروب كما ذكرناه في «النكاح»، وكان منها: أن المرأة يطؤها جماعة؛ فإذا حملت، فولدت دُعي لها كل من أصابها، فتُلحق الولد بمن شاءت، فيَلحق به، فربما يكون الولد من خسيس القَدْر، فتلحقه بكبير القدر، فإذا نُفي عمن له مقدار، وألحق بمن لا مقدار له لحقه من ذلك نقص وعار. فكانوا يسألون رسول الله -ﷺ- عن تحقيق ذلك؛ لِيُنْسَب لأبيه الحقيقيّ الذي وُلد من نطفته، وتزول عنه تلك المعرَّة، فسأل هذان الرجلان النبيّ -ﷺ- عن ذلك، فقال لأحدهما: «أبوك حذافة»، وقال للآخر: «أبوك سالم»، فتحقَّق نسبهما، وزالت معرَّتهما. انتهى . (ثُمَّ أَنْشَأَ) قال أهل اللغة: معناه ابتدأ، ومنه أنشأ الله الخلق؛ أي: ابتدأهم، (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، عَائِذًا بِاللهِ) قال ابن السِّيد: هو منصوب على المصدر الذي يجيء على مثال فاعل؛ كقولهم: عُوفي عافيةً، أو على الحال المؤكدة النائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوف، كأنه قال: أعوذ بالله عائذًا، ولم يُذْكَر الفعل؛ لأن الحال نائبة عنه، ورُوي بالرفع؛ أي: أنا عائذ . وقال في «العمدة»: قوله: «عائذًا بالله» على وزن فاعل مصدر؛ لأن المصدر قد يجيء على هذا الوزن، كما في قولهم: عافاه الله عافيةً، فعلى هذا انتصابه على المصدرية، تقديره: أعوذ عائذًا بالله؛ أي: أعوذ عياذًا بالله، ويجوز أن يكون «عائذًا» على بابه، ويكون منصوبًا على الحال، وذو الحال محذوف، تقديره: أعوذ حال كوني عائذًا بالله، ورُوي «عائذٌ بالله» بالرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أنا عائذ بالله. انتهى . (مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ) -بضم السين المهملة، بعدها واو، ثم همزة- وللكشميهنيّ «شَرّ» بفتح المعجمة وتشديد الراء، وإضافة السوء إلى الفتن بمعنى «من»، ويَحْتَمِل أن يكون من إضافة الصفة للموصوف؛ أي: الفتن السوء، قال المجد -﵀-: ساءَهُ سَوْءًا، وسَوَاءً، وسَوَاءَةً، وسَوَايَةً، وسَوَائِيَةً، ومَسَاءَة، ومَسَائِيَةً -مَقْلُوبًا وأَصْلُهُ: مَسَاوِئَةً- ومَسَايَةً، ومَسَاءً، ومَسَائِيَّةً: فَعَلَ به ما يَكْرَهُ، فاسْتَاءَ هو، والسُّوءُ بالضم: الاسْمُ منه، قال: ولا خَيْرَ في قَوْلِ السَّوْءِ بالفتح، والضم، إذا فَتَحْتَ فَمَعْنَاه: في قَوْلٍ قَبيحٍ، وإذا ضَمَمْتَ، فمعناه: في أَنْ تَقُولَ سُوءًا، وقُرِئ: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] بالوَجْهَيْن؛ أي: الهَزِيمةِ، والشَّرِّ، والرَّدَى، والفَسَادِ، وكذا: ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]، أو المَضْمُومُ: الضَّرَرُ، والمَفْتُوحُ: الفَسَادُ، والنَّارُ، ومنه: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] في قِرَاءَةٍ. انتهى . قال القرطبيّ -﵀-: قول عمر -﵁-: «رضينا بالله ربًّا. . . إلخ» كلام يقتضي إفراد الحقّ بما يجب له تعالى من الربوبية، ولرسوله -ﷺ- من الرسالة اليقينية، والتسليم لأمرهما، وحُكمهما بالكلية، والاعتراف لدين الإسلام بأنه أفضل الأديان، وإنما صدَّر عمر -﵁- كلامه بنون الجمع؛ لأنه متكلِّم عن نفسه، وعن كل من حضر هنالك من المسلمين. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀- أيضًا: قوله: «عائذٌ بالله من الفتن» كذا صحَّت الرواية «عائذٌ» بالرفع؛ أي: أنا عائذ؛ أي: مستجير، والفتن: جمع فتنة، وقد تقدَّم أن أصلها الاختبار، وأنها تنصرف على أمور متعددة، ويعني بها هنا: المحن، والمشقات، والعذاب، ولذلك قال: «من سوء الفتن»؛ أي: من سيئها، ومكروهها، ولما قال ذلك عمر -﵁-، وضَمَّ إلى ذلك قوله: «إنا نتوب إلى الله»؛ كما جاء في الرواية الأخرى، سكن غضب رسول الله -ﷺ-، ثم أخذ يُحدِّثهم بما أطلعه الله عليه من أمور الآخرة، فقال: «لم أر كاليوم قطّ في الخير والشر» هذا الكلام محمول على الحقيقة، لا التوسع، والمجاز: فإنَّه لا خير مثل خير الجنَّة، ولا شرَّ مثل شرِّ النار. انتهى . وقال في «العمدة»: إنما قال عمر -﵁- ذلك؛ إكرامًا لرسول الله -ﷺ-، وشفقةً على المسلمين؛ لئلا يؤذوا النبيّ -ﷺ- بالتكثير عليه، وفيه أن غضب رسول الله -ﷺ- ليس مانعًا عن القضاء؛ لكماله، بخلاف سائر القضاة، وفيه فَهْمُ عمر -﵁-، وفضل علمه؛ لأنه خَشِي أن تكون كثرة سؤالهم كالتعنت له، وفيه أنه لا يُسأل العالم إلا عند الحاجة. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ)؛ أي: مثل هذا اليوم (قَطُّ)؛ أي: في الزمان الماضي، قال القرطبيّ -﵀-:»قطّ«: هي الظرفية الزمانية، ورويناها مفتوحة القاف، مضمومة الطاء مشدَّدة، وهي إحدى لغاتها، وتقال بالتخفيف، وتقال بضمّ القاف على إتباع حركتها لحركة الطاء، وذلك مع التشديد، والتخفيف، فأمَّا»قَطْ«بمعنى: حَسْبُ، فبتخفيف الطاء، وسكونها، وقد تزاد عليها نون بعدها، فيقال: قَطْني، وقد تحذف النون، فيقال: قطي، وقد تحذف الياء، فيقال: قَطِ، بكسر الطاء، وقد تبدل من الطاء دال مهملة، فيقال: قد، ويقال على تلك الأوجه كلها، كله من»الصحاح«. انتهى . (فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، إِنِّي صُوِّرَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: مُثّلت (لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ»)؛ يعني: بينه وبين الحائط الذي أمامه -ﷺ-. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «صوِّرت لي الجنة والنار فرأيتهما دون هذا الحائط»، وفي الرواية الأخرى: «لقد عُرضت عليّ الجنة والنار آنفًا في عُرْض هذا الحائط»، وفي البخاري في هذا الحديث: «لقد رأيت الآن -منذ صليت لكم الصلاة- الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار» ظاهر هذه الروايات -وإن اختلفت ألفاظها-: أنه -ﷺ- رأى مثال الجنة والنار في الجدار الذي استقبله، مصوَّرتين فيه، وهذا لا إحالة فيه، كما تتمثل المرئيات في الأجسام الصقيلة. يبقى أن يقال: فالحائط ليس بصقيل، ويجاب بأن اشتراط الصقالة في ذلك ليس بشرط عقليّ، بل عاديّ، وذلك محل خرق العادة، ووقتها، فيجوز أن يمثّلها الله تعالى فيما ليس بصقيل، هذا على مقتضى ظاهر هذا الحديث، وأما على مقتضى ظاهر أحاديث الكسوف، فيكون رآهما حقيقة، ومَدَّ يده ليأخذ قطفًا من الجنة، ورأى النار، وتأخر مخافة أن يصيبه لَفْحها، ورأى فيها فلانًا، وفلانة، وبمجموع الحديثين تَحَصَّل أن الله تعالى أطلع نبيَّه -ﷺ- على الجنة والنار مرتين: إحداهما: في صلاة الكسوف اطّلاعَ رؤية، كما فصلناه في الكسوف. وثانيتهما: هذه الاطلاعة، وكانت في صلاة الظهر، كما قد جاء في الرواية التي سبقت، أنه -ﷺ- خرج حين زاغت الشمس، فصلَّى لهم صلاة الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر الساعة. . . الحديث، وذكر نحو ما تقدَّم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قريبًا، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٠٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ). رجال هذا الحديث: عشرة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارثِيُّ) هو: يحيى بن حبيب بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ) بن عثمان الْعَبْديّ، أبو بكر البصريّ الملقّب ببُنْدار، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله بضع وثمانون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٥ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر بوزن جعفر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٦ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) هو: عاصم بن النضر بن المنتشر الأحول التيميّ، أبو عُمَر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٦/ ١٣٥٠. ٧ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب بالطفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٨ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني تيم، فنُسِب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن سبع وتسعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ) الضمير لخالد بن الحارث، ومحمد بن أبي عديّ؛ يعني: أنهما رويا هذا الحديث عن هشام الدستوائيّ. وقوله: (قَالَا جَمِيعًا) الضمير لهشام الدستوائيّ، وسليمان التيميّ؛ يعني: أنهما رويا هذا الحديث عن قتادة، عن أنس -﵁-. [تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ عن قتادة ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال:
مصادر المؤلف (٦٢)

١. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ١/ ١٧٦.

٢. وفي «التقريب»: مقبول، وفيه نظر، فقد روى عن جماعة، وروى عنه جماعة، وكان مستملي النضر بن شُميل، وروى عنه مسلم في «صحيحه»، ووثقه ابن حبّان، والذهبيّ في «الميزان» ٤/ ١٥، فلا شكّ أنه ثقةٌ فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.

٣. «المفهم»٦/ ١٦٥ - ١٦٦.

٤. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ١/ ٥٢٩.

٥. «شرح النوويّ» ١٥/ ١١٢.

٦. «فيض القدير على الجامع الصغير» للمناويّ ٥/ ٣١٥.

٧. «فتح الباري» ١١/ ٥٢٧.

٨. «شرح النوويّ» ١٥/ ١١٢ - ١١٣.

٩. سيأتي بيان الأسئلة في الرواية التالية.

١٠. «الفتح»١/ ١٨٨.

١١. «عمدة القاري» ٢/ ١١٤ - ١١٥.

١٢. «الفتح» ٨/ ٢٨١.

١٣. «تفسير ابن كثير» ١/ ١٥٣.

١٤. «شرح النوويّ» ١٥/ ١١٠.

١٥. «التمهيد»لابن عبد البرّ ٢١/ ٢٩٢.

١٦. «الفتح» ١٠/ ١٠٢ - ١٠٣، كتاب «التفسير» رقم (٤٦٢١).

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٦١.

١٨. «الفتح» ٢/ ٢١.

١٩. «عمدة القاري» ٥/ ٢٧.

٢٠. «عمدة القاري» ٥/ ٢٧.

٢١. إن كان على غير قياس؛ لأن القياس يقتضي أن يقال: سألا، وسألوا؛ كقياس خافا، وخافوا، وقد قال بعضهم: إن هذا الإسناد دليلٌ على أن سال يسال تخفيف سأل يسأل، ولكن رُدّ عليه بقولهم: هما يتساولان بالواو، وبقولهم: سِلْت بكسر السين، ولو كان مخفّفًا عن المهموز لقالوا: يتساولان، وسَلت بفتح السين. انتهى من هامش «المصباح».

٢٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٧.

٢٣. «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤١٢، و«عمدة القاري» ٢/ ٢٨.

٢٤. «عمدة القاري»٢/ ٢٨.

٢٥. «مشارق الأنوار»١/ ٨٥، و«الفتح»١/ ٣٣٠.

٢٦. «شرح النوويّ»١٥/ ١٠٢.

٢٧. «شرح النوويّ»١٥/ ١٠٢ - ١٠٤.

٢٨. «المفهم»٦/ ١٦٤.

٢٩. «عمدة القاري»٢٣/ ٢٦٤.

٣٠. «شرح النوويّ»١٥/ ١٥٤.

٣١. «عمدة القاري» ٧/ ٨٣.

٣٢. «فيض القدير» ٤/ ٣١٢.

٣٣. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٢.

٣٤. «القاموس المحيط» ١/ ١٥١٨.

٣٥. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٢٤.

٣٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ١١٤.

٣٧. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٥.

٣٨. «شرح النوويّ» ١٥/ ١١٤.

٣٩. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٦٦٠.

٤٠. «صحيح البخاريّ» ١/ ٢٠٠.

٤١. هكذا في النسخة، والذي في«صحيح البخاريّ»:«أين مدخلي»، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

٤٢. «مسند أبي يعلى»٦/ ٢٨٦ - ٢٨٧.

٤٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٢٣٧.

٤٤. «شرح النوويّ» ١٥/ ١١٥.

٤٥. «الفتح» ١٢/ ٢٦٩.

٤٦. «المفهم» ٦/ ١٥٨.

٤٧. «عمدة القاري» ٢٢/ ٣١١.

٤٨. «عمدة القاري» ٧/ ٧٩.

٤٩. «المفهم» ٦/ ١٥٩.

٥٠. «شرح النوويّ» ١٥/ ١١٥.

٥١. «عمدة القاري» ٢٢/ ٣١١.

٥٢. «المفهم» ٦/ ١٦٠ - ١٦١.

٥٣. «المفهم» ٦/ ١٦١ - ١٦٢.

٥٤. «الفتح» ٢/ ٥٣٨.

٥٥. «عمدة القاري» ٧/ ٧٨ - ٧٩.

٥٦. أي: عند البخاريّ، لا عند مسلم، فتنبّه.

٥٧. «القاموس المحيط» ١/ ٥٤.

٥٨. «المفهم» ٦/ ١٦٢.

٥٩. «المفهم»٦/ ١٦٢.

٦٠. «عمدة القاري»٢٢/ ٣١١.

٦١. «المفهم»٦/ ١٦٢.

٦٢. «المفهم» ٦/ ١٦٣ - ١٦٤.