HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٨٠

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. كُلُّهُمْ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ (وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ). حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى، ﵇، صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ، ﵇. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ. سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ « قَامَ مُوسَى ﵇ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ. قَالَ فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ! كَيْفَ لِي بِهِ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ. فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ. وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. فَحَمَلَ مُوسَى، ﵇، حُوتًا فِي مِكْتَلٍ. وَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ. فَرَقَدَ مُوسَى، ﵇، وَفَتَاهُ. فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ. قَالَ وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ. فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا. وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا. فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا. وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى، ﵇، قَالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا. قَالَ وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا. قال موسى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا. قَالَ يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا. حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى. فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ. وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ. قَالَ لَهُ مُوسَى، ﵇: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا. قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: فَإِنِ اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا. قَالَ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ. فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ. فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا. فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ. فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا. لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني مِنْ أَمْرِي عُسْرًا. ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ. فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ. فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ. فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى. قَالَ: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني. قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا. فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ. يَقُولُ مَائِلٌ. قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَقَامَهُ. قَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ. سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا. قال رسول الله ﷺ «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى. لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا». قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كانت الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا». قَالَ «وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ. ثُمَّ نَقَرَ فِي الْبَحْرِ. فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ». قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا. وَكَانَ يقرأ: وأما الغلام فكان كافرا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص103
ج ٤ ص ١٨٤٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص٢٢٠
قال الله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠]. انتهى ، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): ما قال المناويّ -﵀-: وجه خيرية عمل اليد ما فيه من إيصال النفع إلى الكاسب وغيره، والسلامة عن البطالة المؤدية إلى الفضول، وكسر النفس به، والتعفف عن ذلّ السؤال، وفيه تحريض على الكسب الحلال، وهو متضمن لفوائد كثيرة: منها: إيصال النفع لآخذ الأجرة، إن كان العمل لغيره، وإيصال النفع إلى الناس بتهيئة أسبابهم من نحو زرع، وغرس، وخياطة، وغير ذلك. ومنها: أن يشتغل الكاسب به، فيسلم عن البطالة واللهو. ومنها: كسر النفس به، فيقلّ طغيانها، ومَرَحها. ومنها: التعفف عن ذلّ السؤال، والاحتياج إلى الغير. وشرط المكتسِب أن لا يعتقد الرزق من الكسب، بل من الرزاق ذي القوة. انتهى كلام المناويّ -﵀- ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٦) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ -﵇-) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٤] (٢٣٨٠) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى -﵇- صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ -﵇-، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ الله، سَمِعْتُ أُبَيِّ بْنَ كَعْبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «قَامَ مُوسَى -﵇- خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، قَالَ: فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْه، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْه، أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْن، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ كَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ، فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ، وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَحَمَلَ مُوسَى -﵇- حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، وَانْطَلَقَ هُوَ، وَفَتَاهُ يَمْشِيَان، حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَى -﵇-، وَفَتَاهُ فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَل، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمِكْتَل، فَسَقَطَ فِي الْبَحْر، قَالَ: وَأَمْسَكَ اللهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاء، حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاق، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى -﵇-، قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، قَالَ: وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ به، ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾ [الكهف: ٦٣]-قَالَ مُوسَى-: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، قَالَ: يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَأَى رَجُلًا، مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنى إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله، عَلَّمَكَهُ اللهُ، لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله، عَلَّمَنِيه، لَا تَعْلَمُهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى -﵇-: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ [الكهف: ٦٦ - ٦٩]، قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾ [الكهف: ٧٠]، قَالَ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْر، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَة، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَولٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا؛ لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ [الكهف: ٧٢، ٧٣]، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَة، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِل، إِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَان، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأسِه، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِه، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٤، ٧٥]، قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَي، ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٦، ٧٧]، يَقُولُ: مَائِلٌ، قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَأَقَامَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ، فَلَمْ يُضَيِّفُونَا، وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ «[الكهف: ٧٨]. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:»يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ، حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا«، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ الله - ﷺ -:»كَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا«، قَالَ:»وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَة، ثُمَّ نَقَرَ فِي الْبَحْر، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ الله، إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ«، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ، يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا، وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هو: إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد، أبو محمد بن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ قرين أحمد بن حنبل [١٠] (ت ٢٣٨) وله اثنتان وسبعون سنةً (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قدامة السرخسيّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) تقدّم قريبًا. ٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) المكيّ، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. ٧ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] قُتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. ٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر -﵄-، تقدّم قبل بابين. ٩ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النّجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر، سيد القراء، ويكنى أبا الطُّفيل أيضًا، من فُضلاء الصحابة، اختُلِف في سنة موته اختلافًا كثيرًا، قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٦٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة أخذه وأدائه عنهم، ثم فصّل، فقال: «وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ» إشارة إلى اختلافهم على شيخهم، فابن أبي عمر أخذ عنه سماعًا من لفظه، فلذا قال: «حَدَّثَنَا»، وأيضًا صرّح باسمه ونسبه إلى أبيه، بخلاف الآخرين فلم يصرّحوا بذلك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ، وأن صحابيّه من فضلاء الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة، فكان سيّد القرّاء، قرأ عليه النبيّ - ﷺ - «سورة البيّنة»، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك - ﵁ - قال النبيّ - ﷺ - لأُبَيّ: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]، قال: وسمَّاني؟ قال: نعم، فبكى»، وفي رواية للبخاريّ: قال النبيّ - ﷺ - لأُبَيّ: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن. قال أُبَيّ: آلله سماني لك؟ قال: الله سمّاك لي. فجعل أبي يبكي، قال قتادة: فأُنبئت أنه قرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]. وأخرج ابن ماجه، وصححه ابن حبّان عن أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال:«أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم عليّ بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أُبَيّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، إلَّا وإن لكل أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» . شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنه (قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسِ) -﵄- (إِنَّ نَوْفًا) -بفتح النون، وسكون الواو، وفي آخره فاء- ابن فَضَالة -بفتح الفاء، والضاد المعجمة- أبو يزيد، ويقال: أبو رشيد القاصّ البِكَاليّ، كان عالِمًا فاضلًا إمامًا لأهل دمشق، وقال ابن التين: كان حاجبًا لعلي - ﵁ - وكان قاصًّا، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور، وقيل: ابن أخيه . (الْبِكَالِيَّ) -بكسر الباء الموحّدة، وتخفيف الكاف-: نسبة إلى بني بِكال، بطن من حِمْيَر، وقال الرشاطيّ: البكالي في حِمْير يُنسب إلى بِكال بن دغمي بن عوف بن عبديّ بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ الأصغر. قال الهمدانيّ، وقيّد دغميًا بِالْغَين المعجمة، قال: وسائر ما في العرب بِالْعَين المهملة، وضبط بكالًا بفتح الباء، وأصحاب الحديث يقولون بالفتح والكسر. وقال صاحب «المطالع»: ونوف البكالي أكثر المحدثين يفتحون الباء، ويشددون الكاف، وآخره لام، وكذا قيّدناه عن أبي بحر، وابن أبي جعفر، عن العذريّ، وكذا قاله أبو ذرّ، وقيّد عن المهلَّب بكسر الباء، وكذلك عن الصدفيّ، وأبي الحسين بن سراج، بتخفيف الكاف، وهو الصواب، نسبة إلى بكال من حِمْيَر. وقال أبو بكر بن العربيّ في «شرح الترمذيّ له: إنه منسوب إلى بكيل بطن من همدان، ورُدّ عليه بأن المنسوب إلى بكيل إنما هو أبو الوَدّاك جبر بن نوف وغيره، وأما هذا نوف بن فَضالة فهو منسوب إلى بكال، بطن من حمير . وقال القرطبيّ -﵀-: لَمْ يُختلَف في أن نوفًا هو بفتح النون، وإسكان الواو، وفتح الفاء المنوَّنة، وأما البكالي: فروايتي فيه، بكسر الباء، وفتح الكاف، وتخفيفها على كل من قرأتُه عليه في البخاريّ ومسلم، وهي المعروفة، وقد ضبطها الخشنيّ، وأبو بحر بفتح الباء، والكاف، وتشديد الكاف، والأول الصواب، وبِكال: بطن من حِمْيَر، وقيل: من هَمْدان، وإليهم يُنسب نوف هذا، وهو نوف بن فَضَالة، على ما قاله ابن دريد، وغيره، يكنى بأبي زيد، وكان عالِمًا فاضلًا، وإمامًا لأهل دمشق، وقيل: هو ابن المرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخته. انتهى . (يَزْعُمُ) من باب نصر، والجملة من الفعل والفاعل في محل الرفع؛ لأنَّها خبر «إنّ». (أَنَّ مُوسَى -﵇-) بفتح «أنّ»؛ لأنه مفعول يزعم. [فإن قلت]: يزعم من أفعال القلوب يقتضي مفعولين. [قلت]: إنما يكون من أفعال القلوب إذا كان بمعنى الظنّ، وقد يكون بمعنى القول، من غير حجة، فلا يقتضي إلَّا مفعولًا واحدًا، نحو قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]، فههنا يزعم يَحْتَمِل المعنيين، فإن كان بمعنى القول، فمفعوله «أن موسى»، وهو ظاهر، وإن كان بمعنى الظن، فـ«أنّ» مع اسمها وخبرها سَدَّت مسدّ المفعولين، و«موسى» لا ينصرف؛ للعَلَمية والعجمة. (صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بنصب «صاحبَ» صفةً لـ«موسى»، (لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ -﵇-)، وفي رواية للبخاريّ: «قلت لابن عبّاس: إن نوفًا البِكاليّ يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر»، قال في «العمدة»: قوله: «ليس موسى بني إسرائيل»، وفي رواية: «ليس بموسى»، والباء زائدة للتأكيد، وهي جملة في محل الرفع؛ لأنَّها خبر «إنّ». [فإن قلت]: موسى عَلَمٌ، والعلم لا يضاف، فكيف يضاف موسى إلى بني إسرائيل؟. [قلت]: قد نُكِّر، ثم أضيف، ومعنى التنكير أن يُؤَوَّل بواحد من الأمة المسماة به. وقوله: «إنما هو موسى آخر» رُوي بتنوين «موسى»، وبغير تنوين، أما وجه التنوين، فلأنه منصرف؛ لكونه نكرةً، قال ابن مالك: قد يُنَكَّر العَلَم تحقيقًا، أو تقديرًا، فيجري مجرى نكرة، وجعل هذا مثال التحقيقي، وأما وجه ترك التنوين فظاهر، وأما لفظة «آخر»، فإنه غير منصرف؛ للوصفية الأصلية، ووزن الفعل، فلا ينوّن على كل حال . وقال في «الفتح»: قوله: «إنما هو مُوسَى آخر» كذا في روايتنا بغير تنوين فيهما، وهو عَلَم على شخص معين، قالوا: إنه موسى بن مِيشا -بكسر الميم، وبالشين المعجمة- وجزم بعضهم أنه منوّن مصروف؛ لأنه نكرة، ونقل عن ابن مالك أنه جعله مثالًا للعَلَم إذا نُكِّر تخفيفًا. قال: وفيه بحث. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «يزعم أن موسى … إلخ»؛ أي: يزعم نوف أن موسى صاحب الخضر -﵈- الذي قَصّ الله تعالى علينا في «سورة الكهف» ليس موسى بن عمران الذي أُرسل إلى فرعون، وإنما هو موسى بن مِيشا -بكسر الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وبالشين المعجمة- وميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -﵈ - وهو أول موسى، وهو أيضًا نبيّ مرسلٌ، وزعم أهل التوراة أنه هو صاحب الخضر، والذي ثبت في «الصحيح» أنه موسى بن عمران -﵊- انتهى . [تنبيه]: السائل في هذه القصّة هو سعيد بن جبير، والمجيب ابن عباس -﵄-، وقد اتّفق قبل هذا أن ابن عباس -﵄- تمارى هو والحر بن قيس -كما سيأتي في آخر الباب- في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيّه، فقال ابن عباس: هو خضر، فمرّ بهما أُبيّ بن كعب - ﵁ -، فسأله ابن عباس، فأخبره، فيَحْتَمِل أن يكون سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد الوقعة الأُولى المتقدمة لابن عباس والحرّ، فأخبره ابن عباس لمّا سأله عن قول نوف: إن موسى ليس موسى بني إسرائيل. وجاء أيضًا أن السائل غير سعيد بن جبير، فرُوي عن سعيد أنه قال: جلست عند ابن عباس، وعنده قوم من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا عبد الله، إن نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبيّ الذي طلب الخضر، إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس: كذب نوف، وحدثني أُبَيّ، وذكر الحديث. انتهى . (فَقَالَ)؛ أي: ابن عبّاس، (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) جملة من الفعل والفاعل مقول «قال»، قال القرطبيّ -﵀-: قوله «كذب عدوّ الله» قولٌ أصدره غضبٌ على من يتكلم بما لم يصح، فهو إغلاظ، وردع، وقد صار غير نوفٍ إلى ما قاله نوف، لكن الصحيح ما قاله ابن عباس -﵄- على ما حكاه في الحديث. انتهى . وقال ابن التين: لم يُرِد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحقّ، فيطلقون أمثال هذا الكلام؛ لقصد الزجر، والتحذير منه، وحقيقته غير مرادة. قال الحافظ: ويجوز أن يكون ابن عباس اتَّهَم نوفًا في صحة إسلامه، فلهذا لم يقل في حقّ الحرّ بن قيس هذه المقالة، مع تواردهما عليها. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن التين هو الأقرب، ولا يلزم عدم قوله ذلك في حقّ الحرّ بن قيس أن نظنّ بابن عبّاس هذا، فإن نوفًا رجل معروف صالح عالم، كما سبق في ترجمته، غير أنه أخطأ في هذه المسألة، فغضب عليه ابن عبّاس -﵄-، وقال ما تقدّم، فتأمل بالإمعان. وقد أجاد العينيّ -﵀- في «العمدة» حيث قال: قوله: «كذب عدو الله» هكذا وقع من ابن عباس -﵄- على طريق الإغلاظ على القائل بخلاف قوله، وألفاظ الغضب تجيء على غير الحقيقة في الغالب، وابن عباس قاله على وجه الزجر عن مثل هذا القول؛ لا أنه يعتقد أنه عدو لله، ولدينه حقيقةً، إنما قاله مبالغة في إنكاره، وكان ذلك في حال غضب ابن عباس -﵄-؛ لشدة الإنكار، وحال الغضب تُطلق الألفاظ، ولا يراد بها حقائقها. انتهى . قال الحافظ -﵀-: وأما تكذيبه فيستفاد منه أن للعالم إذا كان عنده علم بشيء، فسمع غيره يَذكر فيه شيئًا بغير علم أن يكذبه، ونظيره قوله -ﷺ-: «كَذَب أبو السنابل»؛ أي: أخبر بما هو باطل في نفس الأمر. انتهى . (سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كعْبٍ) -﵁-، قال في «الفتح»: في استدلاله بذلك دليل على قوّة خبر الواحد المتقن عنده، حيث يُطلق مثل هذا الكلام في حقّ من خالفه، وفي الإسناد رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهما عمرو، وسعيد، وصحابيّ، عن صحابي وهما ابن عباس وأُبيّ . (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «قَامَ مُوسَى -﵇-) هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -﵇-، وُلد وعُمرُ عمران سبعون سنةً، وعُمِّر عمران مائة وسبعًا وثلاثين سنةً، وعمِّر موسى -﵇- مائة وعشرين سنةً، وقال الفربريّ: مات موسى وعمره مائة وستون سنة، وكانت وفاته في التيه، في سابع آذار لمضي ألف سنة وستمائة وعشرين سنة من الطوفان، في أيام منوجهر الملك، وكان عمره لمّا خرج ببني إسرائيل من مصر ثمانين سنة، وأقام بالتيه أربعين سنة، ولمّا مات الريان بن الوليد الذي وَلَّى يوسف على خزائن مصر، وأسلم على يديه مُلِّك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف إلى الإسلام، فأبى، وكان جبارًا، وقبض الله يوسف -﵇-، وطال مُلكه، ثم هلك، ومُلِّك بعده أخوه الوليد بن مصعب بن ريان بن أراشة بن شروان بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح -﵇-، وكان أعتى من قابوس، وامتدت أيام ملكه حتى كان فرعون موسى -﵇- الذي بعثه الله إليه، ولم يكن في الفراعنة أعتى منه، ولا أطول عمرًا في المُلك منه، عاش أربعمائة سنة. و«موسى» معرَّب موشى بالشين المعجمة، سمّته به آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، لمّا وجدوه في التابوت، وهو اسم اقتضاه حاله؛ لأنه وُجد بين الماء والشجر، فمو: بلغة القبط الماء، وشى: الشجر، فعُرِّب، فقيل: موسى، وقال الصغانيّ: هو عبرانيّ عُرِّب، وقال أبو عمرو بن العلاء: موسى اسم رجل وزنه مُفْعَل، فعلى هذا يكون مصروفًا في النكرة، وقال الكسائيّ: وزنه فُعْلَى، وهو لا ينصرف بحال، ذكره في «العمدة» . حال كونه (خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ) لم يُعرف السائل . (أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ) موسى -﵇- (أنَا أَعْلَمُ) قيل: إنه مخالف لقوله في الرواية الأخرى في جواب «هل تعلم أحدًا أعلم منك؟، قال: لا»، قال الحافظ: وعندي لا مخالفة بينهما؛ لأن قوله هنا: «أنا أعلم»؛ أي: فيما أعلم، فيطابق قوله: «لا» في جواب من قال له: «هل تعلم أحدًا أعلم منك؟» في إسناد ذلك إلى عِلمه، لا إلى ما في نفس الأمر. وعند النسائيّ من طريق عبد الله بن عبيد، عن سعيد بن جبير، بهذا السند: «قام موسى خطيبًا، فَعَرَض في نفسه أن أحدًا لم يؤت من العلم ما أوتي، وعَلِم الله بما حدّث به نفسه، فقال: يا موسى إن من عبادي من آتيته من العلم ما لم أوتك». وعند عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير: «فقال: ما أجد أحدًا أعلم بالله، وأمْره مني»، وهو عند مسلم من وجه آخر عن أبي إسحاق، بلفظ: «ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا، أو أعلم مني». قال ابن المنير: ظَنّ ابن بطال أن تَرْك موسى الجواب عن هذه المسألة كان أَولى، قال: وعندي أنه ليس كذلك، بل رَدّ العلم إلى الله تعالى متعيّن، أجاب أو لم يجب، فلو قال موسى -﵇-: أنا والله أعلم، لم تحصل المعاتبة، وإنما عوتب على اقتصاره على ذلك؛ أي: لأن الجزم يوهم أنه كذلك في نفس الأمر، وإنما مراده الإخبار بما في علمه، كما قدّمناه، والعتب من الله تعالى محمول على ما يليق به، لا على معناه العرفي في الآدميين، كنظائره. انتهى. وقال في «العمدة»: قال ابن بطال: كان ينبغي أن يقول: الله أعلم، إذا قيل له: أيُّ الناس أعلم؛ لأنه لم يُحط علمًا بكل عالم في الدنيا، وقد قالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ الآية [البقرة: ٣٢]، وسئل النبيّ -ﷺ- عن الروح وغيره، فقال: لا أدري حتى أسأل الله تعالى. وقال بعض الفضلاء ردًّا على ابن بطال في حصر الصواب في ترك الجواب بقوله: الله أعلم: بل الجواب أنّ ردَّ العلم إلى الله -﷾- متعيّن، أجاب أم لا، فإن أجاب قال: أنا والله أعلم، وإن لم يجب قال: الله أعلم، وبهذا تأدّب المُفتون عقب أجوبتهم، والله أعلم. ولعل موسى -﵇- لو قال: أنا والله أعلم؛ أي: هذا لكان جوابًا، وإنما وقعت المؤاخذة على الاقتصار على قوله: أنا أعلم. وقال المازريّ في الجواب: أما على رواية مَن روى: «هل تعلم؟» فلا عتب عليه، إذا أخبر عما يعلم، وأما على رواية: «أيُّ الناس أعلم؟» وقد أخبر الله تعالى أن الخضر أعلم منه، فمراد موسى -﵇-: أنا أعلم؛ أي: فيما ظهر لي، واقتضاه شاهد الحال، ودلالة النبوة؛ لأن موسى في النبوة بالمكان الأرفع، والعلم من أعلى المراتب، فقد يعتقد أن يكون أعلم لهذه الأمور، وقيل: المراد أنه أعلم بما تقتضيه وظائف النبوة، وأمور الشريعة، والخضر أعلم منه على الخصوص بأمور أخر غير عينية، وكان موسى أعلم على العموم، والخضر أعلم منه على الخصوص. انتهى . (قَالَ: فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ) من بابي ضرب، وقتل، يقال: عَتَب عليه عَتْبًا، ومَعْتَبًا أيضًا: لَامَه في تسخّط، فهو عاتب، وعتّابٌ مبالغة، وعاتبه معاتبةً وعِتابًا، قال الخليل: حقيقة العتاب مخاطبةُ الإدلال، ومُذاكرة الْمَوْجِدَةِ، قاله الفيّوميّ -﵀- . (إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ) «إذ» تعليليّة؛ أي: لأنه لم يردّ العلم إلى الله تعالى حين أجاب بقوله: «أنا أعلم»، وهذا من باب التنبيه لموسى -﵇-، والتعليم لمن بعده لئلا يقتدي به غيره في ذلك؛ إذ فيه تزكية للنفس، وقد قال الله -﷿-: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. وقال القرطبيّ -﵀-: مساق هذه الرواية هو أكمل ما سيق هذا الحديث عليه، فلنبحث فيه، وظاهر هذا اللفظ: أن الذي عتب الله تعالى على موسى -﵇- إنما هو أن قال: أنا أعلم، فأضاف الأعلمية إليه، ولم يقل: الله أعلم بمن هو أعلم الناس، فيفوَّض ذلك إلى الله، فيكون هذا من نوع ما عتبة النبيّ -ﷺ- على لوط -﵇- حيث قال: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠]، وسيأتي تكميل هذا المعنى في «كتاب التفسير» - إن شاء الله تعالى. فكان الأَولى بموسى -ﷺ- أن يقول: الله أعلم بمن هو أعلم الناس، لكن لمّا لم يعلم في زمانه رسولًا آتاه الله كتابًا فيه عِلْم كل شيء، وتفصيل الأحكام سواه، قال ذلك حسب ما كان في علمه، لكنه تعالى لم يرض منه بذلك لكمال معرفته بالله تعالى، ولعلوِّ منصبه، وفي بعض طرق البخاريّ: أن السائل قال لموسى: هل في الأرض أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه. قال القرطبيّ: وهذان اللفظان هما اللذان يتوجَّه العتب على موسى فيهما، وقد رُوي بألفاظ أخر يبعد توجُّه العتب عليها، فقد روي أنه قال: لا أعلم في الأرض خيرًا، ولا أعلم مني. وفي أخرى: قيل له: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا، فهذان اللفظان قد نَفَى فيهما العلم فيما سئل عنه عن نفسه، وهو حقّ صحيح، وتبرؤ صريح، فكيف يتوجه على من قال مثل ذلك عتب، أو يُنسب إلى تقصير؛ فالصحيح من حيث المعنى أن الذي صدر من موسى -ﷺ- معنى اللفظين السابقين؛ فإنَّه جزم فيهما بأنه أعلم أهل الأرض، وهذا محل العتب على مثله، فإنَّه كان الأَولى به أن يفوِّض علم ذلك إلى الله تعالى، وهذا يدلّ على صحة ما قلناه فيما تقدَّم من أن الذنوب المنسوبة إلى الأنبياء المعدَّدة عليهم، إنما هي من باب ترك الأَولى، وعوتبوا عليها بحسب مقاديرهم، فإن حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين. انتهى . (فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ) إلى موسى -﵇-، (أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي) هو: خضر، واسمه: بليا بن مَلْكان، على ما قاله بعض المفسرين، وسُمِّي الخضر، لِمَا أخرجه الترمذيّ من حديث أبي هريرة -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-: «إنما سُمِّي الخضر؛ لأنه جلس على فَرْوة بيضاء، فاهتزت تحته خضراء»، وقال: هذا حديث حسن صحيح. (بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ)؛ أي: ملتقى البحرين، والبحر: خلاف البرّ، قيل: سُمّي بذلك؛ لعمقه، واتساعه، والجمع: أبحر، وبحار، وبحور، واختلفوا في البحرين، فقيل: هو ملتقى بحري فارس والروم، مما يلي المشرق، وقيل: طنجة، وقيل: أفريقية ، وذكر السهيليّ أنها بحر الأردن، وبحر القلزم، وقيل: بحر المغرب، وبحر الزقاق، قاله في «العمدة». وقال القرطبيّ -﵀-: «بمجمع البحرين»؛ أي: ملتقاهما، قال قتادة: هما بحرا فارس والروم، وقال السُّدِّي: هما الكرّ والرّسّ بأرمينية، وقال أبيّ: هما بأفريقية، وقال ابن عبد البرّ: بطنجة، وحُكي عن ابن عباس -﵄- إن بحري العلم: الخضر وموسى، وكأنَّ هذا لا يصح عنه، والله أعلم. انتهى . وقال العلامة العينيّ بعد ذِكره ما تقدّم: بحر فارس ينبعث من بحر الهند شمالًا بين مكران، وهي على فم بحر فارس، من شرقيه، وبين عمان، وهي على فم بحر فارس، من غربيه، وبحر الروم هو: بحر أَفريقية والشام، يمتدّ من عند البحر الأخضر إلى المشرق، ويتصل بطرسوس، وبحر طنجة بينها وبين سبتة وغيرهما من برّ العدوة، من الأندلس، وبحر أَفريقية هو: بحر طرابلس المغرب، يمتدّ منها شرقًا حتى يتجاوز حدود أَفريقية، وهو الذي يتصل بإسكندرية، والكل يسمى بحر الروم، وإنما يضاف إلى البلاد عند الاتصال إليها، وبحر القلزم يأخذ من القلزم، وهي: بلدة للسودان على طرفه الشمال جنوبًا بميله إلى المشرق، حتى يصير عند القصير، وهي فرصة قوص، والأُرْدُنّ بضم الهمزة، وسكون الراء، وضم الدال المهملتين، وتشديد النون في آخرها: بلدة من بلاد الغور من الشام، ولا أعرف بحرًا يُنسب إليها، وإنما نُسب إليها نهر كبير يسمى نهر الأردن وهو: نهر الغور، ويسمى الشريعة أيضًا، وآخره ينتهي إلى البحيرة المنتنة: وهي بحيرة زغر، وبحر الزقاق بين طنجة وبر الأندلس، هناك يسمى بحر الزقاق، وهو يضيق هناك، وبحر المغرب هو: البحر الأخضر الذي لا يُعرف منه إلا ما يلي المغرب من أقاصي الحبشة إلى خلف بلاد الرومية، وهي بحيث لا يُدْرَك آخرها؛ لأن المراكب لا تجري فيها، وله خليج إلى الأندلس وطنجة. انتهى . (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) قال القرطبيّ -﵀-: قوله: «هو أعلم منك»؛ أي: بأحكام وقائع مفصَّلة، وحكم نوازل معيَّنة، لا مطلقًا، بدليل قول الخضر لموسى: «إنَّك على علم علَّمكه الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم علَّمنيه الله لا تعلمه أنت»، وعلى هذا فيَصْدُق على كل واحد منهما أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما، ولا يعلمه الآخر. فلما سمع موسى هذا تشوَّفت نفسه الفاضلة، وهمَّته العالية لتحصيل علم ما لم يعلم، وللقاء من قيل فيه: إنه منك أعلم، فعزم، فسأل سؤال الدَّليل كيف السبيل؟ فأُمر بالإرتحال على كل حال، وقيل له: احمل معك حوتًا مالِحًا في مِكتل، وهو الزنبيل، فحيث يحيا، وتَفْقِده فثمَّ السبيل، فانطلق مع فتاه لِمَا واتاه، مجتهدًا طالبًا قائلًا: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]، والْحُقُب: بضم الحاء، والقاف: الدهر، والجمع حِقَابٌ، مثلُ قُفّ وقِفَافٍ، وبضم الحاء وسكون القاف، ثمانون سنة، ويقال: أكثر من ذلك، والجمع حِقَاب، والحقبة بكسر الحاء، واحدة الْحِقَب، وهي: السنون. انتهى من «الصحاح» . قال: وفيه من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم، والصَّاحب، واغتنام لقاء الفضلاء، والعلماء، وإن بَعُدَت أقطارهم، وذلك كان دأب السَّلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت في العلوم لهم أقدام، وصحَّ لهم من الذِّكر والأجر أفضل الأقسام. ثم إن موسى -ﷺ- أزعجه القلق، فانطلق مغمورًا بما عنده من الشوق والحرق، يمشي مع فتاه على الشطّ، ولا يبالي بمن حطَّ، لا يجد نصبًا، ولا يُخطئ سببًا، إلى أن أويا إلى الصخرة، فناما في ظِلِّها، قال بعض المفسرين: وكانت على مجمع البحرين، وعندها ماء الحياة، حكى معناه الترمذيّ عن سفيان بن عيينة، فانتضح منه على الحوت، فحيي، واضطرب، فخرج من المكتل يضطرب، حتى سقط في البحر، فأمسك الله جرية الماء عن موضع دخوله، حتى كان مثل الطاق، وهو النَّقْب الذي يدخل منه. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «هو أعلم منك» هذا ظاهر في أن الخضر نبيّ، بل نبيّ مرسل؛ إذ لو لم يكن كذلك للزم تفضيل العالي على الأعلى، وهو باطل من القول، ولهذا أورد الزمخشري سؤالًا، وهو: دلت حاجة موسى إلى التعلّم من غيره أنه موسى بن ميشا كما قيل؛ إذ النبيّ يجب أن يكون أعلم أهل زمانه، وأجاب عنه بأنه لا نقص بالنبيّ في أخذ العلم من نبيّ مثله. قال الحافظ: وفي الجواب نظر؛ لأنه يستلزم نفي ما أوجب، والحقّ أن المراد بهذا الإطلاق تقييد الأعلمية بأمر مخصوص؛ لقوله بعد ذلك: «إني على علم من علم الله علّمنيه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم علّمكه الله، لا أعلمه»، والمراد بكون النبيّ أعلم أهل زمانه؛ أي: ممن أُرسل إليه، ولم يكن موسى مرسلًا إلى الخضر، وإذًا فلا نقص به إذا كان الخضر أعلم منه، إن قلنا: إنه نبيّ مرسل، أو أعلم منه في أمر مخصوص، إن قلنا: إنه نبيّ، أو وليّ ، وينحلّ بهذا التقرير إشكالات كثيرة. ومن أوضح ما يُستدلّ به على نبوة الخضر قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وينبغي اعتقاد كونه نبيًّا؛ لئلا يتذرع بذلك أهل الباطل في دعواهم أن الوليّ أفضل من النبيّ، حاشا، وكَلّا. وتعقب ابن الْمُنَيِّر على ابن بطال إيراده في هذا الموضع كثيرًا من أقوال السلف في التحذير من الدعوى في العلم، والحثّ على قول العالم: لا أدري، بأن سياق مثل ذلك في هذا الموضع غير لائق، وهو كما قال -﵀-، قال: وليس قول موسى -﵇-: أنا أعلم؛ كقول آحاد الناس مثل ذلك، ولا نتيجةُ قوله كنتيجة قولهم، فإن نتيجة قولهم: العُجب، والكِبْر، ونتيجة قوله: المزيد من العلم، والحث على التواضع، والحرص على طلب العلم، واستدلاله به أيضًا على أنه لا يجوز الاعتراض بالعقل على الشرع خطأ؛ لأن موسى إنما اعترض بظاهر الشرع، لا بالعقل المجرد، ففيه حجة على صحة الاعتراض بالشرع على ما لا يسوغ فيه، ولو كان مستقيمًا في باطن الأمر. انتهى . (قَالَ مُوسَى) -﵇- (أَيْ) حرف نداء، (رَبِّ كَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ) بكسر الميم أمْر مِن حَمَل، من باب ضرب. (حُوتًا)؛ أي: سمكةً، قيل: حَمَل سمكة مملوحة، وقيل: ما كانت إلا شقّ سمكة، (فِي مِكْتَلٍ) بكسر الميم، وفتح المثنّاة من فوقُ: هو الزنبيل، ويقال: الْقُفّة، ويقال: فوق القُفّة، والزنبيلِ، وفي «العباب»: الْمِكَتَل يُشبه الزنبيل، يسع خمسة عشر صاعًا . وفي رواية أخرى: «فجعل الله له آية»؛ أي: علامة لمكان الخضر، ولقائه، وذلك أنه لما قال موسى -﵇-: أين أطلبه؟ قال الله تعالى له: على الساحل عند الصخرة، قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتل، فحيث فقدته، فهو هناك. (فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ) المحمول (فَهُوَ)؛ أي: العبد الأعلم منك، (ثَمَّ) بفتح المثلّثة، وتشديد الميم؛ أي: هنالك. (فَانْطَلَقَ) موسى -﵇-، (وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ، وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ) هو الذي قام في بني إسرائيل بعد موسى -﵇-، ونقل ابن العربيّ أنه كان ابن أخت موسى، وزعم ابن العربيّ أن ظاهر القرآن يقتضي أن الفتى ليس هو يوشع، وكأنه أخذه من لفظ الفتى، وأنه خاصّ بالرقيق، وليس بجيّد؛ لأن الفتى مأخوذ من الفَتَاءِ، وهو: الشباب، وأُطلق ذلك على من يخدُم، سواء كان شابًّا، أو شيخًا، كذا في «الفتح». (فَحَمَلَ مُوسَى -﵇- حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، وَانْطَلَقَ هُوَ، وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ) زاد في رواية: «على ساحل البحر»، (حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَى -﵇-، وَفَتَاهُ فَاضْطَرَبَ)؛ أي: حَيِيَ، وتحرك (الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ) قيل: إن يوشع حمل الخبز والحوت في المكتل، فنزلا ليلة على شاطئ عين، تسمى عين الحياة، فلما أصاب السمكة رُوح الماء وبَرده عاشت، وقيل: توضأ يوشع من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فعاش، ووقع في الماء (حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، قَالَ) -ﷺ- (وَأَمْسَكَ اللهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ) بكسر الجيم: حالة الجريان، قاله ابن الأثير ، وقال الفيّومي: جرى الماء: سال، خلاف وَقَفَ، وسَكَنَ، والمصدر: الْجَرْيُ بفتح الجيم، قال السَّرَقُسْطيّ: فإن أدخلتَ الهاء كسرت الجيم، وقلتَ: جرى الماء جِرْيَةً. انتهى . (حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ) قال المجد: الطاق: ما عُطف من الأبنية، جَمْعه: طاقات، وطِيقان. انتهى . (فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا)؛ أي: مسلكًا، قاله مجاهد، وقال قتادة: جمد الماء، فصار كالسِّرب. وقال أبو عبد الله القرطبيّ -﵀-: السرب: المسلك، قاله مجاهد، وقال قتادة: جمد الماء فصار كالسرب، وجمهور المفسرين أن الحوت بقي موضع سلوكه فارغًا، وأن موسى مشى عليه متّبعًا للحوت، حتى أفضى به الطريق إلى جزيرة في البحر، وفيها وجد الخضر، وظاهر الروايات، والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضَفَّة البحر. انتهى . (وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا) لَمَّا تذكرا، فرجعا، تعجبا من قدرة الله تعالى على إحياء الحوت، ومن إمساك جري الماء، حتى صار بحيث يُسْلَك فيه. وقال القرطبيّ المفسّر -﵀-: قوله: «عجبًا» يَحْتَمِل أن يكون من قول يوشع لموسى؛ أي: اتخذ الحوت سبيله عجبًا للناس، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: «واتخذ سبيله في البحر» تمام الخبر، ثم استأنف التعجيب فقال من نفسه: «عجبًا» لهذا الأمر، وموضع العجب أن يكون حوت قد مات، فأكل شقه الأيسر، ثم حَيِى بعد ذلك. ويَحْتَمِل أن يكون قوله: «واتخذ سبيله» إخبارًا من الله تعالى، وذلك على وجهين: إما أن يُخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر عجبًا؛ أي: تعجّب منه، وإما أن يُخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجبًا للناس. ومن غريب ما روي في البخاريّ عن ابن عباس من قصص هذه الآية: أن الحوت إنما حيي لأنه مسّه ماء عين هناك تدعى عين الحياة، ما مسّت قط شيئًا إلا حيى. وفي التفسير: إن العلامة كانت أن يحيا الحوت، فقيل: لمّا نزل موسى بعدما أجهده السفر على صخرة إلى جنبها ماء الحياة، أصاب الحوت شيء من ذلك الماء فحيى. وقال الترمذي في حديثه: قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة، ولا يصيب ماؤها شيئًا إلا عاش، قال: وكان الحوت قد أُكل منه، فلما قَطَر عليه الماء عاش. وذكر صاحب كتاب «العروس» أن موسى -﵇- توضأ من عين الحياة، فقطرت من لحيته على الحوت قطرة فحيى، والله أعلم . (فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا) بالجر على الإضافة، (وَلَيْلَتَهُمَا) الأَولى أنه بالنصب عطفًا على «بقيّةَ»؛ إذ المراد سير جميعه، بخلاف اليوم فإن السير في بقيّته؛ إذ ناما أوله، وسارا آخره، فهو البقيّة، وأما الليل، فسارا جميعه؛ بدليل قوله: «فلما أصبح»، فليُتنبّه، قال في «الفتح»: قوله: «فانطلقا بقية ليلتهما» بالجرّ على الإضافة، و«يومهما» بالنصب على إرادة سير جميعه، ونبه بعض الحذّاق على أنه مقلوب، وأن الصواب «بقية يومهما، وليلتَهُما» لقوله بعده: «فلما أصبح»؛ لأنه لا يصبح إلا عن ليل. انتهى. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: «فلما أصبح»؛ أي: من الليلة التي تلي اليوم الذي سارا جميعه، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد هذا الاحتمال، والأولى ما قاله بعض الحذّاق، من أنه مقلوب، بدليل الرواية الأخرى، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فانطلقا بقية يومهما وليلتهما»؛ يعني: بعد أن قاما من نومهما، ونسيا حوتهما؛ أي: غفلا عنه، ولم يطلباه لاستعجالهما، وقيل: نسي يوشع الحوت، وموسى أن يأمره فيه بشيء، وقيل: نسي يوشع، فنُسب النسيان إليهما للصحبة؛ كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢]؛ وعلى هذا القول يدل قوله في الحديث: «ونسي صاحب موسى أن يخبره»، ويظهر منه أن يوشع أبصر ما كان من الحوت، ونسي أن يخبر موسى في ذلك الوقت. انتهى . (وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى) يوشع بن نون، ونسبة النسيان إليهما في قوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] من باب قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من الْمَلِح، وقيل: نَسِي موسى -﵇- أن يتقدم إلى يوشع في أمر الحوت، ونَسِي يوشع أن يخبره بذهابه. (أَنْ يُخْبِرَهُ)؛ أي: بانسلاله من المكتل إلى البحر، (فَلَمَّا أَصْبَحَ)؛ أي: دخل الصباح، (مُوسَى -﵇-، قَالَ لِفَتَاهُ) يوشع (آتِنَا)؛ أي: أعطنا (غَدَاءَنَا) بالفتح، والمدّ: طعام الغداة؛ أي: أول النهار. قال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على أنهما كانا تزوَّدا، وقيل: كان زادهما الحوت، وكان مملَّحًا، قال: والظاهر من الحديث أنه إنما حمل الحوت معه؛ ليكون فَقْده دليلًا على موضع الخضر، كما تقدَّم من قوله تعالى لموسى: «احمل معك حوتًا في مكتل، فحيث تفقد الحوت فهو ثمَّ»، وعلى هذا فيكون تزوَّدا شيئًا آخر غير الحوت. انتهى . وقال القرطبيّ المفسّر: فيه اتخاذ الزاد في الأسفار، وهو ردّ على الصوفية الجهلة الأغمار، الذين يقتحمون المهامه، والقفار، زعمًا منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار، هذا موسى نبيّ الله، وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد، مع معرفته بربه، وتوكله على رب العباد. وفي «صحيح البخاريّ»: إن ناسًا من أهل اليمن كانوا يحجّون، ولا يتزوّدون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قَدِمُوا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾. انتهى . (لَقَدْ لَقِينَا) بكسر القاف، من باب تَعِب؛ أي: استقبلنا، وصادفنا (مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)؛ أي: تعبًا ومشقّةً، قيل: عَنَى به هنا: الجوع، وفيه دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الآلام، والأمراض، وأن ذلك لا يقدح في الرّضا، ولا في التسليم للقضاء، لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر، ولا تسخُّط . (قَالَ) -ﷺ- (وَلَمْ يَنْصَبْ) بفتح الصاد، من باب تعِب وزنًا ومعنًى؛ أي: لم يتعب موسى (حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: أمَره الله تعالى بالوصول إليه، وعدم مجاوزته؛ لأن الخضر هناك. وقال القرطبيّ -﵀-: أي: لم يجد موسى أَلَم النَّصب، إلا بعد أن جاوز موضع فَقْد الحوت، وكان الله تعالى جَعَل وجدان النَّصَب سبب طلب الغداء، وجعل طلب الغداء سبب تذكّر ما كان من الحوت، ومن هنا قيل: إن النَّصب هنا هو الجوع. انتهى . (قَالَ) يوشع (أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخْبِرني، وفيه حَذْف، تقديره: أرأيت ما دهاني؟ (إِذْ أَوَيْنَا)؛ أي: وقت إيوائنا (إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِنِّي) الفاء فيه تفسيرية، يُفَسِّر بها ما دهاه من نسيان الحوت، حين أويا إلى الصخرة. (نَسِيتُ الْحُوتَ)؛ أي: نسيت تفقّد أمره، وما يكون منه، مما جُعل أمارة على الظفر بالطَّلِبَةِ، من لقاء الخضر -﵇-. وقال القرطبيّ -﵀-: هذا قول يوشع جوابًا لموسى، وإخبارًا له عما جرى، ومعنى ﴿أَوَيْنَا﴾: انضممنا، وهي هنا بقصر الهمزة؛ لأنه لازم، وقد تقدَّم ذِكر الخلاف في المتعدّي في قَصْرِه ومدّه، ونسبة الفتى النسيان إلى نفسه نسبة عاديةٌ، لا حقيقية. انتهى . (وَمَا أَنْسَانِيهُ) بضم الهاء في رواية حفص، وبكسرها في رواية غيره، (إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) قال القرطبيّ -﵀-: «أن» مع الفعل بتأويل المصدر، وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير في «أنسانيه»، وهو بدل الظاهر من المضمَر، وهذا إنما ذَكره يوشع في معرض الاعتذار، وذلك أن في البخاريّ: أن موسى -﵇- قال لفتاه: «لا أُكلِّفك إلا أن تُخبرني بحيث يفارقك الحوت»، فاعتذر بذلك القول؛ ويعني بذلك: أن الشيطان سبب للنسيان، والغفلة بما يورده على القلب من الخوض في غير المعنى المطلوب، ومن المعلوم أن النسيان لا صُنع فيه للإنسان، وأنه مغلوب عليه، ولذلك لم يؤاخذ الله تعالى به؛ وإنَّما محل المؤاخذة الإهمال والتفريط، والانصراف عن الأمور المهمة إلى ما ليس بمهم، حتى ينسى المهم، وهذا هو فعل الشيطان المذموم أن يَشغَل ذكر الإنسان بما ليس بمهم، ويزيّنه له حتى ينصرف عن المهم، فيذم على ذلك، ويُعاقب، فيحصل مقصود الشيطان من الإنسان. انتهى . (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا)؛ أي: اتخذ الحوت طريقه في البحر عجبًا تعجب منه يُوشع، ويتعجب به غيره ممن شاهده، أو سمع قضيته. (قَالَ مُوسَى) ﵇ (ذَلِكَ)؛ أي: فِقدان الحوت، (مَا كُنَّا نَبْغِي)؛ أي: هو الذي كنا نطلبه؛ لأنه علامة وجدان المقصود. وقال في «العمدة»: قوله: «ما كنا نبغي» كلمة «ما» موصولة، والعائد محذوف؛ أي: نبغيه، ويجوز حذف الياء من «نبغي»؛ للتخفيف، وهكذا قُرئ أيضًا في السبعة، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبي عمرو. انتهى . وقال السمين الحلبيّ -﵀-: حَذَف نافع، وأبو عمرو، والكسائيّ ياء «نبغي» وقفًا، وأثبتوها وصلًا، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون حذفوها في الحالين؛ اتّباعًا للرسم، وكان من حقّها الثبوت، وإنما حُذفت تشبيهًا بالفواصل، أو لأن الحذف يؤنس بالحذف، فإن «ما» موصولة، حُذف عائدها. انتهى . (فَارْتَدَّا)؛ أي: رجعا (عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، قَالَ) -ﷺ- (يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا)؛ أي: يتّبعان آثار أقدامهما اتّباعًا؛ لئلا يخطئا طريقهما، (حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَأَى رَجُلًا، مُسَجًّى)؛ أي: مغطًّى (عَلَيْهِ بِثَوْبٍ)، وفي رواية: «مُستلقيًا على القفا، أو قال: على حلاوة القفا»؛ أي: مباشرًا بظهره وقفاه الأرض، مستقبلًا بوجهه السماء، كهيئة الميت، وقال القرطبيّ: وقوله: «حلاوة القفا»؛ يعني بها -والله أعلم-: أن هذه الضجعة مما تُستحلَى؛ لأنَّها ضِجعة استراحة، فكأنه قال: أو حلاوة ضجعة القفا، ويقال: بضم الحاء، وفتحها، وحلاء بالضم والمد، وبه، وبالقصر، وكأن هذه الضجعة من الخضر كانت بعد تعب عبادة، وآثر هذه الضجعة لِمَا فيها من تردُّد البصر في المخلوقات، ورؤية عجائب السماوات، فكأن الخضر في هذه الضجعة متفرغ عن الخليقة، مملوء بما لاح له من الحقّ والحقيقة، ولذلك لما سلَّم عليه موسى -ﷺ- كشف الثوب عن وجهه، وقال: وعليك السلام، من أنت؟. انتهى . (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى) -﵇- (فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟)؛ معناه: من أين تعرف السلام بهذه الأرض التي أنت فيها؟! وقال في «الفتح»: قوله: «أنَّى»؛ أي: كيف بأرضك السلام؟ ويؤيده ما في «التفسير»: «هل بأرضي من سلام؟»، أو من أين، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]، والمعنى: من أين السلام في هذه الأرض التي لا يُعرف فيها؟ وكأنها كانت بلاد كفر، أو كانت تحيتهم بغير السلام، وفيه دليل على أن الأنبياء، ومَنْ دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله تعالى؛ إذ لو كان الخضر يعلم كل غيب لعرف موسى قبل أن يسأله. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «أنّى بأرضك السلام؟» هذا يَحْتَمِل وجهين: [أحدهما]: أن ذلك الموضع كان قفرًا لم يكن به أحدٌ يصحبه، ولا أنيس، فيكلمه، ويَحْتَمِل أن يكون أهل ذلك الموضع لا يعرفون السلام الذي سلّم به موسى عليه، إما لأنهم ليسوا على دين موسى، وإما لأنه ليس من كلامهم. و«أنى» تأتي بمعنى حيث، وكيف، وأين، ومتى، حكاه القاضي، وفي هذا من الفقه: تسليم القائم على المضطجع، وهذا القول من الخضر كان بعد أن ردَّ ﵇، لا قبله، كما قد ذكرناه، ومساق هذه الرواية يدل: على أن اجتماع موسى -ﷺ- بالخضر كان في البرّ عند الصخرة، وهو ظاهر قوله: «حتى إذا أتى الصخرة، فرأى رجلًا مسجَّى»، وفي بعض طرق البخاريّ: «حتى أتى الصخرة، فإذا رجل مسجَّى»، فعَطَفه بالفاء المعقبة، وإذا المفاجئة، غير أنه قد ذَكَر البخاريّ ما يقتضي أنه رآه في كبد البحر، وذلك أنه قال فيها: «فوجد خضرًا على طنفسة خضراء، على كبد البحر، مسجَّى بثوبه، وجعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه»، و«كبد البحر»: وسطه، وهذا يدلّ على أنه اجتمع به في البحر، ويَحْتَمِل أن موسى مشى على الماء، وتلاقيًا عليه، وهذا لا يُستبعد على موسى والخضر، فإنَّ الذي خُرِق لهما من العادة أكثرُ من هذا وأعظمُ، وعلى هذا فهذه الزيادة تُضم إلى الرواية المتقدِّمة، ويُجمع بينهما بأن يقال: إن وصول موسى للصخرة، واجتماعه مع الخضر كان في زمان متقارب، أو وقت واحد لطيِّ الأرض، وتسخير البحر، والقدرة صالحة، وهذه الحالة خارقة للعادة؛ ولمّا كان كذلك عبَّر عنها بصيغ التعقيب، والاتصال، والله تعالى أعلم. انتهى . (قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ) حرف جواب في الإيجاب، فكأنه قال: أنا موسى بني إسرائيل، فهو نصٌّ في الرد على نوفٍ، وعلى من قال بقوله، وهم أكثر اليهود . (قَالَ) الخضر لموسى -﵇- بعد أن طلب منه التعلم، ففي الرواية التالية: «قال: مجيء ما جاء بك؟ قال: جئت لتعلّمني مما عُلّمت رشدًا». (إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ، عَلَّمَكَهُ اللهُ، لَا أَعْلَمُهُ) أنا، (وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ، عَلَّمَنِيهِ، لَا تَعْلَمُهُ) أنت، قال القرطبيّ -﵀-: ظاهر هذا أن الخضر كان لا يعلم التوراة، ولا ما علّمه موسى من الأحكام، وقد جاء هذا الكلام في بعض روايات البخاريّ بغير هذا اللفظ، وبزيادة فيه، فقال: «أما يكفيك أن التوراة بين يديك، وأن الوحي يأتيك يا موسى؟ إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه». قال القرطبيّ: ولا بُعد فيما ظهر من رواية مسلم؛ لأنَّ الخضر إن كان نبيًّا، فقد اكتفى بما تعبَّده الله به من الأحكام، وإن كان غير نبيّ، فليس متعبّدًا بشريعة بني إسرائيل؛ إذ يمكن أن لا يكون منهم، والله أعلم، وسيأتي القول في نبوّته. وأما مساق رواية البخاريّ، فهو مساق حسن لا يَرِد عليه من هذا الاستبعاد شيء؛ لأنَّ مقتضاه أن لكل واحد منهما عِلمًا خاصًّا به، لا يعلمه الآخر، ويجوز أن يشتركا في علم التوراة، أو غيرها مما شاء الله أن يشركهما فيه من العلوم، ويظهر لي أن الذي خُصَّ به موسى -ﷺ- العلم بالأحكام، والمصالح الكلية التي تنتظم بها مصالح الدنيا؛ لأنَّه أُرسل إلى عامة بني إسرائيل. انتهى . (قَالَ لَهُ مُوسَى) -﵇- (﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾) منصوب على أنه مفعول ثان لـ «تعلّمن»، وهذا من موسى -﵇- سؤال ملاطفة؛ أي: هل يمكن كوني معك، حتى أتعلم منك؟ فأجابه بما يقتضي أن ذلك ممكن لولا المانع الذي من جهتك، وهو عدم صبرك. وقال أبو عبد الله القرطبيّ: هذا سؤال الملاطِف، والمخاطب المستنزل المبالغ في حسن الأدب، والمعنى: هل يتفق لك، ويخفّ عليك؟ وهذا كما في الحديث: «هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله -ﷺ- يتوضأ؟»، وعلى بعض التأويلات يجيء كذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]. قال: وفيه دليل على أن المتعلم تَبَع للعالم، وإن تفاوتت المراتب، ولا يُظَنّ أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل منه، فقد يَشِذّ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فضّله الله، فالخضر إن كان وليًّا فموسى أفضل منه؛ لأنه نبيّ، والنبيّ أفضل من الوليّ، وإن كان نبيًّا فموسى فَضَلَه بالرسالة، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفنا أن الحقّ أنه نبيّ، وسيأتي تمام تحقيقه قريبًا -إن شاء الله تعالى-. فـ (قَالَ) جازمًا في قضيته، لِمَا علمه من حالته: (﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾)؛ أي: إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي؛ لأن الظواهر التي هي عِلمك لا تُعطيه، وكيف تصبر على ما تراه خطأ، ولم تُخْبَر بوجه الحكمة فيه، ولا طريق الصواب، وهو معنى قوله: (﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾)؛ أي: والأنبياء لا يُقِرُّون على منكر، ولا يجوز لهم التقرير؛ أي: لا يسعك السكوت جريًا على عادتك وحُكمك، قاله القرطبيّ المفسّر -﵀- . وقال أبو العبّاس القرطبيّ: معناه: إنك لا تصبر عن الإنكار والسؤال، وأنت في ذلك كالمعذور؛ لأنَّك تشاهد أمورًا ظاهرة، ولا تَعرف بواطنها، وأسرارها، وانتصاب ﴿خُبْرًا﴾ على التمييز المحوّل عن الفاعل، وقيل: على المصدر الملاقي في المعنى؛ لأنَّ قوله: ﴿مَا لَمْ تُحِطْ﴾؛ معناه: لم تُخْبَره، فكأنه قال: لم تخبره خبرًا، وإليه أشار مجاهد، والخبير بالأمور: هو العالم بخفاياها، وبما يُختبر منها . (قَالَ) موسى -﵇- ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ هذا تفويض إلى الله تعالى في الصبر، وجزمٌ بنفي المعصية؛ وإنما كان منه ذلك؛ لأن الصبرَ أمر مستقبَل، ولا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزومٌ عليه حاصل في الحال، فالاستثناء فيه يُنافي العزمَ عليه، والله تعالى أعلم. ويُمكن أن يفرَّق بينهما بأن الصبرَ ليس مُكتسَبًا لنا، بخلاف فعل المعصية، وتَرْكها، فإن ذلك كله مكتسَب لنا، قاله القرطبيّ -﵀- . وقال القرطبيّ المفسّر: قوله تعالى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾؛ أي: سأصبر بمشيئه الله ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾؛ أي: قد ألزمت نفسي طاعتك، وقد اختُلِف في الاستثناء، هل هو يشمل قوله: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ أم لا؟ فقيل: يشمله؛ كقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقيل: استثنى في الصبر، فَصَبَر، وما استَثْنَى في قوله: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، فاعترض، وسأل، قال علماؤنا: إنما كان ذلك منه؛ لأن الصبر أمر مستقبل، ولا يدرى كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزوم عليه حاصل في الحال، فالاستثناء فيه ينافي العزم عليه. ويمكن أن يفرق بينهما بأن الصبر ليس مكتسبًا لنا، بخلاف فعل المعصية وتركها، فإن ذلك كله مكتسب لنا، والله أعلم. (قَالَ لَهُ)؛ أي: لموسى، (الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾؛ أي: حتى أكون أنا الذي أُفسّره لك، هذا من الْخَضِر تأديبٌ، وإرشادٌ لِمَا يقتضي دوامَ الصُّحبة، ووعدٌ بأنه يُعرِّفه بأسرار ما يراه من العجائب، فلو صبرَ، ودَأبَ لرأى العجبَ، لكنَّه أكثر من الاعتراض، فتعيَّن الفِراق والإعراض. (قَالَ) موسى -﵇- (نَعَمْ)؛ يعني: لا أسألك عن شيء حتى تحدّثني به أنت. (فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى) لم يذكر معهما فتى موسى، فيَحْتَمِل أنه لم يكن معهما بل تخلّف عنهما، ويَحْتَمِل أنه معهما ولكن اكتُفي بذكر المتبوع عن التابع. (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ)؛ أي: على شاطئ البحر، والجمع: سواحل، (فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُمْ)؛ أي: كلّم الخضر وموسى أصحاب تلك السفينة، وفي رواية: «فكلموهم» بالجمع، قال في «الفتح»: ضم يوشع معهما في الكلام لأهل السفينة؛ لأن المقام يقتضي كلام التابع. (أَنْ يَحْمِلُوهُمَا) عليها، والظاهر أن يوشع لم يركب معهما؛ لأنه لم يقع له ذِكر بعد ذلك. (فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ)؛ أي: بغير شيء ناله أصحابُ السفينة منهما؛ أي: بغير جُعل، والنَّولُ، والنَّالُ، والنَّيْلُ: العطاء، وفيه ما يدلُّ على قَبُول الرجل الصالح ما يُكرمُه به من يعتقدُ فيه صلاحًا، ما لم يتسبَّب هو بإظهار صلاحه لذلك، فيكون قد أَكَلَ بدينه، وذلك مُحرَّم، وربا . (فَعَمَدَ)؛ أي: قصد، يقال: عمدت للشيء عَمْدًا، من باب ضرب، وعَمَدت إليه: قصدتُ، وتعمّدته: قصدت إليه أيضًا . (الْخَضِرُ) -﵇- (إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ)؛ أي: أخرجه من مكانه، قال الأُبيّ: الظاهر أنه ليس بمرئي من أهلها؛ إذ لم يثبت أنّ أحدًا من أهلها أنكر عليه، وقَصْده أن يَعيبها دون أن يقع بأهلها ضرر، وهذا من خرق العادة . (فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هؤلاء قوم (حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ)؛ أي: بغير أجرة، وأصل النول: العطاء، وقد يُستعمل في الأجرة، (عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا؛ لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) قرأه حمزة، والكسائي بالمثناة تحتُ مفتوحةٍ، و﴿أَهْلَهَا﴾ بالرفع على أنه فاعل يَغرَق، والباقون بالمثناة فوق مضمومة، و﴿أَهْلِهَا﴾ بالنصب، فعلى الأول تكون اللام للمآل، كما قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية [القصص: ٨]، وعليها فلم يَنسُبْ له أنه أراد الإغراق، وعلى القراءة الثانية تكون اللام لام كي، ويكون نَسبَ إليه أنه قَصَد بفعله ذلك إغراقهم، وحملَه على ذلك فرطُ الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم، ولأنهم قد أحسنوا، فلا يُقابَلون بالإساءة، ولم يقل: لتُغرقني؛ لأن الذي غلب عليه في الحال فَرطُ الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم . (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)؛ أي: ضعيف الحجة، يُقال: رجل إمرٌ؛ أي: ضعيف الرأي، ذاهبُه، يحتاج إلى أن يُؤمر، قال معناه أبو عبيد، وقال مجاهد: منكرًا، وقال مقاتل: عجبًا، وقال الأخفش: يُقال: أَمِرَ أَمْرُهُ، يأمر أمْرًا؛ أي: اشتدّ، والاسم: الإمْرُ، قال الراجز: قَد لَقِيَ الأَقرَانُ مِنِّي نُكرًا … داهِيَةَ دَهْيَاءَ إِدًّا إِمْرَا وفيه من الفقه: العمل بالمصالح إذا تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال بفساد بعضه . (قَالَ) الخضر (﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾)؛ أي: من عهدك، فتكون «ما» مع الفعل بتأويل المصدر؛ أي: سهوي، وغفلتي، وصدقَ، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: «كانت الأُولى من موسى نسيانًا» . (﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾) قال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ في معناه قولان: أحدهما: يُروى عن ابن عباس، قال: هذا من معاريض الكلام. والآخر أنه نسي فاعتذر، ففيه ما يدلّ على أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف، ولا يتعلق به حكم طلاق، ولا غيره، وقد تقدم، ولو نسي في الثانية لاعتذر. انتهى . (﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾)؛ أي: لا تُفَنِّدني فيما تركته، قاله الضحَّاك، وقال مقاتل: لا تكلِّفني ما لا أقدر عليه، من التحفُّظ عن السهو. (ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَينَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، إِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ) قال القرطبيّ -﵀-: قد تقدم أن الغلام في الرجال يقال على من لم يبلغ، ويُقابله الجارية في النساء، قال الكلبي: اسم هذا الغلام: شمعون، وقال الضحَّاك: حيسون، وقال وهب: اسم أبيه سلاس، واسم أمه رُحمى، وقال ابن عباس: كان شابًّا يقطع الطريق. قال القرطبيّ -﵀-: ويظهر من كلام ابن عباس هذا أنه كان بالغًا، وأنه بلغ سن التكليف، وليس هذا معروفًا في إطلاق اسم الغلام في اللغة، ومساق الحديث يدلّ على أنه لم يبلغ سن التكليف، فلعل هذا القول لم يصحّ عن ابن عباس، بل الصحيح عنه أنه كان لم يبلغ، كما يأتي . وقال القرطبيّ المفسّر: اختَلَف العلماء في الغلام، هل كان بالغًا أم لا؟ فقال الكلبيّ: كان بالغًا يقطع الطريق بين قريتين، وأبوه من عظماء أهل إحدى القريتين، وأمه من عظماء القرية الأخرى، فأخذه الخضر، فصرعه، ونزع رأسه عن جسده، قال الكلبيّ: واسم الغلام شمعون، وقال الضحاك: حيسون، وقال وهب: اسم أبيه سلاس، واسم أمه رُحْمَى، وحَكَى السهيلي أن اسم أبيه كازبر، واسم أمه سهوى. وقال الجمهور: لم يكن بالغًا، ولذلك قال موسى: ﴿زَكِيَّةً﴾ لم تُذنب، وهو الذي يقتضيه لفظ الغلام، فإن الغلام في الرجال يقال على من لم يَبْلُغ، وتقابله الجارية في النساء. وكان الخضر قَتَله لمّا عَلِم من سرّه، وأنه طُبع كافرًا كما في صحيح الحديث، وأنه لو أدرك لأرهق أبويه كفرًا، وقتلُ الصغير غير مستحيل؛ إذا أَذِن الله في ذلك، فإن الله تعالى الفعّال لِمَا يريد، القادر على ما يشاء، وفي «كتاب العرائس»: إن موسى لمّا قال للخضر: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ -الآية- غضب الخضر، واقتلع كتف الصبي الأيسر، وقشر اللحم عنه، وإذا في عَظْم كتفه مكتوب: كافر، لا يؤمن بالله أبدًا. وقد احتج أهل القول الأول بأن العرب تبقي على الشاب اسم الغلام، ومنه قول ليلى الأخيلية [من الطويل]: شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِها … غُلَامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا وقال صفوان لحسان [من الطويل]: تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإِنَّنِي … غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ وفي الخبر: إن هذا الغلام كان يُفسد في الأرض، ويُقسم لأبويه أنه ما فعل، فيُقْسمان على قَسَمه، ويحميانه ممن يطلبه، قالوا: وقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ يقتضي أنه لو كان عن قَتْل نفس لم يكن به بأس، وهذا يدل على كِبَر الغلام، وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس، وإنما جاز قتله؛ لأنه كان بالغًا عاصيًا. قال ابن عباس: كان شابًّا يقطع الطريق. وذهب ابن جبير إلى أنه بلغ سنّ التكليف؛ لقراءة أُبَيّ وابن عباس: «وأما الغلام فكان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين»، والكفر والإيمان من صفات المكلَّفين، ولا يُطلق على غير مكلَّف إلا بحكم التبعية لأبويه، وأبَوَا الغلام كانا مؤمنين بالنصّ، فلا يصدق عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ، فتعيّن أن يصار إليه. والغلام من الاغتلام وهو: شدّة الشَّبَق. انتهى . (فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأسِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِه، فَقَتَلَهُ)، وفي «صحيح البخاريّ»: قال يعلى: قال سعيد: «وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، قال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ لم تعمل بالحنث». (فَقَالَ مُوسَى) عندما شاهد هذه الفعلة من الخضر، وهي قَتْله الغلام، وفي الرواية التالية: «فذُعِرَ عندها موسى -﵇- ذَعْرَةً منكرةً»؛ أي: فَزِعَ فَزَعًا شديدًا عند هذه الفعلة التي هي قَتْله الغلام، وعند ذلك لم يتمالك موسى أن بادر بالإنكار، تاركًا للاعتذار، فقال: (أقتلت نفسا زاكية) هذه قراءة العامة، وقرأه الكوفيون، وابن عامر (زكيّة) بغير ألف، وتشديد الياء، قال ثعلب: الزكية: أبلغ، قال أبو عبيد: الزكية في الدين، والزاكية في البدن، قال الكسائي: هما بمعنى واحد؛ كقاسية، وقسيَّة، وقرأ ابن عباس: مُسْلمة، قال أبو عمرو: التي ما حلَّ ذنبها، وقال ابن جبير: يريد على الظاهر . (﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾)؛ يعني: أنها لم تقتل نفسًا، فتستحقّ القتل بها (﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾) أشدَّ المنكر، وأفحشه، قاله قتادة، وفيه لغتان: ضم الكاف، وسكونها، وقرئ بهما، وهذه بادرة من موسى -﵇- تَرَك بها كل ما كان التزم له من الصبر، وتَرْك المخالفة؛ لكن حَمَله على ذلك استقباح ظاهر الحال، وتحريم ذلك في شَرْعه، ولذلك قال النبيّ -ﷺ-: «وهذه أشدُّ من الأُولى» . وقال القرطبيّ المفسّر: اختلف الناس أيهما أبلغ (إمْرًا)، أو قوله: ﴿نُكْرًا﴾ فقالت فرقة: هذا قتل بَيِّن، وهناك مترقب، فـ ﴿نُكْرًا﴾ أبلغ. وقالت فرقة: هذا قتل واحد، وذاك قتل جماعة فـ (إِمْرًا) أبلغ. قال ابن عطية: وعندي أنهما لمعنيين، وقوله: (إِمْرًا) أفظع، وأهول من حيث هو متوقَّع عظيم، ﴿نُكْرًا﴾ بَيِّن في الفساد؛ لأن مكروهه قد وقع، وهذا بيّن . (﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾) قيل: إنما ذكر (لك) في هذه المرة، ولم يذكرها في الأُولى مقابلة له على شدّة في هذه الكرَّة؛ فإنَّ مقابلته بـ (لك) مع كاف خطاب المفرد يُشعر بذلك، والله أعلم. (﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ قَالَ) -ﷺ-: (وَهَذِهِ)؛ أي: هذه الصيغة، وهي قوله: «ألم أقل لك» بزيادة «لك»، (أَشَدُّ مِنَ الأُولَى)؛ أي: من الصيغة الماضية، فإنها: «ألم أقل» بدون «لك». (قَالَ) موسى -﵇- (﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾) هذا قول أبْرَزه من موسى -﵇- استحياؤه من كثرة المخالفة، وتهديده لنفسه عند معاودتها للاعتراض بالمفارقة. وقال المفسّر : هذا شرط، وهو لازم، والمسلمون عند شروطهم، وأحقّ الشروط أن يُوفَى به ما التزمه الأنبياء، والتُزِم للأنبياء . وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ كذا قرأ الجمهور؛ أي: تتابعني، وقرأ الاعرج: «تَصْحَبَنّي» بفتح التاء، والباء، وتشديد النون، وقرئ: «تَصْحَبْني»؛ أي: تتبعني، وقرأ يعقوب: «تصحبني» بضم التاء وكسر الحاء، ورواها سهل عن أبي عمرو، قال الكسائي: معناه: فلا تتركني أصحبك . (﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾)؛ أي: قد صرت عندي معذورًا، وقد تقدَّم الفرق بين لدنِّي وعندي، وأن في لدنِّي لغات، وقرئت: (مِنْ لَدْنِي) بضم الدال، وتخفيف النون، وسكون الدال، وإشمامها الضم، وتخفيف النون لأبي بكر عن عاصم، وبضم الدال، وتشديد النون، والأُولى لنافع، والثالثة للباقين، قاله القرطبيّ . قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت لغات «لدن» بقولي: «لَدُنْ» لَهَا مِنَ اللُّغَاتِ مَا يَلِي … لَدُنْ بِفَتْحٍ ثُمَّ ضَمٍّ يَنْجَلِي لَدْنٌ كَفَلْسٍ لَدِنٌ كَكَتِفِ … لُدْنٌ كَقُفْلٍ وَكَجَيْرِ فَاعْرِفِ وَلَدْ كَلَمْ وَلُدُ كَمُذْ ثُمَّ لَدَى … مِثْلُ قَفَا كَذَا لُدُنْ قَدْ وَرَدَا بِضَمَّتَيْنِ وَكَذَا لُدُ احْذِفَا … نُونًا فَتِلْكَ عَشَرَةٌ خُذْ مُنْصِفَا أَوْرَدَهَا الْمَجْدُ لَدَى كِتَابِهِ … أَعْنِي بِهِ «الْقَامُوسَ» فَلْتُعْنَ بِهِ وقال القرطبيّ المفسّر: قوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾: هذا يدلّ على قيام الاعتذار بالمرة الواحدة مطلقًا، وقيام الحجة من المرة الثانية بالقطع، قاله ابن العربي، وقال ابن عطية: ويُشبه أن تكون هذه القصة أيضًا أصلا للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة، وأيام المتلوَّم ثلاثة، فتأمله . قال: وقوله: (﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾)؛ أي: بلغت مبلغًا تُعذر به في ترك مصاحبتي، وقرأ الجمهور: ﴿مِنْ لَدُنِّي﴾ بضم الدال، إلا أن نافعًا وعاصمًا خفَّفا النون، فهي «لدن» اتصلت بها ياء المتكلم التي في غلامي، وفرسي، وكُسر ما قبل الياءكما كُسر في هذه. وقرأ أبو بكر عن عاصم: «لَدْنِي» بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف النون. وروي عن عاصم: «لُدْني» بضم اللام وسكون الدال، قال ابن مجاهد: وهي غلط، قال أبو علي: هذا التغليط يُشبه أن يكون من جهة الرواية، فأما على قياس العربية فهي صحيحة. وقرأ الجمهور: «عُذْرًا»، وقرأ عيسى: «عُذُرا» بضم الذال. وحكى الداني أن أُبيًّا روى عن النبيّ -ﷺ-: «عُذْرِي» بكسر الراء وياء بعدها . (﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾)، وفي رواية: «أهل قرية لئامًا»، قال قتادة: القرية أيلة، وقيل: أنطاكية، و«لئام» هنا: بخلاء، واللؤم في الأصل: هو البخل، مع دناءة الآباء. (﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾) الاستطعام: سؤال الطعام، والمراد به هنا: أنهما سألا الضيافة، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: ٧٧]؛ فاستحقّ أهل القرية أن يُذمُّوا، وينسبوا إلى اللؤم، كما وصفهم بذلك نبيّنا -ﷺ-، ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما يجب لهما من الضيافة، وهذا هو الألْيَق بحال الأنبياء والفضلاء، وبعيد أن يُذَمّ من تَرَك المندوب هذا الذم، مع أنه يَحْتَمِل أن يقال: إن الضيافة لمّا كانت من المكارم المعروفة المعتادة عند أهل البوادي، ذُمَّ المتخلف عنها عادةً، كما قد قالوا: «شرُّ القُرى التي تبخل بالقِرى»، ويَحْتَمِل أن يكون سؤالهما الضيافة عند حاجتهما إلى ذلك، وقد بيَّنَّا: أن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يردُّ به جوعه، ففيه ما يدل على جواز المطالبة بالضيافة، كما قال -ﷺ-: «إن نزلتم بقوم، فَأَمَر لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حقّ الضيف»، متّفق عليه. وقد تقدَّم القول في الضيافة وأحكامها، ويعفو الله عن الحريري؛ فإنَّه استَخَفَّ في هذه الآية، ومَجَّن، فاستدل بها على الكُدْيَة، والإلحاح فيها؛ وأن ذلك ليس بعيب على فاعله، ولا منقصة عليه، فقال [من الطويل]: فإنْ رُدِدتَّ فَمَا بَالردِّ مَنقَصَةٌ … عَلَيْكَ قَدْ رُدَّ مُوسَى قَبْلُ وَالْخَضِرُ وهذا لعبٌ بالدِّين، وانسلال عن احترام النبيين، وهي: شنشنة أدبية، وهفوة سخافية، ويرحم الله السَّلف الصالح، فإنَّهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبًا بشيء، فإياك أن تلعب بدينك. انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامع عفا الله عنه: وأنا أقول: سامح الله القرطبيّ في هذا الهجوم الذي هاجم به الحريريّ، واتّهمه بالسخافة والمجون، فأي ذنب اقترفه، فإنه ما زاد في بيته على ما أسلفه القرطبيّ نفسه في تقرير حال الخضر وموسى -﵇-. ومعنى البيت الذي قاله هو معنى قوله -﷿-: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ الآية [الكهف: ٧٧]، وإياك ثم إياك أن تتّهم مسلمًا بالمجون، أو الزندقة إلا ببيّنة واضحة، فإن هذا مزلّة أقدام، وهفوة أقلام، عافانا الله من ذلك بمنّه وكرمه، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم آمين. (﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾) الجدار: الحائط، و﴿يَنْقَضَّ﴾: يسقط، قال القرطبيّ -﵀-: وصفُهُ بالإرادة مجاز، مستعمل، وقد فسّره في الحديث بقوله: «يقول: مائل»، فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور، ومما يدلّ على استعمال ذلك المجاز وشهرته، قول الشاعر [من الوافر]: يُرِيدُ الرُّمحُ صَدْرَ أبي بَراءٍ … وَيرْغَبُ عَنْ دِماء بَنِي عَقِيلِ وقال آخر [من الخفيف]: إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِسَلْمَى … لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإِحسانِ وقال آخر [من الكامل]: فِي مَهْمَهٍ فُلِقَت به هاماتُنَا … فَلْقَ الفُؤُوسِ إِذَا أَرَدْنَ نُصُولَا والنصول هنا: الثبوت في الأرض، من قولهم: نصل السَّهم: إذا ثبت في الرَّميَّة، فشبَّه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض الشديدة؛ فإنَّ الفاس يقع فيها، ويثبت، ولا يكاد يخرج، والمجاز موجود في القرآن، والسُّنَّة، كما هو موجودٌ في كلام العرب، وقد استوفينا مباحث هذه المسألة في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: مسألة وقوع المجاز في القرآن والسُّنَّة، وفي كلام العرب عمومًا قد استوفيت البحث فيها في «التحفة المرضيّة» ، و«شرحها»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (يَقُولُ) الراوي مفسّرًا قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ معناه: (مَائِلٌ)؛ أي: انحرف عن الاستقامة، وكاد يسقط. (قَالَ الْخَضِرُ) -﵇- (بِيَدِهِ هَكَذَا، فَأَقَامَهُ)؛ يعني به: أنه أشار إليه بيده، فقام، قال القرطبيّ: فيه دليل على كرامات الأولياء، وكذلك كل ما وُصف من أحوال الخضر في هذا الحديث، وكلها أمور خارقة للعادة، هذا إذا تنزّلنا على أنه وليّ، لا نبيّ، وقد اختلف فيه أئمة أهل السُّنَّة، والظاهر من مساق قصته، واستقراء أحواله، مع قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾؛ أنه نبيّ يوحى إليه بالتكاليف، والأحكام، كما أوحي إلى الأنبياء، غير أنه ليس برسول. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: القول بكون الخضر وليًّا ضعيف جدًّا؛ لمخالفته ظواهر الكتاب والسُّنَّة، وسيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى. (قَالَ لَهُ مُوسَى)؛ أي: قال للخضر لَمّا أقام ذلك الجدار بدون أجر يتقوون به في سفرهما، (قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ، فَلَمْ يُضَيِّفُونَا، وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) قال القرطبيّ: هذه قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ويعقوب، وقراءة غيرهم: (لَاتَّخَذْتَ)، وهما لغتان بمعنى واحد من الأخذ، وهذه صدرت من موسى سؤالًا على جهة العرض، لا الاعتراض. وقال السمين -﵀-: قوله: (لَاتَّخَذْتَ) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «لتَخِذت» بفتح التاء، وكسر الخاء، من تَخِذَ يَتْخَذُ؛ كتَعِبَ يَتْعَبُ، والباقون: «لاتّخذت» بهمز الوصل، وتشديد التاء، وفتح الخاء، من الاتّخاذ، واختُلف هل هما من الأخذ، والتاء بدل من الهمزة، ثم تُحذف التاء الأولى، فيقال: تَخِذَ، كتَقِيَ، من اتَّقَى، نحو: تَقِ اللهَ فِينَا وَالْكِتَابَ الَّذِي تَتْلُو أم هما من تَخِذ، والتاء أصليّة، ووزنهما فِعِلَ، وافْتَعَلَ؟ قولان، قال: والفعل هنا على القراءتين متعدّ لواحد؛ لأنه بمعنى الكسب. انتهى . فعند ذلك (﴿قَالَ﴾) له الخضر (﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾) أي: هذا وقت ذلك، بحكم ما شرطتَ على نفسكَ، قال المحلّي -﵀-: فيه إضافة «بين» إلى غير متعدّد، سوّغها تكريره بالعطف. انتهى . ثم وعدَه بأن يُخبرَه بحكم تلك الأحكام، فقال: (﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾) قال المفسّر: تأويل الشيء مآله؛ أي: قال له: إني أخبرك لِمَ فعلتُ ما فعلت؟، وقيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر: إنها حجة على موسى، لا عجبًا له، وذلك أنه لمّا أنكر أمْر خرق السفينة نودي: يا موسى أين كان تدبيرك هذا، وأنت في التابوت مطروحًا في اليم! فلما أنكر أمر الغلام، قيل له: أين إنكارك هذا من وكزك القبطيّ، وقضائك عليه! فلما أنكر إقامة الجدار نودي: أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر!. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا النداء لموسى يحتاج إلى سند يصحّ به، فأين هو؟ والله تعالى أعلم. (قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْتُ) بفتح الواو، وكسر الدال، يقال: وَدِدْتُهُ، أَوَدُّهُ، من باب تَعِبَ وُدًّا بفتح الواو، وضمّها: أحببته، والاسم: المَوَدَّةُ، وَوَدِدْتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضًا وُدًّا، ووَدَادَةً، بالفتح: تمنَّيته، وفي لغة: وَدَدْتُ أَوَدُّ، بفتحتين، حكاها الكسائيُّ، وهو غَلَطٌ عند البصريين، وقال الزجاج: لم يقل الكسائيُّ إلا ما سَمِع، ولكنه سمعه ممن لا يوثَق بفصاحته، ذَكَره الفيّوميّ . (أنَّهُ)؛ أي: موسى، (كَانَ صَبَرَ) الظاهر أن«كان»زائدة، كما قال في«الخلاصة»: وَقَدْ تُزَادُ«كَانَ»فِي حَشْوٍ كَمَا …«كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا»(حَتَّى يُقَصَّ) بالبناء للمفعول؛ أي: حتى يقصّ الله تعالى في كتابه، وفيما يوحيه إليّ، (عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا«)؛ أي: فنسمع العجائب والغرائب. (قَالَ) أُبيّ بن كعب -﵁- (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «كَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا»، قَالَ: «وَجَاءَ عُصْفُورٌ) بضمّ أوّله، قيل: هو الصُّرَد، بضم المهملة، وفتح الراء، وفي»الرحلة«للخطيب أنه الْخُطاف. (حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ)؛ أي: طَرَفها، (ثُمَّ نَقَرَ)؛ أي: أصاب بمنقاره (فِي الْبَحْرِ)؛ أي: منه، فـ»في«بمعنى»من«. (فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ، إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ») لفظُ النقص ليس على ظاهره؛ لأن علم الله تعالى لا يدخله النقص، فقيل: معناه: لم يأخذ، وهذا توجيه حسنٌ، ويكون التشبيه واقعًا على الأخذ، لا على المأخوذ منه، وأحسن منه أن المراد: بالعلم المعلوم، بدليل دخول حرف التبعيض؛ لأن العلم القائم بذات الله تعالى صفة قديمةٌ لا تتبعض، والمعلوم هو الذي يتبعض. وقال الإسماعيليّ: المراد: أن نقص العصفور لا ينقص البحر بهذا المعنى، وهو كما قيل [من الطويل]: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ أي: ليس فيهم عيب، وحاصله: أن نفي النقص أُطلق على سبيل المبالغة، وقيل: «إلا» بمعنى: «ولا»؛ أي: ولا كنقرة هذا العصفور. وقال القرطبيّ: من أطلق اللفظ هنا تجوَّز؛ لِقَصْده التمسّك والتعظيم؛ إذ لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته. وقد وقع في رواية ابن جريج بلفظٍ أحسنَ سياقًا من هذا، وأبعد إشكالًا، فقال: «ما علمي وعلمك في جنب علم الله، إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر»، وهو تفسير للّفظ الذي وقع هنا، ذكر هذا كله في «الفتح» . (قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ) ابن عبّاس -﵄-؛ لأن سعيدًا روى الحديث عنه، لا عن أبيّ -﵁-، وقال بعض الشرّاح : هو أبيّ، وهو غير صحيح، فتنبّه. وهذه القراءة شاذّة، ولعله زادها من باب تفسير المراد، والله تعالى أعلم. (يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ، يَاْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ)؛ أي: بزيادة هذا اللفظ، (غَصْبًا) قال القرطبيّ المفسّر -﵀-: قرأ ابن عباس وابن جبير: «صحيحة»، وقرأ أيضًا ابن عباس، وعثمان بن عفان: «صالحة». [تنبيه]: «وراء» أصلها بمعنى خَلْف، فقال بعض المفسرين: إنه كان خَلْفه، وكان رجوعهم عليه. والأكثر على أن معنى «وراء» هنا أمام، يعضده قراءة ابن عباس وابن جبير: «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبًا»، قال ابن عطية: «وراءهم» هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مُرَاعًى بها الزمان، وذلك أن الحدث المقدَّم الموجود هو الأمام، والذي يأتي بعده هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطّرد، فهذه الآية معناها: إن هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمان غصبُ هذا الملك، ومن قرأ: «أمامهم» أراد: في المكان؛ أي: كأنهم يسيرون إلى بلد، وقوله -ﷺ-: «الصلاة أمامك»، متّفقٌ عليه، يريد: في المكان، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمان، وتأمل هذه المقالة، فإنها مريحة من شَغَب هذه الألفاظ، ووقع لقتادة في كتاب الطبريّ: «وكان وراءهم ملك» قال قتادة: أمامهم، ألا تراه يقول: «من ورائهم جهنم»، وهي بين أيديهم، وهذا القول غير مستقيم، وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضجّ منها، قاله الزجاج. قلت: وما اختاره هذا الإمام قد سبقه إليه في ذلك ابن عرفة، قال الهرويّ: قال ابن عرفة: يقول القائل: كيف قال: «من ورائه» وهي أمامه؟ فزعم أبو عبيد، وأبو علي قُطْرب أن هذا من الأضداد، وأن «وراء» في معنى «قدّام»، وهذا غير محصَّل؛ لأن «أمام» ضدّ «وراء»، وإنما يصلح هذا في الأماكن، والأوقات؛ كقولك للرجل إذا وعد وعدًا في رجب لرمضان، ثم قال: ومن ورائك شعبان لجاز، وإن كان أمامه؛ لأنه يخلفه إلى وقت وعده، وأشار إلى هذا القول أيضًا القشيريّ، وقال: إنما يقال هذا في الأوقات، ولا يقال للرجل أمامك: إنه وراءك، قال الفراء: وجوّزه غيره، والقوم ما كانوا عالمين بخبر الملِك، فأخبر الله تعالى الخضر حتى عاب السفينة، وذكره الزجاج. وقال الماوردي: اختلف أهل العربية في استعمال «وراء» موضع «أمام» على ثلاثة أقوال: أحدها: يجوز استعمالها بكل حال، وفي كل مكان، وهو من الأضداد. قال الله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠]؛ أي: من أمامهم، وقال الشاعر [من الطويل]: أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي … وَقَوْمِي تَمِيمٌ وَالْفَلَاةُ وَرَائِيَا يعني: أمامي. والثاني: أن «وراء» تُستعمل في موضع «أمام» في المواقيت والأزمان؛ لأن الإنسان قد يجوزها، فتصير وراءه، ولا يجوز في غيرها. الثالث: أنه يجوز في الأجسام التي لا وجه لها؛ كحجرين متقابلين، كل واحد منهما وراء الآخر، ولا يجوز في غيرهما، وهذا قول علي بن عيسى . [تنبيه آخر]: اختُلِف في اسم هذا الملِك، فقيل: هدد بن بدد، وقيل: الجلندي، وقاله السهيلي. وذكر البخاري اسم الملِك الآخذ لكل سفينة غصبًا فقال: هو هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه: جيسور، قال القرطبيّ: وهكذا قيّدناه في «الجامع» من رواية يزيد المروزيّ، وفي غير هذه الرواية: حيسور، بالحاء، وعندي في حاشية الكتاب رواية ثالثة: وهي حيسون. وكان يأخذ كل سفينة جيدة غصبًا فلذلك عابها الخضر وخَرَقها، ففي هذا من الفقه العمل بالمصالح إذا تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال بإفساد بعضه، وقد تقدم. وفي «صحيح مسلم» وجه الحكمة بخرق السفينة، وذلك قوله: «فإذا جاء الذي يسخّرها وجدها منخرقة، فتجاوزها، فأصلحوها بخشبة»، الحديث. وتحصّل من هذا الحضّ على الصبر في الشدائد، فكم في ضمن ذلك المكروه من الفوائد، وهذا معنى قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٦] . (وَكَانَ يَقْرَأُ)؛ أي: ابن عبّاس أيضًا، وليس أُبيًّا، كما زُعِم، وقد صرّح ابن عبد البرّ أنه ابن عبّاس، فقال في «التمهيد»: قال إسحاق: وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: «وأما الغلام فكان كافرًا». انتهى . (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا) بزيادة لفظ «كافرًا» وهي قراءة شاذّة أيضًا، تكون من باب تفسير المراد. وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وصححه ابن حبّان عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أُبَيّ بن كعب، عن النبيّ -ﷺ-: «الغلام الذي قتله صاحب موسى -﵇- طُبع يوم طُبع كافرًا»، ولفظ ابن حبّان: «إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع يوم طبع كافرًا»، وفي لفظ لأحمد: «وأما الغلام، فإنه كان طُبع يوم طبع كافرًا، وكان قد أُلقي عليه محبةٌ من أبويه، ولو أطاعاه لأرهقهما طغيانًا وكفرًا»، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «وأما الغلام فكان كافرًا» هذا حديث مرفوع من رواية أُبَيٍّ، كما قال في الرواية الأخرى: «طُبع يوم طُبع كافرًا»، وقد روي أن أُبيًّا كان يقرأ: «وأما الغلام فكان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين»، وهذا محمول على أن أُبيًّا فسَّر، لا أنه قرأ كذلك؛ لأنَّه لم يُثْبِتْها في المصحف، وهو من جُملة كَتَبتِه، والجمهور على أن هذا الغلام لم يكن بلغ من التكليف، وقد ذهب ابن جبير إلى أنه بلغ سن التكليف، وقد حكي ذلك عن ابن عباس كما تقدَّم، والصحيح عنه أنه كان صغيرًا لم يبلغ كما تقدَّم من كتابه إلى نجدة الحروريّ، كما ذكرناه في «الجهاد»، وهذا هو المعروف من اسم الغلام، كما قد تقدَّم، وإنما صار ابن جبير إلى ذلك لقوله -ﷺ-: كان كافرًا، والكفر والإيمان من صفات المكلَّفين، ولا يطلق على غير مكلَّف إلا بحكم التبعية لأبويه، وأبَوَا الغلام كانا مؤمنين بالنصّ، فلا يَصْدُق عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ، فتعيَّن أن يصار إليه، وقد يُطلق الغلام على الكبير إذا كان قريبًا من زمان الغلومية توسُّعًا، وهو موجود في كلام العرب، كما قالت ليلى الأخيلية [من الطويل]: شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا … غُلامٌ إِذَا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاهَا وقال صفوان لحسَّان [من الطويل]: تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عنِّي فإنَّنِي … غُلامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ قال القرطبيّ: وما صار إليه الجمهور أَولى تمسُّكًا بحقيقة لفظ الغلام، ولقوله -ﷺ-: «وأما الغلام فطُبع يوم طُبع كافرًا»؛ أي: خُلق قلبه على صفة قلب الكافر من القسوة، والجهل، ومحبَّة الفساد، وضرر العباد، ولقوله: «ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا»؛ أي: لو بلغ، ولَمَّا عَلِم الله تعالى ذلك منه، أعلمَ الخضر بذلك، وأمَره بقتله، فيكون قَتْله من باب دفع الضرر، كقتل الحيَّات، والسِّباع العادية، لا من باب القتل المترتب على التكليف، وهذا لا إشكال على أصول أهل السُّنَّة فيه؛ فإن الله تعالى الفعَّالُ لِمَا يريد، القادر على ما يشاء، لا يتوجه عليه وجوبٌ، ولا حقّ، ولا يثبت عليه لَوْمٌ ولا حُكْم، وأما على أصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وما يتولَّد على ذلك من الأصول الفاسدة من التجويز، والتعديل، والإيجاب على الله تعالى، فلا يُلتفت إليها، ولا يُعرّج عليها؛ لظهور فسادها، كما بيَّنَّاه في الأصول. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس عن أُبيّ بن كعب -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٦١٤٤ و٦١٤٥ و٦١٤٦ و٦١٤٧ و٦١٤٨، (٢٣٨٠)، و(البخاريّ) في «العلم» (٧٤ و٧٨ و١٢٢) و«الإجارة» (٢٢٦٧) و«الأنبياء» (٣٤٠٠ و٣٤٠١) و«بدء الخلق» (٣٢٧٨) و«التفسير» (٤٧٢٥ و٤٧٢٦ و٤٧٢٧) و«الأيمان والنذور» (٦٦٧٢)، و(أبو داود) في «السُّنَّة» (٤٧٠٥ و٤٧٠٦)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٤٩)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٨٩)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٤٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١١٦ و١١٧ و١١٨ و١١٩ و١٢٠)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٣٧١)، و(الطبريّ) في «التفسير» (١٥/ ٢٨٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٠٢ و٦٢٢٠)، و(الحاكم) في «المستدرك (٢/ ٦٢٦)، و(أبو عوانة) في»مسنده«(٣/ ٤٣١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الرحلة للعلم. ٢ - (ومنها): جواز التزود للسفر. ٣ - (ومنها): بيان فضيلة طلب العلم، والأدب مع العالِم، وحرمة المشايخ، وتَرْك الاعتراض عليهم، وتأويل ما لم يُفهم ظاهره من أقوالهم، وأفعالهم، والوفاء بعهودهم، والاعتذار عند المخالفة. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في«العمدة»، وأطلق عدم الإنكار على المشايخ، وهذا غير مقبول، بل ذلك مقيَّد في المحتمَلات، وما يَقبل التأويل، وأما منهيّات الشرع الظاهرة، فلا يسع الطالب أن يسكت عليها، بل يُنكرها، لكن بلطف، واستفسار، لا بعنف، واستهتار؛ حفظًا لمنصب العلماء، فتفطّن، واستيقظ، فإن هذا مما زلّت به أقدام كثير ممن يُنسب إلى العبادة والزهد، بل مما نقرؤه في كتب المتصوّفين المتأخّرين أنهم يقولون: إن من شَرْط الطريقة أن يكون المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل، وأن لا يُنْكِر على شيخه شيئًا يراه منه، ولو كان من المنكَرات الشرعيّة، فإنه إنْ فَعَل ذلك انقطع عنه المدد من شيخه. وهذا انسلاخ عن الشريعة، وخروج عن حدود الله تعالى، فإن إنكار المنكر شعبة من شُعَب الإيمان، فقد أخرج مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من رأى منكم منكرًا، فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): إثبات كرامات الأولياء، وصحة الولاية. ٥ - (ومنها): جواز سؤال الطعام عند الحاجة. ٦ - (ومنها): جواز الإجارة. ٧ - (ومنها): جواز ركوب السفينة، ونحوها بغير أجرة برضى صاحبها. ٨ - (ومنها): فيه الحكم بالظاهر، حتى يتبيّن خلافه. ٩ - (ومنها): أن الكذب هو الإخبار على خلاف الواقع عمدًا أو سهوًا، خلافًا للمعتزلة. ١٠ - (ومنها): أنه إذا تعارضت مفسدتان يجوز دَفْع أعْظَمِهما بارتكاب أخفّهما، كما في خَرْق الخضر السفينة؛ لِدَفْع غَصْبها، وذهاب جملتها. ١١ - (ومنها): بيان أصل عظيم، وهو وجوب التسليم لكل ما جاء به الشرع، وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول، ولا يفهمه أكثر الناس، وقد لا يفهمونه كلهم؛ كالقَدَر، وموضع الدلالة: قتل الغلام، وخرق السفينة، فإنّ صورتيهما صورة المنكر، وكان صحيحًا في نفس الأمر، له حكمة بيّنة، لكنها لا تظهر للخلق، فإذا علّمهم الله تعالى بها عَلِموها، ولهذا قال الخضر -﵇-: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] . ١٢ - (ومنها): ما قال ابن بطال -﵀-: وفيه أصلٌ مهمّ، وهو ما تعبّد الله تعالى به خلقه من شريعته يجب أن يكون حجةً على العقول، ولا تكون العقول حجةً عليه، ألا ترى أن إنكار موسى -﵇- كان صوابًا في الظاهر، وكان غير ملوم فيه، فلما بَيَّن الخضر وجه ذلك صار الصواب الذي ظهر لموسى في إنكاره خطأً، والخطأ الذي ظهر له من فعل الخضر صوابًا، وهذا حجةٌ قاطعةٌ في أنه يجب التسليم لله تعالى في دينه، ولرسوله -ﷺ- في سُنَّته، واتّهام العقول، إذا قَصَرت عن إدراك وجه الحكمة فيه. انتهى . ١٣ - (ومنها): أن قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يدلّ على أنه فَعَله بالوحي، فلا يجوز لأحد أن يقتل نفسًا لِمَا يتوقع وقوعه منها؛ لأن الحدود لا تجب إلا بعد الوقوع، وكذا لا يُقطع على أحد قبل بلوغه؛ لأنه إخبار عن الغيب، وكذا الإخبار عن أخذ الملِك السفينة، وعن استخراج الغلامين الكنز، لأن هذا كله لا يُدرَك إلا بالوحي. ١٤ - (ومنها): أن الحديث جليلٌ واضح، وحجة ظاهرة لنبوة الخضر -﵇-، فقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] الآية أدلّ دليل، على ذلك، فتأمله بالإنصاف. ١٥ - (ومنها): ما قال القاضي عياض -﵀-: فيه جواز إفساد بعض المال لإصلاح باقيه، وخصاء الأنعام، وقطع بعض آذانها؛ لِتُمَيَّز . ١٦ - (ومنها): بيان أن الله تعالى يفعل في مُلكه ما يريد، ويحكم في خلقه بما يشاء، مما ينفع، أو يضرّ، فلا مدخل للعقل في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجب على الخلق الرضا والتسليم، فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر، فلا يتوجه على حُكمه لِمَ، ولا كيف، كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث، وإن العقل لا يحسِّن، ولا يقبّح، وأن ذلك راجع إلى الشرع، فما حسَّنه بالثناء عليه فهو حَسَن، وما قبَّحه بالذمّ فهو قبيح، قاله في «الفتح» نقلًا عن القرطبيّ . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «كما لا يتوجه في وجوده أين» عجيب من الحافظ كيف أقرّ القرطبيّ في قوله هذا، وقد علم أنه -ﷺ- قال للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء»؟ وقد أجاد سماحة الشيخ ابن باز -﵀- في تعليقه على «الفتح»، حيث قال ردًّا على هذا الإنكار: الصواب عند أهل السُّنَّة وصْف الله -﷾- بأنه في جهة العلوّ، وأنه فوق العرش، كما دلّت على ذلك نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويجوز عند أهل السُّنَّة السؤال عنه بأين، كما في «صحيح مسلم» أن النبيّ -ﷺ- قال للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء. . .» الحديث. انتهى كلام الشيخ ابن باز، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقوله: «وإن العقل لا يحسِّن، ولا يقبّح» فيه نظر أيضًا؛ لأن الصحيح من مذهب أهل السُّنَّة أن العقل يحسّن، ويقبّح، وقد حقّقت ذلك في «التحفة المرضيّة» في الأصول تحقيقًا مستفيضًا، فراجعها ، وقال الشيخ ابن باز -﵀- على كلام الحافظ المذكور: هذا قول بعض أهل السُّنَّة، وذهب بعض المحقّقين منهم إلى أن العقل يُحسّن ويُقبّح؛ لِمَا فَطَر الله عليه العباد من معرفة الحَسَن والقبيح، وقد جاءت الشرائع الإلهيّة تأمر بالحسن، وتنهى عن القبيح، ولكن لا يترتّب الثواب والعقاب على ذلك إلا بعد بلوغ الشرع، كما حقّق ذلك العلامة ابن القيّم -﵀- في «مفتاح دار السعادة»، وهذا هو الصواب، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ ابن باز -﵀-، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ١٧ - (ومنها): بيان أن الله تعالى فيما يقضيه حِكَمًا وأسرارًا في مصالحَ خفية، اعتبرها، كلُّ ذلك بمشيئته، وإرادته، من غير وجوب عليه، ولا حُكْم عقل يتوجه إليه، بل بحَسَب ما سبق في علمه، ونافذ حُكمه، فما أطلع الخلق عليه من تلك الأسرار عُرِفَ، وإلا فالعقل عنده واقف، فليحذر المرء من الاعتراض والإنكار، فإن مآل ذلك إلى الخيبة وعذاب النار - أعاذنا الله منها برحمته. قال القرطبيّ -﵀-: ولننبه هنا على مغلطتين: [المغلطة الأولى]: وقع لبعض الجهلة أن الخضر أفضل من موسى تمسكًا بهذه القصة، وبما اشتملت عليه، وهذا إنما يصدر ممن قَصَر نظره على هذه القصة، ولم ينظر فيما خص الله به موسى -﵇- من الرسالة، وسماع كلام الله تعالى ، وإعطائه التوراة، فيها عِلْم كل شيء، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته، ومخاطَبون بحُكم نبوته، حتى عيسى -﵇-، وأدلة ذلك في القرآن كثيرة، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية [المائدة: ٤٤]، والإنجيل، وإن كان هدى فليس فيه من الأحكام إلا قليل، ولم يجئ عيسى -﵇- ناسخًا لأحكام التوراة، بل معلّمًا لها، ومبيّنًا أحكامها، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾ الآية [آل عمران: ٤٨]، وعلى هذا فهو أَمَامَهُمْ، وإِمامهم، وأعلمهم، وأفضلهم، ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعر اف: ١٤٤]. وأن موسى -﵇- من أولي العزم من الرسل، وأن أول من ينشق عنه القبر نبيّنا -ﷺ-، فيجد موسى -ﷺ- متعلقًا بالعرش، وأنه ليس في محشر يوم القيامة أكثر من أمَّته بعد أمَّة نبيّنا -ﷺ-، إلى غير ذلك من فضائله. وأما الخضر وإن كان نبيًّا فليس برسولٍ باتفاق، والرسول أفضل من نبيٍّ ليس برسول، ولو تنزّلنا على أنه رسول، فرسالة موسى أعظم، وأمّته أكثر فهو أفضل، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل، وموسى أفضلهم، وإن قلنا: إن الخضر ليس بنبيّ، بل وليّ، فالنبي أفضل من الوليّ، وهو أمر مقطوع به عقلًا ونقلًا، والصائر إلى خلافه كافرٌ؛ لأنه أمر معلوم من الشرع بالضرورة. قال: وإنما كانت قصة الخضر مع موسى امتحانًا لموسى لِيَعْتَبر، كما قد ابتُلي غيره من الأنبياء بأنواع من المحن والبلاء. [المغلطة الثانية]: ذهب قوم من زنادقة الباطنيّة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة، فقالوا: إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة، والأغبياء، وأما الأولياء والخواصّ فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويُحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم؛ لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوّها عن الأغيار، فتنجلي لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويَعْلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتَّفَق للخضر، فإنه استغنى بما ينجلي له من تلك العلوم، عما كان عند موسى، وقد جاء فيما ينقلون: «استفت قلبك، وإن أفتوك، وأفتوك» . قال القرطبيّ: وهذا القول زندقةٌ، وكفر يُقتل قائله، ولا يستتاب؛ لأنه إنكار لِمَا عُلِم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ كلمته بأن أحكامه لا تُعْلم إلا بواسطة رسله، السفراء بينه وبين خلقه المبيِّنين لشرائعه وأحكامه، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ الآية [الحج: ٧٥]، وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية [ألبقرة: ٢١٣]، وأمَر بطاعتهم في كل ما جاؤوا به، وأخبر أن الهدى في طاعتهم، والاقتداء بهم، في غير موضع من كتابه، وعلى ألسنة رسله؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، وكقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال -ﷺ-: «تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله، وسُنَّة نبيه» ، ومثل هذا لا يُحصَى كثرة. وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعيّ، واليقين الضروريّ، وإجماع السَّلف، والخلف: على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يُعرف شيء منها إلا من جهة الرسل الكرام، فمن قال: إن هناك طريقًا آخر يُعرف بها أمره ونهيه غير الرسل، بحيث يُستغنى بها عن الرسل، فهو كافر، يُقتل، ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا -ﷺ- الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده، ولا رسول، وبيان ذلك أن من قال: إنه يأخذ عن قلبه، وإن ما وقع فيه هو حُكم الله، وإنه يعمل بمقتضاه، وإنه لا يحتاج في ذلك إلى كتاب، ولا سُنَّة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإنَّ هذا نحو مما قاله رسول الله -ﷺ-: «إن روح القدس نَفَث في رُوعي». ولقد سمعنا عن بعض الممخرقين المتظاهرين بالدِّين، أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى؛ وإنَّما آخذ عن الحيّ الذي لا يموت، وإنما أروي عن قلبي عن ربي، ومثل هذا كثير، فنسأل الله الهداية، والعصمة، وسلوك طريق سلف هذه الأمَّة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحث أنيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال غيره: مَن استدلّ بقصة الخضر على أن الوليّ يجوز أن يطّلع من خفايا الأمور على ما يخالف الشريعة، ويجوز له فِعله، فقد ضلّ، وليس ما تمسّك به صحيحًا، فإن الذي فَعَله الخضر ليس في شيء منه ما يناقض الشرع، فإنّ نقْض لوح من ألواح السفينة لِدَفْع الظالم عن غَصْبها، ثم إذا تركها أعيد اللوح جائز شرعًا وعقلًا، ولكن مبادرة موسى بالإنكار بحَسَب الظاهر، وقد وقع ذلك واضحًا في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم، ولفظه: «فإذا جاء الذي يُسَخِّرها، فوجدها منخرقة تجاوزها، فأصلحها»، فيستفاد منه وجوب التأني عن الإنكار في المحتمِلات، وأما قَتْله الغلام، فلعله كان في تلك الشريعة، وأما إقامة الجدار فمن باب مقابلة الإساءة بالإحسان ، والله أعلم. ١٨ - (ومنها): ما أورده في«العمدة»على طريقة السؤال والجواب، فقال: (منها): ما قيل في قوله:«فإني نسيت الحوت»: كيف نسي ذلك، ومثله لا يُنسى؛ لكونه أمارة على المطلوب، ولأن ثمة معجزتين: حياة السمكة المملوحة المأكول منها على المشهور، وانتصاب الماء مثل الطاق، ونفوذها في مثل السرب منه؟. أجيب: بأنه قد شغله الشيطان بوسواسه، والتعوّد بمشاهدة أمثاله عند موسى -﵇- من العجائب، والاستئناسُ بأخواته موجب لقلة الاهتمام به. (ومنها): ما قيل في قوله:«على أن تعلّمني مما علمت رشدًا»: أمَا دلّت حاجته إلى التعلم من آخَر في عَهْده، أنه كما قيل: موسى بن ميشا، لا موسى بن عمران؛ لأن النبي يجب أن يكون أعلم أهل زمانه، وإمامهم المرجوع إليه في أبواب الدين؟. أجيب: لا غضاضة بالنبيّ في أخذ العلم من نبيّ مثله، وإنما يَغُض منه أن يأخذ ممن دونه، وقال الكرمانيّ: هذا الجواب لا يتم على تقدير ولايته، قال العينيّ: هذا الجواب للزمخشريّ وهو قائل بنبوته، كما ذهب إليه الجمهور، بل هو رسول، وينبغي اعتقاد ذلك؛ لئلا يَتوسل به أهل الزيغ والفساد من المبتدعة الملاحدة في دعواهم أن الوليّ أفضل من النبيّ، نعوذ بالله تعالى من هذه البدعة. (ومنها): ما قيل في قوله: «فحملوهما»: هم ثلاثة، فقال: كلّموهم بلفظة الجمع، فلم قال: «فحملوهما» بالتثنية؟. أجيب: بأن يوشع كان تابعًا، فاكتُفِي بذكر الأصل عن الفرع. (ومنها): ما قيل: إن نسبة النقرة إلى البحر نسبة المتناهي إلى المتناهي، ونسبة عِلمهما إلى علم الله نسبة المتناهي إلى غير المتناهي، وللنقرة إلى البحر في الجملة نسبة ما، بخلاف عِلْمهما فإنه لا نسبة له إلى علم الله. أجيب: بأن المقصود منه التشبيه في القلة والحقارة، لا المماثَلة من كل الوجوه. (ومنها): ما قيل: متى كانت قصة الخضر مع موسى -﵇-؟. أجيب: حيث كان موسى في التيه، فلما فارقه الخضر رفع إلى قومه، وهم في التيه، وقيل: كانت قبل خروجه من مصر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تعيين وقت قصّتهما يحتاج إلى حجة صحيحة، فأين هي؟ والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في شأن الخضر -﵇-: (اعلم): أنه قد اختُلِف في اسمه، واسم أبيه، ونسبه، ونبوته، وتعميره، فقال وهب بن منبه: هو بَلْيَا -بفتح الموحّدة، وسكون اللام، بعدها تحتانية- ووُجد بخط الدمياطي في أول الاسم بنقطتين، وقيل كالأول بزيادة ألف بعد الباء، وقيل: اسمه إلياس، وقيل: اليسع، وقيل: عامر، وقيل: خضرون، والأول أثبت: ابن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفشخند بن سام بن نوح، فعلى هذا فمولده قبل إبراهيم الخليل؛ لأنه يكون ابن عم جدّ إبراهيم، وقد حَكَى الثعلبيّ قولين في أنه كان قبل الخليل، أو بعده، قال وهب: وكنيته أبو العباس. وروى الدارقطنيّ في «الأفراد» من طريق مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: هو ابن آدم لِصُلبه، وهو ضعيف، منقطع. وذكر أبو حاتم السجستاني في المعمَّرين أنه ابن قابيل بن آدم، رواه عن أبي عبيدة وغيره. وقيل: اسمه إرميا بن طيفاء، حكاه ابن إسحاق عن وهب، وإرميا بكسر أوله، وقيل: بضمه، وأشبعها بعضهم واوًا. واختُلِف في اسم أبيه، فقيل: ملكان، وقيل: كلمان، وقيل: عاميل، وقيل: قابل، والأول أشهر، وعن إسماعيل بن أبي أويس: هو المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد، وحكى السهيليّ عن قوم أنه كان مَلَكًا من الملائكة، وليس من بني آدم، وعن ابن لهيعة: كان ابن فرعون نفسه، وقيل: ابن بنت فرعون، وقيل: اسمه خضرون بن عاييل بن معمر بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، وقيل: كان أبوه فارسيًّا، رواه الطبريّ من طريق عبد الله بن شوذب. وحكى ابن ظفر في «تفسيره» أنه كان من ذرية بعض من آمن بإبراهيم، وقيل: إنه الذي أماته الله مائة عام، ثم بعثه، فلا يموت حتى يُنفخ في الصُّور. وروى الدارقطني في الحديث المذكور قال: مُدّ للخضر في أجَلِه حتى يُكَذِّب الدجال. وقال عبد الرزاق في «مصنفه» عن مَعْمَر في قصة الذي يقتله الدجال، ثم يحييه: بلغني أنه الخضر، وكذا قال إبراهيم بن سفيان الراوي عن مسلم في «صحيحه»، وروى ابن إسحاق في «المبتدأ» عن أصحابه أن آدم أخبر بنيه عند الموت بأمر الطوفان، ودعا بمن يحفظ جسده بالتعمير حتى يدفنه، فجمع نوح بَنِيه لمّا وقع الطوفان، وأعلمهم بذلك، فحفظوه حتى كان الذي تولى دَفْنه الخضر. وروى خيثمة بن سليمان من طريق جعفر الصادق عن أبيه، أن ذا القرنين كان له صديق من الملائكة، فطلب منه أن يدلّه على شيء يطول به عمره، فدله على عين الحياة، وهي داخل الظلمة، فصار إليها، والخضر على مقدمته، فظفر بها الخضر، ولم يظفر بها ذو القرنين. ورُوي عن مكحول، عن كعب الأحبار، قال: أربعة من الأنبياء أحياء، أمان لأهل الأرض، اثنان في الأرض: الخضر وإلياس، واثنان في السماء: إدريس وعيسى. وحَكَى ابن عطية البغويّ عن أكثر أهل العلم أنه نبيّ، ثم اختلفوا هل هو رسول، أم لا؟. وقالت طائفة، منهم القشيريّ: هو وليّ، وقال الطبري في «تاريخه»: كان الخضر في أيام أفريدون، في قول عامة علماء الكتاب الأول، وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر. وأخرج النقاش أخبارًا كثيرة تدلّ على بقائه، لا تقوم بشيء منها حجةٌ، قاله ابن عطية، قال: ولو كان باقيًا لكان له في ابتداء الإسلام ظهور، ولم يَثْبت شيء من ذلك. وقال الثعلبيّ في «تفسيره»: هو معمَّر على جميع الأقوال، محجوب عن الأبصار، قال: وقد قيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان، حين يُرفع القرآن. وقال القرطبيّ: هو نبيّ عند الجمهور، والآية تشهد بذلك؛ لأن النبيّ -ﷺ- لا يتعلم ممن هو دونه، ولأن الحكم بالباطن لا يطلع عليه إلا الأنبياء. وقال ابن الصلاح: هو حيّ عند جمهور العلماء، والعامة معهم في ذلك، وإنما شَذَّ بإنكاره بعض المحدثين، وتبعه النوويّ، وزاد أن ذلك متفق عليه بين الصوفية، وأهل الصلاح، وحكاياتهم في رؤيته، والاجتماع به أكثر من أن تُحْصَر. انتهى. والذي جزم بأنه غير موجود الآن: البخاريّ، وإبراهيم الحربيّ، وأبو جعفر بن المنادى، وأبو يعلى ابن الفراء، وأبو طاهر العباديّ، وأبو بكر بن العربيّ، وطائفة، وعمدتهم الحديث المشهور عن ابن عمر، وجابر، وغيرهما: أن النبيّ -ﷺ- قال في آخر حياته: «لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة، ممن هو عليها اليوم أحد»، قال ابن عمر: أراد بذلك انخرام قَرْنه. وأجاب من أثبت حياته بأنه كان حينئذ على وجه البحر، أو هو مخصوص من الحديث، كما خُصّ منه إبليس بالاتفاق. ومِن حُجَج من أنكر ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٤]، وحديث ابن عباس -﵄-: «ما بعث الله نبيًّا، إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بُعث محمد، وهو حي ليؤمننّ به، ولينصرنّه»، أخرجه البخاريّ، ولم يأت في خبر صحيح أنه جاء إلى النبيّ -ﷺ-، ولا قاتل معه، وقد قال -ﷺ- يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض»، فلو كان الخضر موجودًا لم يصح هذا النفي، وقال -ﷺ-: «رَحِم الله موسى لَوَدِدْنا لو كان صَبَر حتى يقصّ علينا من خبرهما»، فلو كان الخضر موجودًا لَمَا حَسُنَ هذا التمني، وَلأحضره بين يديه، وأراه العجائب، وكان أدعى لإيمان الكفرة، لا سيما أهل الكتاب. وجاء في اجتماعه مع النبيّ -ﷺ- حديث ضعيف، أخرجه ابن عدي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ -ﷺ- سمع، وهو في المسجد كلامًا، فقال: «يا أنس اذهب إلى هذا القائل، فقل له يستغفر لي»، فذهب إليه، فقال: قل له: إن الله فضّلك على الأنبياء بما فضّل به رمضان على الشهور، قال: فذهبوا ينظرون، فإذا هو الخضر، إسناده ضعيف. وروى ابن عساكر من حديث أنس نحوه، بإسناد أوهى منه. وروى الدارقطني في «الأفراد» من طريق عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا: «يجتمع الخضر وإلياس كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه، ويفترقان عن هؤلاء الكلمات: بسم الله، ما شاء الله. . .» الحديث، في إسناده محمد بن أحمد بن زيد - بمعجمة، ثم موحدة ساكنة، وهو ضعيف. وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد، عن الحسن بن يحيى، عن ابن أبي رواد، نحوه، وزاد: «ويشربان من ماء زمزم شربة، تكفيهما إلى قابل»، وهذا مُعْضَل، ورواه أحمد في «الزهد» بإسناد حسن عن ابن أبي روّاد، وزاد: «أنهما يصومان رمضان ببيت المقدس». وروى الطبريّ من طريق عبد الله بن شوذب نحوه، ورُوي عن عليّ أنه «دخل الطواف، فسمع رجلًا يقول: يا من لا يَشْغَله سَمْع عن سَمْع. . .» الحديث، فإذا هو الخضر، أخرجه ابن عساكر من وجهين، في كل منهما ضَعْف، وهو في «المجالسة» من الوجه الثاني. وجاء في اجتماعه ببعض الصحابة، فمَن بعدَهم أخبار، أكثرها واهي الإسناد، منها ما أخرجه ابن أبي الدنيا، والبيهقيّ من حديث أنس: «لَمّا قُبِض النبيّ -ﷺ- دخل رجل، فتخطّاهم، فذكر الحديث في التعزية، فقال أبو بكر، وعليّ: هذا الخضر، في إسناده عباد بن عبد الصمد، وهو واهٍ، وروى سيف في»الردة«نحوه بإسناد آخر مجهول، وروى ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ نحوه. وروى ابن وهب من طريق بن المنكدر، أن عمر صلى على جنازة، فسمع قائلًا يقول: لا تَسْبقنا، فذكر القصة، وفيها: أنه دعا للميت، فقال عمر: خذوا الرجل، فتوارى عنهم، فإذا أثر قدمه ذراع، فقال عمر: هذا والله الخضر، في إسناده مجهول، مع انقطاعه. وروى أحمد في«الزهد»من طريق مسعر، عن معن بن عبد الرحمن، عن عون بن عبد الله، قال: بينا رجل بمصر في فتنة ابن الزبير مهمومًا؛ إذ لقيه رجل، فسأله، فأخبره باهتمامه بما فيه الناس من الفتن، فقال: قل: اللهم سلّمني، وسلّم مني، قال: فقالها: فسَلِم، قال مسعر: يرون أنه الخضر. وروى يعقوب بن سفيان في«تاريخه» وأبو عروبة من طريق رياح -بالتحتانية- ابن عبيدة، قال: رأيت رجلًا يماشي عمر بن عبد العزيز، معتمدًا على يديه، فلما انصرف، قلت له: من الرجل؟ قال: رأيته؟ قلت: نعم، قال: أحسبك رجلًا صالحًا، ذاك أخي الخضر، بَشَّرني أني سَأُوَلَّى، وأعدل. لا بأس برجاله. قال الحافظ -﵀-: ولم يقع لي إلى الآن خبر، ولا أثر بسند جيد غيره، وهذا لا يعارض الحديث الأول في مائة سنة، فإن ذلك كان قبل المائة. وروى ابن عساكر من طريق كرز بن وبرة، قال: أتاني أخ لي من أهل الشام، فقال: اقْبَلْ مني هذه الهدية، إن إبراهيم التيميّ حدّثني، قال: كنت جالسًا بفناء الكعبة، أذكر الله، فجاءني رجل، فسلَّم عليّ، فلم أر أحسن وجهًا منه، ولا أطيب ريحًا، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا أخوك الخضر، قال: فعلّمه شيئًا إذا فعله رأى النبيّ -ﷺ- في المنام. وفي إسناده مجهول، وضعيف. وروى ابن عساكر في ترجمة أبي زرعة الرازي بسند صحيح، أنه رأى، وهو شابّ رجلًا نهاه عن غشيان أبواب الأمراء، ثم رآه بعد أن صار شيخًا كبيرًا على حالته الأُولى، فنهاه عن ذلك أيضًا، قال: فالتفتّ لأكلمه، فلم أره، فوقع في نفسي أنه الخضر. وروى عمر الجمحي في «فرائده»، والفاكهي في «كتاب مكة» بسند فيه مجهول، عن جعفر بن محمد أنه رأى شيخًا كبيرًا يحدّث أباه، ثم ذهب، فقال له أبوه: رُدّه عليّ، قال: فتطلّبته، فلم أقدر عليه، فقال لي أبي: ذاك الخضر. وروى البيهقيّ من طريق الحجاج بن فرافصة: أن رجلين كانا يتبايعان عند ابن عمر، فقام عليهم رجل، فنهاهما عن الحلف بالله، ووعظهم بموعظة، فقال ابن عمر لأحدهما: اكتبها منه، فاستعاده حتى حفظها، ثم تطلّبه، فلم يره، قال: وكانوا يَرَوْن أنه الخضر، ذكر هذا في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ أن الخضر -﵇- نبيّ، ومن أقوى الأدلّة وأظهرها في ذلك قوله -﷿- حكايةً عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ الآية [الكهف: ٨٢]، وقوله في الحديث الصحيح: «يا موسى إني على عِلم من عِلم الله علَّمنيه الله لا تعلمه، وأنت على عِلم من عِلمه علّمكه لا أعلمه». قال الشيخ الشنقيطيّ -﵀- في «تفسيره»: ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدنيّ اللذين امتنّ الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]؛ أي: وإنما فعلته عن أمْر الله جل وعلا، وأمْر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي؛ إذ لا طريق تُعرف بها أوامر الله، ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا، ولا سيما قَتْل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس، وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى، وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]، و«إنما» صيغة حصر . انتهى كلامه، وهو بحث نفيسٌ جدًّا. فخلاصة القول أن الخضر -﵇- نبيّ بلا شكّ، والله تعالى أعلم. وأما ما ورد في حياة الخضر -﵇- إلى اليوم، فإنه لا يثبت منه شيء عن النبيّ -ﷺ-، والحكايات عن الصالحين أكثرها واهية، وما صحّ منها لا يُلتفت إليه؛ لأنه مظنون، عن غير معصوم. قال الشيخ الشنقيطيّ أيضًا -بعدما أورد كثيرًا مما قيل في ذلك- ما نصّه: فتحصّل أن الأحاديث المرفوعة التي تدلّ على وجود الخضر حيًّا باقيًا لم يثبت منها شيء، وأنه قد دلت الأدلة المذكورة على وفاته، كما قدمنا إيضاحه. وممن بيّن ضَعف الأحايث الدالة على حياة الخضر، وبقائه: ابن كثير في «تاريخه»، و«تفسيره»، وبيّن كثيرًا من أوْجه ضَعْفها ابن حجر في «الإصابة»، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» بعد أن ساق الأحاديث، والحكايات الواردة في حياة الخضر: وهذه الروايات والحكايات، هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم، وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدًّا، لا تقوم بمثلها حجة في الدين، والحكايات لا يخلو أكثرها من ضَعف في الإسناد، وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم، من صحابيّ أو غيره؛ لأنه يجوز عليه الخطأ، والله أعلم، إلى أن قال -﵀-: وقد تصدى الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي -﵀- في كتابه «عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر» للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات، فبيّن أنها موضوعات، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم، فبيّن ضَعْف أسانيدها ببيان أحوالها، وجهالة رجالها، وقد أجاد في ذلك، وأحسن الانتقاد. انتهى منه . وخلاصة القول: أن القول الصواب هو أن الخضر ليس حيًّا الآن، وأن القول بحياته لا دليل عليه يَثْبت، بل هو من حديث الخرافات التي ينبغي الحذر منها، والابتعاد عنها، فإن اعتقاد مثل هذا قد دعا كثيرًا ممن يُنسب إلى العبادة إلى أن يدّعوا طريقة مبتدَعة في الذِّكر ونحوه بدعوى أن الخضر لقّنهم إياها، فبذلك دخل في المسلمين كثير من البدع والخرافات، فأضلّ به مشايخ الضلال كثيرًا من الجهّال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، «اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبِسًا علينا، فنضلَّ، واجعلنا للمتقين إمامًا»، آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى الَّذِي ذَهَبَ يَلْتَمِسُ الْعِلْمَ، لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: أَسَمِعْتَهُ يَا سَعِيدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَذَبَ نَوْفٌ، حَدَّثَنَا أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّهُ بَيْنَمَا مُوسَى -﵇- فِي قَوْمِه، يُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ، وَأَيَّامُ اللهِ: نَعْمَاؤُهُ، وَبَلَاؤُهُ؛ إِذْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ رَجُلًا خَيْرًا، أَو أَعْلَمَ مِنِّي، قَالَ: فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ، إِنِّي أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ مِنْهُ، أَو عِنْدَ مَنْ هُوَ، إِنَّ فِي الأَرْضِ رَجُلًا هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ: يَا رَبِّ، فَدُلَّنِي عَلَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: تَزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا، فَإنَّهُ حَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَعُمِّيَ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ، وَتَرَكَ فَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلَ لَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، صَارَ مِثْلَ الْكُوَّةِ، قَالَ: فَقَالَ فَتَاهُ: أَلَا أَلْحَقُ نَبِيَّ اللهِ، فَأُخْبِرَهُ، قَالَ: فَنُسِّيَ، فَلَمَّا تَجَاوَزَا، قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] قَالَ: وَلَمْ يُصِبْهُمْ نَصَبٌ حَتَّى تَجَاوَزَا، قَالَ: فَتَذَكَّرَ، ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ [الكهف: ٦٣، ٦٤]، فَأَرَاهُ مَكَانَ الْحُوتِ، قَالَ: هَا هُنَا وُصِفَ لِي، قَالَ: فَذَهَبَ يَلْتَمِسُ، فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِرِ مُسَجًّى ثَوْبًا، مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْقَفَا، أَوْ قَالَ: عَلَى حَلَاوَةِ الْقَفَا، قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، قَالَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أنَا مُوسَى، قَالَ: وَمَنْ مُوسَى؟ قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: مَجِيءٌ مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا؟ شَيْءٌ أُمِرْتُ بِهِ أَنْ أفعَلَهُ، إِذَا رَأَيْتَهُ لَمْ تَصْبِرْ، قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا، وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا في السَّفِينَةِ خَرَقَهَا، قَالَ: انْتَحَى عَلَيْهَا، قَالَ لَهُ مُوسَى -﵇-: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ: ألَمْ أَقُلْ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا لَقِيَا غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدِهِمْ بَادِيَ الرَّأْيِ، فَقَتَلَهُ، فَذُعِرَ عِنْدَهَا مُوسَى -﵇- ذَعْرَةً مُنْكَرَةً، قَالَ: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عِنْدَ هَذَا الْمَكَانِ:«رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا، وَعَلَى مُوسَى، لَوْلَا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا، فَلَا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَبَ»-قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ:«رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَخِي كَذَا رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا»-«فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ لِئَامًا ، فَطَافَا فِي الْمَجَالِسِ، فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، فَأَقَامَهُ، قَالَ: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، وَأَخَذَ بِثَوْبِه، قَالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر﴾ [الكهف: ٧٨، ٧٩] إِلَى آخِرِ الآيَة، فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً، فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ، وَأمّا الْغُلَامُ فَطُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ﴾ [الكهف: ٨١، ٨٢] »إِلَى آخرِ الآيَةِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ) الصَّنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في«الإيمان»٩٢/ ٥٠٣. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ) البصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (رَقَبَةُ) -بقاف، وموحّدة مفتوحتين- ابن مَصْقَلة -بالصاد، والسين- العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ، وكان يمزح [٦]. رَوَى عن أنس فيما قيل، ويزيد بن أبي مريم، وأبي إسحاق، وعطاء، وقيس بن مسلم، ومجزأة بن زاهر، وعبد العزيز بن صهيب، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيميّ، وهو من أقرانه، وجرير بن عبد الحميد، وأبو عوانة، وابن عيينة، وابن فضيل، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ من الثقات، مأمون، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وكان مُفَوَّهًا يُعَدّ من رجالات العرب، وكان صديقًا لسليمان التيميّ، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ إلا أنه كانت فيه دُعَابةُ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وأرَّخ ابن الأثير وفاته سنة (١٢٩). روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا برقم (٢٣٨٠)، وحديث (٢٦٦١): «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا. . .»، وحديث (٢٧٤٣): «بينما ثلاثة نفر يتمشون، أخذهم المطر. . .» الحديث. ٥ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد، ويقال غير ذلك، الْهَمْدانيّ، السَّبِيعيّ -بفتح السين المهملة، وكسر الموحّدة- ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ، اختلط بأخرة [٣] (ت ١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من ثُمانيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسل بالبصريين إلى التيميّ، والباقون كوفيّون إلا ابن عبّاس، فبصريّ، وأُبيًّا فمدنيّ -﵄-، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وتابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنه (قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄-، وتقدّم في الرواية السابقة أنه هو القائل. (إِنَّ نَوْفًا) -بفتح النون، وسكون الواو- البِكَاليّ -بكسر الموحّدة مخففًا، وبعد الألف لام، وقيل: بفتح أوله، وتشديد الكاف، والصواب الأول-، واسم أبيه فَضَالة -بفتح الفاء، وتخفيف المعجمة- وهو منسوب إلى بني بكال بن دعمى بن سعد بن عوف بطن من حِمْير، ويقال: إنه ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخيه، وهو تابعيّ، صدوقٌ. وفي التابعين: جَبْر -بفتح الجيم، وسكون الموحّدة- ابن نَوْف الْبَكِيليّ -بفتح الموحّدة، وكسر الكاف، مخففًا، بعدها تحتانية، بعدها لام- منسوب إلى بَكِيل بطن من هَمْدان، ويكنى أبا الوَدّاك -بتشديد الدال- وهو مشهور بكنيته، ومن زعم أنه وَلَد نَوْف الْبِكَاليّ فقد وَهِم . (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى الَّذِي ذَهَبَ يَلْتَمِسُ)؛ أي: يطلب (الْعِلْمَ، لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) وإنما هو موسى بن مِيشا بن أفرائيم بن يوسف -﵇-. (قَالَ) ابن عبّاس (أَسَمِعْتَهُ يَا سَعِيدُ؟) قال سعيد: (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَذَبَ نَوْفٌ) تقدّم أنه قال: كذب عدو الله، وقوله: «كَذَبَ»، وكذا قوله: «عدو الله» محمولان على إرادة المبالغة في الزجر والتنفير عن تصديق تلك المقالة، وقد كانت هذه المسألة دارت أوّلًا بين ابن عباس والْحُرّ بن قيس الفزاريّ وسألا عن ذلك أُبّي بن كعب، ففي رواية للبخاريّ: «أنه تمارى هو والحرّ بن قيس الفزاريّ في صاحب موسى، فقال ابن عبّاس: هو خضر، فمرّ بهما أُبيّ بن كعب، فدعاه ابن عبّاس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا. . .» الحديث، وهذا التماري الذي وقع بين ابن عباس والحر غير التماري الذي وقع بين سعيد بن جبير ونوف البكالي، فإن هذا في صاحب موسى، هل هو الخضر أو غيره؟ وذاك في موسى، هل هو موسى بن عمران الذي أُنزلت عليه التوراة، أو موسى بن مِيشا؟ ، فتنبّه. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «كذب نوف» هو جارٍ على مذهب أصحابنا أن الكذب: هو الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عمدًا كان، أو سهوًا، خلافًا للمعتزلة، وسبقت المسألة في «كتاب الإيمان». انتهى . (حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) -﵁- (قَالَ) أُبيّ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّهُ) الضمير للشأن، وقد تقدّم البحث في ذلك قريبًا. (بَيْنَمَا) تقدّم غير مرّة أن أصله»بين«زيدت فيه»ما«، وجوابه»إذ قال. . . إلخ«. (مُوسَى -﵇- فِي قَوْمِهِ، يُذَكِّرُهُمْ)؛ أي: يعظهم (بِأَيَّامِ اللهِ)، ثم فسّر الراوي أيام الله بقوله: (وَأَيَّامُ اللهِ نَعْمَاؤُهُ) بفتح النون؛ أي: منّته وعطيّته، كإرسال موسى إليهم، وإنزال التوراة عليه، وإنزال المنّ والسلوى عليهم، وغير ذلك. (وَبَلَاؤُهُ)؛ أي: امتحانه لهم، كاستعباد القبط لهم، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم وغير ذلك. (إِذْ قَالَ) موسى بعدما سئل: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ كما بُيّن في الرواية الماضية. (مَا) نافية، (أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ رَجُلًا خَيْرًا، أَوْ) للشكّ من الراوي (أَعْلَمَ مِنِّي، قَالَ) -ﷺ- (فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى موسى -﵇- (إِنِّي أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ مِنْهُ)؛ أي: من موسى -﵇-، (أَوْ) للشكّ من الراوي أيضًا؛ أي: أو قال الله: إني أعلم (عِنْدَ مَنْ هُوَ)؛ أي: الخير، أو العلم، ثم بيّن ذلك، فقال: (إِنَّ فِي الأَرْضِ رَجُلًا) هو: الخضر، (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ) موسى (يَا رَبِّ، فَدُلَّنِي عَلَيْهِ) أمْر من دلّ، من باب قعد: إذا أرشد، وللنسائيّ: »فادللني على هذا الرجل حتى أتعلّم منه«. (قَالَ) -ﷺ- (فَقِيلَ لَهُ)؛ أي: قال الله تعالى لموسى -﵇- (تَزَوَّدْ) هذا صريح في أن ذلك الحوت كان زادَ موسى وفتاه، خلاف ما رجّحه القرطبي فيما مضى من أنه ليس زادًا لهما. (حُوتًا) بالضمّ: العظيم من السَّمَك، وهو مذكّر، وفي التنزيل: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ [الصافات: ١٤٢]، والجمع حِيتان. (مَالِحًا)؛ أي: مُقَدّدًا، وجعل الفيّوميّ مالحًا لغة رديئة، وعبارته: سَمَكٌ مِلْحٌ، ومَمْلُوحٌ، ومَلِيحٌ، وهو الْمُقَدَّدُ، ولا يقال: مَالِحٌ إلا في لغة رديئة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «في لغة رديئة» يردّ عليه هذا الحديث الصحيح، بل قد ورد في أشعار العرب، وأثبته بعض اللغويين، ودونك عبارة السيد محمد مرتضى الزبيديّ في «شرح القاموس»، قال بعد ذِكر قول المانعين منه: وقال أَبو الدُّقَيْش: يقال: ماءٌ مالحٌ، ومِلْح، قال أَبو منصور: هذا وإِنْ وُجِدَ في كلام العرب قليلًا لُغَةٌ لا تُنْكر، قال ابن بَرّيّ: قد جاءَ المالِح في أَشعارِ الفُصحاءِ؛ كقول الأَغلب العِجْليّ يَصف أُتُنًا وحِمارًا [من الرجز]: تَخَالُهُ مِنْ كَرْبهِنَّ كَالحَا … وافْتَرَّ صَابًا ونَشُوقًا مالِحَا وقال غَسّانُ السَّلِيطيّ [من الطويل]: وَبِيضٍ غِذَاهنَّ الحَليبُ وَلَمْ يَكنْ … غِذَاهُنَّ نِينَانٌ مِنَ الْبَحْرِ مالِحُ أَحَبُّ إِلينا مِنْ أُناسٍ بِقَرْيَةٍ … يَمُوجُون مَوْجَ البَحْرِ والبَحْرُ جَامِحُ وقال عُمر بن أَبي رَبيعةَ [من الطويل]: وَلَوْ تفَلَتْ في البَحْر والبَحرُ مالحٌ … لأَصبَحَ ماءُ البَحْرِ من ريقِهَا عَذْبَا قال: وقال ابنُ الأَعرَابيّ: يقال شيْءٌ مالِحٌ، كما يقال: حامِضٌ، قال ابنَ بَرّيّ: وقال أَبو الجَرّاح: الحَمْضُ: المالِحُ من الشَّجَر، قال ابن بَرّيّ: ووَجْهُ جَوازِ هذا من جِهة العَربيَّة أَن يكون على النَّسَب، مثل قولهم: ماءٌ دافِقٌ؛ أي: ذو دَفْق، وكذلك ماءٌ مالح؛ أي: ذو مِلْح، وكما يقال: رَجلٌ تارِسٌ؛ أي: ذو تُرْسٍ، ودَارعٌ؛ أي: ذو دِرعٍ، قال: ولا يكون هذا جاريًا على الفِعْل، وقال ابن سيدَه: وسَمَكٌ مالِحٌ، ومَلِيحٌ، ومَمْلُوح، ومُمَلَّح، وكَرِهَ بعضُهم مَلِيحًا ومالِحًا، ولم يَرَ بَيْتَ عُذافرٍ حُجَة، وهو قوله [من الرجز]: لو شاءَ رَبِّي لم أَكنْ كَرِيَّا … ولم أَسُقْ لشَعْفَرَ المَطِيَّا بَصَريّة تزَوّجتْ بَصْرِيَّا … يُطْعِمها المالحَ والطَّرِيَّا قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأشعار أثبتت صحة قوله: «مالحًا» الواقع في هذا الحديث، وأن العرب كانت تستعمله، والذين نفوه إنما نفوا علمهم، ومَن حفِظ كابن سِيده، وابن الأعرابيّ، وابن برّيّ حجة على من لم يحفظ، فاحفظ هذا، وكن على بصيرة، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: ويستفاد من هذه الرواية أن الحوت كان ميتًا؛ لأنه لا يُمْلَح، وهو حيّ، ومنه تعلم الحكمة في تخصيص الحوت دون غيره من الحيوانات؛ لأن غيره لا يؤكل ميتًا، ولا يَرِدُ الجراد؛ لأنه قد يُفقد وجوده، لا سيما بمصر. انتهى . (فَإِنَّهُ)؛ أي: ذلك الرجل الأعلم منك، (حَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ)؛ أي: في المكان الذي تفقد فيه الحوت المالح. (قَالَ) -ﷺ- (فَانْطَلَقَ هُوَ)؛ أي: موسى، إنما أتى بضمير الفصل؛ ليعطف عليه قوله: «وَفَتَاهُ»، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَو فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَفَتَاهُ) يوشع بن نون، (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ) التي عند ملتقى البحرين، (فَعُمِّيَ عَلَيْهِ) وقع في بعض الأصول: «فعَمِيَ»، بفتح العين المهملة، وكسر الميم، وفي بعضها: «فَعُمِّيَ» بضم العين، وتشديد الميم، وفي بعضها: «فُغُمّي» بالغين المعجمة، والمعنى متقارب، قال صاحب «التكملة»: ولعلّ مراد الراوي هنا أن موسى -﵇- عَمِي عليه الطريق، فانطلق، وتفرّق عن فتاه، وهذا مخالف لِمَا سبق من أن موسى -﵇- كان قد نام في ظلّ الصخرة، ولعلّ تفرّقهما وقع بعد استيقاظهما لفترة يسيرة، وقول الراوي هنا: «وترك فتاه، فاضطرب الحوت في الماء» يدلّ بظاهره أن اضطراب الحوت وقع في حال تفرّقهما، ولكن الروايات الصحيحة تدلّ على أنه وقع في حالة نوم موسى -﵇-، والظاهر أنه قد وقع في هذه الرواية تقديم وتأخير في بيان بعض الواقعات. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الاعتماد على ما دلّت عليه الروايات الأخرى أَولى من هذه الرواية، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَانْطَلَقَ) موسى -﵇- (وَتَرَكَ فَتَاهُ) عند الصخرة، (فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمَاءِ) هذا عَطْف على مقدّر؛ أي: فَحَيِي ذلك الحوت، فانسلّ من المكتل، فاضطرب في الماء، (فَجَعَلَ) الماء (لَا يَلْتَئِمُ)؛ أي: لا ينطبق (عَلَيْهِ)؛ أي: على الحوت، (صَارَ) طريق الحوت (مِثْلَ الْكُوَّةِ) بفتح الكاف، ويقال: بضمها، وهي: الطاق، كما في الرواية الأُولى. (قَالَ) -ﷺ- (فَقَالَ فَتَاهُ) يوشع (ألَا) أداة عرض، (أَلْحَقُ) بفتح الحاء المهملة، يقال: لحِقته، ولَحِقتُ به أَلْحق، من باب تَعِب لَحَاقًا بالفتح: أدركته، وألحقته بالألف مثله. (نَبِيَّ اللهِ) موسى -﵇-، (فَأُخْبِرَهُ)؛ أي: بفقدان الحوت، و«أُخبر» منصوب بـ «أن» مضمرةً وجوبًا بعد الفاء السببيّة، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ «فَا» جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (قَالَ) -ﷺ- (فَنُسِّيَ) بضمّ النون، وتشديد السين المهملة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: أنساه الشيطان، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح النون، وتخفيف السين المكسورة، مبنيًّا للفاعل؛ أي: نسي ذِكر فقدانه لموسى -﵇-. (فَلَمَّا تَجَاوَزَا) ذلك المكان، وفي الرواية السابقة: «فانطلقا بقيّة يومهما، وليلتهما، ونسي صاحب موسى أن يخبره، فلما أصبح موسى -﵇- قال لفتاه: آتنا غداءنا». (قَالَ) موسى -﵇- (لِفَتَاهُ) يوشع بن نون -﵇- (آتِنَا غَدَاءَنَا) هو ما يؤكل أول النهار، (لَقَدْ لَقِينَا) بكسر القاف، (مِنْ سَفَرِنَا هَذَا) إشارة إلى السفر الذي وقع بعد مجاوزة الموعد، وهو: مجمع البحرين. (نَصَبًا)؛ أي: تعبًا، وهو منصوب بـ «لقينا»، قال السمين -﵀-: والعامة على فتح النون والصاد، وعبد الله بن عبيد بن عمير بضمّهما، وهما لغتان من لغات أربع في هذه اللفظة. انتهى . (قَالَ) -ﷺ- (وَلَمْ يُصِبْهُمْ) هكذا بضمير الجمع، وهو يعود إلى موسى ويوشع، وقد سبق غير مرّة إن إطلاق ضمير الجمع على المثنّى لغة فصيحة، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] مع أنه قال قبله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية [الأنبياء: ٧٨]. (نَصَبٌ حَتَّى تَجَاوَزَا) المكان الذي أمرا به. (قَالَ) -ﷺ- (فَتَذَكَّرَ) يوشع أمْر الحوت، فـ (قَالَ: أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني، قال السمين -﵀-: قال أبو الحسن الأخفش : إن العرب أخرجت «أرأيت» عن معناها بالكلّيّة، فقالوا: أرأيتك، وأريتك بحذف الهمزة إذا كانت بمعنى أخبرني، وإذا كانت بمعنى أبصرتَ لم تُحذف همزتها، وشذّت أيضًا، فألزمتها الخطاب على هذا المعنى، ولا تقول فيها: أراني زيدًا عمرًا ما صنع، وتقول هذا على معنى أعلم، وشذّت أيضًا، فأخرجتها عن موضعها بالكلّيّة بدليل دخول الفاء، ألا ترى قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي﴾، فما دخلت الفاء إلا وقد أُخرجت إلى معنى أمّا، أو تنبّه، والمعنى: أمّا إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت، قال: وإذا كانت بمعنى «أخبرني» فلا بُدّ بعدها من الاسم المستخبَر عنه، وتلزم الجملة التي بعدها الاستفهام، وقد تخرج لمعنى أمّا، ويكون بعدها الشرط وظرف الزمان، فقال: «فإني نسيت»؛ معناه: أما إذ أوينا، فإني، أو تنبّه إذ أوينا، وليست الفاء إلا جوابًا لـ «أرأيت»؛ لأن «إذ» لا يصحّ أن يجازى بها إلا مقرونة بـ «ما» بلا خلاف. انتهى. (إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ) التي بمجمع البحرين، (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ)؛ أي: ذِكر الحوت، وما جرى له من الحياة، واضطرابه في البحر، (وَمَا أَنْسَانِيهُ) قرأ حفص بضمّ الهاء، وكذا في قوله تعالى: ﴿عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ في «سورة الفتح»، قيل: لأن الياء هنا أصلها الفتح، والهاء بعد الفتحة مضمومة، فنَظَر هنا إلى الأصل، وأما في «سورة الفتح» فلأن الياء عارضة؛ إذ أصلها الألف، والهاء بعد الألف مضمومة، فنَظَر إلى الأصل أيضًا، والباقون بالكسر نظرًا إلى اللفظ، فإنها بعد ياء ساكنة، وقد جمع حفص في قراءته بين اللغات في هاء الكناية، فإنه ضمّ الهاء في ﴿أَنْسَانِيهُ﴾ في غير صلة، ووَصَلها بياء في قوله: ﴿فِيهِ مُهَانًا﴾، وقرأ كأكثر القرّاء فيما سوى ذلك . (إِلَّا الشَّيْطَانُ)، وقوله: (أَنْ أَذْكُرَهُ) في محل نصب على البدل من هاء «أنسانيه» بدل اشتمال؛ أي: أنساني ذِكره، (وَاتَّخَذَ) فاعله ضمير الحوت، أو ضمير موسى . (سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا)؛ أي: سبيلًا عجبًا، وهو كونه كالسراب، أو اتخاذًا عجبًا، وموضع العجب أن يكون حوتٌ قد مات يؤكل شقّه، ثم حيي بعد ذلك. (قَالَ) موسى (ذَلِكَ)؛ أي: فَقْدنا الحوت، (مَا كُنَّا نَبْغِي)؛ أي: الذي كنّا نطلبه، فإنه علامة لنا على وجود من نطلبه، وهو الخضر. (فَارْتَدَّا)؛ أي: فرجعا (عَلَى آثَارِهِمَا)؛ أي: آثار سيرهما في الطريق الذي جاءا فيه، (قَصَصًا)؛ أي: يقصّان قصصًا؛ أي: يتبعان آثارهما اتّباعًا. (فَأَرَاهُ)؛ أي: فلما وصلا إلى الصخرة أرى يوشع موسى (مَكَانَ الْحُوتِ) الذي انسلّ من المكتل، فدخل البحر. (قَالَ) موسى (هَا هُنَا وُصِفَ لِي) بالبناء للمفعول؛ أي: في هذا المكان وَصَف الله تعالى وجود الخضر. (قَالَ) -ﷺ- (فَذَهَبَ) موسى (يَلْتَمِسُ)؛ أي: يطلب الخضر في البحر على طريق الحوت؛ لأنه بقي طاقًا غير ملتئم، (فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِرِ) «إذا» هنا فجائيّة؛ أي: ففاجأه وجود الخضر، وفي رواية سفيان: «حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجلٌ»، وزعم الداودي أن هذه الرواية وَهَمٌ، وأنهما إنما وجداه في جزيرة البحر، قال الحافظ: قلت: ولا مغايرة بين الروايتين، فإن المراد أنهما لمّا انتهيا إلى الصخرة تتبّعاه إلى أن وجداه في الجزيرة، وروى ابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت، فصار كُوّةً، فدخلها موسى على أثر الحوت، فإذا هو بالخضر»، وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: «فرجع موسى حتى أتى الصخرة، فوجد الحوت، فجعل موسى يُقَدِّم عصاه، يفرج بها عنه الماء، ويتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر، إلا يبس، حتى يصير صخرة، فجعل موسى يعجب من ذلك، حتى انتهى إلى جزيرة في البحر، فلقي الخضر»، ولابن أبي حاتم من طريق السُّدّيّ قال: «بلغنا عن ابن عباس أن موسى دعا ربه، ومعه ماء في سقاء يصب منه في البحر، فيصير حجرًا، فيأخذ فيه حتى انتهى إلى صخر، فصعدها، وهو يتشوّف، هل يرى الرجل، ثم رآه». فوجده حال كونه (مُسَجًّى)؛ أي: مغَطّى، (ثَوْبًا)؛ أي: بثوب، وفي رواية عبد بن حميد قال: «رأى موسى الخضرَ على طنفسة خضراء، على وجه الماء»، والطنفسة: فَرْش صغير، وهي بكسر الطاء والفاء، بينهما نون ساكنة، وبضم الطاء والفاء، وبكسر الطاء، وبفتح الفاء لغات . وحال كونه (مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْقَفَا) قال الفيّوميّ -﵀-: القَفَا مقصورًا: مؤخر العنق، يُذَكَّر، ويؤنث، وجَمْعه على التذكير أَقْفِيَةٌ، وعلى التأنيث أَقْفَاءٌ، مثل أرجاء، قاله ابن السرّاج، وقد يُجمَع على قُفّيٍّ، والأصل مثل فُلُوس، وعن الأصمعيّ أنه سمع ثلاثَ أَقْفٍ، قال الزجاج: التذكير أغلب، وقال ابن السِّكِّيت: القَفَا مذكَّر، وقد يؤنث، وألفه واو، ولهذا يثنّى قَفَوَيْنِ. انتهى . والمعنى: مباشرًا بظهره وقفاه الأرض، مستقبلًا بوجهه السماء؛ كالميت. (أَوْ قَالَ) «أو» شكّ من الراوي؛ أي: أو قال: مستلقيًا (عَلَى حَلَاوَةِ الْقَفَا) هي: وسط القفا، ومعناه: لم يَمِل إلى أحد جانبيه، وهي بضم الحاء، وفَتْحها، وكَسْرها، أفصحها الضمّ، وممن حكى الكسر صاحب «نهاية الغريب»، ويقال أيضًا: حلاواء بفتح الحاء والمدّ في آخره، وحُلاوى بضم الحاء والقصر، وحكى أبو عبيد حَلْواء بالمدّ أيضًا . (قَالَ) موسى (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَكَشَفَ) الخضر (الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ)، وفي رواية للبخاريّ: «فوجدا خضرًا على طنفسة خضراء على كبد البحر، مسجّى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلّم عليه موسى، فكشف عن وجهه». (قَالَ) الخضر (وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ) موسى (أَنَا مُوسَى، قَالَ) الخضر (وَمَنْ مُوسَى؟) هذا دليل على أن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما أعْلَمَهم الله -﷿-. قال في «الفتح»: وأما ما أخرجه عبد بن حميد من طريق الربيع بن أنس، في هذه القصّة: «فقال موسى: السلام عليك يا خضر، فقال: وعليك السلام يا موسى، قال: وما يدريك أني موسى؟ قال: أدراني بك الذي أدراك بي»، وهذا إن ثبت فهو من الحجج على أن الخضر نبيّ، لكن يُبعد ثبوته قوله في الرواية التي في «الصحيح»: «من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: ومن موسى؟ قال: موسى بني إسرائيل» الحديث. انتهى . (قَالَ) موسى: أنا (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: مَجِيءٌ مَا جَاءَ بِكَ؟) قال القاضي عياض: ضبطناه «مجيءُ» مرفوعًا غير منوّن عن بعضهم، وعن بعضهم منوَّنًا، قال: وهو أظهر؛ أي: أمر عظيم جاء بك. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «مجيء ما جاء بك» قيَّدها ابن ماهان بالهمز والتنوين، وعلى هذا تكون «ما» نكرة صفة لمجيء، وهي التي تكون للتفخيم والتعظيم؛ كقولهم: لأمرٍ ما يسوَّدُ من يسوَّدُ، ولأمرٍ ما تدرَّعت الدروع، فيكون معناه: مجيءٌ عظيمٌ، وأمرٌ مهمٌ حملك على أن تركت ما كنت عليه من أمر بني إسرائيل، واقتحمت الأسفار، وقطعتَ المفاوز والقفار، وقد زاد فيه بعض الرواة: «أن الخضر قال له: وعليك السلام، أنَّى بأرضنا يا نبي بني إسرائيل، أما كان لك فيهم شغل؟! قال: بلى ولكني أُمرت أن أصحبك، مستفيدًا منك»، فأجاب بجواب المتعلم المسترشد بين يدي العالم المرشد، ملازمًا للأدب والحرمة، ومعظِّمًا لمن شرَّفه الله بالعلم، وأعلى رَسْمَه، فقال: «جئتُك لتعلّمني مما عُلّمت رُشْدًا». (قَالَ) موسى (جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) قرأ أبو عمرو بفتحتين، والباقون كلهم بضم أوله، وسكون ثانية، والجمهور على أنهما بمعنى؛ كالْبَخَلِ، والْبُخْل، وقيل: بفتحتين: الدِّين، وبضم، ثم سكون: صلاح النَّظَر، وهو منصوب على أنه مفعول ثان «لتعلمني»، وأبعد من قال: إنه لقوله: «عُلِّمت» . وقال القرطبيّ -﵀-: قرأه الجماعة بضم الراء، وسكون الشين، وقرأه يعقوب، وأبو عمرو بالفتح فيهما، وهما لغتان، ويقال: رَشَدَ: بالفتح يرشُد رُشدًا بالضم، ورَشِد بالكسر يَرشَد رَشدًا بالفتح، ومعنى الرشد: الاستقامة في الأمور، وإصابة وجه السّداد، والصواب فيها، وضده الغي، وهو منصوب على المصدر، ويكون في موضع الحال، ويصح أن يكون مفعولًا من أجله. وفيه من أدب الفقه التذلل، والتواضع للعالم، وبين يديه، واستئذانه في سؤاله، والمبالغة في احترامه وإعظامه، ومن لم يفعل هكذا فليس على سنة الأنبياء، ولا على هديهم، كما قال نبينا -ﷺ-: «ليس منا من لم يُجِلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه» . (قَالَ) الخضر (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) كذا أطلق بالصيغة الدالة على استمرار النفي لِمَا أطلعه الله عليه من أن موسى لا يصبر على ترك الإنكار، إذا رأى ما يخالف الشرع؛ لأن ذلك شأن عصمته، ولذلك لم يسأله موسى عن شيء من أمور الديانة، بل مشى معه ليشاهد منه ما اطّلع به على منزلته في العلم الذي اختص به. (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا؟) استفهام عن سؤال، تقديره: لِمَ قلت إني لا أصبر، وأنا سأصبر، قال: كيف تصبر؟ قال الخضر (شَيْءٌ)؛ أي: هذا الذي أفعله مما تراه أنت مخالفًا للشرع شيء (أُمِرْتُ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: أمرني الله تعالى (أَنْ أَفْعَلَهُ)؛ أي: فِعْله، (إِذَا رَأَيْتَهُ لَمْ تَصْبِرْ) لمخالفته ما عندك من الشرع. (قَالَ) موسى (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا، وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) قيل: استثنى في الصبر، فصبر، ولم يستثن في العصيان، فعصاه، قال الحافظ: وفيه نظرٌ، وكأن المراد بالصبر أنه صبر على اتّباعه، والمشي معه، وغير ذلك، لا الإنكار عليه فيما يخالف ظاهر الشرع. (قَالَ) الخضر (فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا)، وفي رواية: «حتّى أبيّن لك شأنه». (فَانْطَلَقَا)؛ أي: ذهبا على ساحل البحر، وفي رواية: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، ليست لهما سفينة، فمرّت بهما سفينة، فكلّموهم أن يحملوهما، فعُرف الخضر، فحملوهما بغير نَوْل»، وفي رواية ابن أبي حاتم قال: «فناداهم خضر، وبيّن لهم أن يعطي عن كل واحد ضُعف ما حَمَلوا به غيرهم، فقالوا لصاحبهم: إنا نرى رجالًا في مكان مخوف، نخشى أن يكونوا لصوصًا، فقال: لأحملنّهم، فإني أرى على وجوههم النور، فحملهم بغير أجرة»، وذكر النقاش في «تفسيره»: «أن أصحاب السفينة كانوا سبعةً، بكل واحد زمانة، ليست في الآخر». (حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا)، وفي رواية: «فخرَقها، ووَتَّد فيها» بفتح الواو، وتشديد المثناة؛ أي: جعل فيها وَتَدًا، وفي رواية: «فلما ركبوا في السفينة، لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم»، ويُجمع بين الروايتين أنه قلع اللوح وجعل مكانه وتدًا، وفي رواية: «فخرق السفينة، فلم يره أحد إلا موسى، ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين ذلك». (قَالَ: انْتَحَى عَلَيْهَا)؛ أي: اعتمد على السفينة، وقصد خرقها، واستَدَلّ به العلماء على النظر في المصالح عند تعارض الأمور، وأنه إذا تعارضت مفسدتان، دُفع أعظمهما بارتكاب أخفّهما، كما خَرَق السفينة لِدَفْع غَصْبها، وذهاب جملتها . (قَالَ لَهُ)؛ أي: للخضر، (مُوسَى ﵇: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)؛ أي: منكرًا، أو عَجَبًا، أو عظيمًا، وفي رواية عند ابن أبي حاتم: «أن موسى لما رأى ذلك امتلأ غضبًا، وشدّ ثيابه، وقال: أردت إهلاكهم، ستعلم أنك أول هالك، فقال له يوشع: ألا تذكر العهد؟ فأقبل عليه الخضر، فقال: ألم أقل لك؟ فأدرك موسى الحلم، فقال: لا تؤاخذني، وأن الخضر لمّا خلصوا قال لصاحب السفينة: إنما أردت الخير، فحمدوا رأيه، وأصلحها الله على يده». [تنبيه]: قال الزمخشريّ: فإن قلت: لم قيل: «حتى إذا ركبا في السفينة خرقها» بغير فاء، و«حتى إذا لقيا غلامًا فقتله» بالفاء؟. قلت: جعل «خرقها» جزاء الشرط، وجعل «قتله» من جملة الشرط معطوفًا عليه، والجزاءُ: «قال: أقتلت». فإن قلت: لِمَ خُولف بينهما؟. قلت: لأن الخرق لم يتعقّب الركوب، وقد تعقّب القتل لقاء الغلام. انتهى . (قَالَ) الخضر (أَلَمْ أَقُلْ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ) موسى (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) زاد في رواية: «كانت الأُولى: نسيانًا، والوسطى: شرطًا، والثالثة: عمدًا»، وروى ابن مردويه من طريق عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: «قال: الأُولى: نسيان، والثانية: عُذْر، والثالثة: فراقٌ»، وعند ابن أبي حاتم: «قال الخضر لموسى: إن عجلت عليّ في ثلاث، فذلك حين أفارقك»، وروى الفراء عن أُبيّ بن كعب قال: «لم ينس موسى، ولكنه من معاريض الكلام»، وإسناده ضعيف، والأول هو المعتمَد، ولو كان هذا ثابتًا لاعتذر موسى عن الثانية، وعن الثالثة بنحو ذلك، قاله في «الفتح» . (وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا لَقِيَا غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدِهِمْ بَادِيَ الرَّأْيِ) بالهمز، وتَرْكه، فمَن هَمَزه معناه: أول الرأي، وابتداؤه؛ أي: انطَلَق إليه، مسارعًا إلى قتله، من غير فكر، ومن لم يهمز فمعناه: ظهر له رأي في قَتْله، من البدء، وهو ظهور رأي لم يكن، قال القاضي عياض: ويُمدّ البدء، ويُقْصر . (فَقَتَلَهُ)، وفي رواية: «فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا»، في رواية: «غلامًا وَضِيء الوجهِ، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين»، وفي رواية: «فأخذ الخضر برأسه، فاقتلعه بيده، فقتله»، ويُجمع بينهما بأنه ذبحه، ثم اقتلع رأسه، وفي رواية أخرى عند الطبريّ: «فأخذ صخرة، فثلغ رأسه»، وهي بمثلثة، ثم معجمة، والأول أصحّ، ويمكن أن يكون ضَرَب رأسه بالصخرة، ثم ذبحه، وقَطَع رأسه، قاله في «الفتح» . (فَذُعِرَ) بضمّ الذال، مبنيًّا للمفعول؛ أي: أصابه الفزع، يقال: ذَعَرته ذَعْرًا، من باب نفع: أفزعته، والذُّعْر بالضمّ اسم منه . (عِنْدَهَا)؛ أي: عند هذه الفعلة التي هي قَتْله الغلام. (مُوسَى -﵇- ذَعْرَةً) بفتح الذال المرة من الذعر، (مُنْكَرَةً) صفة لـ «ذَعْرة»؛ أي: شديدةً، وعند ذلك لم يتمالك موسى أن بادر بالإنكار تاركًا للاعتذار، فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]. (قَالَ) موسى (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً) قال السمين -﵀-: قرأ «زاكية» بألف، وتخفيف الياء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وبدون الألف، وتشديد الياء الباقون، فمن قرأ «زاكية» فهو اسم فاعل على أصله، ومن قرأ «زكيّةً» فقد أخرجه إلى فَعِيلة للمبالغة. انتهى . (بِغَيْرِ نَفْسٍ)؛ أي: بلا قتل نفس معصومة؛ يعني: أنك قتلته ظلمًا، وليس قصاصًا لقتله نفسًا معصومةً. (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا») قرأ نافع وأبو بكر، وابن ذكوان بضمّتين، والباقون بضمّة، فسكون، وهما لغتان، أو أحدهم أصل، و«شيئًا»يجوز أن يراد به المصدر؛ أي: مجيئًا نُكرًا، وأن يراد به المفعول به؛ أي: جئت أمرًا منكرًا، وهل النُّكر أبلغ من الإمر، أو بالعكس؟ فقيل: الإمر أبلغ؛ لأن قَتْل أنفس بسبب الخرق أعظم من قَتْل نفس واحدة، وقيل: بل النكر أبلغ -وهذا هو الصحيح-؛ لأن معه القتل الحتم، بخلاف خرق السفينة، فإنه يمكن تداركه، ولذلك قال:«ألم أقل لك»، ولم يأت بـ«لك»مع«إمرًا». (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عِنْدَ هَذَا الْمَكَانِ:«رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا، وَعَلَى مُوسَى) قال النوويّ -﵀-: قال أصحابنا: فيه استحباب ابتداء الإنسان بنفسه في الدعاء، وشِبْهه من أمور الآخرة، وأما حظوظ الدنيا فالأدب فيها الإيثار، وتقديم غيره على نفسه، واختَلَف العلماء في الابتداء في عنوان الكتاب، فالصحيح الذي قاله كثيرون من السلف، وجاء به الصحيح أنه يبدأ بنفسه، فيقدِّمها على المكتوب إليه، فيقال: من فلان إلى فلان، ومنه حديث كتاب النبيّ -ﷺ-: »من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم«، وقالت طائفة: يبدأ بالمكتوب إليه، فيقول: إلى فلان من فلان، قالوا: إلا أن يكتب الأمير إلى من دونه، أو السيد إلى عبده، أو الوالد إلى ولده، ونحو هذا. انتهى . (لَوْلَا أَنَّهُ عَجَّلَ) يَحْتمل أن يكون بفتح العين، وكسر الجيم مخفّفةً، أو بتشديدها مفتوحة، يقال: عَجِل، كفَرِحَ، وعجّل تعجيلًا بالتشديد، وتعجّل: إذا أسرع. (لَرَأَى الْعَجَبَ)؛ أي: ما يُتعجّب منه، (وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ) بفتح الذال المعجمة؛ أي: استحياء؛ لتكرار مخالفته، وقيل: ملامة، والأول هو المشهور. وقال القرطبيّ -﵀-: هو بالذال المعجمة المفتوحة، وهي بمعنى: المذمَّة -بفتح الذال، وكسرها- وهي: الرقة، والعار مِن تَرْك الحرمة، يُقال: أخذتني منه مذمّةٌ ومذِمَّة، وذمامة، بمعناه، وكأنه استحيا من تكرار مخالفته، ومما صدر عنه من تغليظ الإنكار . (قَالَ) موسى (إِنْ سَأَلْتُكَ) هذه مشارطة، والمسلمون عند شرطهم، (عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا)؛ أي: بعد هذه المرّة، (فَلَا تُصَاحِبْني)؛ أي: لا تتركني أصحبك، وقوله: (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) تعليل لعدم مصاحبته، ومعناه: بلغت مبلغًا تُعذر به في ترك مصاحبتي، قال -ﷺ-: (وَلَوْ صَبَرَ) موسى (لَرَأَى الْعَجَبَ)؛ أي: شيئًا كثيرًا مما يفعله الخضر من الغرائب. (قَالَ) أُبيّ بن كعب (وَكَانَ) -ﷺ- (إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ) -ﷺ-، فيقول: («رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَخِي كَذَا) كناية عن اسم الشخص الذي يذكره في الدعاء، وقوله: (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا) تأكيد للأول، ورواه أبو داود بلفظ:»وكان إذا دعا بدأ بنفسه، وقال: رحمة الله علينا، وعلى موسى«، قال القرطبيّ -﵀-: قوله:»رحمة الله علينا، وعلى موسى«قال الراوي: وكان إذا ذَكَر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه، هذا إنما كان يفعله النبيّ -ﷺ- في الأدعية، وأشباهها، مما يعود عليه بالثواب والأجر الأخرويّ، حرصًا على تحصيل المنازل الرفيعة عند الله تعالى، كما قال في الوسيلة:»إنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو«، رواه مسلم. وحاصله: أن القرب من الله تعالى، وثوابه ليس مما يُؤثَر الغير به، بل تنبغي المنافسة فيه، والمسابقة إليه، بخلاف أمور الدنيا، وحظوظها؛ فإنَّ الفضل في تَرْكها، وإيثار الغير بما يحوز منها. انتهى . وقال في«الفتح»: وقد ترجم البخاريّ في«الدعوات»:«من خَصَّ أخاه بالدعاء دون نفسه»، وذكر فيه عدة أحاديث، وكأنه أشار إلى أن هذه الزيادة، وهي:«كان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه»، لم تثبت عنده، وقد سئل أبو حاتم الرازي عن زيادة، وقعت في قصّة موسى والخضر من رواية أبي إسحاق هذه عن سعيد بن جبير، وهي قوله في صفة أهل القرية:«أتيا أهل القرية لئامًا، فطافا في المجالس»، فأنكرها، وقال: هي مُدرَجة في الخبر، فقد يقال: وهذه الزيادة مدرجة فيه أيضًا، والمحفوظ رواية ابن عيينة المذكورة ، والله أعلم. (فَانْطَلَقَا)؛ أي: موسى والخضر، (حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ) هي: أنطاكية، وقيل غيرها، والأول أصحّ، وقال في«الفتح»: قيل: هي الأُبُلّة، وقيل: أنطاكية، وقيل: أذربيجان، وقيل: بَرْقة، وقيل: ناصرة، وقيل: جزيرة الأندلس، قال الحافظ: وهذا الاختلاف قريب من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين، وشدة المباينة في ذلك تقتضي أن لا يوثق بشيء من ذلك. انتهى . (لِئَامًا)، وفي نسخة:«لئامٍ»بالجرّ صفة لقرية، و«اللئام»: جمع لئيم، وهو: الشحيح، يقال: لؤُم بضمّ الهمزة؛ ككرُم لُؤْمًا، فهو لئيم، يقال ذلك للشحيح، والدَّنِيء النفس، والمَهين، ونحوهم؛ لأن اللؤم: ضدّ الكرم . (فَطَافَا فِي الْمَجَالِسِ)؛ أي: مجالس أهل تلك القرية، (فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا)؛ أي: طلبا منهم أن يأتوهم بالطعام. فقوله:«استطعما أهلها»جواب«إذا»، وفي تكرير«أهلها»وجهان: أحدهما: أنه توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المُضمَر، والحكمة في ذلك أنه لو قال: استطعماها لم يصحّ؛ لأنهما لم يستطعما القرية، أو استطعماهم فكذلك؛ لأن جملة«استطعما أهلها» صفة لقرية. والثاني: أنه للتأسيس، وذلك أن الأهل المأتيين ليسوا جميع الأهل، وإنما هم البعض؛ إذ لا يمكن أن يأتيا جميع الأهل في العادة في وقت واحد، فلما ذَكَر الاستطعام ذَكَره بالنسبة إلى جميع الأهل، كأنهما تتبّعا الأهل واحدًا واحدًا، فلو قيل: استطعماهم لاحتمل أن يعود الضمير على ذلك البعض المأتيّ دون غيره، فكُرّر الأهل لذلك . (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا)؛ أي: امتنعوا عن ضيافتهما، (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا) يقال: ارتفاعه مائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا، وامتداده على وجه الأرض خمسمائة ذراع، (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ)؛ أي: يقرب أن يسقط لِمَيَلانه، (فَأَقَامَهُ) الخضر بيده، وفي رواية: «مسحه بيده»، وفي رواية: «أشار إليه بيده، فاستقام». (قَالَ) موسى (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ)، وفي نسخة: «لَتَخِذْتَ»، وتقدّم أنهما قراءتان سبعيّتان. (عَلَيْهِ أَجْرًا)، وفي رواية: «فقال موسى: قوم أتيناهم، فلم يطعمونا، ولم يضيّفونا، لو شئت لاتخذت عليه أجرًا». (قَالَ) الخضر (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، وَأَخَذَ بِثَوْبِهِ)، وفي رواية: «قال: هذا فراق بيني وبينك، فأخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدّثني»، وذكر الثعلبيّ: «أن الخضر قال لموسى: أتلومني على خرق السفينة، وقَتْل الغلام، وإقامة الجدار، ونسيت نفسك حين أُلقيت في البحر، وحين قتلت القبطيّ، وحين سَقيت أغنام ابنتَي شعيب احتسابًا». (قَالَ) الخضر (﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾) قبل فراقي لك (﴿بِتَأْوِيلِ﴾)؛ أي: تفسير (﴿مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾) قيل: كانوا عشرة، خمسة زَمْنى، وخمسة أصحّاء، وهم الذين يعملون في البحر، وقيل فيهم غير ذلك. (﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾) وقوله (إِلَى آخِرِ الآيَةِ) متعلّق بمقدّر؛ أي: اقرأ إلى آخرها، (فَإِذَا جَاءَ) الملِك (الَّذِي يُسَخِّرُهَا) من التسخير؛ أي: يستعملها غاصبًا من أهلها، (وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً) بسبب خَرْق الخضر لها، (فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ)؛ أي: جعلوا مكان الخرق خشبة تمنع دخول الماء إليها. (وَأمَّا الْغُلَامُ) المقتول (فَطُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا)؛ أي: ختم الله عليه بأنه كافر لا يؤمن أبدًا. قال القاضي عياض -﵀-: في هذا حجة بيّنة لأهل السُّنَّة لصحة أصل مذهبهم في الطبع، والرَّيْن، والأكنّة، والأغشية، والحجب، والسّدّ، وأشباه هذه الألفاظ الواردة في الشرع في أفعال الله تعالى بقلوب أهل الكفر والضلال، ومعنى ذلك عندهم: خلق الله تعالى فيها ضد الإيمان، وضد الهدى، وهذا على أصل أهل السُّنَّة أن العبد لا قدرة له إلا ما أراده الله تعالى، ويسّره له، وخلقه له؛ خلافًا للمعتزلة، والقدرية القائلين بأن للعبد فعلًا من قِبَل نفسه، وقدرةً على الهدى والضلال، والخير والشر، والإيمان والكفر، وأن معنى هذه الألفاظ نسبة الله تعالى لأصحابها، وحُكْمه عليهم بذلك. وقالت طائفة منهم: معناها: خَلَقه علامة لذلك في قلوبهم، والحقّ الذي لا شكّ فيه أن الله تعالى يفعل ما يشاء، من الخير والشر، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وكما قال تعالى في الذرّ: «هؤلاء للجنة، ولا أبالي، وهؤلاء للنار، ولا أبالي»، فالذين قضى لهم بالنار طَبع على قلوبهم، وخَتم عليها، وغَشّاها، وأكنّها، وجعل من بين أيديها سَدًّا، ومن خلفها سَدًّا، وحجابًا مستورًا، وجعل في آذانهم وقرًا، وفي قلوبهم مرضًا؛ لتتمّ سابقته فيهم، وتمضي كلمته، لا رادّ لحكمه، ولا معقّب لِأَمْره وقضائه، وبالله تعالى التوفيق. وقد يَحتجّ بهذا الحديث من يقول: أطفال الكفار في النار، وقد سبق بيان هذه المسألة، وأن فيهم ثلاثةَ مذاهب: الصحيح أنهم في الجنة، والثاني: في النار، والثالث: يُتوقف عن الكلام فيهم، فلا يُحكم لهم بشيء، وتقدّمت دلائل الجميع، وللقائلين بالجنة أن يقولوا في جواب هذا الحديث: معناه: عَلِم الله لو بلغ لكان كافرًا. انتهى . (وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ)؛ أي: أحبّاه حبًّا شديدًا، (فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ)؛ أي: بلغ مبلغ الرجال، وفيه أنه كان غير بالغ. (أَرْهَقَهُمَا)؛ أي: كلّفهما (طُغْيَانًا)؛ أي: مجاوزة للحدّ، فقوله: (وَكُفْرًا) بيان للطغيان. وقال في «الفتح»: قوله: «فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرًا»: أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «أرهقهما طغيانًا وكفرًا»؛ أي: حَمَلهما عليهما، وألحقهما بهما، والمراد بالطغيان هنا: الزيادة في الضلال، وهذا الحديث من دلائل مذهب أهل الحق في أن الله تعالى أعلمُ بما كان وبما يكون، وبما لا يكون لو كان كيف كان يكون، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ [الأنعام: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩]، وغير ذلك من الآيات . (﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾) قال السمين -﵀-: قرأ أبو عمرو، ونافع بفتح الباء، وتشديد الدال من بدّل هنا، وفي «التحريم»: «أنْ يُبْدِلَه»، وفي «القلم»: «أنْ يُبْدِلَنا»، والباقون بسكون الباء، وتخفيف الدال من أبدل في المواضع الثلاثة، فقيل: هما بمعنى واحد. انتهى . (﴿رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾)؛ أي: صلاحًا وتُقًى، (﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾) بضمّ الراء، وسكون الحاء المهملة، وضمّها؛ أي: رُحْمة، وهي البرّ بوالديه. وقال النوويّ: قيل: المراد بالزكاة الإسلام، وقيل: الصلاح، وأما الرُّحم، فقيل: معناه الرحمة لوالديه، وبِرّهما، وقيل: المراد: يرحمانه، قيل: أبدلهما الله بنتًا صالحة، وقيل: ابنًا، حكاه القاضي. انتهى . وقال السمين الحلبيّ -﵀-: قرأ ابن عامر: (رُحْمًا) بضمّتين، والباقون بضمّة، وسكون، وهما بمعنى الرحمة، قال رؤبة [من الرجز]: يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ عَلَى إِدْرِيسَا … وَمُنْزِلَ اللَّعْنِ عَلَى إِبْلِيسَا وقيل: الرُّحْمُ بمعنى الرحيم، وهو لائق هنا من أجل القرابة بالولادة، ويؤيّده قراءة ابن عبّاس: «رَحِمًا» بفتح الراء، وكسر الحاء، و«زكاة»، و«رُحمًا» منصوبان على التمييز. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «وأقرب رحمًا» هما به أرحم منهما بالأول الذي قَتَل خَضِر. وأخرج النسائيّ عن ابن عباس: «فأبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً، قال: أبدلهما جاريةً، فولدت نبيًّا من الأنبياء»، وللطبريّ نحوه، ولابن المنذر: قال: «أبدلهما مكان الغلام جارية ولدت نبيَّين»، ولابن أبي حاتم: قال: «ولدت جاريةً، فولدت نبيًّا، وهو الذي كان بعد موسى، فقالوا له: ابعث لنا ملِكًا نقاتل في سبيل الله»، واسم هذا النبي شمعون، واسم أمه حنة، وعند ابن مردويه من حديث أُبيّ بن كعب: أنها ولدت غلامًا لكن إسناده ضعيف، وأخرجه ابن المنذر بإسناد حسن، عن عكرمة، عن ابن عباس نحوه، وفي تفسير ابن الكلبيّ: «ولدت جارية، ولدت عدة أنبياء، فهدى الله بهم أممًا»، وقيل: عدة من جاء مِنْ وَلَدها من الأنبياء سبعون نبيًّا، ذكره في «الفتح» . (﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ﴾) قال القرطبيّ المفسّر: هذان الغلامان صغيران، بقرينة وَصْفهما باليُتم، واسمهما أصرم، وصريم، وقد قال -ﷺ-: «لا يتم بعد البلوغ» هذا هو الظاهر، وقد يَحْتَمِل أن يبقى عليهما اسم اليتم بعد البلوغ، إن كانا يتيمين، على معنى الشفقة عليهما. واليتم في الناس من قِبَل فَقْد الأب، وفي غيرهم من الحيوان من قِبَل فَقْد الأم. انتهى . وقوله: (﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾) يدلّ على أن القرية تسمى مدينةً، ومنه الحديث: «أُمرت بقرية تأكل القرى»، وفي حديث الهجرة: «لمن أنت؟ فقال: لرجل من أهل المدينة؛ يعني: مكة» . (﴿وَكَانَ تَحْتَهُ﴾) وقوله: (إِلَى آخِرِ الآيَةِ)؛ أي: اقرأ الآية إلى آخرها. قال القرطبيّ: اختَلَف الناس في الكنز، فقال عكرمة وقتادة: كان مالًا جسيمًا، وهو الظاهر من اسم الكنز؛ إذ هو في اللغة: المال المجموع، وعن ابن عباس: كان عِلْمًا في صحف مدفونة، وعنه قال: كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فيه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، عجبتُ لمن يؤمن بالقدر كيف يَحْزَن، عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يَتْعَب، عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يَفْرَح، عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفُل، عجبت لمن يؤمن بالدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ لها، لا إله إلا الله محمد رسول الله» . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعدُ ما نُقل عن ابن عبّاس -﵄-، بل الصواب أنه كنز من المال المدفون، كما هو ظاهر النصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، ومسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. [تنبيه]: قال النوويّ -﵀-: وفي هذه القصّة أنواع من القواعد، والأصول، والفروع، والآداب، والنفائس المهمة، سبق التنبيه على معظمها، سوى ما هو ظاهر منها، ومما لم يسبق أنه لا بأس على العالم والفاضل أن يخدُمه المفضول، ويقضي له حاجة، ولا يكون هذا من أخْذ العِوَض على تعليم العلم والآداب، بل من مروءات الأصحاب، وحسن العشرة، ودليله من هذه القصة حَمْل فتاه غداءهما، وحَمْل أصحاب السفينة موسى والخضر بغير أجرة؛ لمعرفتهم الخضر بالصلاح، والله أعلم. ومنها: الحثّ على التواضع في عِلمه وغيره، وأنه لا يدّعِي أنه أَعْلمُ الناس، وأنه إذا سئل عن أعلم الناس يقول: الله أعلم، ومنها بيان أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو: وجوب التسليم لكل ما جاء به الشرع، وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول، ولا يفهمه أكثر الناس، وقد لا يفهمونه كلهم؛ كالقَدَر، وموضع الدلالة: قتل الغلام، وخرق السفينة، فإن صورتهما صورة المنكَر، وكان صحيحًا في نفس الأمر، له حِكَمٌ بينةٌ، لكنها لا تظهر للخلق، فإذا أعلمهم الله تعالى بها عَلِموها، ولهذا قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾؛ يعني: بل بأمر الله تعالى. انتهى . وقال في «الفتح»: في الحديث من الفوائد غير ما تقدّم: استحباب الحرص على الازدياد من العلم، والرحلة فيه، ولقاء المشايخ، وتجشم المشاقّ في ذلك، والاستعانة في ذلك بالأتباع، وإطلاق الفتى على التابع، واستخدام الحرّ، وطواعية الخادم لمخدومه، وعذر الناسي، وقبول الهبة من غير المسلم، واستُدِلّ به على أن الخضر نبيّ؛ لعدة معانٍ، قد تقدّم التنبيه عليها؛ كقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، وكاتّباع موسى رسول الله له؛ ليتعلّم منه، وكإطلاق أنه أعلم منه، وكإقدامه على قتل النفس لِمَا شَرَحه بعدُ، وغير ذلك، وأما من استَدَلّ به على جواز دَفْع أغلظ الضررين بأخفّهما، والإغضاء على بعض المنكَرات؛ مخافة أن يتولد منه ما هو أشدّ، وإفساد بعض المال لإصلاح معظمه، كخصاء البهيمة للسِّمَن، وقَطْع أُذُنها؛ لتتميَّز، ومن هذا مصالحة ولي اليتيم السلطان على بعض مال اليتيم؛ خشيةَ ذهابه بجميعه، فصحيح، لكن فيما لا يعارض منصوص الشرع، فلا يَسُوغ الإقدام على قتل النفس، ممن يتوقع منه أن يقتل أنفسًا كثيرة قبل أن يتعاطى شيئًا من ذلك، وإنما فَعَل الخضر ذلك؛ لإطلاع الله تعالى عليه. وقال ابن بطال: قول الخضر: «وأما الغلام فكان كافرًا» هو باعتبار ما يئول إليه أمره أن لو عاش حتى يَبْلُغ، واستحباب مثل هذا القتل لا يعلمه إلا الله، ولله أن يحكم في خلقه بما يشاء قبل البلوغ وبعده. انتهى. ويَحْتَمِل أن يكون جواز تكليف المميَّز قبل أن يبلغ كان في تلك الشريعة، فيرتفع الإشكال. وفيه: جواز الإخبار بالتعب، ويُلحَق به الألم، من مرض، ونحوه، ومحل ذلك إذا كان على غير سَخَط من المقدور. وفيه: أن المتوجه إلى ربه يُعان، فلا يُسرع إليه النَّصَب والجوع، بخلاف المتوجه إلى غيره، كما في قصة موسى -﵇- في توجهه إلى ميقات ربه، وذلك في طاعة ربه، فلم يُنقل عنه أنه تَعِبَ، ولا طلب غداء، ولا رافق أحدًا، وأما في توجهه إلى مَدْين، فكان في حاجة نفسه، فأصابه الجوع، وفي توجهه إلى الخضر لحاجة نفسه أيضًا، فتعب، وجاع. وفيه: جواز طلب القوت، وطلب الضيافة. وفيه: قيام العذر بالمرّة الواحدة، وقيام الحجة بالثانية، قال ابن عطية: يُشبه أن يكون هذا أصل مالك في ضرب الآجال في الأحكام إلى ثلاثة أيام، وفي التلوّم ونحو ذلك. وفيه: حسن الأدب مع الله تعالى، وأن لا يضاف إليه ما يُستهجن لفظه، وإن كان الكل بتقديره وخَلْقه؛ لقول الخضر عن السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾؛ وعن الجدار: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾، ومثل هذا قوله -ﷺ-: «والخير بيديك، والشرّ ليس إليك». انتهى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِإِسْنَادِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحْوَ حَدِيثِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد بن عثمان الضبيّ مولاهم الْفِرْيابيّ، نزيل قَيْسارية، من ساحل الشام، ثقةٌ فاضلٌ يقال: أخطأ في شيء من حديث سفيان، وهو مقدَّم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق [٩] (٢١٢) (ع) تقدم في «القسامة» ٢/ ٤٣٤٩. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ، كان يتشيع، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، واستُصغِر في سفيان الثوريّ [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٥ - (إِسرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ، تُكُلِّم فيه بلا حجة [٧] (ت ١٦٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٢/ ٥٤٢. و«أبو إسحاق» ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ) الضمير لمحمد بن يوسف، وعبيد الله بن موسى. [تنبيه]: رواية محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق ساقها أبو داود -﵀- في «سننه»، مختصرةً، فقال: (٤٧٠٦) - حدّثنا محمود بن خالد، ثنا الفريابيّ، عن إسرائيل، ثنا أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ثنا أُبَيّ بن كعب، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول في قوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٠]: «وكان طُبع يوم طبع كافرًا». انتهى . وساقها أيضًا النسائيّ في «الكبرى» مختصرةً، فقال: (١١٣١٠) - أنا محمد بن عليّ بن ميمون، نا الفريابيّ، نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أُبَيّ بن كعب، قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا ذَكَر أحدًا، فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا، وعلى موسى، لو لَبِث مع صاحبه لأبصر العجب العاجب، ولكنه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦]». انتهى . وأما رواية عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، فقد ساقها النسائيّ -﵀- في «الكبرى» مطوّلةً، فقال: (٥٨٤٤) - أنبأ أحمد بن سليمان، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنبأ إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: حدّثني أُبَيّ بن كعب، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل، واستحيا، وأخذته ذَمَامةٌ من صاحبه، فقال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ لرأى من صاحبه عجبًا»، قال: وكان النبيّ -ﷺ- إذا ذكر نبيًّا من الأنبياء بدأ بنفسه، فقال: «رحمة الله علينا وعلى أخي صالح، رحمة الله علينا وعلى أخي عاد -ثم قال- إن موسى -ﷺ- بينما هو يخطب قومه ذات يوم؛ إذ قال لهم: ما في الأرض أعلم مني، فأوحى الله إليه أن في الأرض من هو أعلم منك، وآية ذلك أن تزوّد حوتًا مالِحًا، فإذا فقدته فهو حيث فقدته، فانطلق هو وفتاه، حتى بلغ المكان الذي أُمروا به، فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى -ﷺ- يطلب، ووضع فتاه الحوت على الصخرة، فاضطرب، فاتخذ سبيله في البحر سربًا، فقال فتاه: إذا جاء نبيّ الله -ﷺ- حدثته، فأنساه الشيطان، فانطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر من النَّصَب والكَلال، ولم يكن يصيبه ما يصيب المسافر من النصب والكَلال، حتى جاز ما أمر به، قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، فقال له فتاه: يا نبيّ الله أرأيت إذا أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت أن أحدثك، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجبًا، قال: ذلك ما كنا نبغي، فرجعا على آثارهما قصصًا، يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة، فأطاف بها موسى، فإذا هو مُتَسَجٍّ ثوبًا، فسلّم، فرفع رأسه، فقال: من أنت؟ فقال: موسى، قال: من موسى؟ قال: موسى بني إسرائيل، قال: فما لك؟ قال: أُخبرت أن عندك علمًا، فأردت أن أصحبك، قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا، قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا، ولا أعصي لك أمرًا، قال: كيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا؟ قال: قد أُمرت أن أفعله، ستجدني إن شاء الله صابرًا، قال: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا، فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة، فخرج من كان فيها، وتخلّف ليخرقها، فقال له موسى: أتخرقها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئًا أمرًا، قال: ألم أقل: إنك لن تستطيع معي صبرًا، قال: لا تؤاخذني بما نسيت، ولا ترهقني من أمري عسرًا، فانطلقا حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر، فيهم غلام ليس في الغلمان أحسن منه، ولا أنظف منه، فقتله، فنفر موسى -ﷺ- عند ذلك، وقال: قتلت نفسًا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئًا نكرًا، قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا، قال: فأخذته ذمامة من صاحبه، واستحيا، وقال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذرًا، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية لئام، وقد أصاب موسى جهد، فلم يضيفوهما، فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض، فأقامه، فقال له موسى مما نزل به من الجهد: لو شئت لاتخذت عليه أجرًا، قال: هذا فراق بيني وبينك، فأخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدّثني، فقال: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا، فإذا مَرَّ عليها فرآها منخرقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة خشبة، فانتفعوا بها، وأما الغلام، فإنه كان طُبع يوم طبع كافرًا، وكان قد أُلقي عليه محبة من أبويه، ولو عصياه شيئًا لأرهقهما طغيانًا وكفرًا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً، وأقرب رحمًا، فوقع أبوه على أمه، فولدت خيرًا منه زكاة وأقرب رُحمًا، وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالِحًا، فأراد ربك أن يبلغا أشدهما، ويستخرجا كنزهما، رحمة من ربك، وما فعلته عن أمري، ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرًا». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْب، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَرَأَ: ﴿لَتَّخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم ذُكروا في الباب، و«عمرو» هو: ابن دينار. وقوله: (قَرَأَ: ﴿لَتَّخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾)؛ أي: بفتح التاء، وكسر الخاء مِنْ أَخَذ ثلاثيًّا، وتقدّم أنها قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، والباقون قرءوا: (لَاتَّخَذْتَ) بهمزة الوصل، وتشديد التاء، وفتح الخاء، من الاتخاذ خماسيًّا. والحديث بهذا اللفظ المختصر من أفراد المصنّف -﵀-، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى -﵇-، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْخَضِرُ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، هَلُمَّ إِلَيْنَا، فَإِنِّي قَدْ تَمَاريتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى، بَلْ عَبْدُنَا الْخَضِرُ، قَالَ: فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا افْتَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَسَارَ مُوسَى مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسِيرَ، ثُمَّ قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢]، فَقَالَ فَتَى مُوسَى حِينَ سَأَلَهُ الْغَدَاءَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ»، إِلَّا أَنَّ يُونُسَ قَالَ: فَكَانَ يَتَّبعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ثبتٌ [٣] (ت ٩٤)، وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وتابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَنَّهُ)؛ أي: عبد الله بن عبّاس، (تَمَارَى)؛ أي: تجادل، من المماراة: وهي المجادلة والتنازع. (هُوَ) أتى بضمير الفصل؛ لأنه لا يُعطف على الضمير المرفوع المتّصل إلا إذا أُكّد بالمنفصل، كما في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، قال ابن مالك في «خلاصته»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ (وَالْحُرُّ) بضمّ أوله، وتشديد الراء، (ابْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنِ الْفَزَارِيُّ) قال في «الإصابة»: الْحُرّ بن قيس بن حِصْن بن حُذيفة بن بَدْر الفزَاريّ، ابن أخي عيينة بن حصن، ذكره ابن السكن في «الصحابة»، ورَوَى ابن شاهين من طريق ابن أبي ذئب، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن حاطب، عن أبي وجزة السلميّ، قال: لمّا قَفَل رسول الله -ﷺ- من غزوة تبوك، أتاه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلًا، فيهم خارجة بن حصن، والحارث بن قيس ابن أخي عيينة بن حِصْن، وهو أصغرهم، فذكر الحديث، وروى البخاريّ من طريق الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: «قَدِم عُيينة بن حِصن، فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس، وكان من النفر الذين بعثهم عمر. . .» الحديث، وروى الشيخان بهذا الإسناد قالا: «تمارى ابن عباس والحرّ بن قيس في صاحب موسى، فمرّ بهما أُبَيّ بن كعب. . .»، فذكر الحديث، وقال مالك في «العتبية»: «قَدِمَ عيينة بن حصن المدينة، فنزل على ابن أخ له أعمى، فبات يصلي، فلما أصبح غدا إلى المسجد، فقال: ما رأيت قومًا أوجه لِمَا وجّهوهم له من قريش، كان ابن أخي عندي أربعين سنةً، لا يطيعني». انتهى . [تنبيه]: «الْفَزَاريّ» -بفتح الفاء، والزاي-: نسبة إلى فَزَارة بن ذُبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وهي: قبيلة كبيرة من قيس عيلان، قاله في «اللباب» . (فِي صَاحِبِ مُوسَى -﵇-) يتعلّق بـ «تمارى»، (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- (هُوَ)؛ أي: صاحب موسى، (الْخَضِرُ) بفتح الخاء، وكسر الضاد المعجمتين، وبسكون الضاد، مع فتح الخاء، وكسرها، قال في «التاج»: وخَضِرٌ، وخِضْرٌ ككَبِدٍ، وكِبْدٍ، قال الجَوْهَرِيّ: وهو أَفْصُح، قلت : لعَلَّه لكونِه مخُفَفًّا من الخَضِر؛ لكَثْرة الاسْتِعْمَال كما في «المِصْبَاح»، وزاد القَسْطَلانيّ في شرح البُخَارِيّ لُغَةً ثالِثة، وهو فَتْح الخَاء، مع سُكُونِ الضّاد. واخْتُلِف في سَبَب لَقَبِه، فقيل: لأَنَّه جَلَسَ على فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فاهْتَزَّت تَحْتَه خَضْراءَ، كما وردَ في حَدِيثٍ مَرْفُوع صحيح، وقِيل: لأَنّه كان إِذا جَلَسَ في مَوْضعٍ، وتَحْتَه روضَةٌ تَهْتَزُّ. وفي البُخَارِيّ: وَجَدَهُ موسى على طِنْفِسَةٍ خَضْرَاءَ، على كَبِدِ البَحْر، وعن مُجاهِدٍ: كان إِذا صلَّى في مَوْضع اخْضَرَّ ما تَحْتَه، وقيل: ما حَوْلَه، وقيل سُمِّيَ خَضِرًا؛ لحُسْنِه، وإِشراق وَجْهِه؛ تَشْبِيهًا بالنَّبَات الأَخْضَرِ الغَضِّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وأصحّ الأقوال الأول؛ لأنه رواه البخاريّ في «صحيحه»، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إنما سُمِّي الخضر؛ لأنه جلس على فَرْوة بيضاء، فإذا هي تهتزّ من خلفه خضراء». انتهى . وقوله: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْخَضِرُ) قال الحافظ -﵀-: لم يذكر ما قال الحرّ بن قيس، ولا وقفت على ذلك في شيء من طرق هذا الحديث، قال: وخضر: بفتح أوله، وكسر ثانية، أو بكسر أوله، وإسكان ثانيه، ثبتت بهما الرواية، وبإثبات الألف واللام فيه، وبحذفهما. قال: وهذا التماري الذي وقع بين ابن عباس والحرّ غير التماري الذي وقع بين سعيد بن جبير ونوف البكاليّ، فإن هذا في صاحب موسى، هل هو الخضر أو غيره؟، وذاك في موسى، هل هو موسى بن عمران الذي أُنزلت عليه التوراة، أو موسى بن مِيشا، بكسر الميم، وسكون التحتانية، بعدها معجمة؟. انتهى . (فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ) -﵁- (فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ)؛ أي: ناداه، وذكر ابن التين أن فيه حذفًا، والتقدير: فقام إليه، فسأله؛ لأن المعروف عن ابن عباس التأدب مع من يأخذ عنه، وأخباره في ذلك شهيرة. (فَقَالَ) ابن عبّاس (يَا أَبَا الطُّفَيْلِ) كنية أُبيّ بن كعب -﵁-، ويُكنى أيضًا أبا المنذر، (هَلُمَّ إِلَيْنَا)؛ أي: أقبِلْ إلى مجلسنا، و«هلُمّ» قد سبق البحث فيها غير مرّة. (فَإِنِّي) الفاء: للتعليل؛ أي: لأني (قَدْ تَمَارَيْتُ) تجادلت، (أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا)؛ يعني: الحرّ بن قيس، (فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ) موسى (السَّبِيلَ) الطريق الموصل (إِلَى لُقِيِّهِ) بضمّ اللام، وكسر القاف، وتشديد التحتانيّة: مصدر بمعنى اللِّقَاء، يقال: لَقِيَهُ، كَرَضِيَهُ لِقاءً، ولِقاءَةً، ولِقايَةً، ولِقِيًّا، ولِقْيانًا، ولِقْيانَةً، بكسرِهِنَّ، ولُقْيانًا، ولُقِيّا، ولُقْيَةً، ولُقًى، بضمهنَّ، ولَقاءَةً مَفْتوحَةً: رآهُ، كَتَلَقَّاهُ، والْتَقَاهُ، والاسمُ: التِّلْقاءُ، بالكسر، ولا نَظِيرَ له غيرُ التِّبْيان، قاله المجد -﵀- . (فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟)؛ أي: قصّته، والجملة حاليّة (فَقَالَ أُبَيٌّ)؛ أي: ابن كعب، ووقع في بعض النسخ: «فقال: إنّي»، وهي: «إنّ» واسمها. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «بَيْنَمَا) قد تقدّم غير مرّة أن أصله»بَيْنَ«، زيدت فيه»ما«، والفصيح في جوابه ترك»إذ«، و»إذا«وجوابه قوله:»إذ جاءه رجل«. (مُوسَى فِي مَلإٍ) هي: الجماعة قاله عياض، وقال غيره: الملأ الأشراف، وفي»العباب«: الملأ بالتحريك: الجماعة، والملأ أيضًا: الْخُلُق، يقال: ما أحسن مَلَأَ بني فلان؛ أي: عِشْرتهم، وأخلاقهم، والجمع: أملاء. (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هم: أولاد يعقوب -﵇-؛ لأن إسرائيل هو اسم يعقوب، وأولاده اثنا عشر نَفْسًا، وهم الذين يُسَمَّون الأسباط، وسُمُّوا بذلك؛ لأن كل واحد منهم والد قبيلة، والأسباط في كلام العرب: الشجر الْمُلْتَفّ الكثير الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل كالشعوب من المعجم، والقبائل من العرب، وجميع بني إسرائيل من هؤلاء المذكورين . (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) لم يُعرف، (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: قال ذلك الرجل لموسى -﵇- (هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا)؛ أي: لا أعلمُ أعلمَ مني، (فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى، بَلْ عَبْدُنَا الْخَضِرُ)؛ أي: هو أعلم، و«بل» بإسكان اللام، والتقدير: فأوحى الله إليه لا تُطلق النفي، بل قل: خضرٌ، وإنما قال: «عبدنا»، وإن كان السياق يقتضي أن يقول: عبد الله؛ لكونه أورده على طريق الحكاية عن الله -﷾-، والإضافة فيه للتعظيم، قاله في «الفتح» ، وعزا رواية «بل» للكشميهنيّ، والأكثرون رووا «بلى». وقال في «العمدة»: و«بل» للإضراب، وهو من حروف العطف، فإن قلت: ما المعطوف عليه المضروب عنه؟ قلت: مقدَّر تقديره: أوحى الله إليه: لا تقل: لا، بل عبدنا خضر؛ أي: قل: الأعلم عبدك خضر، فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يقول: بل عبد الله، أو عبدك، قلت: وَرَدَ على طريقة الحكاية عن قول الله تعالى. انتهى. (قَالَ) -ﷺ- (فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ)؛ أي: الطريق الموصل إليه، (فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ) السمكة، (آيَةً)؛ أي: علامة على محلّ الخضر، (وَقيلَ لَهُ) القائل هو الله تعالى، (إِذَا افْتَقَدْتَ)، وفي بعض النسخ: «إذا فقدتَ» (الْحُوتَ فَارْجِعْ) إلى محل فَقْده (فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ)؛ أي: ستلقى خضرًا في ذلك المحلّ. (فَسَارَ مُوسَى)؛ أي: مع فتاه، (مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسِيرَ، ثُمَّ قَالَ لِفَتَاهُ)؛ أي: لصاحبه، وهو يوشع بن نون، وإنما قال: فتاه؛ لأنه كان يخدمه، ويتبعه، وقيل: كان يأخذ العلم عنه. (﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾، فَقَالَ فَتَى مُوسَى حِينَ سَأَلَهُ الْغَدَاءَ: ﴿أَرَأَيْتَ﴾)؛ أي: أخبرني ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة؛ أي: لجأنا (﴿إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾)؛ أي: نسيت ذِكر شأنه، وقصة انسلاله من المكتل، واضطرابه في البحر حيًّا، (﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ﴾) تقدم أن ضم الهاء رواية حفص، والباقون بالكسر. (﴿إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿ذَلِكَ﴾)؛ أي: فقدان الحوت، (﴿مَا﴾)؛ أي: الذي (﴿كُنَّا نَبْغِ﴾)؛ أي: نطلبه بسفرنا هذا، (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾)؛ أي: رجعا من الطريق الذي سلكاه يقصّان الأثر؛ أي: يتّبعان أثر قدمهما حتى لا يخطآ المكان، (فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا)؛ أي: من شأن موسى والخضر، (مَا)؛ أي: الذي (قَصَّ اللهُ)؛ أي: ذكره الله -﷿- (في كِتَابِه«)؛ أي: القرآن الكريم. وقوله: (إِلَّا أَنَّ يُونُسَ)؛ يعني: ابن يزيد الأيليّ (قَالَ) في روايته (فَكَانَ يَتَّبعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ) أراد المصنّف -﵀- بهذا: أن يونس يخالف غيره ممن رواه عن الزهريّ بزيادة قوله:«فَكَانَ يَتَّبعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ»بعد قوله:«فارجع فإنك ستلقاه». قال الجامع عفا الله عنه: عندي في قول المصنّف هذا إشكالان: أحدهما: أنه لم يذكر في الإسناد مع يونس غيره حتى يفاضل بين روايتهما. وثانيهما: أن هذه الزيادة ثبتت في رواية غير يونس أيضًا، فقد زادها الأوزاعيّ عن الزهريّ، كما في«صحيح البخاريّ»في«كتاب العلم»برقم (٧٨)، ولفظه:«فكان موسى -ﷺ- يتّبع أثر الحوت في البحر»، وكذلك زادها صالح بن كيسان، عند البخاريّ في«العلم»أيضًا برقم (٧٤)، ولفظه:«وكان يتّبع أثر الحوت في البحر»، فليُتأمّل حقّ التأمّل، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. * * * ٤٦ - (كِتَابُ فضَائِلِ الصَّحَابَةِ -﵃-) قال الجامع عفا الله عنه: الكتاب الذي قبل هذا هو«كتاب الفضائل»، والمراد به: فضائل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وهذا«كتاب فضائل الصحابة -﵃-»، وقد تقدّم معنى الفضائل مستوفًى في أول الكتاب الماضي، ولنذكر هنا ما يتعلّق بالصحابة -﵃-، وفيه مسائل: (المسألة الأولى): في تعريف الصحابيّ: قال الحافظ -﵀- في«الإصابة»: وأصحّ ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابيّ: من لقي النبيّ -ﷺ- مؤمنًا به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه: من طالت مجالسته له، أو قصرت، ومن روى عنه، أو لم يرو، ومن غزا معه، أو لم يغز، ومن رآه رؤية، ولو لم يُجالسه، ومن لم يَرَه لعارض؛ كالعمى. ويخرج بقيد«الإيمان»من لقيه كافرًا، ولو أسلم بعد ذلك؛ إذا لم يجتمع به مرّةً أخرى. وقولنا:«به»يُخرج من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم، وآمن بأنه سيُبعث، أو لا يدخل؟ محلّ احتمال، ومن هؤلاء بَحِير الراهب، ونظراؤه. ويدخل في قولنا:«مؤمنًا به»كلّ مكلّف من الجنّ والإنس. وخرج بقولنا:«ومات على الإسلام»من لقيه مؤمنًا به، ثم ارتدّ، ومات على ردّته -والعياذ بالله-. ويدخل فيه من ارتدّ، وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به -ﷺ- مرّة أخرى، أم لا؟ وهذا هو الصحيح المعتمد. انتهى ملخّصًا . وقال الإمام البخاريّ -﵀- في«صحيحه»:«ومَن صَحِب النبيّ -ﷺ-، أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه». انتهى. قال في«الفتح»: يعني: أن اسم صحبة النبيّ -ﷺ- مُسْتَحَقٌّ لمن صحبه أقلّ ما يُطلق عليه اسم صحبة لغةً، وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة، ويُطلق أيضًا على من رآه رؤيةً، ولو على بُعْد، وهذا الذي ذكره البخاريّ هو الراجح، إلا أنه هل يُشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه، أو يُكتفى بمجرد حصول الرؤية؟ محلّ نظر، وعَمَلُ من صنّف في الصحابة يدلّ على الثاني، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما وُلد قبل وفاة النبيّ -ﷺ- بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في «الصحيح» أن أمه أسماء بنت عُميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة، وذلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر من الهجرة، ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل، والخلاف الجاري بين الجمهور، وبين أبي إسحاق الإسفراينيّ ومن وافقه على ردّ المراسيل مطلقًا حتى مراسيل الصحابة لا يجري في أحاديث هؤلاء؛ لأن أحاديثهم لا من قبيل مراسيل كبار التابعين، ولا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من النبيّ -ﷺ-، وهذا مما يُلغز به، فيقال: صحابي حديثه مرسل، لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة. ومنهم من بالغ، فكان لا يعدّ في الصحابة إلا من صحب الصحبة العُرفية، كما جاء عن عاصم الأحول قال: رأى عبد الله بن سَرْجِس رسول الله -ﷺ- غير أنه لم يكن له صحبة، أخرجه أحمد، هذا مع كون عاصم قد روى عن عبد الله بن سرجس هذا عدّة أحاديث، وهي عند مسلم وأصحاب «السُّنن»، وأكثرها من رواية عاصم عنه، ومن جملتها قوله: «إن النبيّ -ﷺ- استغفر له»، فهذا رأي عاصم أن الصحابي من يكون صحب الصحبة العرفية، وكذا رُوي عن سعيد بن المسيِّب أنه كان لا يَعُدّ في الصحابة إلا من أقام مع النبيّ -ﷺ- سنةً فصاعدًا، أو غزا معه غزوةً فصاعدًا، والعمل على خلاف هذا القول؛ لأنهم اتفقوا على عَدّ جَمْعٍ جَمٍّ في الصحابة، لم يجتمعوا بالنبيّ -ﷺ- إلا في حجة الوداع، ومن اشترط الصحبة العرفية أخرج من له رؤية، أو من اجتمع به، لكن فارقه عن قرب، كما جاء عن أنس أنه قيل له: هل بقي من أصحاب النبيّ -ﷺ- غيرك؟ قال: لا، مع أنه كان في ذلك الوقت عدد كثير ممن لقيه من الأعراب. ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه به بالغًا، وهو مردود أيضًا؛ لأنه يخرج مثل الحسن بن عليّ، ونحوه، من أحداث الصحابة. والذي جزم به البخاريّ هو قول أحمد، والجمهور من المحدثين. وقول البخاريّ: «من المسلمين» قيد يُخرج به مَن صحبه، أو من رآه من الكفار، فأما من أسلم بعد موته منهم، فإن كان قوله: «من المسلمين» حالًا خرج مَن هذه صفته، وهو المعتمَد. ويَرِد على التعريف مَن صحبه، أو رآه مؤمنًا به، ثم ارتدّ بعد ذلك، ولم يَعُد إلى الإسلام، فإنه ليس صحابيًّا اتفاقًا، فينبغي أن يزاد فيه: «ومات على ذلك». وقد وقع في «مسند أحمد» حديث ربيعة بن أمية بن خَلَف الْجُمَحِيّ، وهو ممن أسلم في الفتح، وشَهِد مع رسول الله -ﷺ- حجة الوداع، وحدّث عنه بعد موته، ثم لحقه الخذلان، فلَحِق في خلافة عمر بالروم، وتنصَّر بسبب شيء أغضبه، وإخراج حديث مثل هذا مُشْكِل، ولعل من أخرجه لم يَقِف على قصة ارتداده، والله أعلم. فلو ارتدّ، ثم عاد إلى الإسلام، لكن لم يره ثانيًا بعد عَوْده، فالصحيح أنه معدود في الصحابة؛ لإطباق المحدثين على عَدِّ الأشعث بن قيس، ونحوه، ممن وقع له ذلك، وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد. وهل يختصّ جميع ذلك ببني آدم، أو يعمّ غيرهم، من العقلاء؟ محل نظر، أما الجنّ فالراجح دخولهم؛ لأن النبيّ -ﷺ- بُعِث إليهم قطعًا، وهم مكلَّفون، فيهم العصاة، والطائعون، فمن عُرِف اسمه منهم، لا ينبغي التردد في ذِكره في الصحابة، وإن كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى، فلم يستند في ذلك إلى حجة. وأما الملائكة، فيتوقف عدّهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافًا بين الأصوليين، حتى نَقَل بعضهم الإجماع على ثبوته، وعكس بعضهم. وهذا كله فيمن رآه، وهو في قيد الحياة الدنيوية، أما من رآه بعد موته، وقبل دفنه، فالراجح أنه ليس بصحابيّ، وإلا لَعُدّ مَن اتَّفَق أن يرى جسده المكرم، وهو في قبره المعظم، ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كُشف له عنه من الأولياء، فرآه كذلك على طريق الكرامة؛ إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمرّ الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية، وإنما هي أخروية، لا تتعلق بها أحكام الدنيا، فإن الشهداء أحياء، ومع ذلك، فإن الأحكام المتعلقة بهم بعد القتل جارية على أحكام غيرهم، من الموتى، والله أعلم. وكذلك المراد بهذه الرؤية: مَن اتفقت له ممن تقدم شرحه، وهو يقظان، أما من رآه في المنام، وإن كان قد رآه حقًّا، فذلك مما يرجع إلى الأمور المعنوية، لا الأحكام الدنيوية، فلذلك لا يُعَدّ صحابيًّا، ولا يجب عليه أن يعمل بما أَمَره به في تلك الحالة، والله أعلم. قال: وقد وجدت ما جزم به البخاريّ من تعريف الصحابيّ في كلام شيخه عليّ ابن المدينيّ، فقرأت في «المستخرج» لأبي القاسم ابن منده بسنده إلى أحمد ابن سيار الحافظ المروزيّ، قال: سمعت أحمد ابن عتيك يقول: قال عليّ ابن المدينيّ: مَن صَحِب النبيّ -ﷺ-، أو رآه، ولو ساعة من نهار، فهو من أصحاب النبيّ -ﷺ-. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في الطريق الموصل إلى معرفة كون الشخص صحابيًّا: (اعلم) أن الصحابي يُعرف بأشياء: (أولها): أن يثبت بطريق التواتر أنه صحابيّ، كالخلفاء الأربعة، وبقيّة العشرة في خَلْق كثير سواهم، ممن تواترت صحبته، ثم بالاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر، كعُكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة، وغيرهما، ثم بأن يُروى عن آحاد الصحابة أن فلانًا له صحبة مثلًا، وكذا عن آحاد التابعين، بناءً على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح، ثم بأن يقول هو: أنا صحابيّ، إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة. أما الشرط الأول: وهو: العدالة، فجزم به الآمديّ وغيره؛ لأن قوله قبل أن تثبت عدالته: أنا صحابيّ، أو ما يقوم مقام ذلك يلزم من قبول قوله إثبات عدالته؛ لأن الصحابة كلهم عدولٌ، فيصير بمنزلة قول القائل: أنا عَدْلٌ، وذلك لا يُقبل. وأما الشرط الثاني: وهو: المعاصرة، فيُعتبر بمضيّ مائة سنة وعشر سنين من هجرة النبيّ -ﷺ-؛ لقوله -ﷺ- في آخر عمره لأصحابه: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» متّفقٌ عليه، زاد مسلم من حديث جابر أن ذلك كان قبل موته بشهر، ولفظه: سمعت النبيّ -ﷺ- يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألوني عن الساعة، وإنما عِلْمها عند الله، وأُقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة، وهي حيّة يومئذ». ولهذه النكتة لم يُصدّق الأئمة أحدًا ادّعى الصحبة بعد الغاية المذكورة، وقد ادّعاها جماعة، فكُذّبوا، وكان آخرهم رَتَنَ الهنديّ. ثم من لم يُعرف حاله إلا من جهة نفسه فمقتضى كلام الآمديّ السابق ومن تبعه ألا تثبت صحبته، ونقل أبو الحسن ابن القطّان فيه الخلاف، ورجّح عدم الثبوت، وأما ابن عبد البرّ فجزم بالقبول بناء على أن الظاهر سلامته من الجَرح، وقوّى ذلك بتصرّف أئمة الحديث في تخريجهم أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم، ولا ريب في انحطاط رتبة من هذا سبيله عمن مضى. ومن صور هذا الضرب أن يقول التابعيّ: أخبرني فلان أنه سمع النبيّ -ﷺ- يقول، سواء سمّاه أم لا، أما إذا قال: أخبرني رجل مثلًا عن النبيّ -ﷺ- بكذا، فثبوت الصحبة بذلك بعيد؛ لاحتمال الإرسال، ويَحْتَمِل التفرقة بين أن يكون القائل من كبار التابعين، فيُرجّح القبول، أو صغارهم فيرجّح الرّدّ، ومع ذلك فلم يتوقّف من صنّف في الصحابة في إخراج من هذا سبيله في كُتُبهم، والله تعالى أعلم. [ضابط]: يستفاد من معرفته صحبة جَمْع كثير يُكتفى فيهم بوصف يتضمّن أنهم صحابة، وهو مأخوذ من ثلاثة آثار: أحدها: أنهم كانوا لا يؤمِّرون في المغازي إلا الصحابة، فمن تتبع الأخبار الواردة في الردّة والفتوح وجد من ذلك الكثير. ثانيها: أن عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود، إلا أتى به النبيّ -ﷺ-، فدعا له، وهذا أيضًا يوجد منه الكثير. ثالثها: أنه لم يبق بالمدينة، ولا بمكة، ولا الطائف، ولا بينهما من الأعراب إلا من أسلم، وشَهِد حجة الوداع، فمن كان في ذلك الوقت موجودًا اندرج فيهم؛ لحصول رؤيتهم للنبيّ -ﷺ-، وإن لم يرهم هو، والله أعلم . (المسألة الثالثة): في بيان حال الصحابة -﵃- من العدالة: اتّفق أهل السُّنَّة على أن الصحابة -﵃- عدولٌ كلّهم مطلقًا، كبيرهم، وصغيرهم، لابَسَ الفتنة أم لا؛ وجوبًا لحسن الظنّ، ونظرًا إلى ما تمهّد لهم من المآثر، من امتثال أوامره -ﷺ- بعده، وفَتْحهم الأقاليم، وتبليغهم عنه الكتاب والسُّنَّة، وهدايتهم الناس، ومواظبتهم على الصلاة والزكاة، وأنواع القربات، مع الشجاعة، والبراعة، والكرم، والإيثار، والأخلاق الحميدة التي لم يكن في أمة من الأمم المتقدمة. وقد عقد الخطيب البغداديّ -﵀- في «الكفاية» فصلًا نفيسًا في ذلك، فقال: عدالة الصحابة -﵃- ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨]، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ -إلى قوله-: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠]، في آيات كثيرة يطول ذِكْرها، وأحاديث شهيرة، يكثر تعدادها. وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يَحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق. على أنه لو لم يَرِد من الله تعالى ورسوله -ﷺ- فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل الْمُهَج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع على تعديلهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدّلين الذين يجيئون من بعدهم، هذا مذهب كافّة العلماء، ومن يُعتمد قوله. ثم أسند عن أبي زرعة الرازيّ أنه قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ- فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله -ﷺ- حقّ، والقرآن حقّ، وما جاء به حقّ، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ لِيُبطلوا الكتاب والسُّنَّة، والجرح بهم أَولى، وهم زنادقة. انتهى كلام الخطيب -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ وتحقيقٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم. قال السخاويّ -﵀-: فأما الآية الأُولى: فالذي رجّحه كثير من المفسرين عمومها في أمة محمد -ﷺ-، وخصَّها آخرون بالصحابة، بل قال بعضهم: اتفقوا على أنها واردة فيهم، وحينئذ فالاستدلال منها ظاهر. وأما الثانية: فهي خطاب مع الموجودين منهم حينئذ، ولكن لا يمتنع إلحاق غيرهم بهم ممن شاركهم في الوصف. وكذا من الآيات: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٩]، ومن غيرها: «أصحابي كالنجوم» ، مع ما تحقق عنهم بالتواتر من الجدّ في الامتثال. قال الحافظ -﵀-: والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة، من أدلّها على المقصود ما رواه الترمذيّ، وابن حبان في «صحيحه» من حديث عبد الله بن مُغَفَّل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غَرَضًا، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله، فيوشك أن يأخذه» . وذكر غيره من الأدلة حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-: «لا تَسُبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم، ولا نصيفه»، مُتّفق عليه، وهو وإن ورد على سبب، وذلك أنه كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبّه خالد، فقال النبي -ﷺ-. . . .، فذكره، بحيث خصه بعض أصحاب الحديث بمن طالت صحبته، وقاتل معه، وأنفق، وهاجر، لكن العبرة إنما هي بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما ذهب إليه الأكثرون، وصححه القاضي عياض هنا. ومثل هذا يقال، وإن كان المقول له صحابيًّا للتنبيه على إرادة حفظ الصحبة عن ذلك. ووجه الاستدلال به أن الوصف لهم بغير العدالة سبّ، لا سيما وقد نَهَى بعض من أدركه، وصحبه عن التعرض لمن تقدمه؛ لشهود المواقف الفاضلة، فيكون مَن بعدَهم بالنسبة لجميعهم من بابِ أَولى. وحديث: «خير الناس قرنى. . .» المتواتر، مما هو أيضًا متفق عليه، من حديث ابن مسعود، وعمران بن حصين، حتى بالغ بعضهم، فتمسَّك به بعدالة التابعين أيضًا، وأنه لا يُسأل عنهم حتى يقوم الجَرح؛ لقوله فيه: «ثم الذين يلونهم»، وهو فيهم محمول على الغالب، والمراد بقَرْن النبيّ -ﷺ- فيه الصحابة، وإن أُطلق القرن على مدة من الزمان في تحديدها أَقوال، أدناها عشرة أعوام، وأعلاها مائة وعشرون، وعليه ينطبق الواقع في كون آخر الصحابة موتًا أبو الطفيل، إن اعتُبِر ذلك في زمن البعثة؛ إذ المدة منها القَدْر المذكور، أو دونه، أو فوقه بقليل، على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، أما إن مشينا على أن القرن مائة، كما هو المشهور، بل وقع ما يدل له في حديث لعبيد الله بن بسر عند مسلم ، فيكون الاعتبار من موته -ﷺ-. ومن الأدلة أيضًا ما جاء عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله -﷿-»، أخرجه أحمد، والترمذيّ وحسّنه، وابن ماجه، وغيرهم. وعن سعيد بن المسيِّب، عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله اختار أصحابي على الثقلين، سوى النبيين والمرسلين»، قال الحافظ: أخرجه البزار بسند رجاله موثقون. وعن عبد الله بن هاشم الطوسيّ، حدّثنا وكيع، سمعت سفيان، يقول في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ الآية [النمل: ٥٩] قال: هم أصحاب محمد -ﷺ-. إلى غير ذلك مما يطول إيراده. وممن حَكَى الإجماع على القول بعدالتهم إمام الحرمين، قال: ولعل السبب فيه أنهم نقلة الشريعة، فلو ثبت توقُّف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول -ﷺ-، ولَمَا اسْتَرْسَلَت على سائر الأعصار . ونحوه قول أبي محمد بن حزم: الصحابةُ كلهم من أهل الجنة قطعًا؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ الآية [النساء: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١]، فثبت أن الجميع من أهل الجنة، وأنه لا يدخل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطَبون بالآية السابقة . [فإن قيل]: التقييد بالإنفاق والقتال يُخرج من لم يتصف بذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠] يخرج من لم يتصف بذلك. [فالجواب]: أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل، أو القوة، ولكن قد أشار إلى الخلاف إلكيا الطبريّ، حيث قال: إن عليه كافة أصحابنا، وكذا قال القاضي، هو قول السلف، وجمهور الخلف. وحَكَى الآمديّ، وابن الحاجب قولًا أنهم كغيرهم في لزوم البحث على عدالتهم مطلقًا، وهو قضية كلام أبي الحسين ابن القطان من الشافعية، فإنه قال: فوحشيّ قَتَل حمزة، وله صحبة، والوليد شرب الخمر. قلنا: من ظهر منه خلاف العدالة لا تقع عليه اسم الصحبة، والوليد ليس بصحابيّ، إنما أصحابه الذين كانوا على طريقته. وهذا عجيب، فالكل أصحابه باتفاق، وقَتْل وحشيّ لحمزة كان قبل إسلامه، وأما الوليد وغيره ممن ذُكِر بما أشار إليه، فقد كَفَّ النبيّ -ﷺ- مِن لعن بعضهم بقوله: «لا تلعنه، فوالله ما عَلِمت إلا أنه يحب الله ورسوله»، كما كَفَّ عمرَ عن حاطب -﵄- قائلًا له: «إنه شَهِد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم»، لا سيما وهم مخلصون في التوبة فيما لعله صدر منهم، والحدود كفارات، بل قيل في الوليد بخصوصه: إن بعض أهل الكوفة تعصبوا عليه، فشهدوا عليه بغير الحقّ. وبالجملة فَترْك الخوض في هذا ونحوه متعيِّن. وقيل: لا يُحكم بعدالة من دخل من الصحابة في فتنة من الفتن الواقعة من حين مقتل عثمان -﵁-؛ كالْجَمَل، وصِفِّين من الفريقين، إلا بعد البحث عنها، وعن بعضهم ردّهم كافّةً مطلقًا، وقيل: يُقبَل الداخل فيها إذا انفرد؛ لأن الأصل العدالة، وشككنا في ضدّها، ولا تُقْبَل مع مخالفة لتحقق إبطال أحدهما من غير تعيين، وقيل: إن القول بالعدالة يخص بمن اشتهر منهم، ومن عداهم كسائر الناس، فيهم العدول وغيرهم. قال المازريّ في «شرح البرهان»: لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول، كل من رآه يومًا ما، أو زاره، أو اجتمع به لغرض، وانصرف عن قريب، وإنما نعني به الذين لازموه، وعزّروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، فأولئك كما قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢]. قال السخاويّ: ولم يوافَق المازري على ذلك، ولذا اعترضه غير واحد، وقال العلائيّ: إنه قول غريب، يُخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة، والرواية عن الحُكم بالعدالة، كوائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص، وغيرهم، ممن وَفَد عليه، ولم يُقِم عنده إلا قليلًا، وانصرف، وكذلك من لم يُعرف إلا برواية الحديث الواحد، أو لم تُعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل. قال الحافظ: وقد كان تعظيم الصحابة، ولو كان اجتماعهم به قليلًا مقرّرًا عند الخلفاء الراشدين، وغيرهم، ثم ساق بسند رجاله ثقات، عن أبي سعيد الخدريّ أنه كان متكئًا، فذَكَرَ من عنده عليًّا ومعاوية -﵄-، فتناول رجلٌ معاوية، فاستوى جالسًا، ثم قال: كنا ننزل رفاقًا مع رسول الله -ﷺ-، فكنا في رُفقة فيها أبو بكر، فنزلنا على أهل أبيات، وفيهم امرأة حبلى، ومعنا رجل من أهل البادية، فقال للمرأة الحامل: أيسرّك أن تلدي غلامًا؟ قالت: نعم، قال: إن أعطتني شاةً ولدت غلامًا، فأعطته، فسجع لها أسجاعًا، ثم عمد إلى الشاة فذبحها، وطبخها، وجلسنا نأكل منها، ومعنا أبو بكر، فلمّا علم بالقصّة قام، فتقيأ كل شيء أكله، قال: ثم رأيت ذلك البدويّ قد أُتِي به عمر بن الخطاب، وقد هجا الأنصارَ، فقال لهم عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله -ﷺ- ما أدري ما نال فيها لكفيتموه، ولكن له صحبة، قال: فتوقف عمر عن معاتبته فضلًا عن معاقبته؛ لكونه عَلِم أنه لقي النبيّ -ﷺ-، وفي ذلك أكبر شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شيء، كما ثبت في حديث أبي سعيد الماضي . وقال الإمام أحمد بعد ذِكر العَشرة، والمهاجرين، والأنصار: ثم أفضلُ الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله -ﷺ- القرن الذي بُعِث فيهم كلُّ من صَحِبه سنةً، أو شهرًا، أو يومًا، أو ساعةً، أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صَحِبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه نظرةً، فأدناهم صحبةً هو أفضل من القَرْن الذين لم يروه، ولو لَقُوا الله بجميع الأعمال، كان هؤلاء الذين صحبوا النبيّ -ﷺ-، ورأوه، وسمعوا منه، وآمنوا به، ولو ساعة أفضل بصحبته من التابعين، ولو عملوا كل أعمال الخير. وبالجملة فما قاله المازريّ منتقَد، بل كل ما عدا المذهب الأول القائل بالتعميم باطلٌ، والأول هو الصحيح، بل الصواب المعتبَر، وعليه الجمهور، كما قال الآمديّ، وابن الحاجب؛ يعني: من السلف والخلف، زاد الآمديّ: وهو المختار، وحَكَى ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» إجماع أهل الحقّ من المسلمين، وهم أهل السُّنَّة والجماعة عليه، سواء من لم يُلابِس الفتن منهم، أو لابَسَها، إحسانًا للظنّ بهم، وحَمْلًا لهم في ذلك على الاجتهاد، فتلك أمور مبناها عليه، وكل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد، والمخطئ معذور، بل مأجور. قال ابن الأنباريّ: وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلّف بحثٍ عن أسباب العدالة، وطلب التزكية، إلا إن ثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك -ولله الحمد- فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله -ﷺ- حتى ثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإنه لا يصحّ، وما صحّ فله تأويل صحيح. وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز -﵀-: تلك دماء طهّر الله منها سيوفنا، فلا تخضب بها ألسنتنا. ولا عبرة بردّ بعض الحنفية روايات أبي هريرة -﵁-، وتعليلهم بأنه ليس بفقيه، فقد عَمِلوا برأيه في الغسل ثلاثًا من ولوغ الكلب، وغيره، وولاه عمر -﵄- الولايات الجسيمة، وقال ابن عباس له، كما في «مسند الشافعيّ»، وقد سئل عن مسألة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فأفتى، ووافقه على فتياه. وقد حَكَى ابن النجار في «ذيله» عن الشيخ أبي إسحاق أنه سمع القاضي أبا الطيب الطبريّ يقول: كنا في حلقة النظرِ بجامع المنصور، فجاء شابّ خُراسانيّ حنفيّ، فطالب بالدليل في مسألة المصرّاة، فأورد المدرّس عن أبي هريرة، فقال الشابّ: إنه غير مقبول الرواية، قال القاضي: فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فهرب عنها، فتبعته دون غيره، فقيل له: تُبْ، فقال: تبت، فغابت الحية، ولم يُرَ لها بعدُ أثرٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في بيان المكثرين من الصحابة -﵃- روايةً، وإفتاءً: (اعلم): أن المكثرين منهم. رواية كما قاله أحمد، فيما نقله ابن كثير وغيره الذين زاد حديثهم على ألف، ستةٌ: وهم أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وأم المؤمنين عائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة، وهو أكثرهم، كما قاله سعيد بن أبي الحسن، وابن حنبل، وتبعهما ابن الصلاح. وقد روى بَقِيّ بن مَخْلَد في «مسنده» لأبي هريرة خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين، ولابن عمر ألفين وستمائة وثلاثين، ولأنس ألفين ومائتين وستة وثمانين، ولعائشة ألفين ومائتين وعشرة، ولابن عباس ألفًا وستمائة وستين، ولجابر ألفًا وخمسمائة وأربعين، ولأبي سعيد ألفًا ومائة وسبعين، وقد نَظَمه البرهان الحلبيّ. وقد أدرج ابن كثير في المُكْثِرين ابنَ مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، قال السخاويّ: ولم يبلغ حديث واحد منهما عند بقيّ ألفًا؛ إذ حديث أوّلهما عنده ثمان مائة وثمانية وأربعون، وثانيهما سبعمائة. وقد نَظَمهم الجمال ابن ظُهيرة، فقال [من البسيط]: سَبْعٌ مِنَ الصَّحْبِ فَوْقَ الأَلْفِ قَدْ نَقَلُوا … مِنَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمُخْتَارِ خَيْرِ مُضَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ سَعْدٌ جَابِرٌ أَنَسٌ … صِدِّيقَةٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا ابْنُ عُمَرْ وسعد هو: أبو سعيد الخدريّ. قال الجامعِ عفا الله عنه: وقد رتَّبتُهم حسب مرويّاتهم بقولي: الْمُكْثِرُون فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ [فإن قلت]: أخرج البخاريّ في «صحيحه» عن همّام بن مُنَبِّه، قال: سمعت أبا هريرة -﵁- يقول: ما من أصحاب النبيّ -ﷺ- أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب . فقد قدّم أبو هريرة -﵁- عبد الله بن عمرو على نفسه في كونه أكثر الصحابة حديثًا، فهذا يدلّ على أنه أكثر حديثًا من أبي هريرة -﵁-، فكيف يُجاب؟. [قلت]: يجاب بأن عبد الله كان مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلّت الرواية عنه، أو أن أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار كان بمصر، أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يَطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصدّيًا فيها للفتوى والتحديث، حتى مات، أو لأن أبا هريرة -﵁- اختصّ بدعوة النبيّ -ﷺ- بأن لا ينسى ما يحدّثه به، فانتشرت روايته. إلى غير ذلك من الأجوبة. وأما المكثرون منهم إفتاءً، فسبعة: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة. قال الجامع عفا الله عنه: قد نَظَمتهم بقولي: الْمُكْثِرُونَ فِي الْفَتَاوَى سَبْعَةُ … عُمَرُ وَابْنُهُ كَذَا عَائِشَةُ وَنَجْلُ مَسْعُودٍ وَبَحْرُ الأُمَّةِ … كَذَا عَلِيٌّ مَعَ نَجْلِ ثَابِتِ قال ابن حزم: يمكن أن يُجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم، وابن عباس أكثرهم فتوى، فيما قاله الإمام أحمد، بحيث كان كبار الصحابة يُحيلون عليه في الفتوى، وكيف لا؛ وقد دعا له النبيّ -ﷺ- بقوله: «اللهم علّمه الكتاب»، وفي لفظ: «اللهم فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل»، وفي آخر: «اللهم علّمه الحكمة، وتأويل الكتاب»، وفي آخر: «اللهم بارك فيه، وانشر منه». وقال ابن عمر: هو أعلم من بقي بما أنزل الله على محمد -ﷺ-. وقال أبو بكرة: قَدِمَ علينا البصرة، وما في العرب مثله حَشَمًا، وعِلْمًا، وبيانًا، وجمالًا. وقال ابن مسعود: لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد. وقالت عائشة: هو أعلم الناس بالحجّ. ثم إن وَصْفه بالبحر ثابت في «صحيح البخاريّ» وغيره، وإنما وُصف بذلك لكثرة علمه، كما قال مجاهد، فيما أخرجه ابن سعد، وغيره، وعند ابن سعد أيضًا من طريق ابن جريج، عن عطاء أنه كان يقول: قال البحر، وفعل البحر، يريد ابن عباس، بل سمّاه غير واحد: حبر الأمة، وبعضهم: حبر العرب، وترجمان القرآن، ربانيّ الأمة. قال ابن حزم: ويلي هؤلاء السبعة في الفتوى عشرون، وهم أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة. قال الجامع: وقد نظمتهم بقولي: صِدِّيقُهُمْ عُثْمَانُ سَعْدٌ أَنَسُ … سَلْمَانُ جَابِرٌ مُعَاذٌ يَأْنَسُ وَالأَشْعَرِيُّ وَالزُّبَيْرُ طَلْحَةُ … أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِي عُبَادَةُ وَنَجْلُ عَمْرٍو وَابْنُ عَوْفٍ وَكَذَا … نَجْلُ حُصَيْنٍ وَنُفَيْعٌ حَبَّذَا سَعْدٌ مُعَاوِيةُ أُمُّ سَلَمَهْ … وَابْنُ الزُّبَيْرِ هُمْ حَلِيفُو الْمَكْرَمَهْ فَهَؤُلَاءِ مَرْجِعُ الأَنَامِ … فِي عَصْرِهِمْ لِمُعْضِلِ الأَحْكَامِ قال ابن حزم: ويمكن أن يُجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير، قال: وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفسًا مقلّون في الفتيا جدًّا، لا تروى عن الواحد منهم إلا المسألة، والمسألتان، والثلاث؛ كأُبيّ بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد، وسرد الباقين مما في بعضه نظر. قال: ويمكن أن يُجمع من فتيا جميعهم بعد البحث جزء صغير، ذكره السخاويّ -﵀- . (المسألة الخامسة): في بيان من يُطلق عليه العبادلة منهم دون سائر من اسمه عبد الله: هم: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، فهؤلاء الأربعة هم الذي اشتهروا بالعبادلة، فيما قاله الإمام أحمد، وليس منهم ابن مسعود، وإن جعله الثعلبيّ في «تفسيره» خامسًا لهم، وكذا هو في «شرح الكفاية» لابن الحاجب؛ لأنه كما قال البيهقيّ تقدَّم موته، والآخرون عاشوا، حتى احتيج إلى علمهم، فكانوا إذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة، قال ابن الصلاح: ولا مَن شاكل ابن مسعود في التسمية بعبد الله، وهم نحو مائتين وعشرين نفسًا، أو نحو ثلاثمائة فيما قاله العراقيّ، قال السخاويّ: بل يزيدون على ذلك بكثير، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال عليّ ابن المديني -﵀-: انتهى علم أصحاب رسول الله من الأحكام إلى ثلاثة، ممن أُخذ منهم العلم، فذكر ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس -﵃-. وقال مسروق: انتهى العلم إلى ستة: زيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأُبيّ بن كعب، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب -﵃-، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى عليّ وابن مسعود. وعن الشعبيّ: كان العلم يؤخذ عن ستة من الصحابة، وذَكَرهم، ثم قال: وكان عمر وابن مسعود وزيد يُشْبه علم بعضهم بعضًا، وكان يقتبس بعضهم من بعض، وكان عليّ، والأشعريّ، وأُبَيّ يُشبه علم بعضهم بعضًا، وكان يقتبس بعضهم من بعض، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): فيما قيل في عدد الصحابة -﵃-: (اعلم): أن المعتمَد أنهم لا يُحصرون إجمالًا فضلًا عن تفصيلهم؛ لتفرّقهم في البلدان، والنواحي، فقد ثبت قول كعب بن مالك -﵁- في قصة تبوك بخصوصها: «والمسلمون كثير لا يجمعهم ديوان حافظ». قال الحافظ العراقيّ -﵀-: ولا شكّ أنه لا يمكن حصرهم بعد فُشُوّ الإسلام، وقد ثبت في «صحيح البخاريّ» أن كعب بن مالك -﵁- قال في قصّة تخلّفه عن غزوة تبوك: وأصحاب رسول الله -ﷺ- كثير لا يجمعهم كتابٌ حافظ -يعني: الديوان- والحديث هذا في غزوةٍ خاصّة، وهم مجتمعون، فكيف بجميع من رآه مسلمًا؟ والله أعلم . وقال أبو زرعة الرازيّ -﵀- ردًّا على من قال له: أليس يقال: حديث النبيّ -ﷺ- أربعة آلاف حديث؟ فقال: ومن قال ذا؟ قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله -ﷺ-؟ قُبض رسول الله -ﷺ- عن مائة ألف، وأربعة عشر ألفًا من الصحابة، ممن روى عنه، وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا؟ وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة، ومَن بينهما من الأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كلٌّ رآه، وسمع منه بعرفة. قال ابن فتحون في «ذيل الاستيعاب» بعد إيراده لهذا: أجاب به أبو زرعة سؤال من سأله عن الرواة خاصّة، فكيف بغيرهم؟ انتهى. وكذا لم يدخل في ذلك من مات في حياته في الغزوات وغيرها. على أنه قد جاء عن أبي زرعة رواية أخرى، أوردها أبو موسى المدينيّ في «الذيل» قال: تُوُفّي النبيّ -ﷺ-، ومن رآه، وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان، من رجل، وامرأة، وكلّ قد روى عنه سماعًا، أو رؤيةً، فَعِلمُ رسول الله -ﷺ- كثير. ولكنها لا تنافي الأُولى؛ لقوله فيها زيادة مع أنها أقرب لعدم التورط فيها بعهدة الحصر. نَعَم روى الحاكم في «الإكليل» من حديث معاذ قال: «خرجنا مع رسول الله -ﷺ- إلى غزوة تبوك زيادةً على ثلاثين ألفًا»، وبهذه العدّة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقديّ بإسناد آخر موصول، وزاد أنه كانت معه عشرة آلاف فرس. فيمكن أن يكون ذلك في ابتداء خروجهم، كما يُشعر به قوله: «خرجنا»، وتكاملت العدة بعد ذلك. قال السخاويّ: ووقع لشيخنا -يعني: الحافظ ابن حجر- في «الفتح» هنا سهو حيث عيّن قول أبي زرعة في تبوك بأربعين ألفًا، وجمع بينه وبين قول معاذ: أكثر من ثلاثين ألفًا باحتمال جبر الكسر. وجاء ضبط من كان بين يدي النبيّ -ﷺ- عام الفتح بمكة بأنهم خمسة عشر ألف عِنَان، قاله الحاكم، ومن طريقه أبو موسى في «الذيل» بل عنده عن ابن عمر أنه قال: وافي النبيّ -ﷺ- يوم فتح مكة بعشرة آلاف من الناس، ووافى حُنينًا باثني عشر ألفًا، وقال: «لن يُغلب اثنا عشر ألفًا من قلة»، ويقال: إن القائل غيره، وهذا هو اللائق، والله تعالى أعلم. ثم إنه جاء فيمن تُوُفي النبيّ -ﷺ- عنهم خلاف ما تقدم، فعن الشافعيّ كما في مناقبه للآبريّ والسياجيّ من طريق ابن عبد الحكم عنه، قال: قُبض رسول الله -ﷺ-، والمسلمون ستون ألفًا، ثلاثون ألفًا بالمدينة، وثلاثون -يعني: ألفًا- في قبائل العرب وغيرها. وعن أحمد فيما رواه البيهقيّ من طريق إبراهيم بن عليّ الطبريّ عنه قال: قُبض النبيّ -ﷺ-، وقد صلَّى خلفه ثلاثون ألف رجل، وكأنه عَنِيَ بالمدينة؛ ليلتئم مع ما قبله. وثبت عن الثوريّ فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه أنه قال: مَن قَدَّم عليًّا على عثمان، فقد أزرى على اثني عشر ألفًا، مات رسول الله -ﷺ-، وهو عنهم راض. ووجّهه النوويّ بأن ذلك بعد النبيّ -ﷺ- باثني عشر عامًا بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الردة والفتوح الكثير ممن لم تُضبط أسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في الفتوح، وفي الطاعون العام، وعَمَواس، وغير ذلك من لا يحصى كثرةً، وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا حجة الوداع . ونقل عياض في «المدارك» عن مالك -﵀- أنه قال: مات بالمدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف نفس. وقال أبو بكر بن أبي داود فيما رواه عن الوليد بن مسلم: بالشام عشرةُ آلاف عَيْن رأت رسول الله -ﷺ-. وقال قتادة: نزل الكوفة من الصحابة ألف وخمسون، منهم أربعة وعشرون بدريون، قال: وأُخبرت أنه قدم حِمْص من الصحابة خمسمائة رجل، وعن بقية نزلها من بني سليم أربعمائة. وقال الحاكم: الرواة عن النبيّ -ﷺ- من الصحابة أربعة آلاف. وتعقّبه الذهبيّ بأنهم لا يَصِلون إلى ألفين، بل هم ألف وخمسمائة، وأن كتابه «التجريد» لعلَّ جميعَ من فيه ثمانيةُ آلاف نفس، إن لم يزيدوا لم ينقصوا، مع أن الكثير فيهم من لا يُعرف. انتهى. وكذا مع كثرة التكرير، وإيراد من لبس هو منهم وَهْمًا، أو من ليس له إلا مجرد إدراك، ولم يثبت له لقاء. ووُجِد بخطه أيضًا أن جميع من في «أسد الغابة» سبعة آلاف، وخمسمائة، وأربعة وخمسون نفسًا. وحصر ابن فتحون عدد من في «الاستيعاب» في ثلاثة آلاف وخمسمائة؛ يعني: ممن ذُكر فيه باسم، أو كنية، أو حصل الوهم فيه، وذكر أنه استدرك عليه على شَرْطه قريبًا ممن ذَكَر. ومن الغريب ما أسنده أبو موسى في آخر «الذيل» عن ابن المدينيّ قال: الصحابة خمسمائة وثلاثة وستون رجلًا. وبالجملة فقد قال الحافظ -﵀-: إنه لم يحصل لنا جميعًا -أي: عن كل من صنف في الصحابة- الوقوفُ على العُشر من أساميهم بالنسبة إلى ما مضى عن أبي زرعة . وقال أبو موسى: فإذا أثبت هذا -يعني: قول أبي زرعة- فكلٌّ حَكَى على قَدْر تتبّعه، ومبلغ عِلمه، وأشار بذلك إلى وقت خاصّ وحالٍ، فإذًا لا تضادّ بين كلامهم . قال الجامع عفا الله عنه: وخلاصة القول في المسألة أنه لم يحصر أحدٌ عدد الصحابة -﵃-، وإنما تكلّم كلّ أحد بمبلغ علمه، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، فالأَولى أن نفوّض علمه إلى العليم الخبير. (المسألة السابعة): في طبقات الصحابة -﵃-: (اعلم): أنهم باعتبار سبقهم إلى الإسلام، أو الهجرة، أو شهود المشاهد الفاضلة طبقات، وقد اختُلفِ في مقدارها، فذكر الحاكم أبو عبد الله في «علوم الحديث» أنها اثنتا عشرة طبقة: فالأولى: من تقدم إسلامه بمكة؛ كالخلفاء الأربعة، الثانية: أصحاب دار الندوة التي خرج النبيّ -ﷺ- إليها بعد أن أظهر عمر بن الخطّاب إسلامه، فبايعوه حينئذ فيها . الثالثة: المهاجِرة إلى الحبشة. الرابعة: مُبايِعة العقبة الأولى. الخامسة: أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار. السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله -ﷺ- بقباء قبل أن يدخل المدينة، ويبني المسجد. السابعة: أهل بدر. الثامنة: المهاجِرة بين بدر والحديبية. التاسعة: أهل بيعة الرضوان. العاشرة: المهاجِرة بين الحديبية وفتح مكة. الحادية عشرة: مُسْلمة الفتح. الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله -ﷺ- يوم الفتح، وفي حجة الوداع، وغيرهما؛ يعني: مَن عَقَل منهم، ومن لم يعقل. وجعل ابن سعد طبقاتهم خمسًا: فالأولى: البدريون. الثانية: من أسلم قديمًا ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة، وشهدوا أُحُدًا، فما بعدها. الثالثة: من شهد الخندق، فما بعدها. الرابعة: مسلمة الفتح، فما بعدها. الخامسة: الصبيان والأطفال، ممن لم يَغْز، سواءٌ حَفِظ عنه، وهم الأكثر، أم لا، والله تعالى أعلم. (المسألة الثامنة): في تفاوت مراتبهم في الفضل: (اعلم): أن أفضلهم مطلقًا بإجماع أهل السُّنَّة أبو بكر الصديق -﵁-، بل هو أفضل الناس بعد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لأدلة يطول ذِكرها، منها قوله -ﷺ- لأبي الدرداء، وقد رآه يمشي بين يديه: «يا أبا الدرداء تمشي أمام من هو خير منك في الدنيا والآخرة، ما طلعت الشمس، ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر» . [تنبيه]: مقتضى ما تقدّم في تعريف الصحابي يُلغز، فيقال: لنا صحابيّ أفضل من أبي بكر، وهو عيسى المسيح النبيّ -ﷺ-، وإليه أشار التاج السبكيّ بقوله في قصيدته التي في أواخر «القواعد» [من البسيط]: مَنْ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْخَلْقِ أَفْضَلُ مِنْ … خَيْرِ الصِّحَابِ أَبِي بَكْرٍ وَمِنْ عُمَرِ وَمِنْ عَلِيٍّ وَمِنْ عُثْمَانَ وَهْوَ فَتًى … مِنْ أمِّةِ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرِ ثم يلي عمر بن الخطاب -﵁- بإجماع أهل السُّنَّة أيضًا، وممن حَكَى إجماعهم على ذلك أبو العباس القرطبيّ، فقال: ولم يَختلف في ذلك أحد من أئمة السلف، ولا الخلف، قال: ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع. وأسند البيهقي في «الاعتقاد» له عن الشافعيّ أنه أيضًا قال: ما اختَلَف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر، وتقديمهما على جميع الصحابة. وكذا جاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: من أدركت من الصحابة والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر، وفَضْلهما، وقال مالك: أوَ في ذلك شكّ؟. واختُلف بعده، فالأكثرون من أهل السُّنَّة على أن عثمان بن عفان -﵁- يلى، كما حكاه الخطابي وغيره عنهم، وأن ترتيبهم في الأفضلية كترتيبهم في الخلافة. وقيل: عليّ -﵁-، وإلى هذا القول ذهب أهل الكوفة، وجَمْع، كما قاله الخطابيّ، وابن خزيمة، وطائفة. وروى الخطابي عن الثوريّ حكايته عن أهل السُّنَّة من أهل الكوفة، وأن أهل السُّنَّة من أهل البصرة على الأول، فقيل للثوريّ: فما تقول أنت؟ قال: أنا رجل كوفيّ، ثم قال الخطابيّ: لكن قد ثبت عن الثوريّ في آخر قوليه تقديم عثمان، زاد غيره: ونُقِل مثله عن صاحبه وكيع. قال ابن كثير: وهذا المذهب ضعيف مردود، وإن نصره ابن خزيمة، والخطابيّ، وقد قال الدارقطنيّ: من قَدَّم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، قال السخاويّ -﵀-: وصدق -﵀-، وأكرم مثواه، فإن عمر -﵁- لَمّا جعل الأمر من بعده شورى بين ستة، انحصر في عثمان وعليّ، فاجتهد فيهما عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها، حتى سأل النساء في خدورها، والصبيان في المكاتب، فلم يرهم يعدِلون بعثمان أحدًا، فقدّمه على عليّ، وولاه الأمر قبله. وعن ابن عمر -﵄- قال: كنا في زمان النبيّ -ﷺ- لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله -ﷺ- لا نفاضل بينهم. وفي لفظ للترمذيّ، وقال: إنه صحيح غريب: «كنا نقول، ورسول الله -ﷺ- حيّ: أبو بكر، وعمر، وعثمان». وفي آخر عند الطبرانيّ وغيره، مما هو أصرح، مع ما فيه من اطّلاعه -ﷺ-: «كنا نقول، ورسول الله -ﷺ- حيّ: أفضل هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر، وعمر، وعثمان، فيَسمع ذلك رسول الله -ﷺ-، فلا ينكره». قال الخطابيّ: وجه ذلك أنه أراد به الشيوخ، وذوي الأسنان منهم، الذين كان رسول الله -ﷺ- إذا حَزَبه أمر شاورهم فيه، وكان عليّ في زمان رسول الله -ﷺ- حديث السنّ، ولم يُرِد ابن عمر الإزراء بعليّ، ولا تأخيره، ودَفْعه عن الفضيلة بعد عثمان، ففضله مشهور، لا ينكره ابن عمر، ولا غيره من الصحابة، وإنما اختلفوا في تقديم عثمان عليه. انتهى. وإلى القول بتفضيل عثمان ذهب الشافعيّ، وأحمد، كما رواه البيهقيّ في «اعتقاده» عنهما، وحكاه الشافعيّ عن إجماع الصحابة والتابعين، وهو المشهور عن مالك، والثوريّ، وكافة أئمة الحديث، والفقه، وكثير من المتكلمين، كما قال القاضي عياض، وإليه ذهب أبو الحسن الأشعريّ، والقاضي أبو بكر الباقلانيّ، ولكنهما اختلفا في التفضيل: أهو قطعيّ، أو ظنيّ؟ فالذي مال إليه الأشعري الأول، والذي مال إليه الباقلانيّ، واختاره إمام الحرمين في «الإرشاد» الثاني. وقيل: بالتوقّف عن تفضيل أحدهما على الآخر، وروي عن مالك، ففي «المدونة» أنه سئل: أيُّ الناس أفضل بعد نبيّهم؟ فقال: أبو بكر، ثم عمر، ثم قال: أوَ في ذلك شك؟ قيل له: فعليّ وعثمان؟ قال: ما أدركت أحدًا ممن أقتدي به يفضّل أحدهما على صاحبه، ونرى الكفّ عن ذلك، وتبعه جماعة، منهم يحيى القطان، ومن المتأخرين ابن حزم. لكن قد حكى عياض أيضًا قولًا عن مالك بالرجوع عن الوقف إلى تفضيل عثمان، قال القرطبيّ: وهو الأصح -إن شاء الله- قال عياض: ويَحتمل أن يكون كفّه وكفّ من اقتدى به لِمَا كان شجر في ذلك من الاختلاف والتعصب، بل حكى المازريّ قولًا بالإمساك عن التفضيل مطلقًا، وعزاه الخطابي لقوم، وحكى هو قولًا آخر بتقديم أبي بكر من جهة الصحبة، وعليّ من جهة القرابة. وقيل غير ذلك من الأقوال الساقطة، قال السخاويّ بعد ذكرها: وكلُّ هذا مردود بما تقدم من حكاية إجماع الصحابة، والتابعين على أفضلية أبي بكر، وعمر على سائر الصحابة، ثم عثمان، ثم عليّ، وهو المذكور في المجامع، والمشاهد، وعلى المنابر، ولبعضهم: أَبُو بَكْرٍ عَلَى السُّنَّهْ … وَفَارُوقٌ فَتَى الْجَنَّهْ وَعُثْمَانُ بِهِ الْمِنَّهْ … عَلِيٌّ حُبُّهُ جُنَّهْ ولذا قال الحافظ عقب القول بتفضيل عمر؛ تمسكًا بالحديث في المنام الذي فيه في حقّ أبي بكر: «وفي نزعه ضعف» ما نصه: وهو تمسُّك واهٍ، وعقّب القول بتفضيل العباس أنه مرغوب عنه، ليس قائله من أهل السُّنَّة، بل ولا من أهل الإيمان. وقال النوويّ عَقِب آخرها: وهذا الإطلاق غير مرضيّ، ولا مقبول. وقد روى البيهقيّ في «الدلائل» وغيره من طريق ابن سيرين قال: ذَكَر رجال على عهد النبيّ -ﷺ- عمر، فكأنهم فضّلوه على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر، فقال: والله وددت لو أتى عملي كله مثل عمله يومًا واحدًا من أيامه، وليلةً واحدة من لياليه، أما ليلته فذكر قصّة الغار، وأما يومه فذكر الردّة. وثبت عن عليّ بن أبي طالب -﵁- كما في «صحيح البخاريّ» وغيره أنه قال: «خير الناس بعد رسول الله -ﷺ- أبو بكر، ثم عمر، ثم رجل آخر، فقال له ابنه محمد ابن الحنفية: ثم أنت يا أبة؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين»، ولأجل هذا قال أبو الأزهر: سمعت عبد الرزاق يقول: أُفَضِّل الشيخين بتفضيل عليّ إياهما على نفسه، ولو لم يفضّلهما ما فضّلتهما، كَفَى بي إزراءً أن أُحبّ عليًّا، ثم أخالف قوله. ولا يَخدِش في ذلك ما أخرجه الترمذيّ، وقال: إنه حسن صحيح، وصححه ابن حبان وغيره، من حديث أبي قلابة، عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أُبَيّ، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل». وكذا ما أخرجه الترمذيّ أيضًا، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم، من حديث حُبْشيّ بن جُنادة -﵁- مرفوعًا: «عليّ مني، وأنا من عليّ، لا يؤدي عني إلا أنا، أو عليّ». لأن ما انفرد به الصديق -﵁- أعلى، وأغلى، وأشمل، وأكمل، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله تعالى أعلم. ثم يلي الخلفاء الأربعةَ المذكورين في الفضل الستةُ الباقون من العشرة الذين بشّرهم النبيّ -ﷺ- بالجنة، وهم: طلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ أجمعين، وقد نظمهم الحافظ مع الأربعة، فقال [من الطويل]: لَقَدْ بَشَّرَ الْهَادِي مِنَ الصَّحْبِ زُمْرَةً … بِجَنَّاتِ عَدْنٍ كُلُّهُمْ فَضْلُهُ اشْتَهَرْ سَعِيدٌ زُبَيْرٌ سَعْدٌ طَلْحَةٌ عَامِر … أَبُو بَكْرٍ عُثْمَانُ بْنُ عَوْفٍ علي عمر وقال غيره [من الطويل]: خِيَارُ عِبَادِ اللهِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ … هُمُ الْعَشْرُ طُرًّا بُشِّرُوا بِجِنَانِ زُبَيْرٌ وَطَلْحَ وَابْنُ عَوْفٍ وَعَامِرٌ … وَسَعْدَانِ وَالصِّهْرَانِ وَالْخَتَنَانِ وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر التميميّ البغداديّ: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة. ثم أهل بدر، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، فالمهاجرون نيّف على ستين، والأنصار نيف وأربعون ومائتان، فقد قال -ﷺ- لعمر في بعض من شهدها: «أليس من أهل بدر؟ لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرت لكم، فدَمَعت عينا عمر». قال العلماء: والترجي في كلام الله تعالى وكلام رسوله -ﷺ- للوقوع، ويتأيد بوقوعه بالجزم في بعض الروايات: «إن الله اطّلع على أهل بدر فقال. . .» وذكره، وفي حديث آخر: «لن يدخل النار أحد شهد بدرًا» . ثم أهل أُحُد، وكانوا فيما قاله عروة حين خروجهم ألفًا، فرجع عبد الله بن أُبَيّ بثلاثمائة، وبقي مع النبيّ -ﷺ- سبعمائة، استُشهد منهم الكثير. ثم أهل بيعة الرضوان التي نزل فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨]. وقد قال ابن عبد البرّ في أواخر خطبة «الاستيعاب»: وليس في غزواته ما يَعْدِل بها؛ يعني: بدرًا في الفضل، ويَقْرُب منها إلا غزوة الحديبية، حيث كانت بيعة الرضوان، وكانوا ألفًا وأربعمائة
مصادر المؤلف (١٨٥)

١. «الفتح»٦/ ٤٥٥.

٢. «فيض القدير على الجامع الصغير» ٥/ ٤٢٦.

٣. وفي نسخة: «لاتّخذت».

٤. «سُنن ابن ماجه»١/ ٥٥.

٥. «عمدة القاري»٢/ ١٨٩.

٦. «عمدة القاري» ٢/ ١٨٩.

٧. «المفهم» ٦/ ١٩٣.

٨. «عمدة القاري» ٢/ ١٩٠.

٩. «الفتح» ١/ ٣٨١.

١٠. «عمدة القاري» ٢/ ١٩٣.

١١. «عمدة القاري» ٢/ ١٩٣.

١٢. «المفهم» ٦/ ١٩٣.

١٣. «عمدة القاري» ٢/ ١٩٣.

١٤. «الفتح» ١/ ٣٨١.

١٥. «الفتح» ١/ ٣٨١.

١٦. «عمدة القاري» ٢/ ٥٩.

١٧. «تنبيه المعلم» ص ٤٠٣.

١٨. «عمدة القاري» ٢/ ١٩٣.

١٩. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩١.

٢٠. «المفهم» ٦/ ١٩٤ - ١٩٥.

٢١. «الفروة» -بفتح، فسكون- الأرض التي ليس بها نبات.

٢٢. بفتح الهمزة.

٢٣. «المفهم» ٦/ ١٩٥.

٢٤. «عمدة القاري» ٢/ ٥٩.

٢٥. «الصحاح» ص ٢٤٩.

٢٦. «المفهم» ٦/ ١٩٦.

٢٧. هذا باطلٌ؛ يُبطله قوله في الآية: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ الآية، وغير ذلك، فتنبّه.

٢٨. «الفتح» ١/ ٣٨٢، كتاب «العلم» رقم (١٢٢).

٢٩. «عمدة القاري» ٢/ ١٨٩.

٣٠. «النهاية» ص ١٥٠.

٣١. «المصباح المنير» ١/ ٩٧.

٣٢. «القاموس المحيط» ص ٨١٩.

٣٣. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ١٢.

٣٤. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ١٤ - ١٥.

٣٥. «الفتح» ١/ ٣٨٢ - ٣٨٣.

٣٦. «المفهم» ٦/ ١٩٧.

٣٧. «المفهم» ٦/ ١٩٧.

٣٨. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ١٣.

٣٩. «المفهم» ٦/ ١٩٧.

٤٠. «المفهم» ٦/ ١٩٨.

٤١. «المفهم» ٦/ ١٩٨.

٤٢. «المفهم» ٦/ ١٩٨.

٤٣. «عمدة القاري» ٢/ ١٩٢ بتصرّف يسير.

٤٤. «الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون» ٧/ ٥٢٤.

٤٥. «المفهم» ٦/ ١٩٩.

٤٦. «الفتح» ١/ ٣٨٣.

٤٧. «المفهم» ٦/ ١٩٩ - ٢٠٠.

٤٨. «المفهم» ٦/ ٢٠٠.

٤٩. «المفهم» ٦/ ٢٠١ - ٢٠٢.

٥٠. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ١٧.

٥١. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ١٧.

٥٢. «المفهم» ٦/ ٢٠٢.

٥٣. «المفهم»٦/ ٢٠٢.

٥٤. «المفهم» ٦/ ٢٠٣.

٥٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٨.

٥٦. «شرح الأبيّ» ٦/ ١٧٦ - ١٧٧.

٥٧. «المفهم» ٦/ ٢٠٤.

٥٨. «المفهم» ٦/ ٢٠٤.

٥٩. «المفهم» ٦/ ٢٠٤.

٦٠. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٢٠.

٦١. «المفهم» ٦/ ٢٠٥.

٦٢. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٢٢.

٦٣. «المفهم» ٦/ ٢٠٥.

٦٤. «المفهم» ٦/ ٢٠٦.

٦٥. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٢٢.

٦٦. هو: أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر تلميذ أبي العبّاس القرطبيّ صاحب «المفهم».

٦٧. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٢٢.

٦٨. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٢٢.

٦٩. «المفهم» ٦/ ٢٠٧.

٧٠. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٢٢.

٧١. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٢٢ - ٢٣.

٧٢. «المفهم» ٦/ ٢٠٨.

٧٣. «المفهم» ٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩.

٧٤. راجع: «التحفة المرضيّة» ص ٣٨ - ٣٩.

٧٥. وفي نسخة: «لاتّخذت».

٧٦. «الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون»٧/ ٥٣٥.

٧٧. «تفسير المحليّ»٣/ ٣٩ بنسخة«حاشية الجمل».

٧٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٣.

٧٩. «الفتح» ١/ ٣٨٣ - ٣٨٤.

٨٠. هو: الشيخ الهرريّ، راجع: «شرحه» ٢٣/ ٣٣٩.

٨١. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٣٦.

٨٢. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٣٦.

٨٣. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٨/ ٨٦.

٨٤. «المفهم» ٦/ ٢١١ - ٢١٢.

٨٥. «عمدة القاري» ٢/ ١٩٥.

٨٦. «عمدة القاري» ٢/ ١٩٦.

٨٧. راجع: «عمدة القاري» ٢/ ١٩٦.

٨٨. «عمدة القاري» ٢/ ١٩٦.

٨٩. «الفتح» ١/ ٣٨٤.

٩٠. راجع: «التحفة المرضية» ص ١٣٧ - ١٤٢.

٩١. زاد في عبارة القرطبي هنا قوله: المنزّه عن الحروف والأصوات، وهذا حذفته عمدًا؛ لأنه مخالف لمذهب السلف أن كلام الله تعالى بحرف وصوت؛ للأدلة الصحيحة على ذلك، وقد أشبعت الكلام على هذا في أوائل «المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة»، فراجعها تستفد.

٩٢. حديث صحيح.

٩٣. رواه مالك في«الموطأ»(٢/ ٨٩٩) بلاغًا، والحاكم في«المستدرك عن أبي هريرة -﵁- بسند حسن.

٩٤. «المفهم» ٦/ ٢١٦ - ٢١٩.

٩٥. «الفتح» ١/ ٣٨٤ - ٣٨٦، كتاب «العلم» رقم (١٢٢).

٩٦. «عمدة القاري» ٢/ ١٩٦.

٩٧. هكذا النسخة بلا عاطف، ولعله والبغويّ بالواو فليُحرّر.

٩٨. «الفتح» ٧/ ٧١٣ - ٧١٧، كتاب «أحاديث الأنبياء» رقم (٣٤٠١).

٩٩. «أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن» ٣/ ٣٩٧.

١٠٠. «أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن» ٣/ ٣٨٧.

١٠١. وفي نسخة:«لئام».

١٠٢. وفي نسخة:«لتخذت».

١٠٣. «الفتح» ١٠/ ٣٢١ - ٣٢٢، كتاب «التفسير» رقم (٤٧٢٦).

١٠٤. الحرّ: -بضم الحاء، وتشديد الراء المهملتين- وهو: صحابي مشهور ذكره ابن السكن وغيره، وله ذِكر عند البخاري أيضًا في قصة له مع عمر قال فيها: وكان الحر من النفر الذين يُدْنِيهم عمر؛ يعني: لِفَضْلهم.

١٠٥. راجع: «الفتح» ١/ ٢٩٧.

١٠٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٤٢.

١٠٧. «المصباح المنير» ١/ ١٥٥.

١٠٨. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٨.

١٠٩. «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ١٧٥٦.

١١٠. «الفتح» ١٠/ ٣٢٤، كتاب «التفسير» رقم (٤٧٢٦).

١١١. «تكملة فتح الملهم» ٥/ ٥١ - ٥٢.

١١٢. «الدرّ المصون في علوم كتاب الله المكنون» ٧/ ٥٢١.

١١٣. «الدرّ المصون في علوم كتاب الله المكنون» ٧/ ٥٢١.

١١٤. أي: ياء «نسي».

١١٥. «الدرّ المصون في علوم كتاب الله المكنون» ٧/ ٥٢٢ - ٥٢٣.

١١٦. راجع: «الدرّ المصون» ٧/ ٥٢٣.

١١٧. «الفتح» ١٠/ ٣٢٨.

١١٨. «المصباح المنير» ٢/ ٥١٢.

١١٩. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٤٣، و«التكملة» ٥/ ٥٢.

١٢٠. «الفتح» ١٠/ ٣٢٨.

١٢١. «الفتح» ١٠/ ٣٢٨.

١٢٢. رواه أحمد بإسناد حسن، والطبرانيّ، والحاكم.

١٢٣. «شرح النوويّ»١٥/ ١٤٣ - ١٤٤.

١٢٤. «الدرّ المصون»٧/ ٥٢٩.

١٢٥. «الفتح» ١٠/ ٣٣٢.

١٢٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٤٤.

١٢٧. «الفتح» ١٠/ ٣٣٢.

١٢٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٠٨.

١٢٩. «الدرّ المصون» ٧/ ٥٢٨.

١٣٠. «الدرّ المصون» ٧/ ٥٣٠.

١٣١. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٤٤.

١٣٢. «المفهم»٦/ ٢٠٦.

١٣٣. «المفهم»٦/ ٢٠٦.

١٣٤. يعني قوله: «يرحم الله موسى لوددنا لو صبر».

١٣٥. «الفتح» ١٠/ ٣٣٣.

١٣٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٦١.

١٣٧. «حاشية الجمل على الجلالين» ٣/ ٣٨.

١٣٨. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٤٥.

١٣٩. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٤٥ - ١٤٦.

١٤٠. «الدرّ المصون» ٧/ ٥٣٨.

١٤١. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٤٥ - ١٤٦.

١٤٢. «الدرّ المصون» ٧/ ٥٣٩.

١٤٣. «الفتح» ١٠/ ٣٣٦.

١٤٤. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٣٨.

١٤٥. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٣٨.

١٤٦. «تفسير القرطبيّ» ١١/ ٣٨.

١٤٧. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٤٦ - ١٤٧.

١٤٨. «السُّنن الكبرى» للنسائيّ ٦/ ٣٩١.

١٤٩. «سُنن أبي داود» ٤/ ٢٢٧.

١٥٠. المراد بأخي عاد هو: هود -﵇-؛ أي: صاحب عاد، كما قال الله -﷿-: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ الآية، وأما قوله: «أخي صالح» فأخي مضاف إلى ضمير النبيّ -ﷺ-، وصالح بدل منه، فليُتنبّه.

١٥١. «السُّنن الكبرى»للنسائيّ ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٩.

١٥٢. وفي نسخة:«فقال: إنّي سمعت».

١٥٣. وفي نسخة: «إذا فقدت».

١٥٤. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٢/ ٥٨.

١٥٥. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٤٢٩.

١٥٦. القائل صاحب «التاج»، فتنبّه.

١٥٧. «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ٢٧٧٠.

١٥٨. الفروة: الأرض البيضاء، ليس بها نبات. اهـ. «ق».

١٥٩. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٢٤٨.

١٦٠. «الفتح» ١/ ٢٩٧.

١٦١. «القاموس المحيط» ١/ ١٧١٦.

١٦٢. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ» ٣/ ٣٧.

١٦٣. «الفتح»١/ ٢٩٨.

١٦٤. وقد وُجد من ذلك عدد يسير؛ كعبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة -﵁- قبله -ﷺ-، تنصّر في الحبشة، ومات هناك؛ وكعبد الله بن خَطَل الذي قُتل وهو متعلّق بأستار الكعبة؛ وكربيعة بن أميّة بن خَلَف.«الإصابة»١/ ١٥٩.

١٦٥. «الإصابة في تمييز الصحابة» ١/ ١٥٨ - ١٥٩.

١٦٦. «الفتح» ٨/ ٣١٣٣١٥، كتاب «فضائل الصحابة -﵃-» رقم (٣٦٤٩).

١٦٧. «فتح المغيث» ٣/ ١٠٨.

١٦٨. «الكفاية في علم الرواية» ١/ ٤٦.

١٦٩. حديث موضوع، راجع: «الضعيفة» للشيخ الألبانيّ -﵀- ١/ ٧٨ - ٨٥.

١٧٠. رواه الترمذيّ، وابن حبّان، وفي سنده رجل مجهول، لكن المتن يشهد له ما بعده، فيتقوّى به.

١٧١. لم يَرْو مسلم لعبد الله بن بُسر إلا حديثًا واحدًا، وليس فيه ما يدلّ على المذكور، وأما الحديث الدالّ على المذكور، فأخرجه البخاريّ في «التاريخ الصغير» (١/ ١٨٦)، ولفظه أنه -ﷺ- قال له: «يعيش هذا الغلام قرنًا»، فعاش مائة سنة. انتهى. أفاده محقق «فتح المغيث» في ٤/ ٣٤.

١٧٢. «البرهان» ١/ ٦٣٢.

١٧٣. «الإحكام» ٥/ ٩٠.

١٧٤. أي: ابن عقبة أخو عثمان -﵁- لأمه.

١٧٥. أي حديث: «لا تسبّوا أصحابي. . .».

١٧٦. «صحيح البخاريّ» ١/ ٥٤.

١٧٧. «فتح المغيث» ٤/ ٤٤ - ٤٥.

١٧٨. «التقييد والإيضاح» ص ٣٠٦.

١٧٩. «الإصابة» ١/ ٤.

١٨٠. «الإصابة» ١/ ٣.

١٨١. «فتح المغيث» ٤/ ٥٠ - ٥٤.

١٨٢. هكذا قال السخاويّ، والذي في غيره أن المراد: أصحاب دار الندوة: هم الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور قريش في دار الندوة على عداوته -ﷺ-، فإن صحّ ما قاله السخاويّ، فهو المعتمَد، فتنبّه.

١٨٣. حديث ضعيف، أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» بإسنادين ضعيفين.

١٨٤. من باب ضرب.

١٨٥. راجع: «فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث» ٤/ ٥٥ - ٦٣.