HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٣١

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْبٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن المثنى وابن بشار. قالا: حدثنا محمد بْنُ جَعْفَرٍ. جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ. ح وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ معاذ العنبري (واللفظ له). حدثنا أبي. حدثنا شعبة عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ. وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ. وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص132
ج ٤ ص ١٨٨٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص١٥
الجنّ، وقال السبكي الكبير: لم يصح عندي في هذه المسألة شيء، ونقله السهيليّ في آخر «الروض» عن أكثر الفقهاء، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: إني أتعجّب من الاختلاف المذكور -أعني: في نبوّة مريم، وغيرها من النساء- فإنهم إن أرادوا بالوحي إرسال الله تعالى الملَك إليهنّ، فهذا مما لا مجال للاختلاف فيه؛ لظواهر النصوص؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وقوله -﷿-: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧]، واضح في ذلَك، وقوله -﷿-: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] إلى أن قال: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ [هود: ٧٣]، وغير ذلك من الآيات، فإنها نصوص صريحة واضحة إلى هؤلاء النساء. وإن أرادوا بالنبوّة: النبوّة بإرشاد الخلق، وهدايتهم، فهذا مما لا يدلّ عليه نصّ الكتاب والسُّنَّة، فلا ينبغي أن يُختلف فيه. والحاصل: أن وحي الله -﷿- إلى بعض النساء ببعض الأمور التكلفيّة، أو بالبشارة، ونحو ذلك مما لا يُتوقّف في صحته، فمن هذه الجهة القول بنبوّة بعضهنّ صحيح، وأما الوحي بما يتعلّق بإرشاد الناس، وقيادتهم بالشريعة، فهذا غير ثابت، فلا يصحّ القول به؛ لأنه مما لم يُنزل به الله تعالى من سلطان، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٥٢] (٢٤٣١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ -بفتح الجيم والميم- المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلس، ورُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) وقيل: قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٥/ ٤٥٢. ٢ - (مُرَّةُ) بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ -بسكون الميم- أبو إسماعيل الكوفيّ هو الذي يقال له: مُرّة الطّيّب، ثقةٌ عابدٌ [٢] (٧٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٥. ٣ - (أَبُو مُوسَى) عبد بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير -﵁-، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة، وقد تقدّم قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ) قال في «الفتح»: مُرّة والد عمرو غير مُرَّة شيخه، وهو عمرو بن مرّة بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ -بفتح الجيم والميم- المرادي ثقة عابد، من صغار التابعين، وأما شيخه مرة فهو ابن شَرَاحيل مخضرمٌ، ثقةٌ عابدٌ أيضًا، من كبار التابعين، ويقال له: مرّة الطّيّب، ومرّة الخير. انتهى . (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (كَمَلَ) بتثليث الميم، قال الفيّوميّ -﵀-: كَمَلَ الشيءُ كُمُولًا، من باب قَعَدَ، والاسم الكَمَالُ، ويستعمل في الذوات، وفي الصفات، يقال: كَمَلَ: إذا تمّت أجزاؤه، وكَمَلَت محاسنه، وكَمَل الشهرُ؛ أي: كمل دوره، وتَكَامَلَ تَكَامُلًا، واكتَمَلَ اكتِمَالًا، وكَمَلَ من أبواب: قَرُب، وضَرَب، وتَعِبَ أيضًا، لغاتٌ، لكن باب تَعِبَ أردؤها. انتهى . (مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ) قال في «العمدة»: المراد من الكمال: التناهي في جميع فضائل الرجال . وقال القاضي عياض -﵀- في «المشارق»: كمل؛ أي: انتهى في الفضل نهاية التمام والكمال، دون نقص، وقيل: كمل في العقل؛ إذ قد وُصف النساء بنقص ذلك. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «كَمَل من الرجال كثير. . . إلخ» الكمال: هو التناهي والتمام، ويقال في ماضيه: «كَمُل» بفتح الميم، وضمها ، ويكمُل في مضارعه بالضم، وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق: إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء، ثم تليهم الأولياء؛ ويعني بهم: الصدّيقين والشهداء والصالحين. وإذا تقرر هذا، فقد قيل: إن الكمال المذكورد في الحديث يعني به: النبوة، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيَّتين، وقد قيل بذلك، والصحيح: أن مريم نبيَّة؛ لأنَّ الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملَك، كما أوحى إلى سائر النبيين، وأما آسية، فلم يَرِد ما يدلّ على نبوتها دلالة واضحة، بل على صدّيقيتها وفضيلتها، فلو صحَّت لها نبوّتها لَمَا كان في الحديث إشكال، فإنَّه يكون معناه: أن الأنبياء في الرجال كثير، وليس في النساء نبيّ إلا هاتين المرأتين، ومن عداهما من فضلاء النساء صدّيقات لا نبيَّات، وحينئذ يصحُّ أن تكونا أفضل نساء العالمين. والأَوْلى أن يقال: إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء، بل يندرج معه كمال الأولياء، فيكون معنى الحديث: إن نَوْعَي الكمال وُجد في الرجال كثيرًا، ولم يوجد منه في النساء المتقدِّمات على زمانه -ﷺ- أكمل من هاتين المرأتين، ولم يتعرض النبيّ -ﷺ- في هذا الحديث لأحد من نساء زمانه، إلا لعائشة خاصة، فإنَّه فضّلها على سائر النساء، ويُستثنى منهن الأربع المذكورات في الأحاديث المتقدِّمة، وهنَّ: مريم بنت عمران، وخديجة، وفاطمة، وآسية؛ فإنَّهن أفضل من عائشة، بدليل أحاديث الباب، وبهذا يصحُّ الجمع، ويرتفع التعارض إن شاء الله تعالى. انتهى . (وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ) قال في «الفتح»: استُدِلّ بهذا الحصر على أنهما نبيّتان؛ لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء، ثم الأولياء، والصديقون، والشهداء، فلو كانتا غير نبيّتين لَلَزم ألا يكون في النساء وليّة، ولا صدّيقة، ولا شهيدة، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهنّ موجودة، فكأنه قال: ولم ينبّأ من النساء إلا فلانة وفلانة، ولو قال: لم تثبت صفة الصدّيقية، أو الولاية، أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح؛ لوجود ذلك في غيرهنّ، إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الأنبياء، فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك، والله أعلم. وعلى هذا فالمراد مَنْ تقدَّم زمانه -ﷺ-، ولم يتعرض لأحد من نساء زمانه إلا لعائشة، وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة -﵂- على غيرها؛ لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لِمَا فيه من تيسير المؤنة، وسهولة الإساغة، وكان أجلّ أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة، فقد يكون مفضولًا بالنسبة لغيره من جهات أخرى. [تنبيه]: إنما أورد مسلم هذا الحديث في ترجمة خديجة -﵂-، وإن لم يكن فيه ذِكرها، إشارة إلى ما ورد من زيادتها في بعض الروايات ، فقد ورد في هذا الحديث من الزيادة بعد قوله: «ومريم ابنة عمران»: «وخديجة بنت خُويلد، وفاطمة بنت محمد»، أخرجه الطبرانيّ عن يوسف بن يعقوب القاضي، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة بالسند المذكور هنا، وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» في ترجمة عمرو بن مرة أحد رواته عند الطبرانيّ بهذا الإسناد، وأخرجه الثعلبي في «تفسيره» من طريق عمرو بن مرزوق به، وقد ورد من طريق صحيح ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة على غيرهما، وذلك فيما سبق في قصة مريم من حديث عليّ -﵁- بلفظ: «خير نسائها خديجة». وجاء في طريق أخرى ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة، وذلك فيما أخرجه ابن حبان، وأحمد، وأبو يعلى، والطبرانيّ، وأبو داود، في «كتاب الزهد»، والحاكم كلهم من طريق موسى بن عقبة، عن غريب، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون»، وله شاهد من حديث أبي هريرة -﵁- في «الأوسط» للطبرانيّ، ولأحمد في حديث أبي سعيد -﵁-، رفعه: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم بنت عمران»، وإسناده حسن، فإن ثَبَت ففيه حجة لمن قال: إن آسية امرأة فرعون ليست نبيّة، وأخرج البخاريّ في مناقب فاطمة -﵂- قوله -ﷺ- لها: «إنها سيدة نساء أهل الجنة». قال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيةٌ؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملَك، وأما آسية فلم يَرِد ما يدل على نبوّتها، وقال الكرمانيّ: لا يلزم من لَفْظ الكمال ثبوت نبوتها؛ لأنه يُطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد: بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، قال: وقد نُقل الإجماع على عدم نبوّة النساء، كذا قال، وقد نُقل عن الأشعريّ أن من النساء من نُبّئ، وهنّ ست: حواء، وسارة، وأم موسى، وهاجر، وآسية، ومريم، والضابط عنده أن من جاءه الملَك عن الله بحكم من أمر، أو نهي، أو بإعلام، فهو نبيّ، وقد ثبت مجيء الملَك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك من عند الله -﷿-، ووقع التصريح بالإيحاء لبعضهنّ في القرآن. وذكر ابن حزم في «الملل والنحل» أن هذه المسألة لم يحدث التنازع فيها إلا في عصره بقرطبة، وحكى عنهم أقوالًا، ثالثها الوقف، قال: وحجة المانعين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ الآية [يوسف: ١٠٩] قال: وهذا لا حجة فيه، فإن أحدًا لم يدّع فيهنّ الرسالة، وإنما الكلام في النبوة فقط، قال: وأصرح ما ورد في ذلك قصة مريم، وفي قصة أم موسى ما يدلّ على ثبوت ذلك لها، من مبادرتها بإلقاء ولدها في البحر بمجرد الوحي إليها بذلك، قال: وقد قال الله تعالى بعد أن ذَكر مريم والأنبياء بعدها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [مريم: ٥٨]، فدخلت في عمومه والله أعلم. ومن فضائل آسية امرأة فرعون: أنها اختارت القتل على المُلْك، والعذاب في الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، وكانت فراستها في موسى -﵇- صادقة حين قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ [القصص: ٩] . (وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ) -﵂- (عَلَى النِّسَاءِ) الظاهر أنه أراد نساء النبيّ -ﷺ-، قال في «الفتح»: هذا لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وقد أشار ابن حبان إلى أن أفضليتها التي يدل عليها هذا الحديث وغيره مقيّدة بنساء النبيّ -ﷺ- حتى لا يدخل فيها مثل فاطمة -﵍- جمعًا بين هذا الحديث، وبين حديث: «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة. . .» الحديث، وقد أخرجه الحاكم بهذا اللفظ، من حديث ابن عباس، وكذلك حديث عليّ -﵁- مرفوعًا: «خير نسائها خديجة» ، وقد تقدّم. (كفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ») الثريد: الخبز الْمُفَتَّت في المرق وغيره، وهو طعام سريع الهضم، كثير النفع، كما أن الصدّيقة -﵂- كثيرة النفع للأمة بحسب العلم والفتيا . وقال في«العمدة»: هو مِن ثردت الخبز ثردًا: إذا كسرته فهو ثريد، ومثرود، والاسم: الثُّردة بالضم، والثريد غالبًا لا يكون إلا باللحم، وقال ابن الأثير: قيل: لم يُرِدْ عين الثريد، وإنما أراد الطعام المتخذ من اللحم والثريد معًا؛ لأن الثريد غالبًا لا يكون إلا من اللحم، والعرب قلّما تجد طبيخًا، ولا سيّما بلحم . وقال القرطبي -﵀-: وإنما كان الثريد أفضل الأطعمة ليسارة مؤنته، وسهولة إساغته، وعظيم بركته؛ ولأنه كان جلَّ أطعمتهم، وألذَّها بالنسبة لهم ولعوائدهم، وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل، وذلك بحسب العوائد في الأطعمة، والله تعالى أعلم. انتهى . وقوله: (عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»)؛ أي: باقيه، قال ابن الأثير -﵀-: والسائر مهموزًا: الباقي، والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح، وقد تكررت في هذه اللفظة، في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قوله:«كفضل الثريد على سائر الطعام» قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق، فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه، والمراد بالفضيلة: نَفْعه، والشِّبَع منه، وسهولة مساغه، والالتذاذ به، وتيسر تناوله، وتمكّن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة، وغير ذلك، فهو أفضل من المرق كله، ومن سائر الأطعمة، وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة، وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية؛ لاحتمال أن المراد: تفضيلها على نساء هذه الأمة. انتهى . وقال الطيبيّ -﵀-: لم يعطف عائشة -﵂- على آسية، لكن أبرز الكلام في صورة جملة مستقلّة؛ تنبيهًا على اختصاصها بما امتازت به على سائرهنّ، ونحوُهُ في الأسلوب قوله -ﷺ-: «حُبّب إليّ من الدنيا: الطيب، والنساء، وجُعلت قرّة عيني في الصلاة» . وقال التوربشتيّ -﵀-: قيل: إنما مثّل الثريد؛ لأنه أفضل طعام العرب، ولا يَرَوْن في الشبع أغنى غناءً منه، وقيل: إنهم كانوا يحمدون الثريد فيما طُبخ بلحم، ورُوي: «سيد الطعام اللحم»، فكأنها فُضّلت على النساء كفضل اللحم على سائر الأطعمة، والسر فيه: أن الثريد مع اللحم جامع بين الغذاء، واللذة، والقوّة، وسهولة التناول، وقلة المؤونة في المضغ، وسرعة المرور في المريء، فضَرب به مَثَلًا؛ ليؤذِن بأنها أُعطيت مع حسن الْخَلْق والْخُلُق، وحلاوة النطق فصاحةَ اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأي، ورصانة العقل، والتحبب إلى البعل، فهي تصلح للتبعل، والتحدث، والاستئناس بها، والإصغاء إليها، وحسبك أنها عَقَلت عن النبيّ -ﷺ- ما لم يعقل غيرها من النساء، وروت ما لم يرو مثلها من الرجال. ومما يدل على أن الثريد أشهى الأطعمة عندهم، وألذّها قول الشاعر [من الوافر]: إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأَدِمُهُ بِلَحْمٍ … فَذَاكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٦٢٥٢] (٢٤٣١)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٤١١ و٣٤٣٣) و«الفضائل» (٣٧٦٩ و٣٧٧٠) و«الأطعمة» (٥٤١٨ و٥٤١٩)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٨٨٧)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٧/ ٦٨) و«فضائل الصحابة» (٢٤٨ و٢٧٥)، و(ابن ماجه) في «الأطعمة» (٣٢٨٠ و٣٢٨١)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٦٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٣٧٩ و٣٨٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٩٤ و٤٠٩)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٤٨٦)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ١٩٨)، و(الطبرانيّ) في
مصادر المؤلف (١٨)

١. «الفتح» ٨/ ٥٤.

٢. «الفتح» ٨/ ١٤، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٤١١).

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٤١.

٤. «عمدة القاري» ١٥/ ٣٠٩.

٥. «مشارق الأنوار» ١/ ٣٤٢.

٦. تقدّم أنه مثلّث الميم، فلا تنس، وبالله تعالى التوفيق.

٧. «المفهم» ٦/ ٣٣١ - ٣٣٢.

٨. فلا حاجة لِمَا قاله بعض الشرّاح من استبعاده ذِكْره هنا. راجع: «شرح الشيخ الهرريّ» ٢٣/ ٥٢٨.

٩. «الفتح»٨/ ١٦، كتاب«الأنبياء»رقم (٣٤١١).

١٠. «الفتح»٨/ ٤٧٨، رقم (٣٧٦٩).

١١. «شرح سنن ابن ماجه» ١/ ٢٣٦.

١٢. «عمدة القاري» ١٥/ ٣٠٩.

١٣. «المفهم» ٦/ ٣٣٢.

١٤. «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ٣٢٧.

١٥. «شرح النوويّ» ٥/ ١٩٩.

١٦. حديث صحيح، أخرجه أحمد، والنسائيّ، والحاكم.

١٧. من باب ضرب.

١٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٣٦٢١ - ٣٦٢٢.