HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٣٢

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ. فقال: يا رسول الله! هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ. مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ. فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا ﷿. وَمِنِّي. وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ. لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ. وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: ومني.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص68
ج ٤ ص ١٨٨٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٢٣
«الكبير» (٢٣/ ١٠٩ و١١٠ و١١١ و١١٢) وفي «الصغير» (٢٦٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٦٧٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧١١٣ و٧١١٤ و٧١١٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٩٦٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن نوع الذكر أفضل من نوع الأنثى، حيث كمل منهم كثير، ولم يكمل منهن إلا قليل. ٢ - (ومنها): بيان فضل مريم، وآسية -﵉-. ٣ - (ومنها): بيان فضل عائشة -﵂- على النساء حيث شُبّهت بأفضل الطعام، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٦٢٥٣] (٢٤٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ، قَدْ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ، أَو شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا -﷿-؛ وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ في رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: وَمِنِّي). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فضيل بن غَزْوان تقدّم قريبًا. ٢ - (عُمَارَةُ) بن القعقاع بن شُبْرمة -بضم الشين المعجمة، والراء، بينهما موحّدة ساكنة- الضَّبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ أرسل عن ابن مسعود [٦] (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٨. ٣ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله الْبَجَليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٦. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب، و«ابن نمير» هو: محمد بن عبد الله بن نمير. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) الْبَجَليّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: أتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ -ﷺ-) في رواية سعيد بن كثير عند الطبرانيّ أن ذلك كان بحراء. [تنبيه]: قال النوويّ -﵀-: هذا الحديث من مراسيل الصحابة، وهو حجة عند الجماهير، كما سبق، وخالف فيه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائينيّ؛ لأن أبا هريرة لم يدرك أيام خديجة -﵂-، فهو محمول على أنه سمعه من النبيّ -ﷺ-، أو من صحابيّ آخر، ولم يذكر أبو هريرة هنا سماعه من النبيّ -ﷺ-. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «لم يُدرك أيام خديجة» أراد به الإشارة المعروفة عند أهل الحديث، وهي أن كلّ من حكى قصّة، أو واقعة حضرها، فهو موصول، وكلّ من حكى قصّة، أو واقعة لم يحضرها فإنه منقطع، وذلك مثل ما هنا، فإن أبا هريرة -﵁- ما لقي النبيّ -ﷺ- إلا في المدينة عام خيبر، وقصّة خديجة -﵂- كانت في مكّة قبل الهجرة، وإلى هذا أشار السيوطيّ -﵀- في «ألفيّة الأثر» حيث قال: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ قِصَّةً رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ، قَدْ أَتَتْكَ)؛ أي: توجّهت إليك، وقوله: (مَعَهَا إِنَاءٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، وقوله: (فِيهِ إِدَامٌ) جملة في محلّ رفع صفة لـ «إناءٌ»، وقوله: (أَوْ طَعَامٌ، أَوْ شَرَابٌ) «أو» فيهما لكلِّ من الراوي، وفي رواية الإسماعيليّ: «فيه إدام، أو طعام، وشراب»، وفي رواية سعيد بن كثير المذكورة عند الطبرانيّ: «أنه كان حَيْسًا». (فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ)؛ أي: وصَلَت إليك، (فَاقْرَأْ) بوصل الهمزة؛ لأنه أمْر من الثلاثيّ، متعدّ إلى الثاني بـ «على»، يقال: قرأت السلام عليه، ولا يتعدّى إليه بنفسه، وإنما يتعدّى بالهمزة، فيقال: أقرأته السلامَ، قال الفيّوميّ -﵀-: وقرأت على زيد السلامَ أَقْرَؤُهُ عليه قِرَاءَةً، وإذا أمَرت منه قلت: اقْرَأْ ﵇، قال الأصمعيّ: وتَعْديته بنفسه خطأ، فلا يقال: اقْرَأْهُ السلامَ؛ لأنه بمعنى: اتْلُ عليه، وحكى ابن القطاع أنه يتعدى بنفسه رُباعيًّا، فيقال: فلانٌ يُقْرئك السلامَ. انتهى . (﵍ مِنْ رَبِّهَا -﷿-، وَمِنِّي) زاد الطبرانيّ في الرواية المذكورة: «فقالت: هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام»، وللنسائيّ من حديث أنس قال: «قال جبريل للنبيّ -ﷺ-: إن الله يُقرئ خديجةَ السلامَ -يعني: فأخبِرها- فقالت: إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام، ورحمة الله، وبركاته»، زاد ابن السنيّ من وجه آخر: «وعلى من سمع السلام، إلا الشيطان». قال العلماء : في هذه القصة دليل على وفور فقهها؛ لأنها لم تقل: وعليه السلام، كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد: السلام على الله، فنهاهم النبيّ -ﷺ-، وقال: «إن الله هو السلام، فقولوا: التحيات لله»، فعَرَفت خديجة؛ لصحة فهمها أن الله لا يُرَدّ ﵇، كما يردّ على المخلوقين؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، وهو أيضًا دعاء بالسلامة، وكلاهما لا يصلح أن يردّ به على الله، فكأنها قالت: كيف أقول: السلام عليكم، والسلام اسمه، ومنه يُطلب، ومنه يَحصل، فيستفاد منه أنه لا يليق بالله إلا الثناء عليه، فجَعَلت مكان ردّ السلام عليه الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق بالله، وما يليق بغيره، فقالت: «وعلى جبريل السلام»، ثم قالت: «وعليك السلام»، ويستفاد منه ردّ السلام على من أرسل السلام، وعلى من بلّغه، والذي يظهر أن جبريل كان حاضرًا عند جوابها، فردّت عليه، وعلى النبيّ -ﷺ- مرتين: مرةً بالتخصيص، ومرةً بالتعميم، ثم أخرجت الشيطان ممن سمع؛ لأنه لا يستحق الدعاء بذلك. قيل: إنما بلَّغها جبريل -﵇- من ربها بواسطة النبيّ -ﷺ- احترامًا للنبيّ -ﷺ-، وكذلك وقع له لمّا سَلَّم على عائشة لم يواجهها بالسلام، بل راسلها مع النبيّ -ﷺ-، وقد واجه مريم بالخطاب، فقيل: لأنها نبية، وقيل: لأنها لم يكن معها زوج يُحترم معه مخاطبتها. قال السهيليّ: استدلّ بهذه القصة أبو بكر بن داود على أن خديجة أفضل من عائشة؛ لأن عائشة سلّم عليها جبريل من قِبَل نفسه، وخديجة أبلغها السلام من ربها. وزعم ابن العربيّ أنه لا خلاف في أن خديجة أفضل من عائشة، وردّ بأن الخلاف ثابت قديمًا، وإن كان الراجح أفضلية خديجة بهذا، وبما تقدم، ومن صريح ما جاء في تفضيل خديجة ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه الحاكم، من حديث ابن عباس -﵄-، رفعه: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد». قال السبكيّ الكبير: لعائشة -﵂- من الفضائل ما لا يحصى، ولكن الذي نختاره، وندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، واستدلّ لفضل فاطمة بما تقدم في ترجمتها أنها سيدة نساء المؤمنين. قال الحافظ: وقال بعض من أدركناه: الذي يظهر أن الجمع بين الحديثين أَولى، وأن لا نفضّل إحداهما على الأخرى. وسئل السبكي: هل قال أحد: إن أحدًا من نساء النبيّ -ﷺ- غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة؟ فقال: قال به من لا يُعْتَدّ بقوله، وهو مَنْ فضّل نساء النبيّ -ﷺ- على جميع الصحابة -﵃-؛ لأنهن في درجته في الجنة، قال: وهو قول ساقط مردود. انتهى. قال الحافظ: وقائله هو أبو محمد بن حزم، وفساده ظاهر، قال السبكيّ: ونساء النبيّ -ﷺ- بعد خديجة وعائشة متساويات في الفضل، وهنّ أفضل النساء؛ لقول الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، ولا يستثنى من ذلك إلا من قيل: إنها نبيةٌ، كمريم، والله أعلم. ومما نبَّه عليه أنه وقع عند الطبرانيّ من رواية أبي يونس، عن عائشة؛ أنها وقع لها نظير ما وقع لخديجة من السلام والجواب، وهي رواية شاذّةٌ، والعلم عند الله تعالى. انتهى . (وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ) -بفتح القاف، والصاد المهملة، بعدها موحّدة- قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوّفة واسعة؛ كالقصر المنيف، وعند الطبرانيّ في «الأوسط» من طريق أخرى، عن ابن أبي أوفى: «يعني: قصب اللؤلؤ»، وعنده في «الكبير» من حديث أبي هريرة: «بيت من لؤلؤة مجوّفة»، وأصله في مسلم، وعنده في «الأوسط» من حديث فاطمة: «قالت: قلت: يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب، قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا، من القصب المنظوم بالدر، واللؤلؤ، والياقوت». وأما قوله: «ببيت»، فقال أبو بكر الإسكاف في «فوائد الأخبار»: المراد به بيت زائد على ما أَعدّ الله لها من ثواب عملها، ولهذا قال: «لا نصب فيه»؛ أي: لم تتعب بسببه. (لَا صَخَبَ فِيهِ) الصَّخَب -بفتح الصاد المهملة، والخاء المعجمة، بعدها موحّدة-: الصياح، والمنازعة برفع الصوت. (وَلَا نَصَبَ) -بفتح النون، والصاد المهملة، بعدها موحَّدة-: التَّعَب، وأغرب الداوديّ، فقال: الصخب: العيب، والنَّصَب: العِوَج، وهو تفسير لا تساعد عليه اللغة، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «ببيت من قصب» قال جمهور العلماء: المراد به: قصب اللؤلؤ المجوّف؛ كالقصر المنيف، وقيل: قصب من ذهب منظوم بالجوهر، قال أهل اللغة: القصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف، قالوا: ويقال لكل مجوَّف: قصب، وقد جاء في الحديث مفسَّرًا ببيت من لؤلؤة محياة، وفسّروه بمجوّفة، قال الخطابيّ وغيره: المراد بالبيت هنا: القصر. وأما الصخب: فبفتح الصاد، والخاء، وهو الصوت المختلط المرتفع. والنصب: المشقة والتعب، ويقال فيه: نُصْبٌ، بضم النون، وإسكان الصاد، وبفتحهما لغتان، حكاهما القاضي وغيره؛ كالْحُزْن والْحَزَن، والفتح أشهر وأفصح، وبه جاء القرآن، وقد نَصَب الرجل، بفتح النون، وكسر الصاد: إذا أعيا. انتهى . وقال عياض في «المشارق»: قوله: «ببيت من قصب» قد ذكر ابن وهب في روايته تفسيره في الحديث نفسه، قالت: «يا رسول الله ما بيت من قصب؟ قال: هو بيت من لؤلؤة مُجَبَّأَةٍ»، قال ابن وهب: أي: مجوّفة، ويروى: مجوَّبة بمعناه، قالوا: القصب هو اللؤلؤ المجوّف الواسع؛ كالقصر المنيف، قال الخليل: القصب ما كان من الجوهر مستطيلًا أجوف، ويؤيد تفسيرهم قوله في الحديث الآخر: «قباب اللؤلؤ»، وفي الآخر: «قصر من درة مجوّفة». انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «من قصب. . . إلخ» قال الهرويّ وغيره: القصب -هنا-: اللؤلؤ المجوَّف المستطيل، والبيت: هو القصر. قال: وهذا نحو قوله -ﷺ- في الحديث الآخر: «إن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوَّفة عرضها ستون ميلًا»، متّفقٌ عليه، وفي لفظ آخر: «من درَّة بيضاء طولها ستون ميلًا»، وسيأتي -إن شاء الله تعالى-. والصخب: اختلاط الأصوات، ويقال: بالسين والصاد، والنصب: التعب والمشقة. ويقال: نُصْبٌ، ونَصَبٌ؛ كحُزْن وحَزَن؛ أي: لا يصيبها ذلك؛ لأنَّ الجنة منزهة عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨]، وقيل: معناه: أن هذا البيت خالص لها، لا تُنازَع فيه، فيُصخب عليها فيه، وذلك من فضل الله تعالى عليها، لا بنصبها في العبادة، ولا اجتهادها في ذلك. انتهى . وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ)؛ يعني: ابن أبي شيبة، (فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: وَمِنِّي) غرض المصنّف -﵀- بهذا بيان اختلاف شيوخه الثلاثة، فقد اتّفق أبو كريب، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، فقالا في روايتهما: «عن أبي زرعة، قال: سمعت أبا هريرة -﵁-»، فصرّحا بالسماع، وزادا في الحديث قول جبريل: «ومني»؛ أي: بعد قوله: «فاقرأ ﵍ من ربّها -﷿-»، زادا: «ومنّي»، وخالفها أبو بكر بن أبي شيبة، فقال: «عن أبي هريرة»، ولم يذكر السماع، وأسقط لفظة: «ومنّي»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [١٢/ ٦٢٥٣] (٢٤٣٢)، و(البخاريّ) في «مناقب الأنصار» (٣٨٢٠) و«التوحيد» (٧٤٩٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٩٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣١) و«فضائل الصحابة» (١٥٨٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٠٠٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٣/ ١٠)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ١٨٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٩٥٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل خديجة أم المؤمنين -﵂-، حيث إن الله تعالى خصّها بإرسال السلام إليها، قال القرطبيّ -﵀-: وإبلاغ الملَك لها أن الله يقرأ ﵍؛ فضيلة عظيمة، وخصوصية شريفة، لم يُسمع بمثلها لمن ليس بنبيّ إلا لعائشة -﵂- على ما يأتي. انتهى . ٢ - (ومنها): ما قاله في «الفتح» نقلًا عن السهيليّ -﵀-: النكتة في قوله: «من قصب»، ولم يقل: من لؤلؤ: أن في لفظ القصب مناسبةً لكونها أَحرزت قصب السَّبْق بمبادرتها إلى الإيمان، دون غيرها، ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ هذا الحديث. انتهى. قال: وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها؛ إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن، ولم يَصْدُر منها ما يُغضبه قطّ، كما وقع لغيرها. ٣ - (ومنها): ما قاله السهيليّ -﵀- أيضًا: مناسبة نفي هاتين الصفتين -يعني: الصخب، والنصب- أنه -ﷺ- لمّا دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعًا، فلم تُحْوجه إلى رفع صوت، ولا منازعة، ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهوّنت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشّرها به ربها بالصفة المقابلة لِفعلها. انتهى . ٤ - (ومنها): ما نقله في «الفتح» عن السهيليّ أيضًا، قال: لِذِكر البيت معنى لطيف؛ لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث، ثم صارت ربة بيت في الإسلام، منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بُعِث النبيّ -ﷺ- بيت إسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها، قال: وجزاء الفعل يُذكر غالبًا بلفظه، وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت، دون لفظ القصر. انتهى. قال: وفي ذِكر البيت معنى آخر؛ لأن مرجع أهل بيت النبيّ -ﷺ- إليها؛ لِمَا ثبت في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] قالت أم سلمة: «لمّا نزلت دعا النبيّ -ﷺ- فاطمة، وعليًّا، والحسن، والحسين، فجلّلهم بكساء، فقال: اللَّهُمَّ هؤلاء أهل بيتي. . .» الحديث، أخرجه الترمذيّ، وغيره، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة؛ لأن الحَسَنَيْن من فاطمة، وفاطمة بنتها، وعليّ نشأ في بيت خديجة، وهو صغير، ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبويّ إلى خديجة دون غيرها . ٥ - (ومنها): ما قيل: يُستدلّ بهذا الحديث على فضل عائشة على خديجة -﵂-، وتُعُقّب بأن ذلك ليس بلازمٍ؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد من النساء في هذا الحديث نساء زمنها، وقال السبكيّ الكبير: الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، والخلاف شهير، ولكن الحقّ أحقّ أن يُتّبع، وقال ابن تيميّة: جهات الفضل بين خديجة وعائشَة متقاربة، وكأنه رأى
مصادر المؤلف (١١)

١. راجع: «شرحي للألفيّة المذكور» ١/ ١٨٨ - ١٨٩.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٢.

٣. راجع: «الفتح» ٨/ ٥٢٨ - ٥٢٩، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٢٠).

٤. «الفتح» ٨/ ٥٢٨، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٢٠).

٥. «الفتح» ٨/ ٥٢٧، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٢٠).

٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ٢٠٠ - ٢٠١.

٧. «مشارق الأنوار» ٢/ ١٨٧.

٨. «المفهم» ٦/ ٣١٦.

٩. «المفهم» ٦/ ٣١٦.

١٠. «الفتح» ٨/ ٥٢٧، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٢٠).

١١. «الفتح» ٨/ ٥٢٧، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٢٠).