HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٥٧

حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب. أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ سَرَّهُ أن يبسط عليه رزقه، أو ينسأ في أثره، فليصل رحمه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص8
ج ٤ ص ١٩٨٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٨٣
[٧٧٨] وقوله: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) فيه دليل أن صلة الرحم تزيد في الرزق والعمر، والله يفعل ما يشاء، لا رادَّ لمشيئته.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٣٠٥
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. و«الزهريّ» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها عبد الرزّاق في «مصنّفه»، فقال: (٢٠٢٣٨) - أخبرنا معمرٌ عن الزهريّ، عن محمد بن جُبير بن مُطعم، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يدخل الجنة قاطع». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٠٢] (٢٥٥٧) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَو يُنْسَأَ فِي أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [٥] (ت ٣ أو ١٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليّ، أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ، يُخطئ قليلًا، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح، وقيل: سنة ستين (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٣ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، خادم رسول الله - ﷺ -، خَدَمه عشر سنين، الصحابيّ المشهور، مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، والباقيان مدنيّان، وفيه أنس بن مالك -﵁- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) وفي الرواية التالية:»من أحبّ أن يُبْسَط له في رزقه«، وللترمذيّ، وحسَّنه عن أبي هريرة -﵁-:»إن صلة الرحم محبة في الأهل، مَثْراة في المال، مَنسأة في الأثر«، وعند أحمد بسند رجاله ثقات، عن عائشة -﵁- مرفوعًا:»صلة الرحم، وحُسْن الجوار، وحسن الخُلُق يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار«، وأخرج عبد الله بن أحمد في»زوائد المسند«، والبزار، وصححه الحاكم، من حديث عليّ نحو حديث الباب، قال:»ويدفع عنه ميتة السوء«، ولأبي يعلى من حديث أنس، رفعه:»إن الصدقة، وصِلَة الرحم يزيد الله بهما في العمر، ويدفع بهما ميتة السوء«، فجَمَع الأمرين، لكن سنده ضعيف، وأخرج البخاريّ في»الأدب المفرد«من حديث ابن عمر -﵄ - بلفظ:»من اتّقى ربه، ووصَل رَحِمَه، نُسِّئ له في عمره، وثُرِّي ماله، وأحبه أهله«. (أَو يُنْسَأَ) - بضم أوله، وسكون النون، بعدها مهملة، ثم همزة، مبنيًّا للمفعول -: أي: يؤخَّر (فِي أَثَرِهِ) -بفتحتين -: أي: في أجله، وسُمّي الأجل أثرًا؛ لأنه يتبع العمر، قال زهير [من البسيط]: يَسْعَى الْفَتَى لأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا … وَالنَّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالْهَمُّ مُنْتَشِرُ وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ … لَا يَنْقَضِي الْعُمْرُ حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ وأصله مِن أَثَر مَشْيِهِ في الأرض، فإن من مات لا يبقى له حركة، فلا يبقى لقدمه في الأرض أثر. وقال النوويّ ﵀:«ينسأ»مهموز: أي: يؤخر، والأثر: الأجل؛ لأنه تابع للحياة في أثرها، وبَسْط الرزق: توسيعه، وكثرته، وقيل: البركة فيه . (فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ») قال ابن التين ﵀: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، والجمع بينهما من وجهين: أحدهما: أن هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر، بسبب التوفيق إلى الطاعة، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، ومثل هذا ما جاء أن النبيّ - ﷺ - تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر. وحاصله أن صلة الرحم تكون سببًا للتوفيق للطاعة، والصيانة عن المعصية، فيبقى بعده الذِّكر الجميل، فكأنه لم يمت. ومن جملة ما يحصل له من التوفيق: العلمُ الذي يُنتفع به مِن بعده، والصدقة الجارية عليه، والخَلَف الصالح. ثانيهما: أن الزيادة على حقيقتها، وذلك بالنسبة إلى علم الملَك الموكل بالعمر، وأما الأول الذي دلّت عليه الآية، فبالنسبة إلى علم الله تعالى، كأن يقال للملَك مثلًا: إن عمر فلان مائة مثلًا إن وَصَل رَحِمه، وستون إن قطعها، وقد سبق في علم الله تعالى أنه يَصِل، أو يَقطع، فالذي في علم الله لا يتقدّم، ولا يتأخر، والذي في علم المَلَك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]، فالمحو والإثبات بالنسبة لِمَا في علم المَلَك، وما في أم الكتاب هو الذي في عِلم الله تعالى، فلا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء المبرَم، ويقال للأول: القضاء المعلَّق، والوجه الأول ألْيَق بلفظ حديث الباب، فإن الأثر ما يتبع الشيء، فإذا أُخّر حَسُن أن يُحْمَل على الذِّكر الحَسَن بعد فَقْد المذكور. وقال الطيبيّ: الوجه الأول أظهر، وإليه يشير كلام صاحب «الفائق» قال: ويجوز أن يكون المعنى أن الله يُبقي أثر واصل الرحم في الدنيا طويلًا، فلا يضمحلّ سريعًا، كما يضمحلّ أثر قاطع الرحم، ولَمّا أنشد أبو تمّام قوله في بعض المراثي [من الطويل]: تُوُفِّيَتِ الآمَالُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ … وَأَصْبَحَ فِي شُغْلٍ عَنِ السَّفَرِ السَّفْرُ قال له أبو دُلَف: لم يمت من قيل فيه هذا الشعر. ومن هذه المادّة قول الخليل ﵀: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤]. وقد ورد في تفسيره وجه ثالث، فأخرج الطبرانيّ في «الصغير» بسند ضعيف، عن أبي الدرداء -﵁- قال: ذُكِر عند رسول الله - ﷺ - من وَصَل رَحِمه أُنسئ له في أجله، فقال: «إنه ليس زيادة في عمره، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٣٤]، ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة، يَدْعُون له من بعده»، وله في «الكبير» من حديث أبي مشجعة الجهنيّ، رفعه: «إن الله لا يؤخِّر نَفْسًا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر ذرية صالحة. . .» الحديث. وجزم ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البرّ في فَهْمه، وعقله، وقال غيره: في أعمّ من ذلك، وفي وجود البركة في رزقه، وعِلمه، ونحو ذلك، ذكر ذلك كلّه في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ عندي قول من قال: إن الزيادة في الأجل، والرزق زيادة حقيقيّة على ظاهرها؛ لظاهر النصّ، ولأدلّة أخرى، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى -. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٥٠٢ و٦٥٠٣] (٢٥٥٧)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٠٦٧) و«الأدب» (٥٩٨٦) وفي «الأدب المفرد» (٥٦)، و(أبو داود) في «الزكاة» (١٦٩٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٥٦ و٢٢٩ و٢٦٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٣٨ و٤٣٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢٧) وفي «شُعَب الإيمان» (٦/ ٢١٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٤٢٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل صلة الرحم. ٢ - (ومنها): بيان بَسْط الرزق، وطول العمر بسبب صلة الرحم. ٣ - (ومنها): بيان أن الرزق والأجل يزاد فيهما بصلة الرحم، وقد قدّمت أن الصحيح كون الزيادة حقيقةً، لا مجازًا، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): بيان أن فعل الخير، كصلة الرحم، ونحوها سبب الفلاح في الدنيا والآخرة، قال الله ﷿: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف العلماء في معنى زيادة العمر ونقصانه: (اعلم): أنه كتب العلامة الشوكانيّ ﵀ في هذا الموضوع رسالة نافعة جدًّا، أحببت إيرادها هنا؛ تتميمًا للفوائد، وتكميلًا للعوائد، قال ﵀: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين، وعلى آله وصحبه الأطهرين. (اعلم): أنه قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي من التعارض بين هذه الآيات الشريفة، وهي قوله ﷿: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، فقد قيل: إنها معارضة لقوله ﷿: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]، وقوله ﷾: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقوله ﷾: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]. فذهب الجمهور إلى أن العمر لا يزيد ولا ينقص؛ استدلالًا بالآيات المتقدّمة، وبالأحاديث الصحيحة، كحديث ابن مسعود -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن أحدكم يُجمع خَلْقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملَكًا، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقيّ، أو سعيد. . .» الحديث، وهو في «الصحيحين» وغيرهما، وما ورد في معناه من الأحاديث الصحيحة، وأجابوا عن قوله ﷿: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩] بأن المعنى: يمحو ما يشاء من الشرائع، والفرائض، فينسخه، ويبدله، ويُثبت ما يشاء، فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ في أمّ الكتاب. ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية بغير مخصّص. وأيضًا يقال لهم: إن القلم جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، كما في الأحاديث الصحيحة، ومن جملة ذلك الشرائع، والفرائض، فهي مثل العمر، إذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات. وقيل: المراد بالآية: محو ما في ديوان الحفَظَة ما ليس بحسنة ولا سيّئة؛ لأنهم مأمورون بكَتْب كل ما ينطق به الإنسان. ويجاب عنه بمِثل الجواب الأول. وقيل: يغفر الله ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء، فلا يغفر. ويجاب عنه بمثل الجواب السابق. وقيل: يمحو ما يشاء من القرون، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [يس: ٣١]، وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١)﴾ [المؤمنون: ٣١]، فيمحو قرنًا، ويُثبت قرنًا. ويجاب عنه أيضًا بمثل ما تقدّم. وقيل: هو الذي يعمل بطاعة الله، ثم يعمل بمعصية الله، ثم يتوب، فيمحوه الله من ديوان السيّئات، ويُثبته في ديوان الحسنات، وقيل: يمحو ما شاء؛ يعني: الدنيا، ويُثبت الآخرة، وقيل غير ذلك. وكلّ هذه الأجوبة دعاوى مجرّدة، ولا شكّ أن آية المحو والإثبات عامّة لكلّ ما يشاؤه الله ﷿، فلا يجوز تخصيصها إلا بمخصّص، وإلا كان ذلك من التقوّل على الله ﷿ بما لم يقُل، وقد توعّد الله ﷾ على ذلك، وقَرَنه بالشرك، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] بأن المراد بالمعمّر: الطويل العمر، والمراد بالناقص: قصير العمر. وفي هذا نظرٌ؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ يعود إلى قوله: ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾، والمعنى على هذا: وما يعمّر من معمّر، ولا ينقص من عمر ذلك المعمَّر إلا في كتاب، هذا ظاهر معنى النظم القرآنيّ، وأما التأويل المذكور فإنما يتمّ على إرجاع الضمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في الآية، وذلك لا وجود له في النظم. وقيل: إن معنى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾: ما يستقبله من عمره، ومعنى ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾: ما قد مضى، وهذا أيضًا خلاف الظاهر؛ لأن هذا ليس بنقص من نفس العمر، والنقص يقابل الزيادة، وما هنا جعله مقابلًا للبقيّة من العمر، وليس ذلك بصحيح. وقيل: المعنى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ من بلغ سنّ الهرم، ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾؛ أي: من عمر آخر غير هذا الذي بلغ سنّ الهرم عن عمر هذا الذي بلغ سنّ الهرم، ويجاب عنه بما تقدّم. وقيل: المعمّر من يبلغ عمره ستّين سنةً، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين، وقيل غير ذلك من التأويلات التي يردّها اللفظ، ويدفعها. وأجابوا عن قوله تعالى ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ بأن المراد بالأجل الأول: النوم، والثاني: الوفاة، وقيل: الأول: ما قد انقضى، من عمر كل أحد، والثاني: ما بقي من عمر كل أحد، وقيل: الأول: أجَلُ الموت، والثاني: أجل الحياة في الآخرة. وقيل: المراد بالأول: ما بين خلق الإنسان إلى موته، والثاني: ما بين موته إلى بعثه، وقيل غير ذلك مما فيه مخالفة للنظم القرآنيّ. وقال جمع من أهل العلم: إن العمر يزيد وينقص، واستدلّوا بالآية المتقدّمة، فإن المحو والإثبات عامّان يتناولان العمر والرزق، والسعادة والشقاوة، وغير ذلك. وقد ثبت عن جماعة من السلف من الصحابة، ومَنْ بعدهم أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: اللَّهُمَّ إن كنت كتبتني في أهل السعادة، فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني، وأثبتني في أهل السعادة. ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه، ونحو ذلك بما يُخصّص هذا العموم، وهكذا تدلّ على هذا المعنى الآية الثانية، فان معناها أنه لا يطول عمر إنسان، ولا ينقص إلا وهو في كتاب؛ أي: في اللوح المحفوظ، وهكذا يدلّ قوله ﷾: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أن للإنسان أجلين يقضي الله ﷾ له بما يشاء منهما من زيادة أو نقص، ويدلّ على ذلك أيضًا ما في «الصحيحين» وغيرهما عن جماعة من الصحابة، عن النبيّ - ﷺ - أن صلة الرحم تزيد في العمر، وفي لفظ في «الصحيحين»: «من أحبّ أن يُبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فَلْيَصِلْ رَحِمه»، وفي لفظ: «من أحبّ أن يمدّ الله في عمره، وأجله، ويبسط في رزقه، فليتّق الله، وليصل رحمه»، وفي لفظ: «صلة الرحم، وحسن الخُلُق، وحسن الجوار، يعمّران الديار، ويزيدان في الأعمار». ومن أعظم الأدلّة: ما ورد في الكتاب العزيز من الأمر للعباد بالدعاء، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. والأحاديث المشتملة على الأمر بالدعاء متواترة، وفيها: «إن الدعاء يدفع البلاء، ويردّ القضاء»، وفيها: «الدعاء مخّ العبادة» ، وفيها الاستعاذة من سوء القضاء، كما ثبت عنه - ﷺ - في «الصحيح» أنه قال: «اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وجهد البلاء، وشماتة الأعداء»، وثبت في حديث قنوت الوتر أنه - ﷺ - قال: «وَقِني شرّ ما قضيت»، فلو كان الدعاء لا يفيد شيئًا، وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق في القضاء الأزليّ لكان أمْره ﷿ بالدعاء لغوًا لا فائدة فيه، وكذلك وَعْده بالإجابة للعباد الداعين له، وهكذا يكون ما ثبت في الأحاديث المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء، وأنه عبادة لغوًا لا فائدة فيه، وهكذا تكون استعاذته - ﷺ - من سوء القضاء لغوًا لا فائدة فيه، وهكذا يكون قوله - ﷺ -: «وقني شرّ ما قضيت» لغوًا لا فائدة فيه، وهكذا يكون أمره - ﷺ - بالتداوي، وأن الله ﷾ ما أنزل داء إلا وجعل له دواء لغوًا لا فائدة فيه، مع ثبوت الأمر بالتداوي في الصحيح عنه - ﷺ -. [فإن قلت]: فعلام يُحمل ما تقدّم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدّم، ولا يتأخّر، ومن ذلك قوله ﷿: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؟. [قلت]: قد أجاب عن ذلك بعض السلف، وتَبعَه بعض الخلف بأن هذه الآية مختصّة بالأجل إذا حضر، فإنه لا يتقدّم، ولا يتأخَّر عند حضوره، ويؤيّد هذا أنها مقيّدة بذلك، فإنه قال: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وقوله ﷾: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فإذا حضر الأجل لا يتأخّر، ولا يتقدّم، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخّره الله بالدعاء، أو بصلة الرحم، أو بفعل الخير، ويجوز أن يقدّمه لمن عمل شرًّا، أو قَطَع ما أمر الله به أن يوصل، أو انتهك محارم الله ﷾. [فإن قلت]: فعلام يُحمل نحو قوله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢]، وقوله ﷾: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وكذلك سائر ما ورد في هذا المعنى؟. [قلت]: هذه أولًا معارضة بمثلها، وذلك قوله ﷿: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]، ومثل ذلك ما في الحديث الصحيح القدسيّ: «يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه». وثانيًا: بإمكان الجمع بحمل مثل قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، وقوله: ﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ على عدم التسبّب من العبد بأسباب الخير، من الدعاء، وسائر أفعال الخير، وحَمْل ما ورد فيما يخالف ذلك على وقوع التسبّب بأسباب الخير الموجبة لحسن القضاء، واندفاع شرّه، وعلى وقوع التسبّب بأسباب الشرّ المقتضية لإصابة المكروه، ووقوعه على العبد. وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة بسبق القضاء، وأنه فُرغ من تقدير الأجل، والرزق، والسعادة، والشقاوة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير، وكذلك الدعاء، فتُحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبّب العبد بأسباب الخير، أو الشرّ. وتُحمل الأحاديث الأخرى على أنه قد وقع من العبد التسبّب بأسباب الخير، من الدعاء، والعمل الصالح، وصلة الرحم، أو التسبّب بأسباب الشرّ. [فإن قلت]: قد تقرّر بالأدلّة من الكتاب والسُّنَّة بأن عمله ﷿ أزليّ، وأنه قد سبق في كل شيء، ولا يصحّ أن يقدّر وقوع غير ما قد علمه، وإلا انقلب العلم جهلًا، وذلك لا يجوز إجماعًا؟. [قلت]: عِلْمه ﷿ سابق أزليّ، وقد علم ما يكون قبل أن يكون، ولا خلاف بين أهل الحقّ من هذه الحيثيّة، ولكنه غلا قوم، فأبطلوا فائدة ما ثبت في الكتاب والسُّنَّة، من الإرشاد إلى الدعاء، وأنه يردّ القضاء، وما ورد من الاستعاذة منه - ﷺ - من سوء القضاء، وما ورد من أنه يُصاب العبد بذنبه، وبما كسبت يداه، ونحو ذلك، مما جاءت به الأدلّة الصحيحة ، وجعلوه مخالفًا لِسَبْق العلم، ورتّبوا عليه أنه يلزم انقلاب العلم جهلًا، والأمر أوسع من هذا، والذي جاءنا بسَبْق العلم وأزليّته هو الذي جاءنا بالأمر بالدعاء، والأمر بالدواء، وعرّفنا بأن صلة الرحم تزيد في العمر، وأن الأعمال الصالحة تزيد فيه أيضًا، وأن أعمال الشرّ تمحقه، وأن العبد يصاب بذنبه، كما يصل إلى الخير، ويندفع عنه الشرّ بكسب الخير والتلبّس بأسبابه. فإعمال بعض ما ورد في الكتاب والسُّنَّة، وإهمال البعض الآخر ليس كما ينبغي، فإن الكلّ ثابت عن الله ﷿، وعن رسوله - ﷺ -، والكل شريعة واضحة، وطريقة مستقيمة، والجمع ممكن بما لا إهمال فيه لشيء من الأدلّة. وبيانه أن الله ﷿ كما علم أن العبد يكون له من العمر كذا، أو الرزق كذا، أو هو من أهل السعادة، أو الشقاوة، قد علم أنه إذا وَصَل رَحِمه زاد له في الأجل كذا، أو بَسَط له من الرزق كذا، أو صار من أهل السعادة بعد أن كان من أهل الشقاوة، أو صار من أهل الشقاوة بعد أن كان من أهل السعادة، وهكذا قد علم ما يقضيه للعبد، كما علم أنه إذا دعاه، واستغاث به، والتجا إليه صرف عنه الشرّ، ودَفَع عنه المكروه، وليس في ذلك خلاف، ولا مخالفة لسبق العلم، بل فيه تقييد المسبَّبات بأسبابها، كما قدّر الشِّبَع، والريّ بالأكل، والشرب، وقدّر الولد بالوطء، وقدّر حصول الزرع بالبذر، فهل يقول عاقل بأن ربط هذه المسبّبات بأسبابها يقتضي خلاف العلم السابق، أو ينافيه بوجه من الوجوه؟. فلو قال قائل: أنا لا آكل، ولا أشرب، بل أنتظر القضاء، فإن قدّر الله لي ذلك كان، وإن لم يقدّر لم يكن، أو قال: أنا لا أزرع الزرع، ولا أغرس الشجر، بل أنتظر القضاء، فإن قدّر الله ذلك كان، وإن لم يقدّره لم يكن، أو قال: أنا لا أجامع زوجتي، أو أمَتي ليحصل لي منهما الذريّة، بل إن قدّر الله ذلك كان، وإن لم يقدّره لم يكن، لكان هذا مخالفًا لِمَا عليه رسُل الله، وما جاءت به كتبه وما كان عليه صلحاء الأمة، وعلماؤها، بل يكون مخالفًا لِمَا عليه هذا النوع الإنسانيّ من أبينا آدم إلى الآن، بل مخالفًا لِمَا عليه جميع أنواع الحيوانات في البرّ والبحر، فكيف يُنْكَر وصول العبد إلى الخير بدعائه، أو بعمله الصالح؟ فإن هذا من الأسباب التي ربط الله مسبّباتها بها، وعَلِمَها قبل أن تكون، فعِلْمه على كل تقدير أزليّ في المسبّبات والأسباب، ولا يشكّ من له اطلاع على كتاب الله ﷿ ما اشتمل عليه من ترتيب حصول المسبّبات على حصول أسبابها، كما في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وقوله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، وقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤]، وكم يعدّ العادّ من أمثال هذه الآيات القرآنيّة، وما ورد موردها من الأحاديث النبويّة، وهل ينكر هؤلاء الغلاة مثل هذا، ويجعلونه مخالفًا لسبق العلم، مباينًا لأزليّته؟، فإن قالوا: نعم، فقد أنكروا ما في كتاب الله ﷿ من فاتحته إلى خاتمته، وما في السُّنَّة المطهّرة من أولها إلى آخرها، بل أنكروا أحكام الدنيا والآخرة جميعًا؛ لأنها كلّها مسبّبات مترتبة على أسبابها، وجزاءات معلّقة بشروطها، ومن بلغ إلى هذا الحدّ في الغباوة، وعدم تعقّل الحجة لم يستحقّ المناظرة، ولا ينبغي معه الكلام فيما يتعلّق بالدِّين، بل ينبغي إلزامه بإهمال أسباب ما فيه صلاح معاشه، وأمر دنياه حتى ينتعش من غفلته، ويستيقظ من نومته، ويرجع عن ضلالته، وجهالته، والهداية بيد ذي الجلال والقوّة، لا خير إلا خيره. ثم يقال لهم: هذه الأدعية الثابتة عن رسول الله - ﷺ - في دواوين الإسلام، وما يلتحق بها من كتب السُّنَّة المطهّرة، فقد علم كل من له علم أنها كثيرة جدًّا بحيث لا يحيط بأكثرها إلا مؤلّف بسيط، ومصنّف حافل، وفيها استجلاب الخير، وفي أخرى استدفاع الشرّ، وتارة متعلّقة بأمور الدنيا، وتارة بأمور الآخرة، ومن ذلك تعليمه - ﷺ - لأمته ما يدعون به في صلواتهم، وعَقِب صلواتهم، وفي صباحهم ومسائهم، وفي ليلهم ونهارهم، وعند نزول الشدائد بهم، وعند حصول نِعَم الله لهم، هل كان كل هذا منه - ﷺ - لفائدة عائدة عليه، وعلى أمته بالخير جالبةً لِمَا فيه مصلحة، دافعةً لِمَا فيه مفسدة؟. فإن قالوا: نعم، قلنا لهم: فحينئذ لا خلاف بيننا وبينكم، فإن هذا الاعتراف يدفع عنا وعنكم معرّة الاختلاف، ويريحنا ويريحكم من التطويل بالكلام على ما أوردتموه، وأوردناه. وإن قالوا: ليس ذلك لفائدة عائدة عليه، وعلى أمته بالخير جالبة لِمَا فيه مصلحة، دافعة لِمَا فيه مفسدة، فهم أجهل من دوابّهم، وليس للمحاجّة لهم فائدة، ولا في المناظرة معهم نَفْع. يا عجبًا كل العجب أمَا بلغهم ما كان عليه أمر رسول الله - ﷺ - من أول نبوّته إلى أن قبضه الله إليه من الدعاء لربه، والإلحاح عليه، ورفع يديه عند الدعاء حتى يبدو بياض إبطيه، وحتى يسقط رداؤه، كما وقع منه في يوم بدر، فهل يقول عاقل فضلًا عن عالم: إن هذا الدعاء فعله رسول الله - ﷺوهو يعلم أنه لا فائدة فيه، وأنه قد سبق العلم بما هو كائن، وأن هذا السبق يرفع فائدة ذلك، ويقتضي عدم النفع به؟ ومعلوم أنه - ﷺ - أعلم بربّه، وبقضائه وقدره، وبأزليّته، وسَبْق عِلْمه بما يكون في بريّته، فلو كان الدعاء منه ومن أمته لا يفيد شيئًا، ولا ينفع نفعًا لم يفعله، ولا أرشد الناس إليه، وأمَرَهم به، فإن ذلك نوع من العَبَث الذي يتنزّه عنه كل عاقل فضلًا عن خير البشر، وسيّد ولد آدم - ﷺ -. ثم يقال لهم: إذا كان القضاء واقعًا لا محالة، وأنه لا يدفعه شيء من الدعاء، والالتجاء، والإلحاح، والاستغاثة، فكيف لم يتأدّب رسول الله - ﷺ - مع ربّه، فإنه قد صحّ عنه أنه استعاذ بالله ﷾ من سوء القضاء، كما عرّفناك، وقال: «وقني شرّ ما قضيت»، فكيف يقول هؤلاء الغلاة في الجواب عن هذا، أو على أيّ محمل يحملونه؟. ثم ليت شعري علام يحملون أمره ﷾ لعباده بدعائه بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ثم عقّب ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]؛ أي: عن دعائي، كما صرّح بذلك أئمة التفسير، فكيف يأمر عباده أولًا، ثم يجعل تركه استكبارًا منهم، ثم يرغّبهم إلى الدعاء، ويخبرهم أنه قريب من الداعي مجيب لدعوته بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، ثم يقول معنونًا لكلامه الكريم بحرف يدلّ على الاستفهام الإنكاريّ والتقريع والتوبيخ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، ثم يأمرهم بسؤاله من فضله بقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. فإن قالوا: إن هذا الدعاء الذي أمرنا الله به، وأرشدنا إليه، وجعل تَرْكه استكبارًا، وتوعّد عليه بدخول النار مع الذّلّ، ورغّب عباده إلى دعائه، وعرّفهم أنه قريب، وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وأنكر عليهم أن يعتقدوا أن غيره يجيب المضطرّ إذا دعاه، ويكشف ما نزل بهم من السوء، وأمرهم أن يسألوه من فضله، ويطلبوا ما عنده من الخير أن كل ذلك لا فائدة فيه للعبد، وأنه لا ينال إلا ما قد جرى به القضاء، وسَبَق به العلم، فقد نسبوا إلى الربّ ﷿ ما لا يجوز عليه، ولا يحلّ نسبته إليه، فإنه لا يأمر العبد إلا بما فيه فائدة يُعتدّ بها، ولا يرغّبه إلا إلى ما يحصل له به الخير، ولا يرهّبه إلا عما يكون به عليه الضير، ولا يَعِده إلا بما هو حقّ يترتّب عليه فائدة، فهو صادق الوعد، لا يخلف الميعاد، ولا يأمرهم بسؤاله من فضله إلا وهناك فائدة تحصل بالدعاء، ويكون بسببه التفضّل عليهم، ورَفْع ما هُمْ فيه من الضرّ، وكَشْف ما حلّ بهم من السوء، هذا معلوم لا يشكّ فيه إلا من يعقل حجج الله، ولا يفهم كلامه، ولا يدري بخير ولا شرّ، ولا نفع، ولا ضرّ، ومن بلغ به الجهل إلى هذه الغاية، فهو حقيق بأن لا يُخاطب، وقمين بأن لا يناظَر، فإن هذا المسكين المتخبّط في جهله المتقلّب في ضلالته قد وقع فيما هو أعظم خطرًا من هذا، وأكثر ضررًا منه، وذلك بأن يقال له: إذا كان دعاء الكفّار إلى الإسلام، ومقاتلتهم على الكفر، وغزوهم إلى عُقر ديارهم لا يأتي بفائدة، ولا يعود على القائمين به من الرسل، وأتباعهم، وسائر المجاهدين من العباد بفائدة، وأنه ليس هناك إلا ما سَبَق من علم الله ﷿، وأنه سيدخل في الإسلام، ويهتدي إلى الدين من قد علم الله ﷾ منه ذلك، سواء قوتل، أو لم يقاتَل، وسواء دُعي إلى الحقّ، أو لم يُدْعَ إليه كان هذا القتال الصادر من رسل الله، وأتباعهم ضائعًا، ليس فيه إلا تحصيل الحاصل، وتكوين ما هو كائن، فعلوا، أو تركوا، وحينئذ يكون الأمر بذلك عبثًا، تعالى الله ﷿ عن ذلك. وهكذا ما شَرَعه الله لعباده من الشرائع على لسان أنبيائه، وأنزل به كتبه، يقال فيه مثل هذا، فإنه إذا كان ما قد حصل في سابق علمه ﷿ كائنًا، سواء بعث الله إلى عباده رسله، وأنزل عليهم كتبه، أو لم يفعل ذلك، كان ذلك عبثًا يتعالى الله ﷾ عنه، ويتنزّه عن أن يُنسب إليه. فإن قالوا: إن الله ﷾ قد سَبَق علمه بكلّ ذلك، ولكنّه قيّده بقيود، وشَرَطه بشروط، وعلّقه بأسباب، فعَلِم مثلًا أن الكافر يُسلم، ويَدْخل في الدين بعد دعائه إلى الإسلام، أو مقاتلته على ذلك، وأن العباد يعمل منهم من يعمل بما تعبّدهم الله به بعد بعثة رسله إليهم، وإنزال كُتبُه عليهم. قلنا لهم: فعليكم أن تقولوا هكذا في الدعاء، وفي أعمال الخير، وفي صلة الرحم، ولا نطلب منكم إلا هذا، ولا نريد منكم غيره، وحينئذ قد دخلتم إلى الوفاق من طريق قريبة، فعلام هذا الجدال الطويل العريض، والحِجاج الكثير الكبير؟ فإنا لا نقول إلا أن الله ﷾ قد علم في سابق علمه أن فلانًا يطول عمره إذا وَصَل رَحِمه، وأن فلانًا يحصل له من الخير كذا، أو يندفع عنه من الشرّ كذا إذا دعا ربّه، وأن هذه المسبَّبات مترتبة على حصول أسبابها، وهذه المشروطات مقيّدة بحصول شروطها، وحينئذ فارجعوا إلى ما قدّمنا ذِكره من الجمع بين ما تقدّم من الأدلّة، واستريحوا من التعب، فإنه لم يبق بيننا وبينكم خلاف من هذه الحيثيّة. وقد كان الصحابة -﵃ - مثل عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي وائل، وعبد الله بن عمر يدعون الله ﷿ بأن يثبّتهم في أهل السعادة إن كانوا قد كُتبوا من أهل الشقاوة، كما قدّمنا، وهم أعلم بالله ﷾ وبما يجب له، ويجوز عليه. وقال كعب الأحبار حين طُعن عمر، وحضرته الوفاة: والله لو دعا الله عمر أن يؤخّر أجله لأخّره، فقيل له: إن الله ﷿ يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، فقال: هذا إذا حضر الأجل، فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد ويَنْقَص، وقرأ قوله ﷿: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. ثم قد علمنا من أهل الإسلام سابِقِهم ولاحِقِهم سيّما الصالحون منهم أنهم يدعون الله ﷿، فيستجيب لهم، ويحصل لهم ما طلبوه من المطالب المختلفة بعد أن كانوا فاقدين لها، ومنهم من يدعو المريض قد أشرف على الموت بأن يشفيه الله، فيعافى في الحال، ومنهم من يدعو على فاجر بأن يهلكه الله، فيهلك في الحال، ومن شكّ في شيء من هذا، فليطالع الكتب الصحيحة في أخبار الصالحين، كـ «حلية أبي نعيم»، و«صفوة الصفوة» لابن الجوزيّ، و«رسالة القشيريّ»، فإنه يجد من هذا القبيل ما ينشرح له صدره، ويثلج به قلبه، بل كل إنسان إذا حقّق حال نفسه، ونظر في دعائه لربّه عند عروض الشدائد، وإجابته له، وتفريجه عنه ما يغنيه عن البحث عن حال غيره إذا كان من المعتبرين المتفكّرين. وهذا نبيُّ الله عيسى ابن مريم ﵇ كان يحيي الموتى بإذن الله، ويشفي المرضى بدعائه، وهذا معلوم عنه حسبما أخبرنا الله ﷾ عنه به في كتابه الكريم، وفي الإنجيل من القصص المتضمّنة لإحياء الموتى منه، وشفاء المرضى بدعائه ما يعرفه من اطَّلع عليه. وبالجملة فهؤلاء الغلاة الذين قالوا إنه لا يقع من الله ﷿ إلا ما قد سَبَق به القلم، وأن ذلك لا يتحوّل، ولا يتبدّل، ولا يؤثّر فيه دعاء، ولا عمل صالح، فقد خالفوا ما قدّمنا من آيات الكتاب العزيز، ومن الأحاديث النبويّة الصحيحة من غير ملجئ إلى ذلك، فقد أمكن الجمع بما قدّمناه، وهو متعيّن، وتقديم الجمع على الترجيح متّفقٌ عليه، وهو الحقّ. وقد قابل هؤلاء بضدّ قولهم القدريّةُ، وهم معبد الجهنيّ وأصحابه، فإنهم قالوا: إن الأمر أُنُفٌ؛ أي: مستأنف، وقالوا: إن الله لا يعلم بالجزئيّات إلا عند وقوعها تعالى الله عن ذلك، وهذا قول باطلٌ يخالف كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -، وإجماع المسلمين. وقد تبرّأ من مقالة معبد هذه وأصحابه من أدركهم من الصحابة، منهم ابن عمر، كما ثبت ذلك في «الصحيح» . وقد غَلِط من نَسَب مقالتهم هذه إلى المعتزلة، فإنه لم يقل بها أحد منهم قطّ، وكُتُبهم مصرّحة ناطقة به، ولا حاجة لنا إلى نَقْل مقالات الرجال، فقد قدّمنا من أدلّة الكتاب والسُّنَّة، والجمع بينهما ما يكفي المُنْصِف، ويريحه من الأبحاث الطويلة العريضة الواقعة في هذه المسائل، ومن الإلزامات التي ألزم بها بعض القائلين البعض الآخر، ودِين الله ﷾ بين المفرّط والغالي، وفي هذا القَدْر كفاية لمن له هداية، والله وليّ التوفيق. كتبه مؤلّفه محمد بن عليّ الشوكانيّ غفر الله لهما. تمّت. قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد العلامة الشوكانيّ ﵀ في هذا البحث، وحقّقه تحقيقًا جيّدًا، وأفاد، فتبيّن بما حقّقه، وساقه من الأدلّة أن أرجح الأقوال، أن زيادة العمر ونقصانه على ظاهرها، فتزيد بالخير، كصلة الرحم ونحوها، ويتنقص بضدّ ذلك، وكذلك الرزق يزيد بصلة الرحم، ونحوها زيادة حقيقيّة، كما دلّت عليه ظواهر النصوص، فتأملها بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٠٣]- (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِه، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِه، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك
مصادر المؤلف (١٠)

١. «مصنف عبد الرزاق» ١١/ ١٧٣.

٢. «الفتح»١٣/ ٥١٦ - ٥١٧، كتاب«الأدب»رقم (٥٩٨٦).

٣. «شرح النوويّ» ١٦/ ١١٤ - ١١٥.

٤. «الفتح» ١٣/ ٥١٧ - ٥١٨، رقم (٥٩٨٦).

٥. ضعيف، رواه الترمذيّ برقم (٣٣٧١)، وفي سنده ابن لهيعة: متكلّم فيه.

٦. فقد أخرج أحمد وغيره، من حديث ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - رفعه إلى النبيّ - ﷺ - قال: «لا يردّ القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البرّ، وإن العبد لَيُحْرم الرزق بالذنب يصيبه»، حسّنه الترمذيّ، وصححه ابن حبّان، وكذا حسّنه الألبانيّ.

٧. كذا النسخة، والظاهر أن الصواب: إلا من لا يعقل … إلخ، فسقطت «لا» سهوًا، والله تعالى أعلم.

٨. هكذا النسخة: «الصحيحة» وفيه نظر، فإن هذه الكتب ليست صحيحة كلها، بل فيها الضعيف، والموضوع، فليُتنبّه.

٩. أي: صحيح مسلم.

١٠. هكذا النسخة: «بينهما»، ولعل الأَولى: والجمع بينها؛ أي: الأدلة، فتأمل، والله تعالى أعلم.