HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٣٣

حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأصبهاني، عن أبي صالح، ذكوان، عن أبي سعيد الخدري قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذهب الرجال بحديثك. فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه. تعلمنا مما علمك الله. قال «اجتمعن يوم كذا وكذا». فاجتمعن. فأتاهن رسول الله ﷺ فعلمهن مما علمه الله. ثم قال «ما منكن من امرأة تقدم بين يديها، من ولدها، ثلاثة، إلا كانوا لها حجابا من النار» فقالت امرأة: واثنين. واثنين. واثنين؟ فقال رسول الله ﷺ «واثنين. واثنين. واثنين».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص39
ج ٤ ص ٢٠٢٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص١٩٧
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٧٦] (٢٦٣٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: جَاءتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا، نَأْتِيكَ فِيه، تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ، قَالَ: «اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا»، فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُنَّ مِنِ امْرَأَةٍ، تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثَةً، إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَيْن، وَاثْنَيْن، وَاثْنَيْن، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَاثْنَيْن، وَاثْنَيْن، وَاثْنَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهانيّ الكوفيّ الجهنيّ ، ثقة [٤] مات في إمارة خالد الْقَسْريّ على العراق (ع) تقدم في «الحج» ١٠/ ٢٨٨٣. ٤ - (أَبُو صَالِحٍ ذَكْوَانَ) السمّان الزيّات المذكور في السند الماضي. ٥ - (أَبُو سَعِيَدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، استُصغِر بأُحُد، ثم شَهِد ما بعدها، وروى الكثير، مات بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد -﵁- من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصبَهَانِيِّ) قال في «العمدة»: «أصبهان» بفتح الهمزة، وكسرها، وبالباء، والفاء، وأهل المشرق يقولون: أصفهان بالفاء، وأهل المغرب بالباء، وهي مدينة بعراق العجم، عظيمة، خرج منها جماعة من العلماء والمحدثين. انتهى . وقال في «اللباب»: «الإصبهانيّ» بكسر الألف، أو فتحها، وسكون الصاد المهملة، وفتح الباء الموحّدة، والهاء، وفي آخرها نون: هذه النسبة إلى أشهر بلدة بالجبال، وإنما قيل لها هذا الاسم على ما سمعت من بعضهم أنها تُسمّى بالعجميّة: سباهان، وسباه: العسكرُ، وهان: الجمع، وكانت جموع عساكر الأكاسرة تجتمع إذا وقعت لهم واقعة في هذا الموضع، مثل عسكر فارس، وكرمان، والأهواز. انتهى . وقال في «الفتح»: واسم والد عبد الرحمن المذكور: عبد الله، قال البخاريّ في «التاريخ»: إن أصله من أصبهان لَمّا فتحها أبو موسى، وقال غيره: كان عبد الله يتّجر إلى أصبهان، فقيل له: الأصبهانيّ، ولا منافاة بين القولين فيما يظهر لي. انتهى . (عَنْ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ) السمّان الزيّات، (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان (الْخُدْرِيِّ) بضمّ الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة، بعده راء: نسبة إلى خُدرة، واسمه: الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج بن حارثة، قبيلة من الأنصار . (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفها ، وقال الحافظ في «الفتح»: لم أقف على اسمها، وَيحْتَمل أن تكون هي أسماء بنت يزيد بن السكن. انتهى . (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ) وفي رواية للبخاريّ: «قالت النساءُ للنبيّ - ﷺ -: غلَبَنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نَفْسك». قال في «العمدة»: معناه: أن الرجال يلازمونك كل الأيام، ويسمعون العلم، وأمور الدِّين، ونحن نساء ضعفة، لا نقدر على مزاحمتهم، فاجعل لنا يومًا من الأيام نسمع العِلم، ونتعلم أمور الدين . (فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا)؛ أي: يومًا معيّنًا من عندك، لا نعيّنه نحن من عند أنفسنا، وقولها: (نَأْتِيكَ فِيهِ) جملة في محل نصب صفة لـ «يومًا»، وقولها: (تُعَلِّمُنَا) جملة حاليّة، أو صفة بعد صفة، (مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ)؛ أي: من الوحي الذي أوحاه الله إليك. (قَالَ) - ﷺ -: («اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا») ليوم سمّاه باسمه، وفي رواية ابن حبّان: «فقال رسول الله - ﷺ -: موعدكنّ بيت فلانة، فجاء، فتحدّث معهنّ». (فَاجْتَمَعْنَ)؛ أي: النساء في ذلك اليوم، وفي ذلك المكان، (فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ) وفي رواية للبخاريّ: «فوعدهنّ يومًا لقيهنّ فيه، فوعظهنّ، فأمرهنّ، فكان فيما قال لهنّ. . .» فذكر نحو ما هنا، قال الحافظ ﵀: ولم أر في شيء من طُرقه بيان ما علّمهنّ، لكن يمكن أن يؤخذ من حديث أبي سعيد الآخر الماضي في «كتاب الزكاة»، وفيه: «فمَرّ على النساء، فقال: يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار. . .» الحديث، وفيه: «فقامت امرأة، فقالت: لِمَ؟ -وفيه-: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ وأليس إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم. . .» والمرأة المذكورة هي أسماء. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ -: «(مَا) نافية، (مِنْكُنَّ) متعلّق بحال مقدّر، (مِنِ امْرَأَةٍ)»من«زائدة، و»امرأة«مبتدأ خبره جملة الاستثناء؛ لأنه استثاء مفرّغ، إنما خص المرأة بالذِّكر؛ لأن الخطاب حينئذ كان للنساء، وليس له مفهوم؛ لِمَا في بقية الطرق ، وقوله: (تُقَدِّمُ) جملة في محل رفع صفة»امرأة«، (بَيْنَ يَدَيْهَا) متعلّق بـ»تقدّم«، (مِنْ وَلَدِهَا) بفتحتين، يشمل الذَّكر والأنثى، والمفرد، والجمع ، وهو متعلّق بحال مقدّر؛ لأنه بيان مقدّم على قوله:«ثلاثة»، والقاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّم يُعرب حالًا، كما هو معروف في محلّه. (ثَلَاثَةً) بالنصب على المفعوليّة لـ«تقدّم»؛ أي: ثلاثة أولاد، وفي رواية:«ثلاثًا»، وكلاهما جائز؛ لأن القاعدة أنه إذا حُذف التمييز جاز تذكير العدد، وتأنيثه. (إِلَّا كَانُوا) وفي رواية عند البخاريّ:«إلا كُنّ»بضم الكاف، وتشديد النون، وكأنه أُنِّث باعتبار النفس، أو النسمة، قاله في«الفتح». (لَهَا حِجَابًا)؛ أي: ساترًا (مِنَ النَّارِ«، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ) هي أم سليم الأنصاريّة والدة أنس بن مالك، كما رواه الطبرانيّ بإسناد جيّد عنها: »قالت: قال رسول الله - ﷺ - ذات يوم، وأنا عنده: ما من مسلمَين يموت لهما ثلاثة، لم يبلغوا الحُلُم، إلا أدخله الجنة بفضل رحمته إياهم، فقلت: واثنان؟ قال: واثنان«، وأخرجه أحمد، لكن الحديث دون القصة. ووقع لأم مُبَشِّر الأنصاريّة أيضًا السؤال عن ذلك، فرَوَى الطبرانيّ أيضًا من طريق ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر: «أن النبيّ - ﷺ - دخل على أم مبشر، فقال: يا أم مبشر من مات له ثلاثة من الولد دخل الجنة، فقلت: يا رسول الله، واثنان؟ فسكت، ثم قال: نعم، واثنان». وفي حديث جابر بن سمرة أن أم أيمن ممن سأل عن ذلك، وعن ابن عباس أن عائشة أيضًا منهنّ. وحَكَى ابن بشكوال أن أم هانئ أيضًا سألت عن ذلك. ويَحْتَمِل أن يكون كل منهنّ سأل عن ذلك في ذلك المجلس، وأما تعدد القصة ففيه بُعْد؛ لأنه - ﷺ - لمّا سئل عن الاثنين بعد ذِكر الثلاثة، وأجاب بأن الاثنين كذلك، فالظاهر أنه كان أوحي إليه ذلك في الحال، وبذلك جزم ابن بطال وغيره، وإذا كان كذلك كان الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستبعدًا جدًّا؛ لأن مفهومه يُخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم بالوحي؛ بناء على القول بمفهوم العدد، وهو معتبَر هنا. وممن سأل عن ذلك أيضًا: جابر بن عبد الله، ورَوَى الحاكم، والبزار، من حديث بُريدة أن عمر سأل عن ذلك أيضًا، ولفظه: «ما من امرئ، ولا امرأة يموت له ثلاثة أولاد، إلا أدخله الله الجنة، فقال عمر: يا رسول الله واثنان؟ قال: واثنان»، قال الحاكم: صحيح الإسناد، وهذا لا بُعد في تعدّده؛ لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به، قاله في «الفتح» . (وَاثْنَيْن، وَاثْنَيْن، وَاثْنَيْنِ) بالتكرار ثلاث مرّات؛ للتأكيد، وهو منصوب بفعل مقدّر دلّ عليه ما سبق؛ أي: ومَنْ تُقَدِّم اثنين؟ أي: فما حكمها؟، وقال في «الفتح»: قوله: «واثنين»، ولكريمة: «واثنتين» بزيادة تاء التأنيث، وهو منصوب بالعطف على «ثلاثةً»، ويسمّى العطف التلقينيّ، وكأنها فهمت الحَصْر، وطَمِعت في الفضل، فسألت عن حكم الاثنين، هل يلتحق بالثلاثة أو لا؟. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «منصوب بالعطف إلخ» عندي أن ما قدّمته من الإعراب هو الأوضح، وقوله: «ويسمّى العطف التلقينيّ» قد نظمت العطف التلقيني، مع الاستثناء التلقينيّ بقولي: وَعَطْفُ قَوْلِ قَائِلٍ عَلَى سِوَاهْ … بِعَطْفِ تَلْقِينٍ دَعَاهُ مَنْ حَوَاهْ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿قَالَ وَمِنْ … ذُرِّيَّتِي﴾ فَاحْفَظْهُ أَيُّهَا الْفَطِنْ وَمِثْلُ ذَا اسْتِثْنَاؤُهُمْ كَمَا انْتَظَمْ … إِخْرَاجُهُ الإِذْخِرَ مِنْ حُكْمِ الْحَرَمْ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَاثْنَيْن، وَاثْنَيْن، وَاثْنَيْنِ»)؛ أي: ومن تقدِّم اثنين يكونان لها حجابًا من النار. ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «واثنان» بالرفع، قال في «الفتح»: قوله: «واثنان»؛ أي: وإذا مات اثنان ما الحكم؟ فقال: «واثنان»؛ أي: وإذا مات اثنان فالحكم كذلك، ووقع في رواية مسلم من هذا الوجه: «واثنين» بالنصب؛ أي: وما حكم اثنين؟ وفي رواية سهل: «أو اثنان»، وهو ظاهر في التسوية بين حكم الثلاثة والاثنين، وقد تقدم النقل عن ابن بطال أنه محمول على أنه أُوحي إليه بذلك في الحال، ولا بُعْد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين. ويَحْتَمِل أن يكون كان العلم عنده بذلك حاصلًا، لكنه أشفق عليهم أن يتّكلوا؛ لأن موت الاثنين غالبًا أكثر من موت الثلاثة، كما وقع في حديث معاذ وغيره في الشهادة بالتوحيد، ثم لمّا سئل عن ذلك لم يكن بُدّ من الجواب، والله تعالى أعلم . وقال في«الفتح» أيضًا: قال ابن التين تبعًا لعياض: هذا يدلّ على أن مفهوم العدد ليس بحجة؛ لأن الصحابية من أهل اللسان، ولم تعتبره؛ إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة، لكنها جَوّزت ذلك، فسألته. قال الحافظ: كذا قال، والظاهر أنها اعتَبَرت مفهوم العدد؛ إذ لو لم تعتبره لم تسأل، والتحقيق: أن دلالة مفهوم العدد ليست يقينيّة، وإنما هي مُحْتَمِلة، ومن ثَمّ وقع السؤال عن ذلك، قال القرطبيّ: وإنما خصت الثلاثة بالذِّكر؛ لأنها أول مراتب الكثرة، فبِعِظَم المصيبة يكثر الأجر، فأما إذا زاد عليها فقد يَخِفّ أمر المصيبة؛ لأنها تصير كالعادة، كما قيل: رُوِّعْتُ بِالْبَيْنِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَهُ. انتهى. قال الحافظ: وهذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة، ثم في الاثنين، بخلاف الأربعة، والخمسة، وهو جمود شديدٌ، فإن من مات له أربعة فقد مات له ثلاثةُ ضرورةً؛ لأنهم إن ماتوا دفعة واحدة فقد مات له ثلاثة وزيادة، ولا خفاء بأن المصيبة بذلك أشدّ، وإن ماتوا واحدًا بعد واحد، فإن الأجر يحصل له عند موت الثالث بمقتضى وَعْد الصادق، فيلزم على قول القرطبيّ أنه إن مات له الرابع أن يرتفع عنه ذلك الأجر، مع تجدِد المصيبة، وكفى بهذا فسادًا، والحقّ: أن تناول الخبر الأربعة فما فوقها من بابِ أَولى، وأحرى. ويؤيد ذلك أنهم لم يسألوا عن الأربعة، ولا ما فوقها؛ لأنه كالمعلوم عندهم؛ إذ المصيبة إذا كَثُرت كان الأجر أعظم، والله أعلم. وقال القرطبيّ أيضًا: يَحْتَمِل أن يفترق الحال في ذلك بافتراق حال المصاب، من زيادة رِقّة القلب، وشدّة الحبّ، ونحو ذلك، وقد قدمنا الجواب عن ذلك. انتهى كلام الحافظ ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٦٦٧٦] (٢٦٧٦)، و(البخاريّ) في «العلم» (١٠١ و١٠٢) و«الجنائز» (١٢٤٩) و«الاعتصام» (٧٣١٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٣/ ٤٥١ و٤٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٣٥)، و(أحمد) في «مسنده» ٣١/ ٣٤ و٧٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٩٤٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٤٦١)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ١٠٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٦٧) وفي «شُعب الإيمان» (٧/ ١٣٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٥٤٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة سؤال النساء عن أمر دينهنّ، وجواز كلامهنّ مع الرجال في ذلك، وفيما لهنّ الحاجة إليه. ٢ - (ومنها): جواز الوعد. ٣ - (ومنها): ثبوت الأجر للثكلى. ٤ - (ومنها): أن الحديث يدلّ على كون أطفال المسلمين في الجنة، وقد نقل جماعة فيهم إجماع المسلمين، وقال المازريّ: أما أولاد الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - فالإجماع متحقق على أنهم في الجنة، وأما أطفال من سواهم من المؤمنين، فجماهير العلماء على القطع لهم بالجنة، ونقل جماعة الإجماع في كونهم من أهل الجنة قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وتوقف بعض المتكلمين فيهم، وأشار إلى أنه لا يُقطع لهم كالمكلفين ، والله أعلم. (المسألة الرابعة): (اعلم): أني وجدت الحافظ وليّ الدين العراقيّ قد تكلّم على فوائد هذا الحديث في كتابه الممتع: «طرح التثريب»، فأحببت أن أذكر ما كتبه، وإن كان بعضه تقدّم، إلا أن له زوائد مفيدةً جدًّا، فأقول: ١ - (الأولى): أنه اتّفق عليه الشيخان، والنسائيّ، وابن ماجه من رواية سفيان بن عيينة، وأخرجه الشيخان، والترمذيّ، والنسائيّ من طريق مالك بلفظ: «فتمسه النار» بدل: «فيلج النار»، أخرجه مسلم من رواية معمر، ثلاثتهم عن الزهريّ، عن سعيد، وأخرجه مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: «أن رسول الله - ﷺ - قال لنسوة من الأنصار: لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد، فتحتسبه إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة منهنّ: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: أو اثنين»، واتفق عليه الشيخان من رواية عبد الرحمن بن الأصبهانيّ، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وفيه: «ثلاثة لم يبلغوا الحنث»، وأحالا ببقيّته على حديث أبي سعيد، ولفظه: «ما منكن امرأة تقدِّم ثلاثة من ولدها، إلا كانوا لها حجابًا من النار، فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: واثنين»، وقال البخاري أيضًا. وقال شريك، عن ابن الأصبهانيّ: حدّثني أبو صالح، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ -، قال أبو هريرة: «لم يبلغوا الحنث»، وعَزَى والدي ﵀ في النسخة الكبرى من هذه الأحكام هذه الزيادة، وهي قوله: «لم يبلغوا الحنث» لمسلم في رواية. قال: وعلّقها البخاريّ، فلم يطّلع إلا على الرواية المعلّقة، وقد عرفت أنها مسندة في «الصحيحين» من رواية أبي حازم عن أبي هريرة، ولمّا ذَكَر المزيّ في «الأطراف» رواية معمر، عن الزهريّ من عند مسلم ذكر فيها: «لم يبلغوا الحنث»، وهو وَهَمٌ، فليست هذه الزيادة في «صحيح مسلم» من هذا الوجه، والله أعلم. ٢ - (الثانية): الولد يُطلق على الذَّكر والأنثى، وعلى المفرد، والجمع، وفي الجمع أربع لغات مشهورة، وهي فتح اللام والواو، وفتح الواو، وضمّها، وكسرها، مع إسكان اللام في الثلاثة. وقوله: «فيلجَ»؛ أي: يدخل، وهو منصوب بالفاء في جواب النفي، والقَسَم بفتح القاف، والسين: اليمين، وتَحِلّة القسم، بفتح التاء، وكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام: ما ينحلّ به القسم، وهو مصدر حَلَّل اليمينَ؛ أي: كَفّرها، ويقال في المصدر: تحليل، وتَحِلّ أيضًا بغيرها، وهو شاذّ. ٣ - (الثالثة): فيه أن المسلم إذا مات له ثلاثة من الولد لم يدخل النار، إلا تحلة القسم، ومن ضرورة ذلك دخوله الجنة؛ إذ لا منزلة بينهما، وفي «صحيح البخاريّ» وغيره، عن أنس بن مالك مرفوعًا: «ما من الناس من مسلم، يُتَوَفَّى له ثلاثة لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم»، وفي «سنن ابن ماجه» عن عتبة بن عبد، مرفوعًا: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، إلا تَلَقَّوه من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شاء دخل»، وهذه زيادة على مطلق دخول الجنة، ويوافقه ما رواه النسائيّ عن معاوية بن قُرّة، عن أبيه: «أن رجلًا أتى النبيّ - ﷺ -، ومعه ابن له، فقال: أتحبه؟ فقال: أَحبَّك الله كما أحبه، فمات، ففقده، فسأل عنه؟ فقال: ما يَسُرُّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة، إلا وجدته عنده يسعى، يفتح لك؟». ٤ - (الرابعة): تقدّم أن في «الصحيح» من غير وجه أنه قيل: «يا رسول الله - ﷺ - واثنان؟ فقال: واثنان». ورَوَى الترمذيّ، عن ابن عباس -﵄- أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «من كان له فرطان من أمتي، أدخله الله بهما الجنة، فقالت عائشة: فمن كان له فرط من أمتك؟ فقال: ومن كان له فرط يا موفقةُ، قالت: فمن لم يكن له فرط؟ قال: أنا فرط أمتي، لن يصابوا بمثلي»، قال الترمذيّ: حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة. انتهى. وعبد ربه هذا مختلف فيه، ضعّفه ابن معين، والنسائيّ، وقال أحمد: ما به بأس، ووثقه ابن حبان. ورَوَى الترمذي، وابن ماجه، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قَدَّم ثلاثة لم يبلغوا الحنث، كانوا له حِصْنًا حَصِينًا، قال أبو ذرّ: قدّمت اثنين، قال: واثنين، فقال أبي بن كعب، سيّد القراء: قدّمت واحدًا، قال: وواحد، ولكن إنما الصبر عند الصدمة الأولى»، قال الترمذيّ: حسن غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه . ورُوي ذِكر الواحد من حديث جماعة من الصحابة -﵃ - أيضًا، وهو محمول عند العلماء على أنه - ﷺ - أُوحي إليه ذلك عند سؤالهم عن الاثنين، وعن الواحد، إن صحّ، ولا يمتنع نزول الوحي عليه في أسرع من طرفة عين، كما في نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] لمّا قام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله إني رجل ضرير البصر، فنزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] هذا، على أن العلماء يختلفون في مفهوم العدد، هل هو حجة أم لا؟، فمن لم يجعله حجةً لا يحتاج إلى ذِكر هذا الجواب، ويقول: ذِكر هذا العدد لا ينافي حصول ذلك بأقلّ منه، بل ولو جعلناه حجةً، فليس نصًّا قاطعًا، بل دلالته دلالة ضعيفة يقدَّم عليها غيرها عند معارضتها. وقال أبو العباس القرطبيّ بعد ذِكره نحو ما قلناه: ويَحْتَمِل أن يقال: إن ذلك بحسب شدة وَجْد الوالدة، وقوّة صبرها، فقد لا يبعد أن يكون مَن فَقدت واحدًا، أو اثنين أشدّ ممن فَقدت ثلاثة، أو مساوية لها، فتُلحَق بها في درجتها. وتعقّبه وليّ الدين، وهو تعقّب جيّد، فقال: ظاهر الحديث حَمْل ذلك على كل فاقد اثنين، وعلى كل فاقد واحد، فالتقييد بشدّة الوَجْد الذي يُصَيِّره كفاقد ثلاثة يحتاج إلى دليل. وقال القاضي عياض: يَحْتَمِل أنه - ﷺ - قاله ابتداءً لأتمّ الأشياء؛ لأن ثلاثًا أول الكثرة، فأخبرهم بذلك؛ لئلا يتكل من مات له ولد على ولده في شفاعته، وسكت عما وراءه، فلمّا سئل أعلمَ بما عنده في ذلك، قال: وفي قولها: أو اثنان، بعد ذِكر النبيّ - ﷺ - ذلك في الثلاثة، وهي من أهل اللسان دليل على أن تعليق الحكم بعددٍ ما لا ينافيه من جهة دليل الخطاب عما عداه من العدد، كان أقلّ، أو أكثر، إلا بنصّ. انتهى . ٥ - (الخامسة): قال أبو العباس القرطبيّ: إنما خَصّ الولد بثلاثة؛ لأن الثلاثة أول مراتب الكثرة، فبِعِظَم المصائب تَكْثُر الأجور، فأما إذا زاد على الثلاثة، فقد يخفّف أجر المصيبة بالزائد؛ لأنها كأنها صارت عادة، ودَيْدنًا، كما قال المتنبي [من الكامل]: أَنْكَرْتُ طَارِقَةَ الْحَوَادِثِ مَرَّةً … ثُمَّ اعْتَرَفْتُ بِهَا فَصَارَتْ دَيْدَنَا وقال آخر [من البسيط]: رُوِّعْتُ بِالْبَيْنِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَهُ … وَبِالْمَصَائِبِ فِي أَهْلِي وَجِيرَانِي ثم قال: ويَحْتَمِل أن يقال: إنما لم يذكر ما بعد الثلاثة؛ لأنه من باب الأحرى والأَولى؛ إذ من المعلوم أن من كثرت مصائبه، كثر ثوابه، فاكتفى بذلك عن ذِكره. قال وليّ الدين متعقّبًا لتقرير القرطبيّ المذكور: إذا جعلنا لمفهوم العدد دلالةً، فدلالته في هذه الصورة في منع النقصان، لا في منع الزيادة، فإن من مات له أربعة، فبالضرورة قد مات له ثلاثة، فلا معنى لهذا الكلام الذي ذكره القرطبيّ، وإذا أخبر الصادق بأن من مات له ثلاثة لم يلج النار، إلا تحلة القسم، فمات لشخص ثلاثة، فحصلت له هذه البشرى، ثم مات له أربع، انقطعت هذه البشرى بموت هذا الرابع، وصار على خطر دخوله النار بعد تلك البشرى، وَهَبْ أن حُزنه بهذا الرابع خفيف؛ لاعتياده المصائب، فهل يزيد ذلك على كونه لم تحدث له هذه المصيبة أصلًا؟ وكيف السبيل إلى إحباط ثواب ما مضى من المصائب بهذه المصيبة الرابعة؟ هذا ما لا يتخيله ذو فَهْم، فإن فُرِض أن الأربعة ماتوا دفعةً واحدةً، كموت نفس واحدة على خلاف ما أجرى الله تعالى العادة، ترتّبت البشرى بعدم دخول النار على موت ثلاثة، ويثيب الله تعالى على موت الرابع بما يشاء، وقد دخلت هذه الصورة في هذا الحديث؛ لكونه صَدَق أنه مات له ثلاثة من الولد، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: تعقُّب وليّ الدين ﵀ للقرطبيّ هذا حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٦ - (السادسة): أطلق في هذه الرواية ذِكر الولد، وقيّده في رواية أخرى في «الصحيحين» بقوله: «لم يبلغوا الحنث»؛ أي: لم يبلغوا سنّ التكليف الذي يُكتب فيه الحنث، وهو الإثم، ومقتضى حَمْل المطلق على المقيَّد اختصاص ذلك بالأولاد الصغار، دون البالغين، قال أبو العباس القرطبيّ: وإنما خصهم بهذا الحدّ؛ لأن الصغير حبة أشدّ، والشفقة عليه أعظم. قلت : قد يُعكَس هذا المعنى، ويقال: التفجع على فَقْد الكبير أشدّ، والمصيبة به أعظم، ولا سيما إذا كان نجيبًا يقوم عن أبيه بأموره، ويساعده في معيشته، وهذا مشاهد معلوم، والمعنى الذي ينبغي أن يُعَلَّل به ذلك ما في حديث أنس -﵁-: «إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم»، وهو في «صحيح البخاريّ»، وغيره كما تقدم، وهو في «مسند أحمد»، وغيره من حديث عمرو بن عَبَسة، وأم سليم، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» من حديث أبي أمامة، وفي «سنن النسائيّ» من حديث أبي ذرّ، وفي «معجم الطبرانيّ الكبير» من حديث حبيبة بنت سهل، وأم مبشر، ومن لم يُكتب عليه إثم فرحمته أعظم، وشفاعته أبلغ. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التعليل الذي أبداه وليّ الدين متعقّبًا على تعليل القرطبيّ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٧ - (السابعة): فعلى هذا لو مات له ثلاثة أولاد بالغين معتوهين عَرَض لهم العَتَهُ والجنون قبل البلوغ بحيث لم يَجْر عليهم تكليف، ولم يُكتب عليهم إثم، هل يكونون كغير البالغين؟ هذا يَحْتَمِل، والأرجح إلحاقهم بهم، وقد يُدَّعَى دخولهم في قوله - ﷺ -: «لم يبلغوا الحنث»، وينبغي أن يُبنَى ذلك على المعنيَيْن المتقدِّم ذِكرهما، فإن عللنا بما في الحديث كان حكم المجانين كذلك؛ لأن الرحمة لهم واسعة كثيرة؛ لعدم حصول الإثم منهم، فصاروا في ذلك كالأطفال، وإن عللنا بما ذكره القرطبيّ لم يطّرد ذلك في المجانين البالغين؛ لأن محبتهم تُخَفَّف أو تزول، ويتمنى الأب موتهم لِمَا بهم من العاهة والضرر، فلا يحصل له بموتهم تفجّع، ولا مشقة، والله أعلم. ٨ - (الثامنة): قد يقال: إن سائر الأولاد في ذلك سواء، وإنه لا فرق بين البالغ منهم، وغير البالغ، وذلك بأحد أوجه: (أولها): أن نقول بقول من يرى أن مفهوم الصفة ليس بحجة، فتعليق الحكم بالذين لم يبلغوا الحلم لا يقتضي أن البالغين ليسوا كذلك. (ثانيها): أن نأخذ بقول من يأخذ بالمطلق، ويرى المقيَّد فردًا من الأفراد التي دلّ عليها المطلق. (ثالثها): أن يقال: إن هذا المفهوم هنا ليس حجة؛ لكونه خرج مخرج الغالب، فإن الغالب في موت الأولاد أن يكون ذلك في صِغَرهم، ومن تأخر أجله حتى يبلغ، فالغالب أن أباه يتقدمه في الوفاة، وقد يتخلف ذلك، والقاعدة أن ما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له. (رابعها): أن يُدَّعَى أن هذا المفهوم ليس حجة بتقرير آخر، وهو أنه خرج جوابًا لسؤال، بأن يكون - ﷺ - سئل عمن مات له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، أو ذَكَر ذلك لمن مات له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، فجاء بهذا القيد مطابقًا لحاله، لا لأن الحكم يختص بهذه الحالة، والقاعدة أن ما خرج جوابًا لسؤال لا مفهوم له. (خامسها): قد يُدَّعَى أن هذا ليس من مفهوم المخالفة، وإنما هو من مفهوم الموافقة، وأنهم إذا بلغوا كان التفجع عليهم أكثر، وكانت المصيبة بهم أشدّ، فكانوا أَولى بهذا الحكم من الصغار، ويكون التقييد بالصِّغَر إشعارًا لِعِظَم الثواب، وإن خفّت المصيبة بهم؛ لكونهم لم يبلغوا مبلغ الرجال الذين يقومون بالأمور، فما ظنك ببلوغهم وكمالهم، فعليك بالنظر في الأمور التي ذَكَرْتُها، وهل تَقْوَى، فيُعمل بها، أو تَضْعُف، فتُطْرح؟ فلست على ثقة منها، والعلم عند الله تعالى. وفي «معرفة الصحابة» لابن منده عن شراحيل المنقريّ: «أن رسول الله - ﷺ - قال: من تُوُفّي له أولاد في سبيل الله تعالى، دخل الجنة بفضل حِسْبَتهم»، وهذا الحديث إنما هو في البالغين؛ لأنهم الذين يُقتلون في سبيل الله تعالى غالبًا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا بُعد في هذا التقرير الذي أيّده وليّ الدين ﵀ وحاصله إلحاق البالغين بغيرهم في هذا الحكم، ويؤيّد ذلك ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» عن أبي هريرة -﵁-: «أن رسول الله - ﷺ - قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء؛ إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة» . فهذا الحديث نصّ صريح في أن من أُصيب بولد بالغ، ثم احتسبه، فجزاؤه الجنّة، وهذا هو معنى حديث الباب، والله تعالى أعلم. ٩ - (التاسعة): ظاهره أنه لا فرق بين أن يكون شديد المحبة لأولاده، أو خفيفها، أو خاليًا من محبتهم، أو كارهًا لهم؛ لأن الولد مظنة المحبة والشفقة، فَنِيْطَ الحكم به، وإنْ تخلَّف في بعض الأفراد، وقد يحب الشخص بعض أقاربه، أو أصدقائه أكثر من محبة ولده، ومع ذلك فلم يَرِدْ ترتيب هذا الأمر على موت القريب والصديق، ولا على موت الأب، والأم، لكن في معجم الطبرانيّ الأوسط بإسناد ضعيف، عن سهل بن حُنيف قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لم يكن له فَرَط لم يدخل الجنة، إلا تصريدًا، قال رجل: يا رسول الله ما لكلنا فَرَط، قال: أوَ ليس من فَرَط أحدكم أن يَفْقِد أخاه المسلم؟». (٢٨٤٥) - حدّثنا محمد بن عوف، نا محمد بن إسماعيل، نا أبي، عن ضمضم، عن شريح بن عبيد، قال أبو زيد الهوزنيّ: قال شراحيل المنقريّ: إن رسول الله - ﷺ - قال: «من توفي له أولاد في سبيل الله تعالى، دخل بفضل حسناتهم الجنة»، قال: فأتيته أستفتيه، فقال: نعم، وما أنفقت على ولدك فهو صدقة لك، قال: فلعله يكثر عندك، فيجزيك. وقوله: «تصريدًا» بالصاد المهملة؛ أي: قليلًا، وأصله السقي دون الريّ، ومنه: صَرَد له العطاء: قلّله. ١٠ - (العاشرة): قد يقال: إن أولاد الأولاد في ذلك كالأولاد، سواءٌ كانوا أولاد البنين، أوأولاد البنات؛ لِصِدْق الاسم عليهم، وقد يقال: لا يلتحقون في ذلك بهم؛ لأن إطلاق اسم الأولاد عليهم ليس حقيقةً، وقد يفرَّق بين أولاد البنين، فيكونون كالأولاد، وأولاد البنات، فلا يكونون كالأولاد، قال الشاعر [من الطويل]: بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا … بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ وقد يقال: ينزّلون منزلتهم عند فَقْدهم، لا مع وجودهم، وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنه لو وقف على أولاده، ولم يكن له إلا أولاد أولاد حُمل اللفظ عليهم، فإن كان له أولاد، وأولاد أولاد، ففي دخول أولاد الأولاد ثلاثة أوجه: أصحها: لا يدخلون، والثاني: يدخلون، والثالث: يدخل أولاد البنين، دون أولاد البنات، وقد ورد تقييد الأولاد بكونهم من صُلبه، وذلك يخرج أولاد الأولاد، فإن صحّ ذلك فهو قاطع للنزاع، فروى أبو يعلى الموصليّ في «مسنده»، والطبرانيّ في «معجمه الكبير» عن عثمان بن أبي العاص، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لقد استَجَنّ بجُنّة حصينة من النار رجل سلف بين يديه ثلاثة من صُلْبه في الإسلام»، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق، أبو شيبة القرشيّ، وهو ضعيف، وفي «مسند أحمد»، و«معجم الطبراني الكبير» عن عقبة بن عامر، مرفوعًا: «من أثكل ثلاثة من صُلبه، فاحتسبهم على الله ﷿ في سبيل الله تعالى، وجبت له الجنة»، إسناد الطبراني لا بأس به ، وفي إسناده أحمد بن لهيعة. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي عدم إلحاق أولاد الأولاد بالأولاد؛ لتنصيص هذه الأحاديث بالصُّلب، وهي وإن تُكلّم في بعضها، إلا أن مجموعها يتقوّى، ولا سيّما رواية الطبرانيّ، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. ١١ - (الحادية عشرة): قد عرفت أن في رواية مسلم تقييد ذلك بالاحتساب، وورد ذلك في عدة أحاديث. قال في «النهاية»: والاحتساب في الأعمال الصالحات، وعند المكروهات هو البِدار إلى طلب الأجر وتحصيله، وبالتسليم، والصبر، أو باستعمال أنواع البِرّ، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها؛ طالبًا للثواب المرجوّ منها، والاحتساب من الْحَسْب كالاعتداد من الْعَدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يعتدّ عمله، فجُعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به. انتهى. وفي «معجم الطبرانيّ» عن جابر بن سمرة مرفوعًا: «من دَفَن ثلاثةً من الولد، فصبر عليهم، واحتسبهم وجبت له الجنة»، وفي «معجم الصحابة» لابن قانع عن حوشب بن طِخْمَة مرفوعًا: «من مات له ولد، فصبر، واحتسب، قيل له: ادخل الجنة بفضل ما أخذنا منك»، فمن يَحمل المطلق على المقيَّد يَخص ذلك بالصابر دون الجازع، وقد مشى على ذلك أبو العباس القرطبيّ، وقد تقدم ذلك عنه في مطلق المصائب، لكن تقدم في «معجم الطبرانيّ» عن ابن مسعود مرفوعًا: «من مات له ولد ذَكر، أوأنثى، سَلَّم، أو لم يُسَلِّم، رَضِي، أو لم يَرْضَ، صَبَر، أو لم يصبر، لم يكن له ثواب إلا الجنة»، وإسناده ضعيف، كما تقدم. وفي «معجم الطبرانيّ الكبير» أيضًا من رواية إبراهيم بن عبيد، عن ابن عمر: «أن رجلًا من الأنصار كان له ابن، يروح إذا راح إلى النبيّ - ﷺ -، فسأل نبي الله - ﷺ - عنه، فقال: أتحبه؟ فقال: يا نبي الله نعم، فأحبك الله كما أحبه، فقال: إن الله تعالى أشدّ لي حبًّا منك له، فلم يلبث أن مات ابنه ذاك، فراح إلى نبيّ الله - ﷺ -، وقد أقبل عليه بَثّه، فقال له رسول الله - ﷺ -: أجزعت؟ قال: نعم، قال: أوَ ما ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم، يلاعبه تحت ظل العرش؟ قال: بلى يا رسول الله»، إبراهيم بن عبيد أخرج له مسلم، لكن قال عبد المؤمن الدمياطيّ الحافظ: لا نعرف له سماعًا عن ابن عمر، قلت : ولا يحتاج على طريقة مسلم إلى ثبوت معرفة السماع، لكن الذهبيّ في «الميزان» قال: إن إبراهيم هذا لا يُعرف، فاقتضى أن الذي عنده غير الذي أخرج له مسلم. وإنما ذكرنا هذا الحديث لكون هذا الرجل اعترف للنبيّ - ﷺ - بالجزع، وذلك ينافي الصبر، لكن قد يقال: ليس فيه الحكم له بشيء، وإنما فيه البشرى لابنه المتوفَّى، وقد يقال: لا يختص ذلك بحالة الصبر؛ لأن أكثر الأحاديث ليس فيها هذا التقييد، وبعض الأحاديث المقيّدة بالصبر ضعيفة، وأما التقييد في رواية مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، بقوله: «فتحتسبه» فلعله إنما ذَكر ذلك للنساء لقلة الصبر عندهنّ، وكثرة الجزع فيهنّ، مع إظهار التفجيع بفعل ما لا يجوز، من كثير منهنّ، فرَدَعهنّ عن ذلك بهذا الكلام؛ ليحصل انكفافهنّ عما يتعاطَيْنه من الأمور المحرّمة، فكان فائدة هذا التقييد ارتداعهنّ عن ذلك، لا تخصيص الحكم به. وقد عُرف في الأصول أن شَرْط العمل بالمفهوم أن لا يظهر له فائدة سوى تخصيص الحكم به. قال الجامع عفا الله عنه: بل الذي يظهر أن الاحتساب شرط لحصول الأجر المذكور؛ لصحّة حديث مسلم، وما قدّمناه عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ؛ إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة»، رواه البخاريّ، فقد قيّده بالاحتساب، فتفطّن، ولا تكن أسير التقليد، وبالله تعالى التوفيق. ١٢ - (الثانية عشرة): قوله: «لمسلم»: يقتضي أن الكافر ليس كذلك، وهو واضح، فان الكافر ليس من أهل الأجور، لكن لو مات له الأولاد في حال الكفر، ثم أسلم بعد ذلك، هل ينفعه ما مضى من موتهم في زمن كُفْره، أو لا بدّ أن يكون موتهم في حالة إسلامه؟ قد يدلّ للأول قوله - ﷺ - لحكيم بن حزام -﵁-: «أسلمت على ما أسلفت من خير» لَمّا قال له: أرأيت أمورًا كنت أتحنث بها في الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟ لكن جاءت أحاديث فيها تقييد ذلك بكونه في الإسلام، فالرجوع إليها أَولى، فتقدّم في الفائدة العاشرة حديث عثمان بن أبي العاص، وفي «مسند أحمد»، و«معجم الطبراني الكبير» عن أبي ثعلبة الأشجعيّ قال: «قلت: يا رسول الله، مات لي ولدان في الإسلام، فقال: من مات له ولدان في الإسلام، أدخله الله الجنة»، وفي «مسند أحمد» أيضًا عن امرأة يقال لها: رجاء: «قالت: كنت عند رسول الله - ﷺ - إذ جاءته امرأة بابن لها، فقالت: يا رسول الله ادع الله لي فيه بالبركة، فإنه قد تُوُفّي لي ثلاثة، فقال لها رسول الله - ﷺ -:»أمنذ أسلمت؟ «قالت: نعم، فقال رسول الله - ﷺ -:»جُنّة حصينة«، فقال لي رجل: اسمعي يا رجاء ما يقول رسول الله - ﷺ -»، وفي «مسند أحمد»، وغيره عن عمرو بن عَبَسة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من وُلِدَ له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث، أدخله الله الجنة برحمته إياهم»، وفي هذا الحديث زيادة على ما تقدّم، وهي أن تكون ولادتهم في الإسلام، ومقتضاه أنهم لو وُلدوا له قبل أن يسلم، وماتوا بعد إسلامه لم يكن له هذا الثواب. ١٣ - (الثالثة عشرة): هذا الحديث لا يتناول السِّقْط؛ لأنه ليس ولدًا، لكن ورد ذِكر السقط في أحاديث. وفي «سنن ابن ماجه» من رواية أسماء بنت عابس بن ربيعة، عن أبيها، عن عليّ -﵁- مرفوعًا: «إن السقط ليُراغم ربه؛ إذا أَدخل أبويه النارَ، فيقال: أيها السقط المراغم ربه أدخل أبويك الجنة، فيجرّهما بسَرَره، حتى يدخلهما الجنة»، وأسماءُ هذه لا تُعرف، قاله صاحب «الميزان». وفي «سنن ابن ماجه» أيضًا عن معاذ، مرفوعًا: «والذي نفسي بيده، إن السقط ليجرّ أمه بسَرَره إلى الجنة؛ إذا احتسبَتْه»، وفيه يحيى بن عبيد الله لا يُعرف، قاله الذهبيّ أيضًا. وفي «معجم الطبرانيّ الأوسط» عن سهل بن حُنيف مرفوعًا: «تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، وإن السقط يَظَلّ مُحبنطئًا بباب الجنة، يقال له: ادخل يقول: حتى يدخل أبواي»، وفيه موسى بن عُبيدة الرَّبَذيّ ضعيف ، ورَوَى ابن حبان في «الضعفاء» نحوه، من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، وفيه: «فيقال: وأنت، وأبواك» قال ابن حبان: منكر، لا أصل له من حديث بهز. ١٤ - (الرابعة عشرة): اختَلَف العلماء في معنى قوله: «إلا تحلّة القسم» فقال الجمهور: المراد قَسَم الله تعالى على ورود جميع الخلق النار، فيَرِدُها بقَدْر ما يبرّ الله تعالى قَسَمه، ثم ينجو، ثم اختَلَف هؤلاء في هذا القَسَم«، فقال أبو عبيد، والبخاري، والجمهور: هو في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، والقسم مقدَّر؛ أي: والله إنْ منكم إلا واردها، قال الخطابيّ: وقد جاء ذلك في حديث مرفوع، رواه زَبّان بن فايد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهنيّ، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -:»من حَرَس ليلةً وراء عورة المسلمين تطوعًا، لم ير النار تمسّه إلا تحلة القَسَم، قال الله ﷾: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾، قال ابن بطال: وفي هذا ما يقطع بصحة قول أبي عبيد. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في قول ابن بطّال: وفي هذا ما يقطع إلخ نظر لا يخفى، فكيف يقطع والحديث المذكور ضعيف؛ لأن في سنده زبّان بن فائد، وهو ضعيف؟ فتنبّه. وقال الخطابيّ: القَسَم في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾. وقال الحسن، وقتادة: حتمًا مقضيًّا قَسَمًا واجبًا، وحُكي عن ابن مسعود، فهذه ثلاثة أقوال في موضع القَسَم من هذه الآية، وقال ابن قتيبة: ليس المراد بذلك قَسَمًا حقيقيًّا، ولكن هذا اللفظ يعبَّر به عن تقليل المدّة، فتقول العرب: ما يقيم فلان عنه إلا تحلة القَسَم؛ أي: مدّة يسيرة، وما ينام العليل إلا كتحليل الأليّة، شَبّهوا تلك المدة اليسيرة بمدة قول القائل: إن شاء الله؛ لأنه يحلل بها القَسَم، فيقول القائل: والله لا أكلم زيدًا إن شاء الله، فلا ينعقد يمينه، فالمراد: أنه إن دخل النار يكون مُكثه فيها قليلًا كمدة تحليل اليمين، ثم ينجيه الله تعالى. ١٥ - (الخامسة عشرة): فيه على قول الجمهور دلالةٌ على العموم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وأن الآية تتناول المسلمين والكفار، وقال بعضهم: الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ راجع إلى الكفار فقط، ويكون فيه الانتقال من الغَيْبة إلى الحضور، وهو رواية عن ابن عباس، وهذا الحديث يردّه، وبقية الآية صريح في الردّ عليه أيضًا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾. ١٦ - (السادسة عشرة): اختَلَف العلماء في المراد بالورود المذكور في الآية على أقوال: (أحدها): أن المرور على الصراط، وهو جِسْر منصوب على جهنم، حُكي عن ابن مسعود، وكعب الأحبار، وهو رواية عن ابن عباس، ويدل له ما رواه الطبرانيّ في «معجمه الكبير» عن عبد الرحمن بن بشير الأنصاريّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، لم يَرِدْ على النار إلا عابر سبيل»؛ يعني: الجواز على الصراط. (الثاني): أنه الوقوف عندها، حكاه النوويّ في «شرح مسلم». (الثالث): أنهم يدخلونها حقيقةً، ولكن تكون عليهم بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم الخليل؛ حين أدخل نار النمرود، حُكي عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله -﵃ -. (الرابع): أن المراد بورودها: ما يصيبهم في الدنيا من الْحُمَّى؛ لقوله - ﷺ -: «إن الحمى من فيح جهنم»، حكاه ابن بطال عن مجاهد، واستشهد بحديث أبي هريرة قال: «عاد رسول الله - ﷺ -، وأنا معه مريضًا كان يتوعك، فقال: أبشر، فإن الله يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن؛ لتكون حظه من نار الآخرة». ١٧ - (السابعة عشرة): الجمهور على حَمْل الاستثناء في قوله: «إلا تحلّة القَسَم» على ظاهره، وتأوله بعضهم، قال القاضي عياض: وقد يَحْتَمِل قوله: «إلا تحلة القسم»؛ أي: لا تمسه قليلًا، ولا مثل تحلّة القسم، كما قيل في قوله: إلا الفرقدان؛ أي: ولا الفرقدان. انتهى. والبيت الذي أشار إليه هو: وَكُلُّ أَخٍ مَفَارِقُهُ أَخُوهُ … لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ وهذا المعنى لـ «إلا»، وهو كونها عاطفة بمنزلة الواو في التشريك في اللفظ والمعنى، ذَكَره الأخفش، والفراء، وأبو عبيدة، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠، ١١]؛ أي: ولا الذين ظلموا، ولا من ظلم، وتأولهما الجمهور على الاستثناء المنقطع، وهذا المعنى إن صحّ فهو مرجوح، فالحمل على المعنى الراجح المعروف متعيِّن، والله أعلم. ١٨ - (الثامنة عشرة): استُدِلَّ بتعليله - ﷺ - دخول الآباء الجنة برحمة الأولاد، وشفاعتهم في آبائهم، على أن أولاد المسلمين في الجنة، وهو قول جمهور العلماء، وشذت الجبرية، فجعلوهم تحت المشيئة، وهذه السُّنَّة تردّ عليهم، وأجمع على ذلك من يُعْتَدّ به، وعليه يدل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآية، ويستحيل أن يكون الله تعالى يغفر لآبائهم بفضل رحمته إياهم، وهم غير مرحومين. وأما حديث عائشة -﵂-: «تُوُفِّي صبيّ من الأنصار، فقلت له: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه»، فقال النبيّ - ﷺ -: «أو غير ذلك يا عائشة، إن الله تعالى خلق للجنة أهلًا خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم». والجواب عنه من وجهين: (أحدهما): لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها
مصادر المؤلف (٢٨)

١. قال في «العمدة»: أصله من أصبهان، خرج منها حين افتتحها أبو موسى الأشعريّ.

٢. «عمدة القاري» ٢/ ١٣٣.

٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٦٩.

٤. «الفتح» ٣/ ٦٩٤، كتاب «الجنائز» رقم (١٢٤٩).

٥. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٤٢٦.

٦. «تنبيه المعلم» ص ٤٣٥.

٧. «الفتح» ١٧/ ١٩٩، كتاب «الاعتصام» رقم (٧٣١٠).

٨. «عمدة القاري»٢/ ١٣٤.

٩. «الفتح»١٧/ ١٩٩، كتاب«الاعتصام»رقم (٧٣١٠).

١٠. «الفتح»٣/ ٦٩٤.

١١. «الفتح»٣/ ٦٩٥.

١٢. «الفتح» ٣/ ٦٩٥.

١٣. «الفتح ٣/ ٦٩٥.

١٤. «الفتح» ٣/ ٦٩٦.

١٥. «الفتح» ٣/ ٦٩٥ - ٦٩٦، كتاب «الجنائز» رقم (١٢٤٩).

١٦. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٨٣.

١٧. يعني: الحافظ العراقيّ.

١٨. ضعّفه الشيخ الألبانيّ ﵀ «ضعيف الترغيب والترهيب».

١٩. أي: فالحديث ضعيف؛ للانقطاع.

٢٠. «إكمال المعلم» ٨/ ١١٥.

٢١. القائل هو وليّ الدين العراقيّ رحمه لله.

٢٢. هذا الحديث أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٥/ ٣٠٩، فقال:

٢٣. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢٣٦١.

٢٤. وقال الهيثميّ: رجال الطبرانيّ ثقات.

٢٥. وقع في الأصل: وفي معجم الطبراني لابن قانع، وهو غلط، والتصحيح من«الدرّ المنثور»، و«عمدة القاري».

٢٦. في«الإصابة»: حوشب ذو ظُليم، هو ابن طُخْية، وقيل: ابن طِخْمة، وقيل غير ذلك.

٢٧. القائل هو وليّ الدين ﵀.

٢٨. وأخرجه الطبرانيّ أيضًا في «المعجم الكبير» وفيه عليّ بن الربيع، وهو ضعيف، قاله الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٤/ ٢٥٨.