HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٤٣

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا أبو معاوية ووكيع. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نمير الهمداني (واللفظ له). حدثنا أبي وأبو معاوية ووكيع. قالوا: حدثنا الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو الصادق المصدوق «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما. ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك. ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك. ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح. ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع. فيسبق عليه الكتاب. فيعمل بعمل أهل النار. فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار. حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع. فيسبق عليه الكتاب. فيعمل بعمل أهل الجنة. فيدخلها».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص44
ج ٤ ص ٢٠٣٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٣٠٥
فَلَيْسَ بِمَجْبُورٍ عَدِيمِ الإِرَادَةِ … وَلَكِنَّهُ شَاءٍ بِخَلْقِ الإِرَادَةِ وَمِنْ أَعْجَبِ الأَشْيَاءِ خَلْقُ مَشِيئَةٍ … بَهَا صَارَ مُخْتَارَ الْهُدَى بِالضَّلَالَةِ فَقَوْلُكَ هَلْ أَخْتَارُ تَرْكًا لِحِكْمَةٍ … كَقَوْلِكَ هَلْ أَخْتَارُ تَرْكَ الْمَشِيئَةِ وَأَخْتَارُ أَنْ لا أخْتَارَ فِعْلَ ضَلَالَةٍ … وَلَوْ نِلْتُ هَذَا التَّرْكَ فُزْتُ بِتَوْبَةِ وَذَا مُمْكِنٌ لَكِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ … عَلَى مَا يَشَاءُ اللَّهُ مِنْ ذِي الْمَشِيئَةِ فَدُونَكَ فَافْهَمْ مَا بِهِ قَدْ أَجَبْتُ مِنْ … مَعَانٍ إِذَا انْحَلَّتْ بِفَهْم غَرِيزَةِ أَشَارَتْ إِلَى أَصْلٍ يُشِيرُ إِلَى الْهُدَى … وَللَّهِ رَبِّ الْخَلْقِ أَكْمَل مِدْحَةِ وَصَلَّى إِلَهُ الْخَلْقِ ﷻ … عَلَى الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ انتهت قصيدة شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في الردّ على سؤال في قصيدة وجهها بعض الذمِّيين معترضًا على القَدَر، فأجابه ﵀ بهذه القصيدة الجامعة الفاذّة، فأجاد وأفاد، جزاه الله عن دفاعه عن الإسلام خير الجزاء، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) - (بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآدَمِيِّ في بَطْنِ أُمِّه، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقَاوَتِه، وَسَعَادَتِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوَّل الكتاب قال: [٦٧٠٠] (٢٦٤٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «إِنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، بِكَتْبِ رِزْقهِ ، وَأَجَلِه، وَعَمَلِه، وَشَقِيٌّ، أَو سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّة، حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّار، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّار، حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّة، فَيَدْخُلُهَا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عبدُ اللهِ بن نُمير) - بنون، مصغَّرًا - الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ صاحب حديث، من أهل السُّنَّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) وله أربع وثمانون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (زيدُ بْنُ وَهْبٍ) الْجُهَنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليلٌ، لم يُصِب من قال: في حديثه خلل [٢] مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست وتسعين (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٧/ ٣٧٤. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين، و«عبد الله» هو: ابن مسعود - ﵁ -. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان، فرَّق بينهما بالتحويل، وكلاهما مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه ابن مسعود - ﵁ - من مشاهير الصحابة - ﵃ -. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -، وفي رواية للبخاريّ: «سمعت عبد الله بن مسعود» (قَالَ:) عبد الله (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ:) قال الطيبيّ ﵀: يَحْتَمِل أن تكون الجملة حاليّةً، ويَحْتَمِل أن تكون اعتراضيّةً، وهو أَولى؛ لتعمّ الأحوال كلها، وأن ذلك من دأبه، وعادته. وقوله: «الصادق»؛ أي: الكامل في الصدق، أو الظاهر كونه صادقًا بشهادة المعجزات الباهرات، وليس المراد أنه الصادق دون غيره. وقوله: «المصدوق»؛ أي: الذي جاءه الصدق من ربّه، وليس معناه: الْمُصَدَّق - بفتح الدال المشدّدة - أي: الذي صَدَّقه المؤمنون، وإن كان هو في الواقع موصوفًا بكونه مُصَدَّقًا أيضًا. قاله السنديّ ﵀ . وقال في «الفتح»: قوله: «الصادق» معناه: المُخبِر بالقول الحقّ، ويُطلق على الفعل، يقال: صدق القتال، وهو صادق فيه، والمصدوق معناه: الذي يُصْدَق له في القول، يقال: صَدَقته الحديثَ: إذا أخبرته به إخبارًا جازمًا، أو معناه: الذي صَدَقه الله تعالى وَعْدَهُ. وقال الكرمانيّ : لَمّا كان مضمون الخبر أمرًا مخالفًا لِمَا عليه الأطباء، أشار بذلك إلى بطلان ما ادَّعَوْه، ويَحْتَمِل أنه قال ذلك؛ تلذذًا به، وتبركًا، وافتخارًا، ويؤيّده وقوع هذا اللفظ بعينه في حديثٍ ليس فيه إشارة إلى بطلان شيء يخالف ما ذُكر، وهو ما أخرجه أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة: سمعت الصادق المصدوق يقول: «لا تُنزع الرحمة إلا من شقيّ»، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاريّ: سمعت الصادق المصدوق يقول: «هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش». («إِنَّ أَحَدَكُمْ) بفتح همزة»أنَّ«، وهو الظاهر، وكسرها على الحكاية. قال أبو البقاء ﵀ في إعراب«المسند»: لا يجوز في«أنّ»إلا الفتح؛ لأنها وما عملت فيه معمول«حدثنا»، فلو كُسِرت لصار مستأنفًا منقطعًا عن قوله:«حدثنا». [فإن قلت]: اكسِرْ، واحْمِل«حدّثنا»على«قال». [قيل]: هذا خلاف الظاهر، ولا يُترك الظاهر إلى غيره، إلا لدليل مانع من الظاهر، ولو جاز مثل هذا من غير أن يثبت به النقل لجاز في مثل قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] الكسر؛ لأن معنى«يعدكم»: يقول لكم، وقد اتفق القراء على أنها بالفتح. وقال الزركشيّ: وردّ عليه القاضي شمس الدين الخوبيّ، وقال: الكسر واجب؛ لأنه الرواية، ووجهه على الحكاية، كقول الشاعر: سَمِعْتُ النَّاسُ يَنْتَجِعُونَ غَيْثًا برفع«الناسُ». وجزم النووي في«شرحه» بكونه بالكسر على الحكاية، وجوَّز الفتح، وقد جزم ابن الجوزي بأنه في الرواية بالكسر فقط. قال الخوبي: ولو لم تجئ به الرواية لَمَا امتنع جوازًا على طريق الرواية بالمعنى، وأجاب عن الآية بأن الوعدَ مضمون الجملة، وليس بخصوص لفظها، فلذلك اتفقوا على الفتح، فأما هنا فالتحديث يجوز أن يكون بلفظه وبمعناه. انتهى . (يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) كذا في رواية أبي معاوية، ووكيع، وابن نمير هنا، وفي الرواية الآتية: «إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه»، وفي رواية عند البخاريّ: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه»، وفي رواية عند ابن ماجه: «إنه يُجمع خلق أحدكم في بطن أمه»، وفي رواية بلفظ: «ابن آدم» بدل «أحدكم». والمراد بالجمع: ضمّ بعضه إلى بعض بعد الانتشار، وفي قوله: «خلق» تعبير بالمصدر عن الجثّة، وحُمِل على أنه بمعنى المفعول، كقولهم: هذا درهمٌ ضَرْبُ الأميرِ؛ أي: مضروبه، أو على حذف مضاف؛ أي: ما يقوم به خَلْقُ أحدكم، أو أُطلق مبالغةً، كقوله: وَإِنَّمَا هِيَ إَقْبَالٌ وَإِدْبَارُ سَمِعْتُ النَّاسُ يَنْتَجِعُونَ غَيْثًا … بِسَائِقَةِ الْبَيَاضِ إِلَى الْوَحِيدِ تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إَذَا ادَّكَرَتْ … فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ جعلها نفس الإقبال والإدبار؛ لكثرة وقوع ذلك منها. قال القرطبيّ في «المفهم»: المراد: أن المنيّ يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوّة الشهوانية الدافعة مبثوثًا متفرقًا، فيجمعه الله في محل الولادة من الرحم في هذه المدّة . (أَرْبَعِينَ يَوْمًا) في رواية وكيع الآتية: «أربعين ليلة»، وفي رواية معاذ عن شعبة: «أربعين يومًا، أوأربعين ليلة» بالشكّ، وفي حديث جرير وعيسى: «أربعين يومًا». وقال في «الفتح»: قوله: «أربعين يومًا» زاد في رواية آدم: «أو أربعين ليلة»، وكذا لأكثر الرواة عن شعبة بالشكّ، وفي رواية يحيى القطان، ووكيع، وجرير، وعيسى بن يونس: «أربعين يومًا» بغير شكّ، وفي رواية سلمة بن كهيل: «أربعين ليلة» بغير شكّ. ويُجمع بأن المراد: يوم بليلته، أو ليلة بيومها. ووقع عند أبي عوانة من رواية وهب بن جرير، عن شعبة مثل رواية آدم، لكن زاد «نطفة» بين قوله: «أحدكم» وبين قوله: «أربعين»، فبيّن أن الذي يُجمع هو النطفة، والمراد بالنطفة: المنيّ، وأصله: الماء الصافي القليل، والأصل في ذلك: أن ماء الرجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع، وأراد الله أن يخلق من ذلك: جنينًا هيّأ أسباب ذلك؛ لأن في رحم المرأة قوتين: قوّة انبساط عند ورود منيّ الرجل، حتى ينتشر في جسد المرأة، وقوّة انقباض بحيث لا يسيل من فرجها مع كونه منكوسًا، ومع كون المنيّ ثقيلًا بطبعه، وفي منيّ الرجل قوة الفعل، وفي منيّ المرأة قوة الانفعال، فعند الامتزاج يصير منيّ الرجل كالإنفَحَة للَّبَن، وقيل: في كل منهما قوّة فعل وانفعال، لكن الأول في الرجل أكثر، وبالعكس في المرأة. وزعم كثير من أهل التشريح أن منيّ الرجل لا أثر له في الولد إلا في عَقْده، وأنه إنما يتكون من دم الحيض، وأحاديث الباب تُبطل ذلك، وما ذُكر أوّلًا أقرب إلى موافقة الحديث، والله أعلم. وقال ابن الأثير ﵀ في «النهاية»: يجوز أن يريد بالجمع: مُكث النطفة في الرحم؛ أي: تمكث النطفة أربعين يومًا تخمر فيه حتى تتهيأ للتصوير، ثم تخلق بعد ذلك. وقيل: إن ابن مسعود فسّره بأن النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله أن يخلق منها بشرًا طارت في جسد المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين يومًا، ثم تنزل دمًا في الرحم، فذلك جَمَعها. قال الحافظ: هذا التفسير ذكره الخطابيّ، وأخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير» من رواية الأعمش أيضًا عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود. وقوله: «فذلك جَمْعها» كلام الخطابيّ، أو تفسير بعض رواة حديث الباب، وأظنه الأعمش، فظنَّ ابن الأثير أنه تتمة كلام ابن مسعود، فأدرجه فيه، ولم يتقدم عن ابن مسعود في رواية خيثمة ذِكر الجمع حتى يفسره. وقد رجَّح الطيبي هذا التفسير، فقال: الصحابي أعلم بتفسير ما سَمِع، وأحقّ بتأوبله، وأَولى بقبول ما يتحدث به، وأكثر احتياطًا في ذلك من غيره، فليس لمن بعده أن يتعقب كلامه. وقد وقع في حديث مالك بن الحويرث، رَفَعَهُ ما ظاهره يخالف التفسير المذكور، ولفظه: «إذا أراد الله خَلْق عبد، فجامع الرجل المرأة، طار ماؤه في كل عِرْق وعضو منها، فإذا كان يوم السابع جمعه الله، ثم أحضره كل عِرْق له دون آدم في أي صورة ما شاء ركبه»، وفي لفظ: «ثم تلا: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٨]؛ وله شاهد من حديث رباح اللخميّ، لكن ليس فيه ذِكر يوم السابع. وحاصله: أن في هذا زيادة تدلّ على أن الشَّبَه يحصل في اليوم السابع، وأن فيه ابتداء جَمْع المنيّ، وظاهر الروايات الأخرى أن ابتداء جَمْعه من ابتداء الأربعين. وقد وقع في رواية عبد الله بن ربيعة، عن ابن مسعود: أن النطفة التي تُقْضَى منها النفس إذا وقعت في الرحم كانت في الجسد أربعين يومًا، ثم تحادرت دمًا، فكانت عَلَقَةً. وفي حديث جابر: أن النطفة إذا استقرّت في الرحم أربعين يومًا، أو ليلة، أَذِن الله في خَلْقها، ونحوه في حديث عبد الله بن عمرو. وفي حديث حذيفة بن أَسِيد، من رواية عكرمة بن خالد، عن أبي الطفيل عنه، أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلةً، ثم يتسوَّر عليها الملَك، وكذا في رواية يوسف المكيّ، عن أبي الطفيل عند الفريابيّ، وعنده، وعند مسلم، من رواية عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل: «إذا مرَّ بالنطفة ثلاث وأربعون» وفي نسخة: «اثنتان وأربعون ليلة»، وفي رواية ابن جريج، عن أبي الزبير، عند أبي عوانة: «اثنتان وأربعون»، وهي عند مسلم، لكن لم يَسُق لفظها، قال: مثل عمرو بن الحارث، وفي رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبي الطفيل، عند مسلم أيضًا: «إذا أراد الله أن يخلق شيئًا يأذن له لبضع وأربعين ليلة». وفي رواية عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل: «يدخل الملَك على النطفة بعدما تستقرّ في الرحم بأربعين، أو خمس وأربعين»، وهكذا رواه ابن عيينة، عن عمرو، عند مسلم. ورواه الفريابيّ من طريق محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عمرو، فقال: «خمسة وأربعين ليلة»، فجزم بذلك. فحاصل الاختلاف: أن حديث ابن مسعود لم يَختلف في ذِكر الأربعين، وكذا في كثير من الأحاديث، وغالبها، كحديث أنس عند البخاريّ لا تحديد فيه، وحديث حذيفة بن أَسيد اختلفت ألفاظ نَقَلَتِه، فبعضهم جزم بالأربعين، كما في حديث ابن مسعود، وبعضهم زاد ثنتين، أو ثلاثًا، أو خمسًا، أو بضعًا، ثم منهم من جزم، ومنهم من تردد. وقد جمع بينها القاضي عياض بأنه ليس في رواية ابن مسعود بأن ذلك يقع عند انتهاء الأربعين الأُولى، وابتداء الأربعين الثانية، بل أطلق الأربعين، فاحتَمَلَ أن يريد: أن ذلك يقع في أوائل الأربعين الثانية. ويَحْتَمِل أن يُجمع الاختلاف في العدد الزائد، على أنه بحسب اختلاف الأجنّة، وهو جيّد، لو كانت مخارج الحديث مختلفة، لكنها متّحدة، وراجعة إلى أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيد، فدلّ على أنه لم يضبط القَدْر الزائد على الأربعين، والخَطْب فيه سهل، وكلّ ذلك لا يدفع الزيادة التي في حديث مالك بن الحويرث في إحضار الشَّبَه في اليوم السابع، وأن فيه يبتدئ الجمع بعد الانتشار، وقد قال ابن منده: إنه حديث متّصل على شرط الترمذيّ، والنسائيّ، واختلاف الألفاظ بكونه في البطن، وبكونه في الرحم لا تأثير له؛ لأنه في الرحم حقيقةً، والرحم في البطن، وقد فسَّروا قوله تعالى: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦] بأن المراد؛ ظُلمة المشيمة، وظلمة الرَّحِم، وظلمة البطن، فالمشيمة في الرحم، والرحم في البطن. (ثُمَّ يَكُونُ)؛ أي: يصير خَلْقُ أحدكم؛ أي: مادّةُ خلقه، وهي النطفة، (فِي ذَلِكَ) الرحم (عَلَقَةً) - بفتحتين -: أي: دمًا جامدًا غليظًا، وسُمّي بذلك للرطوبة التي فيه، وتَعَلُّقه بما مَرّ به، (مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل الزمن المذكور، وهو الأربعون. وقال القرطبيّ ﵀: «ذلك» الأول إشارة إلى المحلّ الذي اجتمعت فيه النطفة، وصارت علقَةً، و«ذلك» الثاني إشارة إلى الزمان الذي هو الأربعون، وكذلك القول في قوله: «ثم يكون في ذلك مضغةً مثل ذلك»، والمضغة: قَدْر ما يَمضغه الماضغ من لحم أو غيره. انتهى (١). وفي رواية للبخاريّ: «ثم علقةً مثل ذلك»، وفي رواية له: «ثم تكون علقة مثل ذلك»، قال في «الفتح»: و«تكون» هنا بمعنى تصير؛ ومعناه: أنها تكون بتلك الصفة مدة الأربعين، ثم تنقلب إلى الصفة التي تليها، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: تصييرها شيئًا فشيئًا، فيخالط الدم النطفةَ في الأربعين الأُولى بعد انعقادها، وامتدادها، وتجري في أجزائها شيئًا فشيئًا حتى تتكامل علقةً في أثناء الأربعين، ثم يخالطها اللحم شيئًا فشيئًا إلى أن تشتد، فتصير مضغةً، ولا تسمى علقة قبل ذلك ما دامت نطفة، وكذا ما بعد ذلك من زمان العَلَقة والمضغة. وأما ما أخرجه أحمد من طريق أبي عبيدة قال: قال عبد الله، رَفَعه: «إن النطفة تكون في الرحم أربعين يومًا على حالها، لا تتغير» ففي سنده ضَعْف، وانقطاع، فإن كان ثابتًا حُمِل نفي التغير على تمامه؛ أي: لا تنتقل إلى وصف العلقة إلا بعد تمام الأربعين، ولا ينفي أن المنيّ يستحيل في الأربعين الأولى دمًا إلى أن يصير علقة. انتهى. - ﷺ - (١) «المفهم» ٦/ ٦٥٠. وقد نقل الفاضل عليّ بن المهذب الحمويّ الطبيب اتفاق الأطباء على أن خَلْق الجنين في الرحم يكون في نحو الأربعين، وفيها تتميز أعضاء الذَّكر دون الأنثى؛ لحرارة مزاجه، وقواه، وأعيد إلى قوام المني الذي تتكون أعضاؤه منه، ونضجه، فيكون أقبل للشكل والتصوير، ثم يكون علقة مثل ذلك، والعلقة قطعة دم جامد، قالوا: وتكون حركة الجنين في ضُعف المدة التي يُخلق فيها، ثم يكون مضغة مثل ذلك؛ أي: لحمة صغيرة، وهي الأربعون الثالثة، فتتحرك. قال: واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر. وذكر الشيخ شمس الدين ابن القيّم أن داخل الرحم خَشِنٌ كالسفنج، وجعل فيه قبولًا للمنيّ، كطلب الأرض العطشى للماء، فجعله طالبًا مشتاقًا إليه بالطبع، فلذلك يمسكه، ويشتمل عليه، ولا يُزلقه، بل ينضم عليه؛ لئلا يفسده الهواء، فيأذن الله لملَك الرحم في عَقْده، وطبخه أربعين يومًا، وفي تلك الأربعين يُجمع خلقه، قالوا: إن المنيّ إذا اشتمل عليه الرحم، ولم يقذفه استدار على نفسه، واشتدّ إلى تمام ستة أيام، فينقط فيه ثلاث نقط في مواضع القلب، والدماغ، والكبد، ثم يظهر فيما بين تلك النقط خطوط خمسة إلى تمام ثلاثة أيام، ثم تنفذ الدموية فيه إلى تمام خمسة عشر، فتتميز الأعضاء الثلاثة، ثم تمتد رطوبة النخاع إلى تمام اثني عشر يومًا، ثم ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الضلوع، والبطن عن الجنين في تسعة أيام، ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحسّ في أربعة أيام، فيكمل أربعين يومًا، فهذا معنى قوله - ﷺ -: «يُجمع خلقه في أربعين يومًا»، وفيه تفصيلُ ما أُجمل فيه. ولا ينافي ذلك قوله: «ثم تكون علقة مثل ذلك» فإن العلقة، وإن كانت قطعة دم، لكنها في هذه الأربعين الثانية تنتقل عن صورة المنيّ، ويظهر التخطيط فيها ظهورًا خفيًّا على التدريج، ثم يتصلب في الأربعين يومًا بتزايد ذلك التخليق شيئًا فشيئًا، حتى يصير مضغة مخلقةً، ويظهر للحسّ ظهورًا لا خفاء به، وعند تمام الأربعين الثالثة، والطعن في الأربعين الرابعة، ينفخ فيه الروح، كما وقع في هذا الحديث الصحيح، وهو ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي، حتى قال كثير من فضلاء الأطباء، وحذّاق الفلاسفة: إنما يُعرف ذلك بالتوهم والظن البعيد، واختلفوا في النقطة الأُولى أيها أسبق، والأكثر: نُقَط القلب، وقال قوم: أول ما يُخلق منه السُّرّة؛ لأن حاجته من الغذاء أشدّ من حاجته إلى آلات قواه، فإن من السرّة ينبعث الغذاء، والحُجُب التي على الجنين في السرّة كأنها مربوط بعضها ببعض، والسرّة في وسطها، ومنها يتنفس الجنين، ويتربى، وينجذب غذاؤه منها. (ثم يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ) المراد مثل مدة الزمان المذكور في الاستحالة، والمضغة: قطعة اللحم، سُمِّيت بذلك؛ لأنها قَدْر ما يمضغ الماضغ. (ثم يُرْسَلُ الْمَلَكُ) وفي بعض النسخ: «ثم يرسل الله الملك»، وفي رواية للبخاريّ: «ثم يبعث الله ملكًا»؛ أي: يبعث الله إليه الملَك في الطور الرابع حينما يتكامل بنيانه، وتتشكّل أعضاؤه، فيعيّن، ويُنقش فيه ما يليق به من الأعمال والأعمار والأرزاق حسبما اقتضته حكمته، وسبقت كلمته، فمن وجده مستعدًّا لقبول الحقّ واتّباعه، ورآه أهلًا للخير، وأسباب الصلاح، متوجّهًا إليه أثبته في عِداد السعداء، وكَتب له أعمالًا صالحةً تناسب ذلك، ومن وجده جافيًا، قاسي القلب، ضاريًا بالطبع، متنائيًا عن الحقّ أَثبت ذِكره في ديوان الأشقياء الهالكين، وكَتب له ما يُتَوَقَّع منه من الشرور والمعاصي، هذا إذا لم يعلم من حاله وقوع ما يَقتضي تغيّر ذلك، وإن علم من ذلك شيئًا كتب له أوائل أمره وأواخره، وحكم عليه وفقَ ما يَتمّ به عمله؛ فإن مِلاك العمل خواتمه، وهو الذي يسبق إليه الكتاب، فيعمل عمل أهل الجنّة. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ . وقال في «الفتح»: اللام في «الملَك» للعهد، والمراد به: عهدٌ مخصوص، وهو جنس الملائكة الموكلين بالأرحام، كما ثبت في رواية حذيفة بن أَسِيد من رواية ربيعة بن كلثوم: «أن ملكًا موكلًا بالرحم»، ومن رواية عكرمة بن خالد: «ثم يتسوَّر عليها الملَك الذي يُخَلِّقها» وهو بتشديد اللام. وفي رواية أبي الزبير عند الفريابيّ: «أتى ملك الأرحام» وأصله عند مسلم، لكن بلفظ: «بعث الله ملكًا». وفي حديث ابن عمر: «إذا أراد الله أن يخلق النطفة قال ملك الأرحام»، وفي حديث أنس: «وكَل الله بالرحم ملكًا». وقال الكرمانيّ : إذا ثبت أن المراد بالملَك مَن جُعل إليه أمر تلك الرحم، فكيف يُبعَث، أو يرسل؟ وأجاب بأن المراد: أن الذي يُبعث بالكلمات غير الملَك الموكل بالرحم الذي يقول: يا رب نطفة إلخ، ثم قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالبعث: أنه يؤمر بذلك. قال الحافظ: وهو الذي ينبغي أن يُعَوَّل عليه، وبه جزم القاضي عياض وغيره. وقد وقع في رواية يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش: «إذا استقرت النطفة في الرحم أخذها الملَك بكفه، فقال: أيْ رب أذَكَر أو أنثى؟. . .» الحديث، وفيه: «فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق، فيجد ذلك»، فينبغي أن يفسَّر الإرسال المذكور بذلك. [تنبيه]: قال في «الفتح»: اختُلف في أول ما يتشكل من أعضاء الجنين، فقيل: قلبه؛ لأنه الأساس، وهو معدن الحركة الغريزية، وقيل: الدماغ؛ لأنه مجمع الحواسّ، ومنه ينبعث، وقيل: الكبد؛ لأن فيه النموّ والاغتذاء الذي هو قوام البدن، ورجّحه بعضهم بأنه مقتضى النظام الطبيعيّ؛ لأن النموّ هو المطلوب أولًا، ولا حاجة له حينئذ إلى حسّ ولا حركة إرادية؛ لأنه حينئذ بمنزلة النبات، وإنما يكون له قوّة الحسّ، والإرادة عند تعلق النفس به، فيقدَّم الكبد، ثم القلب، ثم الدماغ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: إن الاختلاف في مثل هذا مما لا ينبغي؛ إذ لا فائدة فيه، ولا نصّ يُعتمد عليه، فلا ينبغي الخوض في مثله، فيا ليت أهل العلم لم يشتغلوا بمثله، ويضيّعوا أوقاتهم فيما لا يعنيهم، والله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل. (فَيَنْفُح فِيهِ الرُّوحَ) ظاهر هذه الرواية أن نَفْخ الروح قبل الكتابة، ورواية آدم بن أبي إياس عند البخاريّ صريحة في تأخير النفخ؛ للتعبير بقوله: «ثم»، ورواية مسلم هذه محتملة، فتُردّ إلى الصريحة؛ لأن الواو لا ترتِّب، فيجوز أن تكون معطوفة على الجملة التي تليها، وأن تكون معطوفة على جملة الكلام المتقدّم؛ أي: يُجمع خلقه في هذه الأطوار، ويؤمر الملَك بالكتب، وتوسَّط قوله: «ينفخ فيه الروح» بين الْجُمَل، فيكون من ترتيب الخبر على الخبر، لا من ترتيب الأفعال المخبَر عنها. ونقل ابن الزملكانيّ عن ابن الحاجب في الجواب عن ذلك؛ أن العرب إذا عَبَّرت عن أمر بعدة أمور متعددة، ولبعضها تعلّق بالأول حَسُن تقديمه لفظًا على البقية، وإن كان بعضها متقدمًا عليه وجودًا، وحَسُن هنا؛ لأن القصد ترتيب الخلق الذي سيق الكلام لأجله. وقال عياض: اختَلَفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع، ولم يُختلف أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعوّل فيما يُحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وغير ذلك بحركة الجنين في الجوف، وقد قيل: إنه الحكمة في عدّة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهو الدخول في الخامس، وزيادة حذيفة بن أسيد مُشْعِرة بأن الملَك لا يأتي لرأس الأربعين، بل بعدها، فيكون مجموع ذلك أربعة أشهر وعشرًا، وهو مصرَّح به في حديث ابن عباس: «إذا وقعت النطفة في الرحم، مكثت أربعة أشهر وعشرًا، ثم ينفخ فيها الروح». وما أشار إليه من عدة الوفاة جاء صريحًا عن سعيد بن المسيِّب، فأخرج الطبريّ عنه أنه سئل عن عدّة الوفاة، فقيل له: ما بال العشرة بعد الأربعة أشهر؟ فقال: يُنفخ فيها الروح. وقد تمسَّك به من قال كالأوزاعيّ وإسحاق: إن عدة أم الولد مثل عدة الحرّة، وهو قويّ؛ لأن الغرض استبراء الرحم، فلا فرق فيه بين الحرة والأمة، فيكون معنى قوله: «ثم يُرسل إليه الملك»؛ أي: لتصويره، وتخليقه، وكتابة ما يتعلق به، فينفخ فيه الروح إثر ذلك، كما دلت عليه رواية البخاريّ وغيره. ووقع في حديث عليّ بن عبد الله عند ابن أبي حاتم: «إذا تمَّت للنطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملَكًا، فينفخ فيها الروح، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وسنده منقطع، وهذا لا ينافي التقييد بالعشر الزائدة. ومعنى إسناد النفخ للملك أنه يفعله بأمر الله، والنفخ في الأصل: إخراج ريح من جوف النافخ؛ ليدخل في المنفوخ فيه، والمراد بإسناده إلى الله تعالى أن يقول له: كن، فيكون. وجَمَع بعضهم بأن الكتابة تقع مرتين، فالكتابة الأُولى في السماء، والثانية في بطن المرأة، ويَحْتَمِل أن تكون إحداهما في صحيفة، والأخرى على جبين المولود، وقيل: يَختلف باختلاف الأجنة، فبعضها كذا، وبعضها كذا، والأول أَولى . (ويُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ)؛ أي: يؤمر بكتب أربعة أشياء من أحوال الجنين، والمراد بالكلمات: القضايا المقدرّة، وكل قضيّة تسمى كلمة، وقوله: (بِكَتْبِ رِزْقِه، وَأَجَلِه، وَعَمَلِهِ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، وفي بعض النسخ: «يكتب رزقه»، فالجملة مستأنفة، ووجّه في «الفتح» هذه النسخة، وفي رواية أبي الأحوص عن الأعمش: «فيؤمر بأربع كلمات»، ويقال له: اكتب، فذَكَر الأربع، وقوله: (وَشَقِيٌّ، أَو سَعِيدٌ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو، والجملة عَطْف على مفعول «اكتُب»؛ لأنه أريدَ بها لَفْظها باعتبار الوجود الْكَتْبيّ، دون اللفظيّ، فإن اللفظ لا يكون لفظًا إلا بالتلفّظ، لا بالكتابة، ثم الترديد في الحكاية، لا في المحكيّ، وإنما جاءت الحكاية على لفظ الترديد نظرًا إلى التوزيع والتقسيم على آحاد المولود، فمنهم شقيّ وسعيد. قاله السنديّ . قال في «الفتح»: وتكلّف الخوبي في قوله: إنه يؤمر بأربع كلمات، فيكتب منها ثلاثًا، والحقّ أن ذلك من تصرّف الرواة، والمراد: أنه يكتب لكل أحد إما السعادة، وإما الشقاء، ولا يكتبهما لواحد معًا، وإن أمكن وجودهما منه؛ لأن الحكم إذا اجتمعا للأغلب، وإذا ترتبا فللخاتمة، فلذلك اقتصر على أربع، وإلا لقال: خمس. والمراد من كتابة الرزق: تقديره قليلًا أو كثيرًا، وصفته حرامًا، أو حلالًا، وبالأجل هل هو طويل، أو قصير، وبالعمل هو صالح، أو فاسد. ووقع لأبي داود من رواية شعبة والثوري جميعًا عن الأعمش: «ثم يُكتب شقيًّا أو سعيدًا». ومعنى قوله: «شقيّ، أو سعيد» أن الملك يكتب إحدى الكلمتين، كأن يكتب مثلًا: أجل هذا الجنين كذا، ورزقه كذا، وعمله كذا، وهو شقيّ باعتبار ما يُختم له، وسعيد باعتبار ما يُختم له، كما دل عليه بقية الخبر، وكان ظاهر السياق أن يقول: ويكتب شقاوته، وسعادته، لكن عَدَلَ عن ذلك؛ لأن الكلام مسوق إليهما، والتفصيل وارد عليهما، أشار إلى ذلك الطيبيّ ﵀. ووقع في حديث أنس: «إن الله وَكَّلَ بالرحم ملكًا، فيقول: أيْ رب أَذَكر أو أنثى؟»، وفي حديث عبد الله بن عمرو: «إذا مكثت النطفة في الرحم أربعين ليلة، جاءها ملك، فقال: اخلق يا أحسن الخالقين، فيقضي الله ما شاء، ثم يدفع إلى الملك، فيقول: يا رب أسِقْطٌ أم تامّ؟، فيبيّن له، ثم يقول: أواحد أم توأم؟ فيبيّن له، فيقول: أذَكر أم أنثى؟ فيبيّن له، ثم يقول: أناقص الأجل أم تامّ الأجل؟ فيبيّن له، ثم يقول: أشقيّ أم سعيد؟ فيبيّن له، ثم يقطع له رزقه مع خلقه، فيهبط بهما». ووقع في غير هذه الرواية أيضًا زيادة على الأربع، ففي رواية عبد الله بن ربيعة، عن ابن مسعود: «فيقول: اكتب رزقه، وأثره، وخلقه، وشقيّ أو سعيد». وفي رواية خُصيف، عن أبي الزبير، عن جابر من الزيادة: «أي رب مصيبته؟ فيقول: كذا وكذا». وفي حديث أبي الدرداء، عند أحمد، والفريابيّ: «فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من عمله، وأجله، ورزقه، وأثره، ومضجعه». وأما صفة الكتابة: فظاهر الحديث أنها الكتابة المعهودة في صحيفته، ووقع ذلك صريحًا في حديث حذيفة بن أَسِيد الآتية عند مسلم: «ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها، ولا ينقص»، وفي رواية الفريابيّ: «ثم تُطْوَى تلك الصحيفة إلى يوم القيامة». ووقع في حديث أبي ذرّ: «فيقضي الله ما هو قاضٍ، فيكتب ما هو لاقٍ، بين عينيه، وتلا أبو ذرّ خمس آيات من فاتحة سورة التغابن»، ونحوه في حديث ابن عمر في «صحيح ابن حبان» دون تلاوة الآية، وزاد: «حتى النكبة يُنكبها»، وأخرجه أبو داود في «كتاب القَدَر» المُفْرَد. انتهى . وقال ابن أبي جمرة ﵀ : في الحديث في رواية أبي الأحوص يَحْتَمِل أن يكون المأمور بكتابته الأربع المأمور بها، وَيحْتَمل غيرها، والأول أظهر؛ لِمَا بيّنته بقيّة الروايات. انتهى. [تنبيه]: حديث ابن مسعود - ﵁ - بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار، كلُّ طور منها في أربعين، ثم بعد تكملتها يُنفخ فيه الروح، وقد ذَكَر الله تعالى هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييد بمدة في عِدة سُوَر، منها في «سورة الحج» قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج: ٥] ودلت هذه الآية على أن التخليق يكون للمضغة، وبَيّن الحديثُ أن ذلك يكون فيها إذا تكاملت الأربعين، وهي المدة التي إذا انتهت سُمِّيت مضغة، وذكر الله النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة في سُوَر أخرى، وزاد في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ بعد المضغة: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ الآية [المؤمنون: ١٤]، ويؤخذ منها، ومن حديث الباب أن تصيير المضغة عظامًا بعد نَفْخ الروح. ووقع في آخر رواية أبي عبيدة المتقدِّم ذِكرها قريبًا بعد ذِكر المضغة: «ثم تكون عظامًا أربعين ليلة، ثم يكسو الله العظام لحمًا». وقد رَتَّبَ الأطوار في الآية بالفاء؛ لأن المراد: أنه لا يتخلل بين الطورين طَوْر آخر، ورتَّبها في الحديث بـ «ثُمَّ» إشارة إلى المدة التي تتخلل بين الطورين ليتكامل فيها الطور، وإنما أتى بـ «ثم» بين النطفة والعَلَقة؛ لأن النطفة قد لا تتكوّن إنسانًا، وأتى بـ «ثم» في آخر الآية عند قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ الآية [المؤمنون: ١٤] ليدل على ما يتجدد له بعد الخروج من بطن أمه، وأما الإتيان بـ «ثم» في أول القصة بين السُّلالة والنطفة، فللإشارة إلى ما تخلل بين خَلْق آدم وخَلْق ولده. ووقع في حديث حُذيفة بن أَسيد الآتي عند مسلم ما ظاهره يخالف حديث ابن مسعود، ولفظه: «إذا مَرّ بالنطفة ثلاث وأربعون»، وفي نسخة: «ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملَكًا فصوَّرها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال: أيْ رب أذَكَر أم أنثى؟ فيَقضِي ربك ما شاء، وَيكتُب الملك، ثم يقول: يا رب أجله. . .» الحديث، هذه رواية عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أَسِيد في مسلم، ونسبها عياض في ثلاثة مواضع من شرح هذا الحديث إلى رواية ابن مسعود، وهو وَهَمٌ، وإنما لابن مسعود في أول الرواية ذِكْرُ قوله: «الشقيُّ من شَقِيَ في بطن أمه، والسعيدُ من وُعِظ بغيره»، فقط، وبقية الحديث إنما هو لحذيفة بن أَسيد، وقد أخرجه جعفر الفريابي من طريق يوسف المكيّ، عن أبي الطُّفيل عنه بلفظ: «إذا وقعت النطفة في الرحم، ثم استقرت أربعين ليلةً، قال: فيجيء ملَك الرحم فيدخل، فيصوِّر له عظمه ولحمه وشعره وبشره وسمعه وبصره، ثم يقول: أيْ رب أذَكَر أوأنثى؟. . .» الحديث. قال القاضي عياض: وحَمْل هذا على ظاهره لا يصح؛ لأن التصوير بأثر النطفة وأوّلِ العَلَقة في أول الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود، وإنما يقع التصوير في آخر الأربعين الثالثة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ الآية [المؤمنون: ١٤]، قال: فيكون معنى قوله: «فصوّرها إلخ»؛ أي: كتب ذلك، ثم يفعله بعد ذلك، بدليل قوله بعدُ: «أذكر أو أنثى؟»، قال: وخَلْقه جميعَ الأعضاء، والذكوريةُ والأنثوية، يقع في وقت متفق، وهو مُشَاهَد فيما يوجد من أجنة الحيوان، وهو الذي تقتضيه الخلقة، واستواء الصورة، ثم يكون للملك فيه تصوّر آخر، وهو وقت نَفْخ الروح فيه، حين يكمل له أربعة أشهر، كما اتفق عليه العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر. انتهى ملخصًا. وقد بسطه ابن الصلاح في «فتاويه»، فقال ما مُلَخَّصه: أعرض البخاري عن حديث حُذيفة بن أَسِيد إما لكونه من رواية أبي الطفيل عنه، وإما لكونه لم يره ملتئمًا مع حديث ابن مسعود، وحديثُ ابن مسعود لا شك في صحته، وأما مسلم فأخرجهما معًا، فاحتجنا إلى وجه الجمع بينهما، بأن يُحمَل إرسال الملك على التعدد، فمرة في ابتداء الأربعين الثانية، وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح، وأما قوله في حديث حذيفة في ابتداء الأربعين الثانية: «فصوّرها»، فإن ظاهر حديث ابن مسعود أن التصوير إنما يقع بعد أن تصير مُضغة، فيُحمل الأول على أن المراد: أنه يصوّرها لفظًا وكَتْبًا لا فعلًا؛ أي: يذكر كيفية تصويرها ويكتبها، بدليل أن جَعْلها ذكرًا أو أنثى إنما يكون عند المضغة. قال الحافظ: وقد نوزع في أن التصوير حقيقةً إنما يقع في الأربعين الثالثة، بأنه شوهد في كثير من الأجنة التصوير في الأربعين الثانية، وتمييز الذكر على الأنثى، فعلى هذا فيحتمل أن يقال: أول ما يبتدي به الملَك تصوير ذلك لفظًا وكَتْبًا، ثم يشرع فيه فعلًا عند استكمال العَلَقة، ففي بعض الأجنة يتقدم ذلك، وفي بعضها يتأخر، ولكن بقي في حديث حُذيفة بن أسيد أنه ذَكَر العظم واللحم، وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقة، فيقوى ما قال عياض ومن تبعه. وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون الملَك عند انتهاء الأربعين الأُولى يَقْسِم النطفة إذا صارت عَلَقَة إلى أجزاء بحسب الأعضاء، أو يَقسِم بعضها إلى جلد، وبعضها إلى لحم، وبعضها إلى عظم، فيقدّر ذلك كله قبل وجوده، ثم يتهيأ ذلك في آخر الأربعين الثانية، ويتكامل في الأربعين الثالثة. وقال بعضهم: معنى حديث ابن مسعود أن النطفة يغلب عليها وصف المني في الأربعين الأُولى، ووصف العلقة في الأربعين الثانية، ووصف المضغة في الأربعين الثالثة، ولا ينافي ذلك أن يتقدم تصويره، والراجح أن التصوير إنما يقع في الأربعين الثالثة. وقد أخرج الطبري من طريق السُّدِّيّ في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦] قال عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وذكر أسانيد أخرى قالوا: «إذا وقعت النطفة في الرحم، طارت في الجسد أربعين يومًا، ثم تكون عَلَقة أربعين يومًا، ثم تكون مضغة أربعين يومًا، فإذا أراد الله أن يخلقها بعث ملَكًا فصوَّرها كما يؤمر»، ويؤيده حديث أنس عند البخاريّ حيث قال بعد ذِكر النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة: «فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أيْ رب أذكر أم أنثى؟. . .» الحديث. ومال بعض الشراح المتأخرين إلى الأخذ بما دل عليه حديث حُذيفة بن أُسيد من أن التصوير والتخليق يقع في أواخر الأربعين الثانية حقيقةً، قال: وليس في حديث ابن مسعود ما يدفعه، واستند إلى قول بعض الأطباء: إن المنيّ إذا حصل في الرحم حصل له زبدية، ورغوة في ستة أيام أو سبعة من غير استمداد من الرحم، ثم يستمد من الرحم، ويبتدئ فيه المخطوط بعد ثلاثة أيام أو نحوها، ثم في الخامس عشر ينفذ الدم إلى الجميع، فيصير عَلَقة، ثم تتميز الأعضاء، وتمتد رطوبة النخاع، وينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الأصابع تمييزًا يظهر في بعض، ويخفى في بعض، وينتهي ذلك إلى ثلاثين يومًا في الأقل، وخمسة وأربعين في الأكثر، لكن لا يوجد سِقْط ذَكَر قبل ثلاثين، ولا أنثى قبل خمسة وأربعين، قال: فيكون قوله: «فيكتب» معطوفًا على قوله: «يُجمَع»، وأما قوله: «ثم يكون علقة مثل ذلك»، فهو من تمام الكلام الأول، وليس المراد أن الكتابة لا تقع إلا عند انتهاء الأطوار الثلاثة، فيُحمل على أنه من ترتيب الإخبار، لا من ترتيب المخبَر به، ويحتمل أن يكون ذلك من تصرّف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه. قال الحافظ: كذا قال، والحمل على ظاهر الأخبار أَولى، وغالب ما نُقِل عن هؤلاء دَعَاوى لا دلالة عليها. قال ابن العربي ﵀: الحكمة في كون الملك يكتب ذلك، كونه قابلًا للنَّسخ، والمحو، والإثبات، بخلاف ما كتبه الله تعالى، فإنه لا يتغير. انتهى . (فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ) وفي رواية للبخاريّ: «فوالله إن أحدكم»، وفي رواية آدم: «فإن أحدكم»، ومثله لأبي داود عن شعبة وسفيان جميعًا، وفي رواية أبي الأحوص: «فإن الرجل منكم ليعمل»، ومثله في رواية حفص دون قوله: «منكم»، وفي رواية ابن ماجه: «فوالذي نفسي بيده»، وفي رواية الترمذي وغيره: «فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل»، لكن وقع عند أبي عوانة وأبي نعيم في «مستخرجيهما» من طريق يحيى القطان، عن الأعمش: «قال: فوالذي لا إله غيره»، قال في «الفتح»: وهذه محتملة لأن يكون القائل النبيّ - ﷺ -، فيكون الخبر كله مرفوعًا، ويَحْتَمِل أن يكون بعض رواته، ووقع في رواية وهب بن جرير عن شعبة بلفظ: «حتى أن أحدكم ليعمل»، ووقع في رواية زيد بن وهب ما يقتضي أنه مدرَج في الخبر من كلام ابن مسعود، لكن الإدراج لا يثبت بالاحتمال، وأكثر الروايات يقتضي الرفع، إلا رواية وهب بن جرير، فبعيدة من الإدراج، فأخرج أحمد، والنسائيّ من طريق سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود نحو ديث الباب، وقال بعد قوله: «واكتبه شقيًّا، أو سعيدًا، ثم قال: والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليعمل»، كذا وقع مفصّلًا في رواية جماعة عن الأعمش، منهم المسعوديّ، وزائدة، وزهير بن معاوية، وعبد الله بن إدريس، وآخرون فيما ذكره الخطيب. وقد روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أصل الحديث بدون هذه الزيادة، وكذا أبو وائل وعلقمة وغيرهما عن ابن مسعود، وكذا اقتصر حبيب بن حسان عن زيد بن وهب، وكذا وقع في معظم الأحاديث الواردة عن الصحابة، كأنس، وحذيفة بن أسيد، وابن عمر، وكذا اقتصر عبد الرحمن بن حميد الرؤاسيّ عن الأعمش، على هذا القَدْر. نعم؛ وقعت هذه الزيادة مرفوعة في حديث سهل بن سعد عند البخاريّ، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم، وفي حديث عائشة عند أحمد، وفي حديث ابن عمر، والْعُرس بن عَمِيرة في البزار، وفي حديث عمرو بن العاص، وأكثم بن أبي الجون في الطبرانيّ. لكن وقعت في حديث أنس من وجه آخر قويّ مفردة من رواية حميد، عن الحسن البصريّ عنه، ومن الرواة مَنْ حَذَف الحسن بين حميد وأنس، فكأنه كان تامًّا عند أنس، فحدَّث به مفرّقًا، فحفظ بعض أصحابه ما لم يحفظ الآخر عنه، فيقوى على هذا أن الجميع مرفوع، وبذلك جزم المحبّ الطبريّ، وحينئذ تُحمل رواية سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب على أن عبد الله بن مسعود لِتَحَقُّق الخبر في نفسه أقْسَم عليه، ويكون الإدراج في القَسَم، لا في المقسَم عليه، وهذا غاية التحقيق في هذا الموضع. ويؤيد الرفع أيضًا أنه مما لا مجال للرأي فيه، فيكون له حُكم الرفع. [تنبيه]: قد اشتَمَلت جملة قوله: «فوالذي نفسي بيده إلخ» على أنواع من التأكيد بالقَسَم، ووَصْف المقسَم به، وبـ «أنّ»، وباللام، والأصل في التأكيد أنه يكون لمخاطبة المنكِر، أو المستبعِد، أو من يتوهم فيه شيء من ذلك، وهنا لمّا كان الحكم مستبعَدًا، وهو دخول مَن عمل الطاعة طول عمره النار، وبالعكس حَسُن المبالغة في تأكيد الخبر بذلك، والله أعلم . وقوله: (إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ) وفي رواية البخاريّ: «فوالله إن أحدكم - أو الرجل - ليعمل»، قال في «الفتح»: وقع في رواية آدم: «فإن أحدكم» بغير شكّ، وقدَّم ذِكر الجنة على النار، وكذا وقع للأكثر، وهو كذا عند مسلم، وأبي داود، والترمذيّ، وابن ما جه، وفي رواية حفص: «فإن الرجل»، وأخّر ذِكر النار، وعَكَس أبو الأحوص، ولفظه: «فإن الرجل منكم». وقوله: (بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) الباء زائدة، والأصل: يعمل عَمَلَ أهل الجنّة؛ لأن قوله: «عَمَلَ» إما مفعول مطلق، وإما مفعول به، وكلاهما مستغنٍ عن الحرف، فكانت زيادة الباء للتأكيد، أو ضُمّن «يعمل» معنى: يتلبس في عمله بعمل أهل الجنّة، وظاهره: أنه يعمل بذلك حقيقةً، ويُختم له بعكسه، وفي حديث سهل بلفظ: «ليعمل بعمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس» وهو محمول على المنافق، والمرائي، بخلاف حديث الباب، فإنه يتعلق بسوء الخاتمة. وقوله: «بعمل أهل الجنة»؛ يعني: من الطاعات الاعتقادية، والقولية، والفعلية، ثم يَحْتَمِل أن الحفظة تكتب ذلك، ويُقبل بعضها، ويُرَدّ بعضها، ويَحْتَمِل أن تقع الكتابة، ثم تمحى، وأما القبول فيتوقف على الخاتمة. (حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) قال الطيبيّ ﵀: «حتى» هنا هي الناصبة، و«ما» نافية، ولم تَكُفّ «يكون» عن العمل فهي منصوبة بـ «حتى»، وأجاز غيره أن تكون «حتى» ابتدائية، فـ «يكون» على هذا بالرفع، وهو مستقيم أيضًا. (إِلَّا ذِرَاعٌ) هكذا في هذه الرواية بغير شكّ، ووقع في رواية للبخاريّ: «غير ذراع، أو باع»، قال في «الفتح»: والتعبير بالذراع تمثيل بقرب حاله من الموت، فيحال مَن بينه وبين المكان المقصود بمقدار ذراع، أو باعٍ من المسافة، وضابط ذلك الحسيّ: الغرغرة التي جُعلت علامة لعدم قبول التوبة، وقد ذكر في هذا الحديث أهل الخير صِرْفًا، وأهل الشرّ صِرْفًا إلى الموت، ولا ذِكر للذين خَلَطوا، وماتوا على الإسلام؛ لأنه لم يقصد في الحديث تعميم أحوال المكلَّفين، وإنما سيق لبيان أن الاعتبار بالخاتمة. (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ) وفي رواية «كتابه»، قال الطيبيّ: الفاء للتعقيب على حصول السبق بلا مُهلة، وضَمّن «يسبق» معنى: يَغْلِب، فعدّاه بـ «على»؛ أي: يغلب عليه الكتاب، وما قُدّر عليه سَبْقًا بلا مُهلة، فعند ذلك يعمل بعمل أهل الجنّة، أو أهل النار. انتهى كلام الطيبيّ ببعض تصرّف . وقال في «الفتح»: قوله: «عليه» في موضع نصب على الحال؛ أي: يسبق المكتوب واقعًا عليه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الطيبيّ من التضمين أوضح، والله تعالى أعلم. وفي رواية سلمة بن كهيل: «ثم يدركه الشَّقَاء - وقال - ثم تدركه السعادة»، والمراد بسَبْق الكتاب: سَبْق ما تضمَّنه، على حذف مضاف، أو المراد: المكتوب؛ والمعنى: أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبَّر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثَّل العمل والكتاب شخصين ساعيين لَظَفِر شخص الكتاب، وغُلب شخص العمل. ووقع في حديث أبي هريرة الآتي عند مسلم: «وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يُختم له بعمل أهل الجنة»، زاد أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة: «سبعين سنةً»، وفي حديث أنس عند أحمد، وصححه ابن حبان: «لا عليكم أن لا تعجبوا بعمل أحد، حتى تنظروا بِمَ يُختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من عمره بعمل صالح، لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحوّل، فيعمل عملًا سيئًا. . .» الحديث. وفي حديث عائشة عند أحمد، مرفوعًا: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وهو مكتوب في الكتاب الأول من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحوّل فعمل عمل أهل النار، فمات، فدخلها. . .» الحديث. ولأحمد، والنسائيّ، والترمذيّ من حديث عبد الله بن عمرو: «خرج علينا رسول الله - ﷺ -، وفي يده كتابان. . .» - الحديث، وفيه -: «هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أُجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا، فقال أصحابه: ففيم العمل؟ فقال: سَدِّدوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيَّ عمل. . .» الحديث. وفي حديث عليّ عند الطبرانيّ نحوه، وزاد: «صاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيّ عمل، وقد يُسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة، حتى يقال: ما أشبههم بهم، بل هم منهم، وتُدركهم السعادة، فتستنقذهم. . .» الحديث، ونحوه للبزار، من حديث ابن عمر، وفي حديث سهل بن سعد: «إنما الأعمال بالخواتيم»، ومثله في حديث عائشة عند ابن حبان، ومن حديث معاوية نحوه، وفي آخر حديث عليّ المشار إليه قبلُ: «الأعمال بخواتيمها». (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّار، فَيَدْخُلُهَا) قال في «الفتح»: ظاهره أنه يعمل بذلك حقيقةً، ويُختم له بعكسه، وثبت في حديث سهل بلفظ: «ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس»، وهو محمول على المنافق والمرائي، بخلاف حديث الباب، فإنه يتعلق بسوء الخاتمة. قال: والمراد بسبق الكتاب: سبق ما تضمّنه، على حذف مضاف، أو المراد: المكتوب، والمعنى أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبّر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثّل العمل والكتاب شخصين ساعيين، لَظَفِر شخص الكتاب، وغُلِب شخص العمل. انتهى . (وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّار، حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ)؛ أي: يغلب عليه المكتوب؛ أي: المقدَّر، أو التقدير، (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) بأن يستغفر، ويتوب (فَيَدْخُلُهَا») وفي الحديث تصريح بإثبات القَدَر، وأن التوبة تهدم الذنوب، وأن من مات على شيء حُكم له بذلك من خير، أو شرّ، إلا أن أصحاب المعاصي غير الكفر في المشيئة . وقال القرطبيّ ﵀ عند قوله:«فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها»: ظاهر هذا الحديث أن هذا العامل كان عمله صحيحًا، وأنه قَرُب من الجنة بسبب عمله، حتى أشرف على دخولها، وإنما منعه من دخولها سابق القَدَر الذي يظهر عند الخاتمة، وعلى هذا فالخوف على التحقيق إنما هو مما سبق؛ إذ لا تبديل له، ولا تغيير، فإذًا الأعمال بالسوابق، لكن لمّا كانت السوابق مستورة عنّا، والخاتمة ظاهرة لنا، قال - ﷺ -:«إنما الأعمال بالخواتيم»؛ أي: عندنا وبالنسبة إلى اطلاعنا في بعض الأشخاص، وفي بعض الأحوال، وأما العامل المذكور في حديث سهل المتقدّم في«الإيمان»فإنَّه لم يكن عمله صحيحًا في نفسه، وإنما كان رياء وسمعةً، ولذلك قال - ﷺ -:«إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار»، فيستفاد من هذا الحديث الاجتهاد في إخلاص الأعمال لله تعالى، والتحرز من الرياء، ويستفاد من حديث ابن مسعود تَرْك العُجْب بالأعمال، وترك الالتفات، والركون إليها، والتعويل على كرم الله تعالى، ورحمته، والاعتراف بمنّته، كما قال - ﷺ -:«لن يُنْجي أحدًا منكم عمله. . .»الحديث ، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلَّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٦٧٠٠ و٦٧٠١] (٢٦٤٣)، و(البخاريّ) في [المسألة الثالثة]: قال الحافظ ﵀: هذا الحديث اشتهر عن الأعمش بالسند المذكور هنا، قال علي ابن المديني في«كتاب العلل»: كنا نَظُنُّ أن الأعمش تفرَّد به حتى وجدناه من رواية سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب. قال الحافظ: وروايته عند أحمد، والنسائي، ورواه حبيب بن حَسّان، عن زيد بن وهب أيضًا، وروايته عند أبي نعيم في«الحلية»، ولم ينفرد به زيد، عن ابن مسعود، بل رواه عنه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عند أحمد، وعلقمةُ عند أبي يعلى، وأبو وائل في«فوائد تَمّام»، ومُخَارق بن سُليم، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي كلاهما عند الْفِرْيابي في«كتاب القدر»، وأخرجه أيضًا من رواية طارق، ومن رواية أبي الأحوص الْجُشَمِيّ كلاهما عن عبد الله مختصرًا. وكذا لأبي الطفيل عند مسلم، وناجية بن كعب في«فوائد العيسوي»، وخيثمة بن عبد الرحمن عند الخطابيّ، وابن أبي حاتم، ولم يرفعه بعض هؤلاء عن ابن مسعود، ورواه عن النبي - ﷺ - مع ابن مسعود جماعة من الصحابة مُطَوَّلًا ومختصرًا، منهم: أنس، عند البخاريّ في«صحيحه»، وحُذيفة بن أَسِيد عند مسلم، وعبد الله بن عمر في«القدر»لابن وهب، وفي«أفراد الدارقطني»، وفي«مسند البزار»، من وجه آخر ضعيف، والفريابي بسند قوي، وسهل بن سعد عند البخاريّ، وأبو هريرة عند مسلم، وعائشة عند أحمد بسند صحيح، وأبو ذر عند الْفِرْيابي، ومالك بن الحويرث عند أبي نعيم في«الطبّ»، والطبراني، ورَبَاح اللَّخْميّ عند ابن مردويه في«التفسير»، وابن عباس في«فوائد المخلص»من وجه ضعيف، وعلي في«الأوسط»للطبراني من وجه ضعيف، وعبد الله بن عمرو في«الكبير»بسند حَسَن، والْعُرْس بن عَمِيرة عند البزار بسند جيد، وأكثم بن أبي الْجَوْن عند الطبراني، وابن مَنْدَه بسند حسن، وجابر عند الْفِريابي، وقد أشار الترمذي في الترجمة إلى أبي هريرة، وأنس فقط، وقد أخرجه أبو عوانة في«صحيحه»عن بضع وعشرين نفسًا، من أصحاب الأعمش، منهم من أقرانه: سليمان التيمي، وجرير بن حازم، وخالد الحذّاء، ومن طبقة شعبةَ: الثوريُّ، وزائدة، وعمار بن زريق، وأبو خيثمة. ومما لم يقع لأبي عوانة: رواية شَريك، عن الأعمش، وقد أخرجها النسائي في«التفسير»من«الكبرى». ورواية وَرْقَاء بن عمر، ويزيد بن عطاء، وداود بن عيسى أخرجها تَمّام، قال الحافظ: وكنت خرّجته في جزء من طرق نحو الأربعين نفسًا عن الأعمش، فغاب عني الآن، ولو أمعنت التتبع لزادوا على ذلك. انتهى . وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات القَدَر، ووجوب الإيمان به، والمراد بالقدر في لسان الشرع: أن الله ﷿ عَلِم مقادير الأشياء، وأزمانها أزلًا، ثم أوجدها بقدرته ومشيئته على وِفْق ما عَلِمه منها، وأنه كتبها في اللوح المحفوظ قبل إحداثها. وقد تقدّم في شرح حديث عمر - ﵁ - في «كتاب الإيمان» البحث في القدر والإيمان به مستوفًى، فراجعه تستفد. ٢ - (ومنها): أن فيه أن خَلْق السمع والبصر يقع والجنين داخل بطن أمه، وقد زعم بعضهم أنه يُعطَى ذلك بعد خروجه من بطن أمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨]، وتُعُقّب بأن الواو لا تُرَتِّب، والتحقيق أن خلق السمع والبصر وهو في بطن أمه محمولٌ جزمًا على الأعضاء، ثم على القوة الباصرة والسامعة؛ لأنها مودَعة فيها، وأما الإدراك بالفعل فهو موضع النزاع، والذي يترجح أنه يتوقف على زوال الحجاب المانع. ٣ - (ومنها): أن الأعمال حَسَنها وسيئها أماراتٌ، وليست بموجبات، وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء، وجرى به القدر في الابتداء. قاله الخطابيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه القَسَمَ على الخبر الصدق تأكيدًا في نفس السامع. ٥ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى علم المبدإ والمعاد، وما يتعلق ببَدَن الإنسان، وحاله في الشقاء والسعادة. ٦ - (ومنها): أن فيه عِدّةَ أحكام تتعلق بالأصول والفروع، والحكمة، وغير ذلك. ٧ - (ومنها): أن السعيد قد يَشقَى، وأن الشقي قد يَسْعَد، لكن بالنسبة إلى الأعمال الظاهرة، وأما ما في علم الله تعالى فلا يتغير. ٨ - (ومنها): أن الاعتبار بالخاتمة، قال ابن أبي جمرة نفع الله به: هذه التي قَطَعَت أعناق الرجال، مع ما هم فيه من حُسن الحال؛ لأنهم لا يَدرُون بماذا يُختَم لهم. ٩ - (ومنها): أن عموم مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوأُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [النحل: ٩٧] مخصوص بمن مات على ذلك، وأن من عمل السعادة، وخُتم له بالشقاء، فهو في طول عمره عند الله شقي وبالعكس، وما ورد مما يخالفه يُؤَوَّلُ إلى أن يَؤُولَ إلى هذا، وقد اشتهر الخلاف في ذلك بين الأشعرية والحنفية، وتمسَّك الأشاعرة بمثل هذا الحديث، وتمسَّك الحنفية بمثل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ الآية [الرعد: ٣٩]، وأكثرَ كلٌّ من الفريقين الاحتجاجَ لقوله، والحقّ أن النزاع لفظيٌّ، وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة، والموكلين بالآدميّ، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله، فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله تعالى. ١٠ - (ومنها): أن فيه التنبيهَ على صِدق البعث بعد الموت؛ لأن من قَدَرَ على خلق الشخص من ماء مهين، ثم نقله إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم ينفخ الروح فيه، قادر على نفخ الروح بعد أن يصير ترابًا، ويجمع أجزاءه بعد أن يفرقها، ولقد كان قادرًا على أن يخلقه دفعة واحدة، ولكن اقتضت الحكمة بنقله في الأطوار رِفْقًا بالأم؛ لأنها لم تكن معتادة، فكانت المشقة تَعْظُم عليها، فهيَّأه في بطنها بالتدريج إلى أن تكامل، ومن تأمل أصل خلقه من نطفة، وتنقّله في تلك الأطوار إلى أن صار إنسانًا جميل الصورة، مُفَضّلًا بالعقل والفهم والنطق، كان حقًّا عليه أن يشكر من أنشأه، وهيأه، ويعبده حَقَّ عبادته، ويطيعه ولا يعصيه. ١١ - (ومنها): أن فيه أن في تقدير الأعمال ما هو سابق ولاحق، فالسابق ما في علم الله تعالى، واللاحق ما يُقَدَّر على الجنين في بطن أمه، كما وقع في هذا الحديث، وهذا هو الذي يَقبَل النَّسخ، وأما ما وقع في «صحيح مسلم» في الباب التالي من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - مرفوعًا: «كَتَبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، فهو محمول على كتابة ذلك في اللوح المحفوظ على وفق ما في علم الله ﷾. ١٢ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن السِّقْطَ بعد الأربعة أشهر يُصَلَّى عليه؛ لأنه وقتُ نَفْخ الروح فيه، وهو منقول عن القول القديم للشافعيّ، والمشهور عن أحمد، وإسحاق، وعن أحمد: إذا بلغ أربعة أشهر وعشرًا، ففي تلك العشر يُنفخ فيه الروح، ويُصلّى عليه، والراجح عند الشافعية أنه لا بد من وجود الروح، وهو القول الجديد للشافعيّ، وقد قالوا: فإذا بَكَى، أو اختلج، أو تنفس، ثم بطل ذلك صُلِّي عليه، وإلا فلا، والأصل في ذلك ما أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم، عن جابر - ﵁ - رفعه: «إذا استَهَلَّ الصبي وَرِثَ، وصُلِّيَ عليه». وقد ضعّفه النووي في «شرح المهذّب»، والصواب أنه صحيح الإسناد، لكن المرجح عند الحفاظ وَقْفه، وعلى طريق الفقهاء لا أثر للتعليل بذلك؛ لأن الحكم للرفع لزيادته، قالوا: وإذا بلغ مائة وعشرين يومًا غُسِل، وكُفِّنَ، ودُفِن بغير صلاة، وما قبل ذلك لا يُشرَع له غُسل ولا غيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد حقّقت المسألة في «شرح النسائيّ» ، ورجّحت مذهب القائلين بالصلاة على المولود مطلقًا، سواء استَهَلّ، أو لم يستهلّ، بعد أن يتمّ له أربعة أشهر، كما هو مذهب أحمد، وإسحاق، لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - مرفوعًا: «الطفل يصلَّى عليه»، حديث صحيح، رواه النسائيّ، وفي رواية أبي داود: «السقط يصلَّى عليه»، فقد دلّ الحديث على الصلاة عليه مطلقًا. والحاصل: أن المذهب الصحيح هو القول بالصلاة عليه مطلقًا، لقوّة دليله، والله تعالى أعلم. ١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن التخليق لا يكون إلا في الأربعين الثالثة، فأقل ما يتبيّن فيه خلْق الولد أحد وثمانون يومًا، وهي ابتداء الأربعين الثالثة، وقد لا يتبيّن إلا في آخرها، ويترتب على ذلك أنه لا تنقضي العدة بالوضع إلا ببلوغها، وفيه خلاف، ولا يثبت للأَمَة أُمّيةُ الولد إلا بعد دخول الأربعين الثالثة، وهذا قول الشافعية والحنابلة، وتوسَّع المالكية في ذلك، فأداروا الحكم في ذلك على كلِّ سِقْطٍ، ومنهم من قَيَّده بالتخطيط، ولو كان خفيًّا، وفي ذلك رواية عن أحمد، وحجتهم ما تقدم في بعض طُرُقه أن النطفة إذا لم يُقَدّر تخليقها لا تصير علقة، وإذا قُدِّر أنها تتخلق تصير علقة، ثم مضغة إلخ، فمتى وَضَعَت علقة عُرِف أن النطفة خرجت عن كونها نطفة، واستحالت إلى أول أحوال الولد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأولون أظهر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. ١٤ - (ومنها): أن كلًّا من السعادة والشقاء، قد يقع بلا عمل ولا عُمْر، وعليه ينطبق قوله - ﷺ -: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، وسيأتي تحقيق القول في ذلك بعد أربعة أبواب - إن شاء الله تعالى -. ١٥ - (ومنها): أن فيه الحثَّ القويَّ على القناعة، والزجرَ الشديد عن الحرص؛ لأن الرزق إذا كان قد سبق تقديره لم يُغنِ التَّعَنِّي في طلبه، وإنما شُرع الاكتساب؛ لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا. ١٦ - (ومنها): أن فيه أن الأعمال سبب دخول الجنة أو النار، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]، ولا يعارض ذلك حديث: «لن يُدخل أحدًا عمله الجنّة»؛ لِمَا سيأتي في المسألة التالية من الجمع بينهما -إن شاء الله تعالى-. ١٧ - (ومنها): أن من كُتِب شقيًّا لا يُعلَم حاله في الدنيا، وكذا عكسه، واحتج من أثبت ذلك بحديث عليّ -﵁- المتّفق عليه: «أما من كان من أهل السعادة، فإنه يُيَسَّر لعمل أهل السعادة. . .» الحديث. والتحقيق أن يقال: إن أريد أنه لا يُعلم أصلًا ورأسًا فمردود، وإن أريد أنه يُعلم بطريق العلامة المثبِتة للظن الغالب فَنَعم، ويقْوَى ذلك في حقّ من اشتَهَر له لسانُ صدق بالخير والصلاح، ومات على ذلك؛ لقوله في الحديث الصحيح المتّفق عليه: «أنتم شُهداء الله في الأرض»، وإن أريد أنه يُعلم قطعًا لمن شاء الله أن يُطلِعه على ذلك، فهو من جملة الغيب الذي استَأْثَرَ الله بعلمه، وأطلَع من شاء ممن ارتضى من رسله عليه. ١٨ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على الاستعاذة بالله تعالى من سوء الخاتمة، وقد عَمِل به جمع جَمٌّ من السلف، وأئمة الخلف، وأما ما قال عبد الحق في «كتاب العاقبة»: إن سوء الخاتمة لا يقع لمن استقام باطنه، وصلح ظاهره، وإنما يقع لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويَكثُر وقوعه للمُصِرّ على الكبائر، والمجترئ على العظائم، فيَهْجُمُ عليه الموت بغتة، فيَصْطَلِمه الشيطان، عند تلك الصدمة، فقد يكون ذلك سببًا لسوء الخاتمة -نسأل الله السلامة- فهو محمول على الأكثر الأغلب. قاله في «الفتح» . وقد أورد الحافظ ابن رجب -﵀- في «جامع العلوم والحكم» بعض ما ورد عن السلف من خوفهم سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها، فأورد حديث «الصحيحين» عن سهل بن سعد -﵁- أن النبيّ -ﷺ- التقى هو والمشركون، وفي أصحابه رجل لا يَدَعُ شاذّةً، ولا فاذّةً إلا اتبعها، يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحدٌ كما أجزأ فلان، فقال رسول الله -ﷺ-: «هو من أهل النار»، فقال رجل من القوم: أنا أصاحبه، فاتّبعه، فجُرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نَصْل سيفه على الأرض، وذُبَابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: أشهد أنك رسول الله -ﷺ-، وقَصّ عليه القصة، فقال رسول الله -ﷺ-: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة»، زاد البخاري في رواية له: «إنما الأعمال بالخواتيم». وقوله: «فيما يبدو للناس» إشارةٌ إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يَطَّلِع عليها الناسُ، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار، وفي باطنه خصلة خفيةٌ من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حُسْن الخاتمة. قال عبد العزيز بن أبي رَوّاد: حضرتُ رجلًا عند الموت يُلَقَّنُ «لا إله إلا الله»، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنها هي التي أوقعته. وفي الجملة فالخواتيم ميراث السوابق، فكل ذلك سَبَق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يَقْلَقُ من ذِكر السوابق. وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلَّقة بالخواتيم، يقولون: بماذا يُختَم لنا، وقلوب المقربين معلَّقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا؟ وبكى بعض الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن الله تعالى قبض خَلْقه قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار»، ولا أدري في أيّ القبضتين كنت؟ . قال بعض السلف: ما أبكَى العيونَ ما أبكاها الكتاب السابق. وقال سفيان لبعض الصالحين: هل أبكاك قط علم الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركني لا أفرح أبدًا. وكان سفيان يشتدّ قلقه من السوابق والخواتيم، فكان يبكي، ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيًّا، ويبكي ويقول: أخاف أن أُسلب الإيمان عند الموت. وكان مالك بن دينار يقوم طولَ ليله قابضًا على لحيته، ويقول: يا رب قد علمتَ ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أيٍّ مالكٌ؟. وقال حاتم الأصمّ: من خلا قلبه من ذِكر أربعة أخطار، فهو مُغْتَرٌّ، فلا يَأمَن الشقاء: (الأولُ): خطر يوم الميثاق، حين قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا يَعلَم في أي الفريقين كان. (والثاني): حين خُلق في ظلمات ثلاث، فنادى الملَك بالشقاوة والسعادة، ولا يَدرِي أَمِنَ الأشقياء هو أم من السعداء. (والثالث): ذِكر هول المطلع فلا يَدرِي أيبشَّر برضا الله أم بسَخَطه. (والرابع): يومَ يصدُر الناس أشتاتًا فلا يَدري أي الطريقين يُسلَك به. وقال سهل التستري: المريدُ يخاف أن يُبْتلَى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يُبتلَى بالكفر. ومن هنا كان الصحابة ومن بعدَهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة، فيخرجَهُ إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفيّة توجب سوء الخاتمة. وقد كان النبي -ﷺ- يُكثر أن يقول في دعائه: «يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»، فقيل له: يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ فقال: «نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن -﷿- يقلّبها كيف شاء». أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، من حديث أنس . وأخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة: أن النبي -ﷺ- كان يكثر في دعائه أن يقول: «اللَّهُمَّ يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك»، فقلت: يا رسول الله، أَوَ إن القلوب لتتقلب؟ قال: «نَعَم ما من خَلْق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله -﷿-، فإن شاء -﷿- أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب»، قالت: قلت: يا رسول الله ألا تعلّمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: «بلى، قولي: اللَّهُمَّ رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأَجِرْني من مُضِلات الفتن ما أحييتني» . وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن -﷿- كقلب واحد يصرفه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله -ﷺ-: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قلوبنا على طاعتك». انتهى المقصود مما كتبه ابن رجب -﵀- تعالى . ١٩ - (ومنها): أن قدرة الله تعالى لا يوجبها شيء من الأسباب إلا بمشيئته، فإنه لم يجعل الجماع علّةً للولد؛ لأن الجماع قد يَحصُل ولا يكون الولد حتى يشاء الله ذلك. ٢٠ - (ومنها): أن الشيء الكثيف يحتاج إلى طول الزمان، بخلاف اللطيف، ولذلك طالت المدة في أطوار الجنين حتى حصل تخليقه، بخلاف نَفْخ الروح، ولذلك لَمّا خلق الله الأرض أوّلًا عَمَد إلى السماء فسوّاها، وترك الأرض لكثافتها بغير فتق، ثم فُتِقَتَا معًا، ولمّا خلق آدم، فصوّره من الماء والطين، تركه مدة، ثم نفخ فيه الروح. ٢١ - (ومنها): أن الداوديّ استدل بقوله: «فتدخل النار» على أن الخبر خاص بالكفار، واحتج بأن الإيمان لا يُحبطه إلا الكفر. وتُعُقِّب بأنه ليس في الحديث تَعَرُّض للإحباط، وحَمْله على المعنى الأعم أَولى، فيتناول المؤمن حتى يُختَم له بعمل الكافر مثلًا فيرتدّ، فيموت على ذلك، فنستعيذ بالله من ذلك، ويتناول المطيع حتى يُختم له بعمل العاصي، فيموت على ذلك، ولا يلزم من إطلاق دخول النار أنه يُخَلَّد فيها أبدًا، بل مجرد الدخول صادق على الطائفتين. ٢٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح، خلافًا لمن قال به من المعتزلة؛ لأن فيه أن بعض الناس يذهب جميعُ عمره في طاعة الله، ثم يُختم له بالكفر -والعياذ بالله- فيموت على ذلك، فيدخل النار، فلو كان يجب عليه رعاية الأصلح لم يَحبِط جميع عمله الصالح بكلمة الكفر التي مات عليها، ولا سيما إن طال عمره، وقَرُب موته من كفره. ٢٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعض المعتزلة على أن مَن عَمِل عمل أهل النار وجب أن يدخلها؛ لترتُّب دخولها في الخبر على العمل، وترتبُ الحكم على الشيء يُشعِر بعلّيته. وأُجيب بأنه علامة لا علة، والعلامة قد تتخلف، سلّمنا أنه علة، لكنه في حق الكفار، وأما العصاة فخرجوا بدليل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فمن لم يُشرك فهو داخل في المشيئة. ٢٤ - (ومنها): أنه استَدَلّ به الأشعريّ في تجويزه تكليف ما لا يطاق؛ لأنه دلّ على أن الله كَلَّفَ العباد كلهم بالإيمان، مع أنه قَدَّرَ على بعضهم أنه يموت على الكفر. وقد قيل: إن هذه المسألة لم يثبت وقوعها إلا في الإيمان خاصة، وما عداه لا توجد دلالة قطعية على وقوعه، وأما مطلق الجواز فحاصل. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب بعض المحقّقين هذا الاستدلال، وأجاد في ذلك، فقال: إطلاق القول بالتكليف بما لا يُطاق من البدع المحدثة من المتكلّمين في أصْلَي الدين والفقه، والحقّ فيه التفصيل، فتكليف ما لا يُطاق لِعَجْز العبد عنه عادةً، كالمشي على القفا، أو على الرأس وغيره، فهو غير موجود في الشريعة البتّة، قال ﷾: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال أيضًا: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون: ٦٢]، وقال -﷾-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فهو مما رَفَقَ الله -سحانه وتعالى- به علينا من الحرج، فخفّفه على عباده، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]. وأما تكليف ما لا يُطاق لا للعجز عنه، بل للاشتغال بضدّه من الكفر والفسوق والعصيان، فهذا مما جاءت به الشريعة أمرًا ونهيًا، وتسميته بما لا يطاق خطأٌ، ولم يَرِد بها الشرع الحنيف. وراجع في هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «مجموع الفتاوى» ٨/ ٤٦٩ وما بعدها، و«درء التعارض» ١/ ٦٥. والله تعالى أعلم. ٢٥ - (ومنها): أن فيه أن الله يَعلَم الجزئيات كما يَعلَم الكليات؛ لتصريح الخبر بأنه يأمر بكتابة أحوال الشخص مفصلة. ٢٦ - (ومنها): أنه -﷾- مريد لجميع الكائنات بمعنى أنه خالقها ومُقَدِّرها، لا أنه يحبها ويرضاها. ٢٧ - (ومنها): أن جميع الخير والشر بتقدير الله تعالى، وإيجاده، وخالف في ذلك القدرية والجبرية. فذهبت القدرية إلى أن فِعل العبد من قِبَل نفسه، ومنهم من فرَّق بين الخير والشر، فنَسَب إلى الله الخير، ونفى عنه خلق الشر، وقيل: إنه لا يُعرَف قائله، وإن كان قد اشتَهَرَ ذلك، وإنما هذا رأي المجوس. وذهبت الجبرية إلى أن الكل فِعل الله، وليس للمخلوق فيه تأثير أصلًا، وتوسَّط أهل السُّنَّة، فمنهم من قال: أصل الفعل خلقه الله، وللعبد قدرة غير مؤثّرة في المقدور، وأثبت بعضهم أن لها تأثيرًا، لكنه يُسَمَّى كسبًا، وبَسطُ أدلتهم يطول. قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب بعض المحقّقين على الحافظ في هذا التقرير، فقال: هذا تقرير من المؤلّف لكسب الأشاعرة في باب القضاء والقدر، والحقّ أن قدرة العبد ينشأ عنها فعله، ولهذا هو محاسب ومؤاخذٌ عليها، وهي على كلّ حال لا تخرُج عن قدرة الله، ومشيئته بحال، والله تعالى خَلَق العبد، وخَلَق قدرته، فـ «الله خالق كل صانع وصنعته»، والله تعالى أعلم. وقد أخرج أحمد، وأبو يعلى من طريق أيوب بن زياد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، حدثني أبي، قال: «دخلت على عبادة، وهو مريض، فقلت: أوصني، فقال: إنك لن تَطعَم طُعمَ الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وهو أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك. . .» الحديث، وفيه: «وإن مُتّ، ولست على ذلك دخلت النار». وأخرجه الطبراني من وجه آخر بسند حسن، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي الدرداء، مرفوعًا مقتصرًا على قوله: «إن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه». ٢٨ - (ومنها): أن فيه أن الأقدار غالبة، والعاقبة غائبة، فلا ينبغي لأحد أن يغترّ بظاهر الحال، ومن ثَمَّ شُرع الدعاء بالثبات على الدِّين، وبحسن الخاتمة. [تنبيه]: حديث ابن مسعود -﵁- هذا قد يقال: يُعارضه حديث علي -﵁- الآتي في الباب، وهو متّفق عليه، حيث سأل الصحابة -﵃- عن فائدة العمل مع تقدم التقدير، فأجابهم النبيّ -ﷺ- بقوله: «اعملوا فكل ميسَّر لما خُلِق له». ويُجمع بينهما بحمل حديث علي -﵁- على الأكثر الأغلب، وحَمْل هذا الحديث على الأقل، ولكنه لمّا كان جائزًا تعيَّن طلب الثبات. قاله في «الفتح». [تنبيه آخر]: حَكَى ابن التين: أن عمر بن عبد العزيز: لَمّا سمع هذا الحديث أنكره، وقال: كيف يصح أن يعمل العبد عمره الطاعةَ، ثم لا يدخل الجنة؟ انتهى. وقد توقف ابن الملقن -﵀- في صحة ذلك عن عمر، قال الحافظ -﵀-: وظهر لي أنه إن ثبت عنه حُمِل على أن راويه حذف منه قوله في آخره: «فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»، أو أكمل الراوي، لكن استبعد عمر وقوعه، وإن كان جائزًا، ويكون إيراده على سبيل التخويف من سوء الخاتمة. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): هذا الحديث يعارضه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «لن يُدخِل أحدًا منكم عمَلُهُ الجنةَ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمَّدني الله بفضله ورحمته. . .» الحديث. وأجاب ابن بطال -﵀- عن ذلك بأن تُحمل الآية -أي: وكذا حديث الباب- على أن الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يُحمَل الحديث المذكور على دخول الجنة، والخلود فيها. ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فصَرّح بأن دخول الجنة أيضًا بالأعمال. وأجاب بأنه لفظ مُجمَل بيّنه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول. ثم قال: ويجوز أن يكون الحديث مُفَسِّرًا للآية، والتقدير: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم، وتفضّله عليكم؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضّل عليهم ابتداء بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعليمهم. وقال القاضي عياض -﵀-: طريق الجمع أن الحديث فسّر ما أُجمل في الآية. فذَكر نحوًا من كلام ابن بطال الأخير، وأن من رحمة الله توفيقَهُ للعمل، وهدايته للطاعة، وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله، وإنما هو بفضل الله وبرحمته. وقال ابن الجوزي -﵀-: يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة: (الأول): أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان، ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة. (الثاني): أن منافع العبد لسيده، فعمله مُستَحَقٌّ لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله. (الثالث): جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله، واقتسام الدرجات بالأعمال. (الرابع): أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، والثواب لا يَنْفَد، فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل، لا بمقابلة الأعمال. وقال الكرماني -﵀-: الباء في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] ليست للسببية، بل للإلصاق، أو المصاحبة؛ أي: أُورثتموها ملابسة، أو مصاحبة، أو للمقابلة، نحو: أَعطيتُ الشاة بالدرهم، وبهذا الأخير جزم الشيخ جمال الدين بن هشام في «المغني»، فسبق إليه، فقال: تَرِدُ الباء للمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، كاشتريته بألف، ومنه: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وإنما لم تُقَدَّر هنا للسببية كما قالت المعتزلة ، وكما قال الجميع في: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله»؛ لأن الْمُعْطِي بعوض قد يعطي مَجّانًا، بخلاف المسبَّب فلا يوجد بدون السبب، قال: وعلى ذلك ينتفي التعارض بين الآية والحديث. وقد سبقه إلى ذلك ابن القيم، فقال في كتاب «مفتاح دار السعادة»: الباء المقتضية للدخول غير الباء الماضية، فالأُولى السببية الدالة على أن الأعمال سبب الدخول المقتضية له، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، والثانية بالمعاوضة، نحو: اشتريت منه بكذا، فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنه لولا رحمة الله لعبده لَمَا أدخله الجنة؛ لأن العمل بمجرده، ولو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجنة، ولا أن يكون عوضًا لها؛ لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه الله، لا يقاوم نعمة الله، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نِعَمه مقتضية لِشُكرها، وهو لم يُوَفِّها حَقَّ شُكرها، فلو عذّبه في هذه الحالة لعذّبه وهو غير ظالم له، وإذا رحمه في هذه الحالة كانت رحمته خيرًا من عمله، كما في حديث أُبَيّ بن كعب الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه في ذِكر القَدَر، ففيه: «لو أن الله عذّب أهل سماواته وأرضه، لعذّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم. . .» الحديث. قال: وهذا فصل الخطاب مع الجبرية الذين أنكروا أن تكون الأعمال سببًا في دخول الجنة من كل وجه، والقدرية الذين زعموا أن الجنة عِوَض العمل، وأنها ثَمَنه، وأن دخولها بمحض الأعمال، والحديث يُبطل دعوى الطائفتين. والله أعلم. وجوّز الكرماني أيضًا أن يكون المراد: أن الدخول ليس بالعمل، والإدخال المستفاد من الإرث بالعمل، وهذا إن مشى في الجواب عن قوله تعالى: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣، والزخرف: ٧٢] لم يمش في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. قال الحافظ: ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر، وهو أن يُحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل، لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولًا، وإذا كان كذلك فَأَمْر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يُقبل منه، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة، أو للإلصاق، أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية. ثم رأيت النوويّ جزم بأن ظاهر الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال، والجمع بينها وبين الحديث أن التوفيق للأعمال، والهداية للإخلاص فيها وقَبولها إنما هو برحمة الله وفَضْله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الحديث، ويصح أنه دخل بسبب العمل، وهو من رحمة الله تعالى. وردّ الكرماني الأخير بأنه خلاف صريح الحديث. وقال المازري: ذهب أهل السُّنَّة إلى أن إثابة الله تعالى من أطاعه بفضل منه، وكذلك انتقامه ممن عصاه بعدل منه، ولا يثبت واحد منهما إلا بالسمع، وله -﷾- أن يعذِّب الطائع، ويُنْعم على العاصي، ولكنه أخبر أنه لا يفعل ذلك، وخَبَره صِدق لا خُلف فيه، وهذا الحديث يُقَوِّي مقالتهم، ويردّ على المعتزلة حيث أثبتوا بعقولهم أعواض الأعمال، ولهم في ذلك خَبْط كثير، وتفصيل طويل. انتهى . وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): قد شرح الحافظ ابن رجب -﵀- هذا الحديث في كتابه النافع «جامع العلوم والحكم» شرحًا موسّعًا، قد أجاد فيه، وأفاد، أردت إيراده هنا، وإن كان جلّه سبق فيما مضى من الشرح، إلا أن فيه تحقيقات منيفة، وتدقيقات لطيفة، فأوردته دون اختصار، أو تصرّف؛ محافظة على نصّه؛ لأن ذلك أَولى، وأقرب لأداء الأمانة العلميّة، فأقول: قال -﵀- بعد سوقه حديث ابن مسعود -﵁- المذكور ما نصّه: هذا حديث متّفق على صحته، وتلقّته الأمة بالقبول، رواه الأعمش عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود، ومن طريقه خرّجه الشيخان في «صحيحيهما»، وقد رُوي عن محمد بن زيد الأسفاطيّ قال: رأيت النبيّ -ﷺ- فيما يرى النائم، فقلت: يا رسول الله حديث ابن مسعود الذي حدّث عنك، فقال: حدّثني رسول الله -ﷺ-، وهو الصادق المصدوق، فقال -ﷺ-: والذي لا إله غيره حدّثته به أنا، يقوله ثلاثًا، ثم قال: غفر الله للأعمش، كما حدّث به، وغفر الله لمن حدّث به قبل الأعمش، ولمن حدّث به بعده . وقد رُوي عن ابن مسعود من وجوه أُخَر. قوله -ﷺ-: «إن خَلْق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفةً» قد رُوي تفسيره عن ابن مسعود، رَوَى الأعمش عن خيثمة، عن ابن مسعود قال: إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعرة، وظُفْر، فتمكث أربعين يومًا، ثم تنحدر في الرحم، فتكون عَلَقَةً، قال: فذلك جَمْعُها. خرّجه ابن أبي حاتم وغيره. ورُوي تفسير الجمع مرفوعًا بمعنى آخر، فخرَّج الطبرانيّ، وابن منده في «كتاب التوحيد» من حديث مالك بن الحويرث، أن النبيّ -ﷺ- قال: «إن الله تعالى إذا أراد خَلْق عبد، فجامَع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عِرْق، وعضو منها، فإذا كان يوم السابع جمعه الله تعالى، ثم أحضره في كل عرق له دون آدم، ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار]». قال ابن منده: إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى، والنسائيّ، وغيرهما . وخرّج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبرانيّ من رواية مظهر بن الهيثم، عن موسى بن عليّ بن رَبَاح، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ -ﷺ- قال لجدّه: «يا فلان ما وُلِد لك؟» قال: يا رسول الله، وما عسى أن يولد لي؟ إما غلام، وإما جارية، قال: «فمن يُشْبه؟» قال جدّه: عسى أن يشبه أمه، أو أباه، قال: فقال النبيّ -ﷺ-: «لا يقولنّ أحدكم كذا، إن النطفة إذا استقرّت في الرحم أحضرها الله كل نَسَب بينها وبين آدم، أمَا قرأت هذه الآية: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ قال: سلكك»، وهذا إسناد ضعيف ، ومظهر عن موسى بن علي، عن أبيه أن أباه لم يسلم إلا في عهد أبي بكر الصديق -﵁-؛ يعني: أنه لا صحبة له. ويشهد لهذا المعنى قول النبيّ -ﷺ- للذي قال له: ولدت امرأتي غلامًا أسود، قال: «لعله نَزَعه عِرْقٌ» . قوله: «ثم يكون عَلَقةً مثل ذلك»؛ يعني: أربعين يومًا، والعَلَقة: قطعة من دم، «ثم يكون مضغة مثل ذلك»؛ يعني: أربعين يومًا، والمضغة: قطعة من لحم، «ثم يرسل الله إليه الملَك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ أم سعيد». فهذا الحديث يدلّ على أنه يتقلّب في مائة وعشرين يومًا، في ثلاثة أطوار، في كل أربعين يومًا منها يكون في طور، فيكون في الأربعين الأولى نطفةً، ثم في الأربعين الثانية عَلَقةً، ثم في الأربعين الثالثة مضغةً، ثم بعد المائة وعشرين يومًا يَنفُخ فيه الملكُ الروحَ، ويكتب له هذه الأربع الكلمات. وقد ذَكر الله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة تقلّب الجنين في هذه السيوطيّ إسناده في «الدرّ المنثور» ٨/ ٤٣٩. الأطوار، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية [الحج: ٥]. وذكر هذه الأطوار الثلاثة: النطفة، والعلقة، والمضغة في مواضع متعددة من القرآن، وفي مواضع أُخَر ذَكَر زيادةً عليها، فقال في سورة المؤمنين: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣]. فبهذه سبعُ تارات، ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه، وكان ابن عباس -﵄- يقول: خُلق ابن آدم من سبع، ثم يتلو هذه الآية، وسئل عن العزل، فقرأ هذه الآية، ثم قال: فهل يُخلق أحد حتى تجري فيه هذه الصفة؟ وفي رواية عنه قال: وهل تموت نفس حتى تمرّ على هذا الخلق؟ ورُوي عن رفاعة بن رافع قال: جلس إليّ عمر، وعليّ، والزبير، وسعد، ونفر من أصحاب رسول الله -ﷺ-، فتذاكروا العزل، فقالوا: لا بأس به، فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموؤودة الصغرى، فقال عليّ -﵁-: لا تكون موؤودة حتى تمرّ على التارات السبع، تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظامًا، ثم تكون لحمًا، ثم تكون خَلْقًا آخر، فقال عمر -﵁-: صدقت، أطال الله بقاءك. رواه الدارقطنيّ في «المؤتلف والمختلف» . وقد رَخَّص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها، ما لم يُنفخ فيه الروح، وجعلوه كالعزل، وهو قول ضعيف؛ لأن الجنين وَلَدٌ انعقد، وربما تَصَوَّر، وفي العزل لم يوجد ولد بالكليّة، وإنما تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه، كما قال النبيّ -ﷺ- لمّا سئل عن العزل قال: «لا عليكم أن لا تفعلوا، إنه ما من نفس منفوسة إلا أن الله خلقها» . قال: وقد صرَّح أصحابنا -يعني: الحنبليّة- بأنه إذا صار الولد عَلَقةً لم يجز للمرأة إسقاطه؛ لأنه ولد انعقد، بخلاف النطفة، فإنها لم تنعقد بعدُ، وقد لا تنعقد ولدًا. وقد ورد في بعض الروايات في حديث ابن مسعود -﵁- ذِكر العظام، وأنه يكون عظمًا أربعين يومًا، فخرَّج الإمام أحمد من رواية عليّ بن زيد: سمعت أبا عُبيدة يحدّث، قال: قال عبد الله: قال رسول الله -ﷺ-: «إن النطفة تكون في الرحم أربعين يومًا على حالها، لا تغيَّر، فإذا مضت الأربعون صارت عَلَقة، ثم مضغةً كذلك، ثم عظامًا، فإذا أراد الله تعالى إن يُسوّي خَلْقه بَعَثَ الله إليه مَلَكًا …»، وذكر بقية الحديث . ويروى من حديث عاصم عن أبي وائل، عن ابن مسعود -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن النطفة إذا استقرّت في الرحم، تكون أربعين ليلة نطفة، ثم تكون علقة أربعين ليلة، ثم تكون عظامًا أربعين ليلة، ثم يكسو الله العظام لحمًا» . ورواية الإمام أحمد تدلّ على أن الجنين لا يُكْسَى اللحم إلا بعد مائة وستين يومًا، وهذا غلطٌ لا ريب فيه، فإنه بعد مائة وعشرين يومًا ينفخ فيه الروح بلا ريب، كما سيأتي ذِكره، وعليّ بن زيد، هو ابن جُدْعان، لا يُحتج به. وقد ورد في حديث حذيفة بن أَسِيد ما يدلّ على خَلْق العظام واللحم في أول الأربعين الثانية، ففي «صحيح مسلم» عن حذيفة بن أَسِيد عن النبيّ -ﷺ- قال: «إذا مرّ بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملَكًا، فصوَّرها، وخَلَق سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم قال: يا رب ذكر أو أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجَلُه؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رِزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أُمر، ولا ينقص»، فظاهر هذا الحديث يدلّ على أن تصوير الجنين، وخَلْق سَمْعه، وبصره، وجلده، ولحمه، وعظامه يكون في أول الأربعين الثانية، فيلزم من ذلك أن يكون في الأربعين الثانية لحمًا، وعظامًا. وقد تأوّل بعضهم ذلك على أن الملك يقسم النطفة إذا صارت عَلَقة إلى أجزاء، فيجعل بعضها للجلد، وبعضها للّحم، وبعضها للعظام، فيقدّر ذلك كله قبل وجوده، وهذا خلاف ظاهر الحديث، بل ظاهره أن يصوّرها، ويخلق هذه الأجزاء كلّها، وقد يكون خلق ذلك بتصويره، وتقسيمه قبل وجود اللحم والعظام، وقد يكون هذا في بعض الأجنة دون بعض. وحديث مالك بن الحويرث المتقدّم يدلّ على أن التصوير يكون في النطفة أيضًا في اليوم السابع، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] وفَسّر طائفة من السلف أمشاج النطفة بالعروق التي فيها، قال ابن مسعود -﵁-: أمشاجها عروقها. وقد ذكر علماء الطبّ ما يوافق ذلك، وقالوا: إن المنيّ إذا وقع في الرحم حصل له زَبَديّةٌ ورغْوةٌ ستة أيام، أو سبعة أيام، وفي هذه الأيام تُصوَّر النطفة من غير استمداد من الرحم، ثم بعد ذلك تستمدّ منه، وابتداء الخطوط والنقط بعد هذا بثلاثة أيام، وقد يتقدم يومًا، ويتأخر يومًا، ثم بعد ستة أيام، وهو الخامس عشر من وقت العلوق، ينفذ الدم إلى الجميع، فيصير عَلَقَةً، ثم تتميز الأعضاء تميزًا ظاهرًا، ويتنحى بعضها عن مماسّة بعض، وتمتد رطوبة النخاع ثم بعد تسعة أيام ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الأصابع تَمَيُّزًا يستبين في بعض، ويخفى في بعض، قالوا: وأقل مدة يُتصور فيها الذكر ثلاثون يومًا، والزمان المعتدل في تصوير الجنين خمسة وثلاثون يومًا، وقد يتصور في خمسة وأربعين يومًا، قالوا: ولم يوجد في الأَسقاط ذَكرٌ تَمّ قبل ثلاثين يومًا، ولا لأنثى قبل أربعين يومًا، فهذا يوافق ما دلّ عليه حديث حذيفة بن أَسِيد في التخليق في الأربعين الثانية، ومصيره لحمًا فيها أيضًا. وقد جعل بعضهم حديث ابن مسعود على أن الجنين يغلب عليه في الأربعين الأولى وَصْف المنيّ، وفي الأربعين الثانية وصف العَلَقة، وفي الأربعين الثالثة وصف المضغة، وإن كانت خلقته قد تَمّت، وتمّ تصويره، وليس في حديث ابن مسعود ذِكر وقت تصوير الجنين. وقد رُوي عن ابن مسعود نفسه ما يدلّ على أن تصويره قد يقع قبل الأربعين الثالثة أيضًا، فروى الشعبيّ عن علقمة، عن ابن مسعود فقال: النطفة إذا استقرّت في الرحم جاءها ملك، فأخذها بكفه، فقال: أيْ رب مخلّقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلّقة لم تكن نسمةً، وقَذَفتها الأرحام دمًا، وإن قيل: مخلقة، قال: أيْ رب ذكر أم أنثى؟ شقيّ أم سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثر؟ وبأيّ أرض تموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربكِ؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال: اذهب إلى أم الكتاب، فإنك تجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتُخلق، فتعيش في أجَلها، وتأكل في رزقها، وتطأ في أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت، فدُفنت في ذلك، ثم تلا الشعبيّ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ الآية [الحج: ٥]، فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع، فكانت نسمة، فإن كانت غير مخلّقة قذفتها الأرحام دمًا، وإن كانت مخلقةً نكست نسمة. خرّجه ابن أبي حاتم وغيره. وقد رُوي من وجه آخر عن ابن مسعود -﵁- أن لا تصوير قبل ثمانين يومًا، فرَوَى السّدّيّ عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -﵄-، وعن مُرّة الْهَمْدانيّ، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبيّ -ﷺ- في قوله -﷿-: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦] قال: إذا وقعت النطفة في الأرحام، طارت في الجسد أربعين يومًا، ثم تكون علقةً أربعين يومًا، ثم تكون مضغةً أربعين يومًا، فإذا بلغ أن تُخَلَّق بعث الله ملكًا يصوّرها، فيأتي الملك بتراب بين إصبعيه، فيخلطه في المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوّرها كما يؤمر، فيقول: أذكر أم أنثى؟ شقيّ أم سعيد؟ وما رزقه؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول الله ﵎، فيكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد دُفن حيث أُخذ ذلك التراب. خرّجه ابن جرير الطبريّ في «تفسيره»، ولكن السّدّيّ مختلف في أمره، وكان الإمام أحمد يُنكر عليه جَمْعه الأسانيد المتعدّدة للتفسير الواحد، كما كان هو وغيره ينكرون على الواقديّ جَمْعه الأسانيد المتعددة للحديث الواحد. وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية، وتأوّلوا حديث ابن مسعود المرفوع عليها، وقالوا: أقل ما يتبين فيه خلق الولد أحد وثمانون يومًا؛ لأنه لا يكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة، ولا يتخلق، ويتصور قبل أن يكون مضغة. وقال أصحابنا ، وأصحاب الشافعيّ بناءً على هذا الأصل: إنه لا تنقضي العدّة، ولا تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلّقة، وأقلّ ما يكون أن يتخلق، ويتصور في أحد وثمانين يومًا. وقال أحمد -﵀- في العلقة: هي دم لا يستبين فيها الخلق، فإن كانت المضغة غير مخلقة، فهل تنقضي بها العدّة، وتصير بها أم الولد مستولَدةً؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، وإن لم يظهر فيها التخطيط، ولكن كان خفيًّا، لا يعرفه إلا أهل الخبرة من النساء، فشَهِدْن بذلك قُبلت شهادتهنّ، ولا فرق بين أن يكون بعد تمام أربعة أشهر، أو قَبْلها عند أكثر العلماء، ونصّ على ذلك الإمام أحمد في روايةِ خَلْق من أصحابه، ونَقَل عنه ابنه صالح في الطفل يتبيَّن خلقه في الأربعة. قال الشعبيّ: إذا نُكِس في الخلق الرابع، كان مخلّقًا، انقضت به العدّة، وعَتَقَت به الأمة، إذا كان لأربعة أشهر، وكذا نَقَل عنه حنبل إذا أسقطت أم الولد، فإن كانت خِلْقته تامّةً عَتقت، وانقضت به العدّة، وإذا دخل في الخلق الرابع في أربعة أشهر، يُنفخ فيه الروح، وهذا يخالف رواية الجماعة عنه، وقد قال أحمد في رواية عنه: إذا تبيّن خَلْقه ليس فيه اختلاف، فإنها تَعتِق بذلك، إذا كانت أمة، ونقل عنه أيضًا جماعة في العلقة: إذا تبيّن أنها ولدٌ أن الأمة تعتق بها، وهو قول النخعيّ، وحكى قولًا للشافعيّ، ومن أصحابنا من طَرَد هذه الرواية عن أحمد في انقضاء العدّة به أيضًا، وهذا كله مبني على أنه يمكن التخليق في العلقة، كما قد يستدلّ على ذلك بحديث حذيفة بن أَسِيد المتقدّم أن يقال: إن حديث حذيفة إنما يدلّ على أنه يتخلّق إذا صار لحمًا وعظمًا، وأن ذلك قد يقع في الأربعين الثانية، لا في حال كونه علقة، وفي ذلك نَظَر، والله أعلم. وما ذكره الأطباء يدلّ على أن العلقة تتخلق، وتتخطط، وكذلك القوابل من النسوة يشهدن بذلك، وحديث مالك بن الحويرث يشهد بالتصوير في حال كون الجنين نطفة، والله أعلم. وبقي في حديث ابن مسعود أن بعد مصيره مضغة أنه يبعث إليه الملك، فيكتب الكلمات الأربع، وينفخ فيه الروح، وذلك كلّه بعد مائة وعشرين يومًا. واختَلَفت ألفاظ روايات هذا الحديث في ترتيب الكتابة، والنفخ، ففي رواية البخاريّ في «صحيحه»: «ويُبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، ثم ينفخ فيه الروح»، ففي هذه الرواية تصريح بتأخير نفخ الروح عن الكتابة، وفي رواية خرّجها البيهقيّ في «كتاب القدر»: «ثم يُبعث الملك، فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع كلمات»، وهذه الرواية تصرّح بتقدم النفخ على الكتابة، فإما أن يكون هذا من تصرّف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه، وإما أن يكون المراد ترتيب الأخبار فقط، لا ترتيب ما أخبر به، وبكل حال فحديث ابن مسعود يدلّ على تأخير نفخ الروح في الجنين، وكتابة الملَك لأمره إلى بعد أربعة أشهر، حتى تتم الأربعون الثالثة، فأما نفخ الروح فقد رُوي صريحًا عن الصحابة -﵃- أنه ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، كما دلّ عليه ظاهر حديث ابن مسعود، فروى زيد بن عليّ عن أبيه، عن عليّ قال: إذا تمَّت النطفة أربعة أشهر، بعث الله إليها ملكًا، فينفخ فيها الروح في الظلمات، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، خرّجه ابن أبي حاتم، وإسناده منقطع، وخرّج اللالكائي بإسناده، عن ابن عباس قال: إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرًا، ثم نفخ فيه الروح، ثم مكثت أربعين ليلةً، ثم بعث إليها ملك، فنَقَفَها في نقرة القفا، وكتب شقيًّا أو سعيدًا وفي إسناده نظر ، وفيه أن نفخ الروح يتأخر عن الأربعة الأشهر بعشرة أيام. وبنى الإمام أحمد مذهبه المشهور عنه على ظاهر حديث ابن مسعود، وأن الطفل ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، وأنه إذا سقط بعد تمام أربعة أشهر صُلِّي عليه، حيث كان قد نُفخ فيه الروح، ثم مات، وحُكي ذلك أيضًا عن سعيد بن المسيِّب، وهو أحد قولي الشافعيّ، وإسحاق، ونَقل غير واحد عن أحمد أنه قال: إذا بلغ أربعة أشهر وعشرًا ففي تلك العَشْر يُنفخ فيه الروح، ويُصلى عليه، وقال في رواية لأبي الحارث عنه: تكون النسمة نطفة أربعين ليلة، وعلقة أربعين ليلة، ومضغة أربعين ليلة، ثم تكون عظمًا ولحمًا، فإذا تمَّ أربعة أشهر وعشرًا نُفخ فيه الروح، وظاهر هذه الرواية أنه لا يُنفخ فيه الروح إلا بعد تمام أربعة أشهر وعشر، كما رُوي عن ابن عباس، والروايات التي قبل هذه عن أحمد أنها تدلّ على أنه يُنفخ فيه الروح في مدة العَشر بعد تمام الأربعة، وهذا هو المعروف عنه، وكذا قال ابن المسيِّب لمّا سئل عن عدّة الوفاة، حيث جعلت أربعة أشهر وعشرًا، ما بال العَشر؟ قال: يُنفخ فيه الروح. وأما أهل الطبّ فذكروا أن الجنين إن تصوَّر في خمسة وثلاثين يومًا تحرَّك في سبعين يومًا، ووُلد في مائتين وعشرة أيام، وذلك سبعة أشهر، وربما تقدّم أيامًا، وتأخر في التصوير والولادة، وإذا كان التصوير في خمسة وأربعين يومًا تحرك في تسعين يومًا، ووُلد في مائتين وسبعين يومًا، وذلك تسعة أشهر، والله أعلم. وأما كتابة الملَك: فحديث ابن مسعود يدلّ على أنها تكون بعد أربعة أشهر أيضًا، على ما سبق، وفي «الصحيحين» عن أنس، عن النبيّ -ﷺ- قال: «وكَّل الله بالرحم ملَكًا، يقول: أيْ رب نطفة؟ أي رب عَلَقَة؟ أي رب مُضغة؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقًا، قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه». وظاهر هذا يوافق حديث ابن مسعود، لكن ليس فيه تقدير المدّة، وحديث حذيفة بن أَسِيد الذي تقدّم يدلّ على أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية، وخرّجه مسلم أيضًا بلفظ آخر، من حديث حذيفة بن أسيد، يبلغ به النبيّ -ﷺ- قال: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقرّ في الرحم بأربعين، أو خمسة وأربعين ليلةً، فيقول: يا رب أشقيّ أم سعيد؟ فيُكتبان، فيقول: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيُكتبان، ويكتب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها، ولا ينقص». وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: «إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلةً، يتسوّر عليها الملك، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟. . .» وذكر الحديث. وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: «لبضع وأربعين ليلة». وفي «مسند الإمام أحمد» من حديث جابر، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إذا استقرّت النطفة في الرحم أربعين يومًا، أو أربعين ليلةً، بُعث إليها ملك، فيقول: يا رب شقيّ أم سعيد؟ فيعلم». وقد سبق ما رواه الشعبيّ عن علقمة، عن ابن مسعود من قوله، وظاهره يدلّ على أن الملك يُبعث إليه وهو نطفة. وقد رُوي عن ابن مسعود من وجهين آخرين، أنه قال: «إن الله -﷿- تُعرَض عليه كل يوم أعمال بني آدم، فينظر فيها ثلاث ساعات، ثم يؤتى بالأرحام، فينظر فيها ثلاث ساعات، وهو قوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، ويؤتى بالأرزاق، فينظر فيها ثلاث ساعات، وتسبِّحه الملائكة ثلاث ساعات، قال: فهذا من شأنكم، وشأن ربكم»، ولكن ليس في هذا توقيت ما ينظر فيه من الأرحام بمدّة. وقد رُوي عن جماعة من الصحابة أن الكتابة تكون في الأربعين الثانية، فخرَّج اللالكائيّ بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة، جاءها الملك، فاختلجها، ثم عرج بها إلى الرحمن -﷿-، فيقول: اخلُق يا أحسن الخالقين، فيقضي الله فيها ما يشاء من أمره، ثم تُدفع إلى الملك عند ذلك، فيقول: يا رب أسِقط أم تمام؟ فيبيِّن له، فيقول: يا رب أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبيِّن له، فيقول: يا رب أواحد أم توأم؟ فيبيِّن له، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيبيِّن له، فيقول: يا رب أشقيّ أم سعيد؟ فيبيّن له، ثم يقول: يا رب اقطع له رزقه، فيقطع له رزقه، مع أجَله، فيهبط بهما جميعًا، فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدنيا إلا ما قُسم له . وخرّج ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي ذرّ -﵁- قال: إن المني يمكث في الرحم أربعين ليلة، فيأتيه ملك النفوس، فيعرج به إلى الرحمن -﷿-، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله -﷿- ما هو قاض، ثم يقول: يا رب أشقيّ أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاقٍ بين يديه، ثم تلا أبو ذرّ من فاتحة سورة التغابن إلى قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣]. فهذا كله يوافق ما في حديث حذيفة بن أَسِيد، وقد تقدم عن ابن عباس -﵄- أن كتابة الملك تكون بعد نفخ الروح بأربعين ليلة، وأن إسناده فيه نظر. وقد جمع بعضهم بين هذه الأحاديث والآثار، وبين حديث ابن مسعود، فأثبت الكتابة مرتين، وقد يقال مع ذلك: إن أحدهما في السماء، والآخر في بطن الأم، والأظهر والله أعلم أنها مرة واحدة، ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنّة، فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين الأُولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة. وقد يقال: إن لفظة «ثم» في حديث ابن مسعود إنما يراد بها ترتيب الأخبار، لا ترتيب المخبَر عنه في نفسه، والله أعلم. ومن المتأخرين من رجح أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية، كما دلّ عليه حديث حذيفة بن أسيد، وقال: إنما أخّر ذِكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذِكر المضغة، وأن ذكره بلفظ «ثم»؛ لئلا ينقطع ذِكر الأطوار الثلاثة التي يتقلب فيها الجنين، وهو كونه نطفة، وعلقة، ومضغة، فإنّ ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجب، وأحسن، ولذلك أخّر المعطوف عليها، وإن كان المعطوف متقدّمًا على بعضها في الترتيب، واستشهد لذلك بقوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ. . .﴾ الآية [السجدة: ٧ - ٩]، والمراد بالإنسان: آدم -﵇-، ومعلوم أن تسويته، ونفخ الروح فيه كان قبل جعل نَسْله من سلالة من ماء مهين، لكن لمّا كان المقصود ذِكر قدرة الله -﷿- في مبدأ خَلْق آدم، وخَلْق نَسْله، عُطِف ذِكر أحدهما على الآخر، وأُخِّر ذكر تسوية آدم، ونَفْخ الروح، وإن كان ذلك متوسطًا بين خلق آدم من طين، وبين خلق نسله، والله أعلم. وقد ورد أن هذه الكتابة تكتب بين عيني الجنين، ففي «مسند البزار» عن ابن عمر -﵄-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إذا خلق الله النسمة، قال ملك الأرحام: أي: رب أذكر أم أنثى؟ قال: فيقضي الله إليه أمره، ثم يقول: أي رب أشقيّ أم سعيد؟ فيقضي الله إليه أمره، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ حتى النكبة يُنكبها» ، وقد ورد موقوفًا عن ابن عمر غير مرفوع، وحديث حذيفة بن أسيد المتقدّم صريح في أن الملك يكتب ذلك في صحيفته، ولعله يكتب في صحيفته، ويكتب بين عيني الولد. وقد رُوي أنه يقترن بهذه الكتابة أنه يُخلق مع الجنين ما تضمنته من صفاته القائمة به، فرُوي عن عائشة -﵂-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن الله إذا أراد أن يخلق الخلق بعث ملكًا، فدخل الرحم، فيقول: أيّ رب ماذا؟ فيقول: غلام، أو جارية، أو ما شاء أن يخلق في الرحم، فيقول: أيّ رب أشقيّ أم سعيد؟ فيقول ما شاء، فيقول: أيّ رب ما أجله؟ فيقول: كذا وكذا، فيقول: ما خُلُقه؟ ما خلائقه؟ فيقول: كذا كذا، فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم»، خرّجه أبو داود في «كتاب القدر»، والبزار في «مسنده» . وبكل حال فهذه الكتابة التي تُكتب للجنين في بطن أمه غير كتابة المقادير السابقة لخلْق الخلائق المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ الآية [الحديد: ٢٢]، كما في «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن الله قَدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، وفي حديث عبادة بن الصامت، عن النبيّ -ﷺ- قال: «أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة»، وقد سبق ذِكر ما رُوي عن ابن مسعود -﵁-؛ أن الملك إذا سأل عن حال النطفة أُمر أن يذهب إلى الكتاب السابق، ويقال له: إنك تجد فيه قصة هذه النطفة، وقد تكاثرت النصوص بذكر الكتاب السابق بالسعادة والشقاوة، ففي «الصحيحين» عن عليّ بن أبي طالب -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-؛ أنه قال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا قد كُتبت شقية، أو سعيدة»، فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا، ونَدَع العمل؟ فقال: «اعملوا، فكل ميسَّر لِمَا خُلق له، أما أهل السعادة فييسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسَّرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾» [الليل: ٥، ٦]. ففي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدَّر بحَسَب الأعمال، وأن كلًّا ميسَّر لِمَا خُلق له من الأعمال التي هي سبب السعادة والشقاوة. وفي «الصحيحين» عن عمران بن حصين قال: قال رجل: يا رسول الله، أيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: «نعم، قال: فلِمَ يعمل العاملون؟ قال: كل يَعمل لِمَا خُلق له، أو لِما يُسّر له». وقد رُوي هذا المعنى عن النبيّ -ﷺ- من وجوه كثيرة. وحديث ابن مسعود فيه: أن السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال، وقد قيل: إن قوله في آخر الحديث: «فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه. . .» إلى آخر الحديث مدرج من كلام ابن مسعود، كذلك رواه سلمة بن كُهيل عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود من قوله، وقد روي هذا المعنى عن النبيّ -ﷺ- من وجوه متعددة أيضًا، وفي «صحيح البخاريّ» عن سهل بن سعد، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إنما الأعمال بالخواتيم»، وفي «صحيح ابن حبان» عن عائشة -﵂-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إنما الأعمال بالخواتيم»، وفيه أيضًا عن معاوية قال: سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: «إنما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خَبُث أعلاه خَبُث أسفله»، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يُختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يُختم له عمله بعمل أهل الجنة». وخرّج الإمام أحمد من حديث -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «لا عليكم أن لا تعجبوا بأحد حتى تنظروا بِمَ يُختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من عمره، أو برهة من دهره بعمل صالح، لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول، فيعمل عملًا سيئًا، وإن العبد ليعمل البرهة من عمره بعمل سيئ، لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول، فيعمل عملًا صالِحًا». وخرّج أيضًا من حديث عائشة -﵂- عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وهو مكتوب في الكتاب من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحوّل يعمل بعمل أهل النار، فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، وإنه لمكتوب في الكتاب من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته تحوّل، فعمل بعمل أهل الجنة، فمات، فدخلها». وخرّج الإمام أحمد، والنسائيّ، والترمذيّ من حديث عبد الله بن عمرو -﵄- قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ-، وفي يده كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» فقلنا: لا يا رسول الله، إلا أن تُخْبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: «هذا الكتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أُجمل على آخرهم، فلا يزاد فيه، ولا ينقص منه أبدًا». ثم قال للذي في شماله: «هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أُجمل على آخرهم، فلا يزاد فيه، ولا ينقص منه أبدًا». فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله، إن كان أمرًا قد فُرغ منه؟ فقال: «سدِّدوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة، وإنْ عَمِل أيّ عَمَل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عَمِل أيّ عمل»، ثم قال رسول الله -ﷺ- بيديه، فنبذهما، ثم قال: «فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير». وقد رُوي هذا الحديث عن النبيّ -ﷺ- من وجوه متعددة، وخرّجه الطبراني من حديث عليّ بن أبي طالب، عن النبيّ -ﷺ-، وزاد فيه: «صاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة، وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار، وإن عَمِل أيّ عَمَل، وقد يُسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة، حتى يقال: ما أشبههم بهم، بل هم منهم، وتُدركهم السعادة، فتستنقذهم، وقد يُسلك بأهل الشقاوة طريق أهل السعادة، حتى يقال: ما أشبههم بهم، بل هم منهم، وتُدركهم الشقاوة، من كتَبَه الله سعيدًا في أم الكتاب لم يخرجه من الدنيا حتى يستعمله بعمل يسعده قبل موته، ولو بفُواق ناقة، ثم قال: الأعمال بخواتيمها، الأعمال بخواتيمها». وخرّج البزار في«مسنده»بهذا المعنى أيضًا من حديث ابن عمر، عن النبيّ -ﷺ-. وفي«الصحيحين»عن سهل بن سعد، أن النبيّ -ﷺ- التقى هو والمشركون، وفي أصحابه رجل، لا يدع شاذّة، ولا فاذّة، إلا اتّبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله -ﷺ-:«هو من أهل النار»، فقال رجل من القوم: أنا أصاحبه، فاتّبعه، فجُرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوَضَع نَصْل سيفه على الأرض، وذُبابه بين ثدييه، ثم تحامَل على سيفه، فقَتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: أشهد أنك رسول الله، وقَصّ عليه القصة، فقال رسول الله -ﷺ-:«إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة -زاد البخاريّ في رواية له-: إنما الأعمال بالخواتيم». وقوله:«فيما يبدو للناس» إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد، لا يطَّلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيئ، ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار، وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة. قال عبد العزيز بن أبي روّاد: حضرت رجلًا عند الموت، يُلَقَّن الشهادة، لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنها هي التي أوقعته. وفي الجملة، فالخواتيم ميراث السوابق، فكل ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتدّ خوف السلف من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق، وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، يقولون: بماذا يُختم لنا؟ وقلوب المقربين معلقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا؟. وبكى بعض الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن الله تعالى قبض خَلْقه قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار، ولا أدري في أي القبضتين كنت». قال بعض السلف: ما أبكى العيون ما أبكاها الكتاب السابق. وقال سفيان لبعض الصالحين: هل أبكاك قطّ علم الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركني لا أفرح أبدًا، وكان سفيان يشتدّ قلقه من السوابق والخواتيم، فكان يبكي، ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيًّا، ويبكي، ويقول: أخاف أن أُسلب الإيمان عند الموت. وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضًا على لحيته، ويقول: يا رب قد علمتَ ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك؟. وقال حاتم الأصم: من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار، فهو مغترّ، فلا يأمن الشقاء: الأول: خَطَر يوم الميثاق، حين قال: هؤلاء في الجنة، ولا أبالي، وهؤلاء في النار، ولا أبالي، فلا يعلم في أي الفريقين كان. والثاني: حين خُلق في ظلمات ثلاث، فنادى الملَك بالشقاوة والسعادة، ولا يدري أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟. والثالث: ذِكر هول المطلع، فلا يدري أيبشَّر برضا الله أم بسخطه؟. والرابع: يوم يصدر الناس أشتاتًا، فلا يدري أيّ الطريقين يُسلك به؟. وقال سهل التستريّ: المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصى، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر. ومن هنا كان الصحابة ومَن بعدهم مِن السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتدّ قلقهم، وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة، فيخرجه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفيّة توجب سوء الخاتمة. وقد كان النبيّ -ﷺ- يُكثر أن يقول في دعائه: «يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك»، فقيل له: يا نبيّ الله آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ فقال: «نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن -﷿- يقلّبها كيف شاء» خرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ من حديث أنس. وخرّج الإمام أحمد من حديث أم سلمة، أن النبيّ -ﷺ- كان يكثر في دعائه أن يقول: «اللَّهُمَّ يا مقلِّب القلوب ثبّت قلبي على دينك» فقلت: يا رسول الله، أو إن القلوب لتتقلّب؟ قال: «نعم، ما من خَلْق الله من بني آدم، من بَشَر، إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله -﷿-، فإن شاء -﷿- أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب». قالت: قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: «بلى، قولي: اللَّهُمَّ رب النبيّ محمد -ﷺ- اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجِرْني من مضلّات الفتن ما أحييتني»، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. وخرّج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن -﷿- كقلب واحد، يصرّفه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله -ﷺ-: «اللَّهُمَّ مصرِّف القلوب صَرِّف قلوبنا على طاعتك». انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب -﵀- على هذا الحديث ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: «إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»، وَقَالَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ: «أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، أَو أَرْبَعِينَ يَوْمًا»، وَأَمَّا فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَعِيسَى: «أَرْبَعِينَ يَوْمًا»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعي -بفتح المهملة وكسر الموحدة- أخو إسرائيل، كوفي نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ، أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب. ٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر الْعَنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ)؛ يعني: أن كل الأربعة، وهم: جرير بن عبد الحميد، وعيسى بن يونس، ووكيع بن الجرّاح، وشعبة بن الحجّاج رووا هذا الحديث عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود -﵁-. وقوله: (وَقَالَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ: «أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، أَو أَرْبَعِينَ يَوْمًا) هكذا وقع في النسخة الهنديّة، وهو الصواب، ووقع في نسخة شرح النوويّ، وكذا في النسخة التركيّة:»أربعين ليلة، أربعين يومًا«، دون عاطف، ووقع في شرح الأبّيّ بلفظ:»وقال في حديث معاذ عن شعبة بدل أربعين ليلةً: أربعين يومًا«، وكتب في هامش التركيّة: قوله: عن شعبة أربعين ليلة، وفي بعض النُّسخ: عن شعبة بدل أربعين ليلةً، وفي أكثرها لم يوجد، وهو الظاهر، وإلا فالمناسب أن يقال: وأما في حديث معاذ، وجرير، وعيسى: أربعين يومًا، وعلى عدم وجوده، لا بدّ أن يقدّر العاطف قبل أربعين يومًا ، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما في النسخة الهنديّة بلفظ: «أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» هو الصواب؛ لأنه الموافق لِمَا في «صحيح البخاريّ» كما سيأتي في التنبيه، إلا أنه قدّم «يومًا» على «ليلة». والحاصل: أن رواية شعبة بالشكّ، وقد تقدّم تحقيق ذلك في شرح الحديث الماضي، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: أما رواية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش، فقد ساقها أبو يعلى ﵀ في «مسنده»، فقال: (٥١٥٧) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله، قال: قال رسول الله -ﷺ-، وهو الصادق المصدوق: «إن خَلْق أحدكم لَيُجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملَك بأربع كلمات: رزقه، وعمله، وأجله، وشقيّ أم سعيد، فوالذي نفسي بيده، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها». انتهى . وأما رواية وكيع عن الأعمش، فساقها الإمام أحمد -﵀- مقرونًا بيحيى القطّان، فقال في«مسنده»: (٤٠٩١) - حدّثنا يحيى عن الأعمش ووكيع، ثنا الأعمش، قال: ثنا زيد بن وهب، عن عبد الله قال: ثنا رسول الله -ﷺ-، وهو الصادق المصدوق، قال:«إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه في أربعين يومًا، أو قال: أربعين = في موضع آخر، ففيه نظر لا يخفى؛ لأن الغرض للمصنّف بهذا الكلام بيان وقوع الشك في رواية شعبة في موضع واحد، لا في موضعين، كما هو واضح من رواية البخاريّ، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
مصادر المؤلف (٥٤)

١. انتهت. منقولة من«مجموع الفتاوى»٨/ ٢٤٥ - ٢٥٥.

٢. وفي نسخة:«يرسل الله الملك».

٣. وفي نسخة:«يكتب رزقه».

٤. «شرح السنديّ على سنن ابن ماجه»١/ ٥٨.

٥. «شرح البخاريّ»للكرمانيّ ٢٣/ ٧٢.

٦. قد اعترض العيني هذا الكلام على الحافظ كعادته بما فيه نَظَر لا يخفى على المصنف، فلا تغترّ به.

٧. يوجد في نسخة«الفتح»ما لفظه:«في حديث أنس إلخ»، ولفظ«أنس»زِيْدَ غلطًا؛ والصواب ما ذكرته؛ لأن الحديث ليس لأنس، وإنما للمغيرة بن شعبة، فتأمله بالإمعان، ثم وجدته في شرح العينيّ على الصواب، راجع:«عمدة القاري»٢٣/ ١٤٦، ولله الحمد.

٨. ص ٢٤٠ رقم (٢٣٨).

٩. البيت لذي الرّمّة، وتمامه:

١٠. «الفتح» ١١/ ٥٨٤ ببعض تصرّف، وزيادة من «عقود الزبرجد» للسيوطيّ ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.

١١. أشار به إلى قول الشاعر:

١٢. «المفهم» ٦/ ٦٤٩ - ٦٥٠.

١٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٣٤.

١٤. «شرح البخاريّ» للكرمانيّ ٢٣/ ٧٣.

١٥. «إكمال المعلم» ٨/ ١٢٧.

١٦. «الفتح» ١٥/ ١٩٤.

١٧. «الفتح» ١٥/ ١٩٨ - ١٩٩.

١٨. «شرح السنديّ على ابن ماجه» ١/ ٥٨.

١٩. «الفتح» ١٥/ ١٩٤ - ١٩٥.

٢٠. «بهجة النفوس» ٣/ ٢٢٢.

٢١. «الفتح» ١٥/ ١٩٥ - ١٩٨.

٢٢. «الفتح» ١٥/ ١٩٩ - ٢٠٠.

٢٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٣٤ - ٥٣٥.

٢٤. «الفتح» ١١/ ٤٨٧.

٢٥. «مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح»١/ ٤١٧.

٢٦. «المفهم»٦/ ٦٥٣ - ٦٥٤.«بدء الخلق»(٣٢٠٨) و«الأنبياء»(٣٣٣٢) و«القدر»(٦٥٩٤) و«التوحيد»(٧٤٥٤)، و(أبو داود) في«السُّنَّة»(٤٧٠٨)، و(الترمذيّ) في«القدر»(٢١٣٧)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٦/ ٣٦٦)، و(ابن ماجه) في«المقدّمة»(٧٦)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(٢٩٨)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١١/ ١٢٣)، و(الحميديّ) في«مسنده»(١٢٦)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ٣٨٢ و٤١٤ و٤٣٠)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦١٧٤)، و(ابن أبي عاصم) في«السُّنَّة»(١٧٥ و١٧٦)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٥١٥٧)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(٢/ ٢٠١) و«الصغير»(١/ ١٣٣)، و(ابن الجعد) في«مسنده»(١/ ٣٧٩)، و(البزّار) في«مسنده»(٥/ ١٧٠)، و(الدارميّ) في«الردّ على الجهميّة»(ص ٨١)، و(اللالكائيّ) في«أصول الاعتقاد»(١٠٤٠ و١٠٤١)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٧/ ٤٢١ و١٠/ ٢٦٦) وفي«شعب الإيمان»(١/ ٢٠٧) وفي«الأسماء والصفات»(ص ٣٨٧) وفي«الاعتقاد»(ص ١٣٧ - ١٣٨)، و(أبو القاسم البغويّ) في«الجعديّات»(٢٦٨٨)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة»(٧١)، والله تعالى أعلم.

٢٧. راجع: «الفتح» ١١/ ٥٨٣.

٢٨. راجع: «ذخيرة العقبى» ١٩/ ١٨٦ - ١٨٧.

٢٩. «الفتح» ١١/ ٥٩٦.

٣٠. أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٧٦ - ١٧٧ بإسناد صحيح.

٣١. أخرجه أحمد ٣/ ١١٢ و٢٥٧، والترمذيّ (٢١٤٠) وحسّنه.

٣٢. أخرجه أحمد ٦/ ٣٠٢ وفي إسناده شهر بن حوشب، وقد تُكلّم فيه، والحقّ أنه حَسَن الحديث كما قال البخاريّ، ولا سيما رواية عبد الحميد بن بهرام كما هنا، وقد صرّح بأنه سمع أم سلمة -﵂- تحدّث بهذا الحديث، وقد حققت هذا البحث في غير هذا الموضع من هذا الشرح وغيره.

٣٣. راجع: «جامع العلوم والحكم» ١/ ١٧٢ - ١٧٥، بتحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس.

٣٤. «الفتح» ١١/ ٥٩٧.

٣٥. «الفتح» ١١/ ٥٩٧ - ٥٩٨.

٣٦. كون الباء للسببية ليس مذهب المعتزلة، كما تُوْهمه هذه العبارة، بل هو مذهب أهل الحق من أهل السُّنَّة والجماعة، وإنما لم تُجعل هنا للسببية لدليل اقترن بها، وهو الجمع بين الأدلة، فتفطّن. والله تعالى أعلم.

٣٧. راجع:«الفتح»١١/ ٣٥٧ - ٣٥٩، كتاب«الرقاق»رقم الحديث (٦٤٦٤).

٣٨. رواه اللالكائيّ في«الاعتقاد»(١٠٤٣).

٣٩. ذكره الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد» ٧/ ١٣٤ وقال: رجاله ثقات، وجوّد

٤٠. وقال ابن كثير: إسناد ليس بالثابت.

٤١. متّفقٌ عليه.

٤٢. ٢/ ٨٧٧ وفيه ابن لَهِيعة، وقد ضعّفوه.

٤٣. متّفقٌ عليه.

٤٤. رواه أحمد ١/ ٣٧٤، وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.

٤٥. رواه تمّام الرازيّ في «فوائده» (٣١) من طريق سليم بن ميمون الخواص -وهو ضعيف- عن يحيى بن عيسى -وهو ضعيف- عن الأعمش، عن أبي وائل.

٤٦. يعني: الحنبليّة.

٤٧. رواه اللالكائيّ في «أصول الاعتقاد»، وفي سنده محمد بن حُميد الرازيّ، وهو ضعيف.

٤٨. رواه اللالكائيّ في «أصول الاعتقاد» (١٢٣٦)، وإسناده ضعيف جدًّا.

٤٩. رواه البزّار (٢١٤٩)، وأبو يعلى (٥٧٧٥)، وصححه ابن حبّان (٦١٧٨).

٥٠. رواه أبو داود في «القدر»، والبزّار من طريق جعفر بن مصعب، عن عكرمة بن الزبير، عن عائشة، وجعفر بن مصعب لم يوثّقه غير ابن حبّان، ولم يرو عنه غير الزبير بن عبد الله بن أبي خالد، وقال البزّار: لا نعلمه يروي عن عائشة إلا بهذا الإسناد، وقال الهيثميّ في «المجمع» ٧/ ١٩٣: رواه البزّار، ورجاله ثقات.

٥١. ١/ ١٥٣ - ١٧٥.

٥٢. وأما حلّ الشيخ الهرريّ في شرحه بقوله: أربعين ليلة في موضع، وأربعين يومًا =

٥٣. هامش النسخة التركيّة ٨/ ٤٥.

٥٤. «مسند أبي يعلى» ٩/ ٨٩.