HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٥٢

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ وابن أبي عمر المكي وأحمد بن عبدة الضبي. جميعا عن ابن عيينة (واللفظ لابن حاتم وابن دينار). قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو، عن طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ «احتج آدم وموسى. فقال موسى: يا آدم! أنت أبونا. خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى. اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ «فقال النبي ﷺ»فحج آدم موسى. فحج آدم موسى». وفي حديث ابن أبي عمر وابن عبدة. قال أحدهما: خط. وقال الآخر: كتب لك التوراة بيده.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص49
ج ٤ ص ٢٠٤٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٠١
[٨٢٦] فيه دليل أن الشيء إذا وجد بسبب شيء؛ جاز أن يضاف الفعل إليه، إذ قال: (أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الجَنَّةِ) ، ولم يكن هو المخرج في الحقيقة، ويجوز أن تطلق هذه اللفظة لمن لم يكن قط في الشيء، فيقال: إنك خارج منه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]؛ ولم يكونوا قط في نور، وفي قوله: (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) دليل على تقديم علم الله تعالى بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم، وصدورها عن تقدير منه؛ وخَلْقٍ لها: خيرها وشرها. وليس معنى القدر من الله إجبارٌ وقهرٌ للعبد على ما قضاه وقدره، والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر، وإذا كان الأمر على ذلك، فقد بقي عليهم من وراء علم الله تعالى فيهم؛ أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمد، وتقديمِ إرادة واختيار، والحجة إنما تلزم بها، وجملة القول أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضَه، وإنما كان موضع الحجة لازما على موسى أن الله سبحانه إذا كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة، ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يردَّ علم الله فيه، وأن يبطله بضد ذلك، وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى، ودفع لائمة موسى عن نفسه بهذا الوجه. فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يَسقط اللوم عنه أصلا، قيل: اللوم ساقط عنه من قبل موسى ﵇، إذ ليس لأحد أن يعير أحدا بذنب كان منه، لأن الخلق كلهم تحت العبودية سواء، وقد روي: (لَا تَنْظُرُوا إِلَى ذُنُوبِ العِبَادِ كَأَنَّكُم أَرْبَابٌ، وَانْظُرُوا إِلَيهِم كَأَنَّكُم عَبِيدٌ) ، ولكن اللوم لازم لآدم ﵇ من قِبَل الله، إذ كان قد أمره ونهاه، فخرج إلى معصيته، وباشر المَنْهِيَ عنه، والله الحجة البالغة ﷾ لا شريك له. وقول موسى ﵇ وإن كان منه في النفوس شبهة، وفي ظاهره مُتَعَلَّق؛ لاحتجاجه بذكر السبب الذي قد جُعل أمارة خروجه من الجنة، فقول آدم ﵇ في تعلقه بالسبب الذي هو بمنزلة الأصل أرجح.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٤٢١
كافر باطنًا، وأما الثاني فعمله الذي لا يحتاج لنية صحيحٌ، وما يحتاجها باطلٌ من حيث عدم وجودها . (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو)؛ أي: يظهر (لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ») قال النوويّ -﵀-: فيه التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها، ولا يركن إليها؛ مخافة من انقلاب الحال للقَدَر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط، ولغيره أن لا يُقَنِّطه من رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف مطوّلًا في«كتاب الإيمان» برقم [٥٠/ ٣١٣] (١١٢)، ومضى البحث فيه هناك مستوفًى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ حِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى (-﵉-) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧١٩] (٢٦٥٢) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، جَمِيعًا عنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ، وَابْنِ دِينَارٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَي، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ أنتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَني بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟»، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى»، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَابْنِ عَبْدَةَ قَالَ أَحَدُهُمَا: خَطَّ، وَقَالَ الآخَرُ: كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارِ) البغداديّ، أبو إسحاق التمّار، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (م) من أفراد المصنّف تقدم في «الإيمان» ٤١/ ٢٧٢. ٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، تقدّم قبل بابين. ٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. ٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم المكيّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٧ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم اليمانيّ، أبو عبد الرَّحمن الفارسيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] مات سنة ست ومائة، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- ذُكر قبل حديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بينهم؛ ثم فصّل؛ لِمَا تقدّم غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو) بن دينار، وقال البخاريّ: حَدَّثَنَا عليّ بن عبد الله، حَدَّثَنَا سفيان، قال: حَفِظناه من عمرو. . .، ووقع في «مسند الحميديّ»: عن سفيان، حَدَّثَنَا عمرو بن دينار. (عَنْ طَاوُسٍ) في رواية أحمد: عن سفيان، عن عمرو، سمع طاوسًا، وعند الإسماعيليّ من طريق محمد بن منصور الخراز، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، سمعت طاوسًا (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁-. [تنبيه]: قال أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: هذا الحديث ثابت بالاتفاق، رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين، ورُوي عن النبيِّ -ﷺ- من وجوه أخرى، من رواية الأئمة الثقات الأثبات. قال الحافظ: وقع لنا من طريق عشرة عن أبي هريرة، منهم طاوس في «الصحيحين»، والأعرج عند مسلم، من رواية الحارث بن أبي الذباب، وعند النسائيّ عن عمرو بن أبي عمرو، كلاهما عن الأعرج، وأبو صالح السمّان عند الترمذيّ، والنسائيّ، وابن خزيمة، كلهم من طريق الأعمش، عنه، والنسائيّ أيضًا، من طريق القعقاع بن حكيم، عنه، ومنهم أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، عند أحمد، وأبي عوانة، من رواية الزهريّ، عنه، وقيل: عن الزهريّ عن سعيد بن المسيِّب، وقيل: عنه، عن حميد بن عبد الرَّحمن، ومن رواية أيوب بن النجار، عن أبي سلمة في «الصحيحين» أيضًا، ومن رواية محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عند ابن خزيمة، وأبي عوانة، وجعفر الفريابيّ في «القدر»، ومن رواية يحيى بن أبي كثير، عنه، عند أبي عوانة، ومنهم حميد بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة في «الصحيحين»، ومنهم محمد بن سيرين، عندهما أيضًا، ومنهم الشعبيّ، أخرجه أبو عوانة، والنسائيّ، ومنهم همام بن منبه، أخرجه مسلم، ومنهم عمار بن أبي عمار، أخرجه أحمد. وممن رواه عن النبيّ -ﷺ-: عمر، عند أبي داود، وأبي عوانة، وجندب بن عبد الله، عند النسائيّ، وأبو سعيد، عند البزار، وأخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والحارث من وجه آخر عنه، وقد أشار إلى هذه الثلاثة الترمذيّ. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى)؛ أي: اختصما، وفي رواية همّام ومالك:»تحاجّ«، وهي أوضح، وفي رواية أيوب بن النجار، ويحيى بن كثير:»حَجَّ آدم وموسى«، وعليها شَرَح الطيبيّ، فقال: معنى قوله:»حج آدم وموسى«: غلبه بالحجة، وقوله بعد ذلك:»قال موسى: أنت آدم إلخ«توضيح لذلك، وتفسير لِمَا أُجمل، وقوله في آخره:»فحج آدم موسى«تقرير لِمَا سبق، وتأكيد له، وفي رواية يزيد بن هرمز:»عند ربهما«، وفي رواية محمد بن سيرين:«التقى آدم وموسى»، وفي رواية عمار والشعبيّ:«لقي آدم موسى»، وفي حديث عمر:«لقي موسى آدم»، كذا عند أبي عوانة، وأما أبو داود فلفظه:«قال موسى: يا رب أرني آدم». [تنبيه]: قد اختَلَف العلماء في وقت هذا التحاجّ، فقيل: يَحْتَمِل أنه في زمان موسى، فأحيا الله له آدم -﵇- معجزةً له، فكلَّمه، أو كُشف له عن قبره، فتحدثا، أو أراه الله روحه، كما أرى النبيّ -ﷺ- ليلة المعراج أرواح الأنبياء، أو أراه الله له في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي، ولو كان يقع في بعضها ما يقبل التعبير، كما في قصّة الذبيح، أو كان ذلك بعد وفاة موسى، فالتقيا في البرزخ، أولَ ما مات موسى، فالتقت أرواحهما في السماء، وبذلك جزم ابن عبد البرّ، والقابسيّ، وقد وقع في حديث عمر -﵁-: لَمّا قال موسى: أنت آدم، قال له: من أنت؟ قال: أنا موسى، وأن ذلك لم يقع بعدُ، وإنما يقع في الآخرة، والتعبير عنه في الحديث بلفظ الماضي؛ لتحقُّق وقوعه. وذكر ابن الجوزيّ احتمال التقائهما في البرزخ، واحتمال أن يكون ذلك ضَرْبُ مَثَلٍ، والمعنى: لو اجتمعا لقالا ذلك، وخُصَّ موسى بالذِّكْر؛ لكونه أول نبي بُعِث بالتكاليف الشديدة، قال: وهذا وإن احْتَمَل، لكن الأول أَولي، قال: وهذا مما يجب الإيمان به؛ لثبوته عن خبر الصادق، وإن لم يُطَّلَع على كيفية الحال، وليس هو بأول ما يجب علينا الإيمان به، وإن لم نَقِف على حقيقة معناه، كعذاب القبر، ونعيمه، ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات لم يبق إلا التسليم. وقال ابن عبد البرّ: مِثْلُ هذا عندي يجب فيه التسليم، ولا يوقف فيه على التحقيق؛ لأنا لَمْ نؤتَ من جنس هذا العلم إلا قليلًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما أحسن قول ابن الجوزيّ، وابن عبد البرّ -﵀- في هذا، وأجمله؛ فإن الواجب علينا في مثل هذا الإيمان به، وعدم الخوض في كونه متى كان؟، وأين كان؟، ولم كان؟، فكلّ هذه نكلها إلى العالم الخبير، ونصدّق، ونسلّم ما جاءنا عنه على لسان نبيّه -ﷺ-، اللَّهُمَّ ثبِّتنا على دينك، آمين. (فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا) الاستفهام تقريريّ، وفي رواية يحيى بن أبي كثير: «أنت أبو الناس»، وكذا في حديث عمر، وفي رواية الشعبيّ: «أنت آدم، أبو البشر». (خَيَّبْتَنَا) بالخاء المعجمة، ثم الموحّدة، من الخيبة، والمراد به: الحرمان، وقيل: هي كـ «أغويتنا» من إطلاق الكل على البعض، والمراد: من يجوز منه وقوع المعصية، ولا مانع من حَمْله على عمومه، والمعنى: أنه لو استمرّ على تَرْك الأكل من الشجرة لَمْ يخرج منها، ولو استمرّ فيها لوُلد له فيها، وكان وَلَده سكان الجَنَّة على الدوام، فلمّا وقع الإخراج فاتَ أهل الطاعة من وَلَدِه استمرار الدوام في الجَنَّة، وإن كانوا إليها ينتقلون، وفاتَ أهل المعصية تأخر الكون في الجَنَّة مدة الدنيا، وما شاء الله من مدة العذاب في الآخرة، إما مؤقتًا في حقّ الموحدين، وإما مستمرًّا في حقّ الكفار، فهو حرمان نسبيّ . (وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ) معنى: «أخرجتنا» كنت سببًا لإخراجنا جميعًا، فهو على عمومه، بخلاف رواية: «أغويتنا»، و«أهلكتنا» فهما من إطلاق الكل على البعض. وفي رواية حميد بن عبد الرَّحمن: «أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجَنَّة»، وفي رواية عنه: «أخرجت ذريتك»، وفي رواية مالك: «أنت الذي أغويت الناس، وأخرجتهم من الجَنَّة»، ومثله في رواية همام، وكذا في رواية أبي صالح، وفي رواية محمد بن سيرين: «أشقيت» بدل «أغويت». ومعنى «أغويت»: كنت سببًا لغوَاية مَن غَوَى منهم، وهو سبب بعيد؛ إذ لو لَمْ يقع الأكل من الشجرة لَمْ يقع الإخراج من الجَنَّة، ولو لَمْ يقع الإخراج ما تسلَّط عليهم الشهوات والشيطان المسبَّب عنهما الإغواء، والغَيّ ضدّ الرَّشَد، وهو الانهماك في غير الطاعة، ويُطْلق أيضًا على مجرد الخطأ، يقال: غَوَى؛ أي: أخطأ صواب ما أُمر به. وفي رواية أبي سلمة: «أنت الذي أخرجت الناس من الجَنَّة بذنبك»، وعند أحمد من طريقه: «أنت الذي أدخلت ذريتك النار»، والقول فيه كالقول في «أغويت»، وزاد همام: «إلى الأرض»، وكذا في رواية يزيد بن هرمز: «فأهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض»، وأوله عنده: «أنت الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته»، ومثله في رواية أبي صالح، لكن قال: «ونفخ فيك من روحه»، ولم يقل: «وأسجد لك ملائكته»، ومثله في رواية محمد بن عمرو، وزاد: «وأسكنك جنته»، ومثله في رواية محمد بن سيرين، وزاد: «ثم صنعت ما صنعت»، وفي رواية عمرو بن أبي عمرو، عن الأعرج: «يا آدم خلقك الله بيده، ثم نفخ فيك من روحه، ثم قال لك: كن، فكنت، ثم أمر الملائكة، فسجدوا لك، ثم قال لك: اسكن أنت وزوجك الجَنَّة، وكلا منها رغدًا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة، فنهاك عن شجرة واحدة، فعصيت»، وزاد الفريابيّ: «وأكلت منها»، وفي رواية عكرمة بن عمار، عن أبي سلمة: «أنت آدم الذي خلقك الله بيده»، فأعاد الضمير في قوله: «خلقك» إلى قوله: «أنت»، والأكثر عَوْده إلى الموصول، فكأنه يقول: خلقه الله، ونحو ذلك ما وقع في رواية الأكثر: «أنت الذي أخرجتك خطيئتك»، وفي حديث عمر بعد قوله: «أنت آدم؟ قال: نعم، قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلَّمك الأسماء كلها، وأمَر الملائكة، فسجدوا لك؟، قال: نعم، قال: فلِمَ أخرجتنا، ونفسك من الجَنَّة؟» وفي لفظ لأبي عوانة: «فوالله لولا ما فعلت ما دخل أحد من ذريتك النار»، ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن أبي شيبة: «فأهلكتنا، وأغويتنا، وذَكر ما شاء الله أن يذكر من هذا»، وهذا يُشعر بأن جميع ما ذكر في هذه الروايات محفوظ، وأن بعض الرواة حَفِظ ما لَمْ يحفظ الآخر . (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لموسي، (آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِه، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ) وفي رواية الأعرج: «أنت موسى الذي أعطاك الله عِلم كل شيء، واصطفاك على الناس برسالته»، وفي رواية همام نحوه، لكن بلفظ: «اصطفاه» و«أعطاه»، وزاد في رواية يزيد بن هرمز: «وقَرّبك نَجِيًّا، وأعطاك الألواح، فيها بيان كل شيء»، وفي رواية ابن سيرين: «اصطفاك الله برسالته، واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة»، وفي رواية أبي سلمة: «اصطفاك الله برسالته وكلامه»، ووقع في رواية الشعبيّ: «فقال: نعم»، وفي حديث عمر: «قال: أنا موسى، قال: نبِيّ بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: أنت الذي كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولًا من خلقه؟ قال: نعم». (أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ) وفي رواية: «على أمر قدّر الله عليّ» بحذف المفعول، (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ «) وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة:»فكيف تلومني على أمر كتبه الله، أو قدّره الله عليّ«ولم يذكر المدّة، وثبَت ذِكرها في رواية طاوس، وفي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ولفظه:»فكم تجد في التوراة أنه كُتب عليّ العمل الذي عملته قبل أن أُخلق؟ قال: بأربعين سنة، قال: فكيف تلومني عليه؟ «وفي رواية يزيد بن هرمز نحوه، وزاد:»فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قال: نعم«. قال الحافظ: وكلام ابن عبد البرّ قد يوهم تفرد ابن عيينة عن أبي الزناد بزيادتها، لكنه بالنسبة لأبي الزناد، وإلا فقد ذكر التقييد بالأربعين غير ابن عيينة، كما تري، وفي رواية الزهريّ عن أبي سلمة، عند أحمد:«فهل وجدت فيها -يعني: الألواح، أو التوراة- أني أُهبط؟ »، وفي رواية الشعبيّ:«أفليس تجد فيما أنزل الله عليك أنه سيخرجني منها قبل أن يدخلنيها؟، قال: بلى»، وفي رواية عمار بن أبي عمار:«أنا أقدم أم الذِّكر؟ قال: بل الذِّكر»، وفي رواية عمرو بن أبي عمرو، عن الأعرج:«ألم تعلم أن الله قدّر هذا عليّ قبل أن يخلقني»، وفي رواية ابن سيرين:«فوجدته كَتَب عليّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم»، وفي رواية أبي صالح:«فتلومني في شيء كتبه الله عليّ قبل خلقي؟ »، وفي حديث عمر:«قال: فلِمَ تلومني على شيء سَبَق من الله تعالى فيه القضاء»، ووقع في حديث أبي سعيد الخدريّ:«أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ ». والجمع بينه وبين الرواية المقيدة بأربعين سنة: حمْلها على ما يتعلق بالكتابة، وحَمْل الأخرى على ما يتعلق بالعلم. وقال ابن التين: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالأربعين سنة: ما بين قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] إلى نفخ الروح في آدم. وأجاب غيره: أن ابتداء المدّة وقت الكتابة في الألواح، وآخرها ابتداء خلق آدم. وقال ابن الجوزيّ: المعلومات كلها قد أحاط بها عِلم الله القديم قبل وجود المخلوقات كلها، ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة. وقد ثبت في «الصحيح»؛ يعني: «صحيح مسلم»: «أن الله قدّر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، فيجوز أن تكون قصة آدم بخصوصها كُتبت قبل خلقه بأربعين سنة، ويجوز أن يكون ذلك القَدْر مدّة لَبْثه طينًا إلى أن نُفخت فيه الروح، فقد ثبت في «صحيح مسلم» أن بين تصويره طينًا، ونفخ الروح فيه كان مدّة أربعين سنةً، ولا يخالف ذلك كتابة المقادير عمومًا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وقال المازريّ: الأظهر أن المراد: أنه كَتَبه قبل خلق آدم بأربعين عامًا، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أظهره للملائكة، أو فعل فعلًا ما أضاف إليه هذا التاريخ، وإلا فمشيئة الله، وتقديره قديم، والأشبه أنه أراد بقوله: «قَدَّره الله عليّ قبل أن أُخلق»؛ أي: كتبه في التوراة؛ لقوله في الرواية المشار إليها قبلُ: «فكم وجدته كُتب في التوراة قبل أن أُخلق؟». وقال النوويّ: المراد بتقديرها: كَتْبه في اللوح المحفوظ، أو في التوراة، أو في الألواح، ولا يجوز أن يراد أصل القَدَر؛ لأنه أزليّ، ولم يزل الله -﷾- مريدًا لِمَا يقع من خَلْقه، وكان بعض شيوخنا يزعم أن المراد: إظهار ذلك عند تصوير آدم طينًا، فإن آدم أقام في طينته أربعين سنة، والمراد على هذا بخلقه: نَفْخ الروح فيه. قال الحافظ: وقد يعكر على هذا رواية الأعمش، عن أبي صالح: «كتبه الله عليّ قبل أن يخلق السماوات والأرض»، لكنه يُحمل قوله فيه: «كتبه الله عليّ»: قدّره، أو على تعدُّد الكتابة؛ لتعدُّد المكتوب، والعلم عند الله تعالى. (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)؛ أي: غلبه بالحجة، يقال: حاججت فلانًا، فحججته، مثل خاصمته، فخصمته. (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى») هكذا هنا مكرّرًا مرّتين، وفي رواية للبخاريّ: «فحج آدم موسى، فحج آدم موسى ثلاثًا»، قال في «الفتح»: كذا في هذه الطرق، ولم يُكَرَّر في أكثر الطرق عن أبي هريرة، ففي رواية أيوب بن النجار كالذي هنا، لكن بدون قوله: «ثلاثًا»، وكذا لمسلم من رواية ابن سيرين، وكذا في حديث جندب، عند أبي عوانة، وثبت في حديث عمر بلفظ: «فاحتجّا إلى الله، فحج آدم موسى، قالها ثلاث مرات»، وفي رواية عمرو بن أبي عمرو، عن الأعرج: «لقد حجّ آدم موسى، لقد حجّ آدم موسى، لقد حج آدم موسى»، وفي حديث أبي سعيد عند الحارث: «فحج آدم موسى ثلاثًا»، وفي رواية الشعبيّ عند النسائيّ: «فخَصَم آدم موسى، فخَصَم آدم موسى». واتفق الرواة، والنقَلة، والشرّاح على أن «آدم» بالرفع، وهو الفاعل، وشذّ بعض الناس، فقرأه بالنصب، على أنه المفعول، وموسى في محل الرفع على أنه الفاعل، نَقَله الحافظ أبو بكر بن الخاصية، عن مسعود بن ناصر السجزي الحافظ، قال: سمعته يقرأ: «فحج آدَمَ» بالنصب، قال: وكان قدريًّا. قال الحافظ: هو محجوج بالاتفاق قبله على أن آدم بالرفع، على أنه الفاعل، وقد أخرجه أحمد من رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بلفظ: «فحجه آدم»، وهذا يرفع الإشكال، فإن رواته أئمة حفّاظ؛ والزهريّ من كبار الفقهاء الحفاظ، فروايته هي المعتمَدة في ذلك . وقوله: (وَفِي حَدِيثِ) محمد بن يحيى (بْنِ أَبِي عُمَرَ) الْعَدنيّ، ثمّ المكيّ، (وَ) أحمد (بْنِ عَبْدَةَ) الضبّيّ، (قَالَ أَحَدُهُمَا: خَطَّ، وَقَالَ الآخَرُ: كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ) غرضه أن شيخيه ابن أبي عمر، وابن عبدة اختلفا في هذا اللفظ من الحديث، فقال أحدهما، ولم يعيّنه: خطّ لك التوارة بيده، وقال الآخر: «كتب لك التوراة بيده، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦٧١٩ و٦٧٢٠ و٦٧٢١ و٦٧٢٢ و٦٧٢٣ و٦٧٢٤] (٢٦٥٢)، و(البخاريّ) في«الأنبياء»(٣٤٠٩) و«التفسير»(٤٧٣٦ و٤٧٣٨) و«التوحيد»(٧٥١٥)، و(أبو داود) في«السُّنَّة»(٤٧٠١)، و(الترمذيّ) في«القدر»(٢١٣٤)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٦/ ٢٨٥ و٣٣٠ و٣٩٤ و٤٠٦ و٤٤٤)، و(همام بن منبّه) في«صحيفته»(١/ ٣٩)، و(مالك) في«الموطّأ»(٢/ ٨٩٨)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١١/ ١١٣)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٢٦٤ و٢٦٨ و٣٩٨)، و(ابنه عبد الله) في«السُّنَّة»(٧٠١)، و(ابن راهويه) في«مسنده»(١/ ١٧٢)، و(الحميديّ) في«مسنده»(٢/ ٤٥٧)، و(ابن خزيمة) في«التوحيد»(ص ٩ و٥٤ و٥٥)، و(ابن أبي عاصم) في«السُّنَّة»(١٣٩ و١٤٠ و١٤٦ و١٤٧ و١٤٨ و١٤٩ و١٥٠ و١٥١ و١٥٢ و١٥٧ و١٥٨ و١٥٩ و١٦٠)، و(الآجرّيّ) في«الشريعة»(ص ٣٢٤)، (وابن حبّان) في«صحيحه»(١٤/ ٥٥ و٥٩ و٩٣)، و(الطبرانيّ) في«المعجم الكبير»(٢/ ١٦٠)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(١١/ ١١٨)، و(البيهقيّ) في«شُعب الإيمان»(١/ ٢٠٥) و«الاعتقاد»(١/ ٩٩) و«الأسماء والصفات»(ص ١٩٠ و١٩١ و٢٣٢ و٢٨٤ و٣١٥ و٣١٦)، و(اللالكائيّ) في«اعتقاد أهل السُّنَّة»(٢/ ٢٢٥)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إثبات القدر، ووجوب الإيمان به. ٢ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض -﵀-: ففيه حجة لأهل السُّنَّة في أن الجَنَّة التي أُخرج منها آدم هي جنة الخلد التي وُعد المتقون، ويدخلونها في الآخرة، خلافًا لمن قال من المعتزلة وغيرهم: إنها جنة أخرى، ومنهم من زاد على ذلك، فزعم: أنَّها كانت في الأرض. ٣ - (ومنها): أنّ فيه إطلاقَ العموم، وإرادة الخصوص في قوله: «أعطاك علم كل شيء»، والمراد به: كتابه المنزَل عليه، وكل شيء يتعلق به، وليس المراد عمومه؛ لأنه قد أقر الخضرَ على قوله: «وإني على عِلم من عِلم الله لا تعلمه أنت». ٤ - (ومنها): أن فيه مشروعية الْحُجَج في المناظرة؛ لإظهار طلب الحق، وإباحة التوبيخ والتعريض في أثناء الحِجَاج؛ ليتوصل إلى ظهور الحجة. ٥ - (ومنها): أنه فيه دلالةً على أنَّ اللوم على من أيقن، وعَلِم أشدُّ من اللوم على من لَمْ يحصل له ذلك. ٦ - (ومنها): أن فيه مناظرةَ العالم من هو أكبر منه، والابن أباه، ومحل مشروعية ذلك إذا كان لإظهار الحق، أو الازدياد من العلم، والوقوف على حقائق الأمور. ٧ - (ومنها): أن فيه حجةً لأهل السُّنَّة في إثبات القدر، وخلق أفعال العباد. ٨ - (ومنها): أنه يُغتَفَر للشخص في بعض الأحوال ما لا يُغتَفَر في بعضٍ، كحالة الغضب والأسف، وخصوصًا ممن طُبع على حِدَّة الخُلُق، وشدة الغضب، فإن موسى -﵇- لَمّا غلبت عليه حالة الإنكار في المناظرة، خاطب آدم مع كونه والده باسمه مجردًا، وخاطبه بأشياء لَمْ يكن ليخاطب بها في غير تلك الحالة، ومع ذلك فأقرّه على ذلك، وعَدَل إلى معارضته فيما أبداه من الحجة في دَفْع شبهته. ٩ - (ومنها): أن فيه استعمالَ التعريض بصيغة المدح، يؤخذ ذلك من قول آدم لموسى: «أنت الذي اصطفاك الله برسالته. . .» إلى آخر ما خاطبه به، وذلك أنه أشار بذلك إلى أنه اطّلع على عُذره، وعرفه بالوحي، فلو استحضر ذلك ما لامه، مع وضوح عذره، وأيضًا ففيه إشارة إلى شيء آخر أعم من ذلك، وإن كان لموسى فيه اختصاص، فكأنه قال: لو لَمْ يقع إخراجي الذي رُتِّب على أكلي من الشجرة ما حصلت لك هذه المناقب؛ لأني لو بقِيتُ في الجَنَّة، واستمرّ نسلي فيها ما وُجِد مَن تجاهَرَ بالكفر الشنيع بما جاهر به فرعون، حتى أُرسلت أنت إليه، وأُعطيتَ ما أُعطيتَ، فإذا كنتُ أنا السبب في حصول هذه الفضائل لك، فكيف يسوغ لك أن تلومني؟ ١٠ - (ومنها): ما قاله الطيبي -﵀-: (اعلم): أن هذه القصّة تشتمل على معاني محرّرة لدعوى آدم -﵇-، مقرّرةً لحجّته. منها: أن هذه المحاجّة لَمْ تكن في عالم الأسباب الذي لَمْ يجوز فيه قَطْع النظر عن الوسائط والاكتساب، وإنما كانت في العالم العلويّ عند مُلتقى الأرواح. ومنها: أن اللائمة كانت بعد سقوط الذنب، ووجوب المغفرة. قال: أقول: -والعلم عند الله- مذهب الجبرية إثبات التقدير لله تعالى، ونفي القدرة عن العبد أصلًا، ومذهب المعتزلة بخلافه، وكلا الفريقين من الإفراط والتفريط على شفا جُرُف هَارٍ، والطريق المستقيم القصد بين الأمرين، كما هو مذهب أهل السُّنَّة؛ إذ لا يَقْدر أحد أن يُسقط الأصلَ الذي هو القدر، ولا أن يُبطل الكسب الذي هو السبب، فلما جعل موسى -﵇- مساق كلامه وقصّته إلى الثاني بأن صَدّر الجملة بحرف الإنكار والتعجب، وصَرّح باسم آدم -﵇-، ووصفه بصفات أربع، كل واحدة منها مستقلة في علّية عدم ارتكابه الخطيئة، ثم جاء بكلمة الاستبعاد في قوله: «ثم أَهبطتَ»، فأسند الإهباط إليه على الحقيقة، والله -﷾- هو المهبط في الحقيقة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾ الآية [البقرة: ٣٨] وقَرَن الإهباط بالأرض، والإهباط لا يكون إلا إليها؛ ليُؤْذن بسفالتها التي تورث الخساسة والرذالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٦]، بل الغرض الأول من ذلك الإنكار البليغ هذا لقوله: «ثم أهبطت الناس»، كأنه -﵇- قال: ما أبعد هذه السفالة عن تلك المعالي والمناصب، فأجاب عنه -﵇- بما يقابلها، بل أبلغ، من تصدير الجملة بالهمزة، وتصريح باسم موسى -﵇-، ووَصْفه بصفات أربعٍ، كلُّ واحدة مستقلة في علّية عدم الإنكار عليه، ثم رَتّب العلم الأزلي على ذلك، ثم أتى بدل كلمة الاستبعاد بهمزة الإنكار في قوله: «أفتلومني»، وحَذَف ما تقتضيه الهمزة، والفاء العاطفة من الفعل؛ أي: أتجد في التوراة هذا النصّ الجليّ، فتلومني على ذلك؟، فما أبعده من إنكار!. وفي هذا التقرير تنبيه على تحري قصد الأمور، قال: وختم النبي -ﷺ- الحديثَ بقوله: «فحَجَّ آدم موسى»، تنبيهًا على ما قصدناه من أن تحرّي قَصْد الأمور هو الصواب، ثم إنه -ﷺ- ختم الحديث بقوله: «فحجّ آدم موسى» بعد افتتاحه، وبيانه بقوله: «قال موسى: أنت آدم» إلى آخر الحديث مجملًا أَوّلًا، ومفصّلًا ثانيًا، ومُعيدًا له ثالثًا؛ تنبيهًا على أن بعض أمته، من المعتزلة يُنْكر حديث القدر، فاهتم لذلك، وبالغ في الإرشاد . انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في هذا الحديث من المباحث المفيدة المكمّلة لِمَا سبق من الفوائد: قال الإمام أبو عمر بن عبد البر -﵀-: هذا الحديث أصل جسيم لأهل الحق في إثبات القدر، وأن الله قضى أعمال العباد، فكل أحد يصير لِمَا قُدِّر له بما سبق في علم الله، قال: وليس فيه حجة للجبرية، وإن كان في بادئ الرأي يساعدهم. وقال الإمام الخطابي -﵀- في «معالم السنن»: يَحسَب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر يستلزم الجبر، وقهرَ العبد، ويَتَوَهّم أن غلبة آدم كانت من هذا الوجه، وليس كذلك، وإنما معناه الإخبار عن إثبات علم الله بما يكون من أفعال العباد، وصدورها عن تقدير سابق منه، فإن القدر اسم لِمَا صَدَرَ عن فعل القادر، وإذا كان كذلك، فقد نُفي عنهم من وراء علم الله أفعالهم، وأكسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور عن قصد وتعمّد واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة إنما تتوجه عليها. وجِمَاعُ القول في ذلك: أنهما أمران لا يُبَدّل أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه. وإنما كان موضع الحجة لآدم أن الله -﷾-: إذ كان عَلِمَ من آدم أنه يتناول من الشجرة، ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يردّ علم الله فيه، وأن يبطله بعد ذلك؟ وبيان هذا في قوله -﷾-: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، فأخبر قبل كون آدم أنه إنما خَلقه للأرض، وأنه لا يتركه في الجنة، حتى ينْقُله منها إليها، فكان تناوُله من الشجرة سببًا لإهباطه إلى الأرض التي خُلق لها، وللكون فيها خليفة، وواليًا على من فيها. قال: وإنما أدلى آدم -﵇- بالحجة على هذا المعنى، ودَفَع لائمة موسى -﵇- عن نفسه على هذا الوجه، ولذلك قال: «أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني؟». [فإن قيل]: فعلى هذا يجب أن يسقط عنه اللوم أصلًا؟. [قيل]: اللوم ساقط من قبل موسى؛ إذ ليس لأحد أن يُعيّر أحدًا بذنب كان منه؛ لأن الخلق كلهم تحت العبودية أكفاء سواء. وإنما يتجه اللوم من قِبَلِ الله -﷾-؛ إذ كان قد أمره ونهاه، فخرج إلى معصيته، وباشر ما نهاه عنه، ولله الحجة البالغة -﷾-، لا شريك له. قال: وقول موسى -﵇-، وإن كان منه في النفس شبهة، وفي ظاهره مُتَعَلَّقٌ لاحتجاجه بالسبب الذي قد جُعل أمارة لخروجه من الجنّة، فقول آدم في تعلّقه بالسبب الذي هو بمنزلة الأصل، أرجح، والْفَلَج فيه قد يقع مع المعارضة بالترجيح، كما يقع بالبرهان الذي لا يُعارض له. انتهى كلام الخطابيّ في «معالم السنن» . وقال في «أعلام الحديث» نحوه مُلَخّصًا وزاد: ومعنى قوله: «فحَجّ آدم موسى» دَفَع حجته التي ألزمه اللومَ بها، قال: ولم يقع من آدم إنكار لِمَا صدر منه، بل عارضه بأمر دَفَعَ به عنه اللوم. قال الحافظ -﵀-: ولم يتلخص من كلامه مع تطويله في الموضعين، دفعٌ للشبهة إلا في دعواه أنه ليس للآدمي أن يلوم آخر مثله على ما فَعَل ما قدّره الله عليه، وإنما يكون ذلك لله تعالى؛ لأنه هو الذي أمَره ونهاه. وللمعترض أن يقول: وما المانع إذا كان ذلك لله، أن يباشره من تَلَقَّى عن الله من رُسُله، ومن تلقى عن رسله، ممن أُمر بالتبليغ عنهم. وقال القرطبي -﵀-: إنما غلبه بالحجة؛ لأنه عَلِم من التوراة أن الله تاب عليه، فكان لومه له على ذلك نوع جفاء، كما يقال: ذِكر الجفاء بعد حصول الصفاء جفاء، ولأن أثر المخالفة بعد الصفح يَنمحي حتى كأنه لم يكن، فلا يصادف اللوم من اللائم حينئذ محلًّا. انتهى. وهو محصّل ما أجاب به المازريّ وغيره من المحققين، وهو المعتمَد، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): قد أنكر القدرية هذا الحديث؛ لأنه صريح في إثبات القدر السابق، وتقرير النبيّ -ﷺ- لآدم -﵇- على الاحتجاج به، وشهادته بأنه غلب موسى، فقالوا: لا يصحّ؛ لأن موسى -﵇- لا يلوم على أمر قد تاب منه صاحبه، وقد قَتَلَ هو نفسًا لم يؤمر بقتلها، ثم قال: رب اغفر لي فغفر له، فكيف يلوم آدم على أمر قد غُفر له؟ ثانيها : لو ساغ اللوم على الذنب بالقدَر الذي فُرغ من كتابته على العبد، لا يصح هذا، لكان من عوتب على معصية، قد ارتكبها، فيحتج بالقدر السابق، ولو ساغ ذلك لانسدّ باب القصاص والحدود، ولاحتج به كل أحد على ما يرتكبه من الفواحش، وهذا يفضي إلى لوازم قطعية، فدل ذلك على أن هذا الحديث لا أصل له. [والجواب]: من أوجه: [أحدها]: أن آدم إنما احتج بالقدر على المعصية، لا المخالفة، فإن محصّل لوم موسى إنما هو على الإخراج، فكأنه قال: أنا لم أخرجكم، وإنما أخرجكم الذي رَتَّبَ الإخراج على الأكل من الشجرة، والذي رتَّب ذلك قَدَّرَه قبل أن أُخلق، فكيف تلومني على أمر ليس لي فيه نسبة إلا الأكل من الشجرة؟ والإخراج المرتب عليها ليس من فعلي. وهذا الجواب لا يدفع شبهة الجبرية. [ثانيها]: إنما حكم النبي -ﷺ- لآدم بالحجة في معنى خاص، وذلك لأنه لو كانت في المعنى العام لَمَا تقدم من الله تعالى لومه بقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ولا واخذه بذلك، حتى أخرجه من الجنة، وأهبطه إلى الأرض، ولكن لمّا أخذ موسى في لومه، وقدّم قوله له: أنت الذي خلقك الله بيده، وأنت وأنت لِمَ فعلت كذا؟ عارضه آدم بقوله: أنت الذي اصطفاك الله، وأنت وأنت. وحاصل جوابه: إذا كنت بهذه المنزلة، كيف يَخفَى عليك أنه لا محيد من القدر؟ وإنما وقعت الغلبة لآدم من وجهين: أحدهما: أنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقًا في وقوع ما قُدّر عليه، إلا بإذن من الله تعالى، فيكون الشارع هو اللائم، فلمّا أخذ موسى في لومه من غير أن يؤذَن له في ذلك، عارضه بالقدر فأسكته. والثاني: أن الذي فعله آدم اجتمع فيه القدر والكسب، والتوبة تمحو أثر الكسب، وقد كان الله تاب عليه، فلم يبق إلا القدر، والقدر لا يتوجه عليه لوم؛ لأنه فِعل الله، ولا يُسأل عما يفعل. [ثالثها]: قال ابن عبد البر: هذا عندي مخصوص بآدم؛ لأن المناظرة بينهما وقعت بعد أن تاب الله على آدم قطعًا، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، فحسُن منه أن ينكر على موسى لومه على الأكل من الشجرة«لأنه كان قد تيب عليه من ذلك، وإلا فلا يجوز لأحد أن يقول لمن لامه على ارتكاب معصية، كما لو قتل، أو زنى، أو سرق: هذا سَبَق في علم الله وقدّره عليّ قبل أن يخلقني، فليس لك أن تلومني عليه، فإن الأمة أجمعت على جواز لوم من وقع منه ذلك، بل على استحباب ذلك، كما أجمعوا على استحباب محمدة من واظب على الطاعة، قال: وقد حَكَى ابنُ وهب في»كتاب القدر«عن مالك، عن يحيى بن سعيد: أن ذلك كان من آدم بعد أن تيب عليه. [رابعها]: إنما توجهت الحجة لآدم؛ لأن موسى لامه بعد أن مات، واللوم إنما يتوجه على المكلف ما دام في دار التكليف، فإن الأحكام حينئذ جارية عليهم، فيلام العاصي، ويقام عليه الحد والقصاص، وغير ذلك، وأما بعد أن يموت، فقد ثبت النهي عن سَبّ الأموات،«ولا تذكروا موتاكم إلا بخير»؛ لأن مرجع أمرهم إلى الله، وقد ثبت أنه لا يُثني العقوبة على من أُقيم عليه الحد، بل ورد النهي عن التثريب على الأمَة إذا زنت، وأقيم عليها الحد، وإذا كان كذلك، فلوم موسى لآدم إنما وقع بعد انتقاله عن دار التكليف، وثبت أن الله تاب عليه، فسقط عنه اللوم، فلذلك عَدَل إلى الاحتجاج بالقدر السابق، وأخبر النبي -ﷺ- بأنه غلب موسى بالحجة. قال المازريّ: لَمّا تاب الله على آدم، صار ذِكر ما صَدَرَ منه إنما هو كالبحث عن السبب الذي دعاه إلى ذلك، فأخبر هو أن الأصل في ذلك القضاء السابق، فلذلك غلب بالحجة. قال الداودي فيما نقله ابن التين: إنما قامت حجة آدم -﵇-؛ لأن الله خلقه ليجعله في الأرض خليفة، فلم يَحتَجّ آدم في أكله من الشجرة بسابق العلم؛ لأنه كان عن اختيار منه، وإنما احتج بالقدر لخروجه؛ لأنه لم يكن بُدٌّ من ذلك. وقيل: إن آدم أَبٌ، وموسى ابنٌ، وليس للابن أن يلوم أباه. حكاه القرطبي وغيره، ومنهم من عَبّر عنه بأن آدم أكبر منه، وتعقّبه بأنه بعيد من معنى الحديث، ثم هو ليس على عمومه، بل يجوز للابن أن يلوم أباه في عدة مواطن. وقيل: إنما غلبه لأنهما في شريعتين متغايرتين، وتُعُقّب بأنها دعوى لا دليل عليها، ومن أين يَعلَم أنه كان في شريعة آدم أن المخالف يحتج بسابق القدر، وفي شريعة موسى أنه لا يحتج، أو أنه يتوجه له اللوم على المخالف؟ وفي الجملة فأصحّ الأجوبة الثاني والثالث، ولا تنافي بينهما، فيمكن أن يمتزج منهما جواب واحد، وهو أن التائب لا يُلام على ما تِيب عليه منه، ولا سيما إذا انتقل عن دار التكليف، وقد سلك النووي هذا المسلك، فقال: معنى كلام آدم: إنك يا موسى تَعلَم أن هذا كُتب عليّ قبل أن أُخلق، فلا بُدَّ من وقوعه، ولو حرصتُ أنا، والخلق أجمعون على ردّ مثقال ذرة منه لم نقدر، فلا تلمني، فإن اللوم على المخالفة شرعي لا عقلي، وإذا تاب الله عليّ، وغفر لي زال اللوم، فمن لامني كان محجوجًا بالشرع. [فإن قيل]: فالعاصي اليوم لو قال: هذه المعصية قُدّرت عليّ، فينبغي أن يسقط عني اللوم. [قلنا]: الفرق أن هذا العاصي باق في دار التكليف، جارية عليه الأحكام، من العقوبة واللوم، وفي ذلك له ولغيره زجرٌ وعظةٌ، فأما آدم فميت، خارج عن دار التكليف، مستغنٍ عن الزجر، فلم يكن للومه فائدة، بل فيه إيذاءٌ وتخجيلٌ، فلذلك كان الغلبة له. وقال التوربشتي: ليس معنى قوله: «كتبه الله عليّ»: ألزمني به، وإنما معناه: أثبته في أم الكتاب قبل أن يَخلُق آدم، وحَكَمَ أن ذلك كائن. ثم إن هذه المحاججة إنما وقعت في العالم العلوي، عند مُلْتَقَى الأرواح، ولم تقع في عالم الأسباب، والفرق بينهما أن عالم الأسباب لا يجوز قطع النظر فيه عن الوسائط والاكتساب، بخلاف العالم العلوي بعد انقطاع موجب الكسب، وارتفاع الأحكام التكليفية، فلذلك احتج آدم بالقدر السابق. قال الحافظ: وهو محصل بعض الأجوبة المتقدم ذكرها . وذهب شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى إلى أن احتجاج آدم على موسى -﵇- كان في المصائب، لا في الذنوب، قال: وقد ظنّ قوم أن آدم احتجّ بالقدر السابق على نفي الملام على الذنب، ثم صاروا لأجل هذا الظنّ ثلاثة أحزاب: (فريق): كذّبوا بهذا الحديث، كأبي عليّ الجبّائيّ وغيره؛ لأنه من المعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما جاءت به الرسل، ولا ريب أنه يمتنع أن يكون هذا مراد الحديث، ويجب تنزيه النبيّ -ﷺ-، بل وجميع الأنبياء، وأتباع الأنبياء أن يَجعلوا القدر حجة لمن عصى الله تعالى ورسوله -ﷺ-. (وفريق): تأوّلوه بتأويلات معلومة الفساد، كقول بعضهم: إنما حَجَّه لأنه كان أباه، والابن لا يلوم أباه. وقول بعضهم: لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في أخرى. وقول بعضهم: لأن الملام كان بعد التوبة. وقول بعضهم: لأن هذا تختلف فيه دار الدنيا ودار الآخرة. (وفريق ثالث) جعلوه عمدة في سقوط الملام عن المخالف لأمر الله -﷾- ورسوله -ﷺ-، ثم لم يمكنهم طَرْد ذلك، فلا بدّ في نفس معاشهم في الدنيا أن يلام من فعل ما يضرّ نفسه وغيره، لكن منهم من صار يحتجّ بهذا عند أهوائه وأغراضه، لا عند أهواء غيره، كما قيل في مثل هذا: أنت عند الطاعة قدريّ، وعند المعصية جبريّ؛ أي: أيّ مذهب وافق هواك تمذهبت به، فالواحد من هؤلاء إذا أذنب أخذ يحتجّ بالقدر، ولو أذنب غيره، أو ظلمه لم يعذُره، وهؤلاء ظالمون مُعْتَدُون. ومنهم من يقول: هذا في حقّ أهل الحقيقة الذين شهدوا توحيد الربوبيّة، وفنُوا عما سوى الله، فيرون أن لا فاعل إلا الله، فهؤلاء لا يستحسنون حسنةً، ولا يستقبحون سيّئةً، فإنهم لا يرون لمخلوق فعلًا، بل لا يرون فاعلًا إلا الله، بخلاف من شهد لنفسه فعلًا، فإنه يُذَمُّ ويُعاقَب، وهذا قول كثير من متأخري الصوفيّة المدّعين للحقيقة، وقد يجعلون هذا نهاية التحقيق، وغاية العرفان والتوحيد، وهذا قول طائفة من أهل العلم. قال: وممن يُشبه هؤلاء كثير من الفلاسفة، كقول ابن سينا بأن يشهد سرّ القدر، والرازيّ يقرّر ذلك؛ لأنه كان جبريًّا محضًا. وفي الجملة فهذا المعنى دائر في نفوس كثير من أهل العلم والعبادة، فضلًا عن العامّة، وهو مناقض لدين الإسلام. قال: إذا عرفت هذا، فنقول: الصواب في قصّة آدم وموسى -﵇- أن موسى لم يَلُم آدم إلا من جهة المصيبة التي أصابته وذريّته بما فعل، لا لأجل أن تارك الأمر مذنبٌ عاصٍ، ولهذا قال: «لمَا أخرجتنا ونفسك من الجنّة؟»، ولم يقل: لماذا خالفت الأمر، ولماذا عصيت؟. إلى آخر كلامه -﵀- . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صوّبه شيخ الإسلام -﵀- من أن لوم موسى لآدم -﵇- على المصيبة، لا على الذنب هو الذي يترجّح عندي؛ لوضوح حجته، كما فصّله -﵀- تفصيلًا حسنًا، وحققه تحقيقًا بليغًا، فراجعه تستفد. ثم رأيت ابن أبي العزّ شارح «العقيدة الطحاويّة» -﵀- ذكر نحو ما سبق عن ابن تيميّة -﵀- فقال: نتلقى هذا بالقبول، والسمع، والطاعة؛ لصحّته عن رسول الله -ﷺ-، ولا نتلقّاه بالردّ والتكذيب لراويه، كما فعلت القدريّة، ولا بالتأويلات الباردة، بل الصحيح أن آدم -﵇- لم يحتجّ بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربّه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتجّ بالقدر، فإنه باطلٌ، وموسى -﵇- كان أعلم بأبيه، وبذنبه من أن يلوم آدم -﵇- على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه، واجتباه، وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنّة، فاحتجّ آدم -﵇- بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يُحتجّ به عند المصائب، لا عند المعايب. وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث، فما قُدّر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضى بالله ربًّا، وأما الذنوب فليس للعبد أن يُذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر، ويتوب، فيتوب من المعايب، ويصبر على المصائب، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. انتهى كلام ابن أبي العزّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٢٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْويْتَ النَّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ، وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَلُومُنِى عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٣ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. والباقيان ذُكرا في الحديثين الماضيين. وقوله: (أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ)؛ أي: كنت سببًا لغَواية من غَوَى منهم، وذلك أنه لو لم يقع الأكل من الشجرة لم يقع الإخراج من الجنة، ولو لم يقع الإخراج ما تسلّط عليهم الشهوات والشيطان المسيِّب عنهما الإغواء، والغيّ: ضدّ الرشد، وهو الانهماك في الشرّ، ويُطلق أيضًا على مجرد الخطأ، يقال: غَوَى، من باب ضرب؛ أي: أخطأ صواب ما أُمر به . قال القاضي عياض: «أغويت الناس» قيل: يَحْتَمِل أنك سبب ذلك بإخراجهم من الجنة، فعرّضتهم لإغواء الشياطين، ويَحْتَمِل أنه لمّا غَوَى هو بمعصيته، كما قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] وهم ذرّيّته سُمُّوا غاوين، والغيّ: الانهماك في الشرّ، وأما في شأن آدم -﵇-، فقيل: معناه: جَهِلَ، وقيل: أخطأ، وقد جاء في الرواية الأخرى: «فنسي». انتهى . وقال ابن منظور -﵀-: «أغويت الناس»؛ أي: خيّبتهم، يقال: غَوَى الرجلُ: خاب، وأغواه غيره، وقوله -﷿-: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؛ أي: فسد عليه عيشه، قال: والغَوَّة، والغَيّة واحد، وقيل: غَوَى؛ أي: ترك النهي، وأكل من الشجرة، فعوقب بأن أُخرج من الجنة، وقال الليث: مصدر غَوَى الغَيّ، قال: والغَوَاية: الانهماك في الغيّ، ويقال: أغواه الله: إذا أضله، وقال تعالى: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾ [الصافات: ٣٢]. انتهى . وقوله: (وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) المراد بالجنة التي أُخرج منها آدم -عليه الصلاة، والسلام- جنة الخلد التي هي دار الجزاء في الآخرة، وجنة الفردوس وغيرها التي هي دار البقاء، وهي كانت موجودة قبل آدم -﵊- وهو مذهب أهل الحقّ . وقوله: (أَنْتَ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ) قال عياض: عامّ يراد به الخصوص؛ أي: مما علّمك، ويَحْتَمِل مما علمه البشر . وقوله: (وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ)؛ أي: اختاره على أهل زمانه، وقوله: «برسالته» بالإفراد، وقُرئت الآية به، وبالجمع . وقوله: (فَتَلُومُنِي) بتقدير همزة الاستفهام، وفي الرواية الماضية: «أتلومني». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٢١] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ هُرْمُزَ- وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى -﵇- عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أنتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الأَرْضِ؟ فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ، وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الألوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: »فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى«). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ) الْخَطْميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٢. ٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضِ) بن ضَمْرة، أبو عبد الرحمن الليثيّ، أبو ضمرة المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله ست وتسعون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. ٣ - (الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ) هو: الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذُباب -بضمّ الذال المعجمة، وموحدتين- الدَّوْسيّ -بفتح الدال- المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٥] (ت ١٤٦) (عخ م مد ت س ق) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٤/ ١٥٢٩. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزَ) المدنيّ، مولى بني ليث، وهو غير يزيد الفارسيّ على الصحيح، وهو والد عبد الله، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (م د ت س) تقدم في «الجهاد والسِّيَر» ٤٦/ ٤٦٧٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ) قال في «الفتح»: إضافة الله خلق آدم إلى يده في الآية إضافة تشريف، وكذا إضافة روحه إلى الله. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «إضافة الله خلق آدم إلى يده في الآية إضافة تشريف» هكذا قال الحافظ في «الفتح»؛ يعني: أنه من المجاز، لا من الحقيقة، وفيه نظر، بل الحقّ أنه على ظاهره، وأن لله تعالى يدًا حقيقيّة، تليق بجلاله، لا تشبه يد الخلق، فنحن نثبت ما أثبته لنفسه من اليد والأصابع، والعين، والوجه، ونحو ذلك، من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، وكون الإضافة حقيقية يستفاد منها مع إثبات اليد تشريف آدم -﵇- وذريته، حيث خلقه الله -﷿- بيده، فتبصّر، والله -﷾- الهادي إلى سواء السبيل. ثم رأيت الشيخ البرّاك قال تعليقًا على كلام الحافظ المذكور، فقال: أما إضافة الروح التي نُفخت في آدم إلى الله، فهي من إضافة المخلوق إلى خالقه، لا من إضافة الصفة إلى الموصوف، فإضافتها إذًا إلى الله تعالى إضافة تشريف، كما ذكره الحافظ -﵀-. وأما إضافة خلق آدم إلى يده -﷾- فلأنّ خَلْقه كان باليدين، وفي هذا تشريف لآدم على سائر المخلوقات، وقد دلّ على هذه الفضيلة لآدم -﵇- الكتاب والسُّنَّة المتواترة، قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وهذا التركيب لا يَحْتَمل إلا الخلق باليدين، وهذا بيّن على منهج أهل السُّنَّة والجماعة المثبِتين لليدين، وسائر صفات الله تعالى، وأما الذين ينفون حقيقة اليدين عن الله تعالى، ويتأولونها في الآية بالقدرة، أو النعمة، فعلى قولهم لا يكون لآدم خصوصيّة ومزيّة على غيره، فلا يكون في إضافة الخلق إلى اليدين تشريف حقيقيّ، بل تشريف لفظيّ. وقول الحافظ في هذه الإضافة: إضافة تشريف: لفظه يَحتَمل التشريف الحقيقيّ، والتشريف اللفظيّ، وحَمْله على الثاني هو الموافق لطريقته، ولذا لم يفرّق بين إضافة خلق آدم ليده، وإضافة الروح إليه -﷾-. انتهى كلام الشيخ البرّاك ، وهو تحقيق مفيد، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) قال في «الفتح»: «من» زائدة على رأي، والنفخ بمعنى الخلق؛ أي: خلق فيك الروح. انتهى . وقوله: (وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ)؛ أي: أمرهم بالسجود لك، فسجدوا له، قال قتادة: فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسْجَدَ له ملائكته، وقال بعضهم: كان هذا سجود تحيّة، وسلام، وإكرام، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ الآية [يوسف: ١٠٠]، وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنه نُسخ في ملّتنا، ذكره الإمام ابن كثير -﵀- في «تفسيره» . وقوله: (وَأَعْطَاكَ الأَلوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ) قال ابن جرير -﵀-: قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الحجر: ١٩] يقول: من التذكير، والتنبيه على عظمة الله، وعز سلطانه، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] لقومه، ومِنْ أَمْر بالعمل بما كُتب في الألواح، ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٤] يقول: وتبيينًا لكل شيء، من أمر الله، ونهيه. انتهى . وقوله: (وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا)؛ أي: حال كونه مناجيًا، قيل: حتى سَمِع صريف القلم، حين كُتب له في الألواح، قاله في «العمدة» . وقال المناويّ: النجيّ: المناجي الواحد، وهو الذي يخاطِب الإنسان، ويحدّثه سرًّا. انتهى . وقوله: (بِأَرْبَعِينَ عَامًا) وفي الرواية السابقة: «بأربعين سنةً»، قال النوويّ -﵀-: المراد بالتقدير هنا: الكتابة في اللوح المحفوظ، وفي صحف التوراة، وألواحها؛ أي: كتبه عليّ قبل خلقي بأربعين سنة، وقد صرّح بهذا في الرواية التي بعد هذه، فقال: «بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟، قال موسى: بأربعين عامًا، قال: أتلومني على أن عملت عملًا كتب الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟، فهذه الرواية مصرّحة ببيان المراد بالتقدير، ولا يجوز أن يراد به حقيقة القدر، فإن علم الله تعالى، وما قَدّره على عباده، وأراد من خلقه أزليّ، لا أول له، ولم يزل -﷾- مريدًا لِمَا أراده من خَلْقه، من طاعة، ومعصية، وخير، وشرّ. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ حَاتِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ ، وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٢ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) على الصحيح، وقيل: إن روايته عن عمر مرسلة (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٢٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ الْيَمَامِيُّ) ابن زياد بن النجّار الحنفيّ، أبو إسماعيل اليماميّ، قاضيها، ويقال: اسم النجار: يحيى، ثقةٌ مدلِّس [٣]. رَوَى عن يحيى بن أبي كثير، وسعيد الْجُريريّ، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وابن عون، وغيرهم. وروى عنه قتيبة، وعمرو الناقد، ونعيم بن حماد، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ رجلٌ صالحٌ عفيفٌ، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ، صدوقٌ، وكان يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثًا واحدًا: «التقى آدم وموسى»، وقال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال عمر بن يونس اليماميّ: ثنا أيوب بن النجار، وكان من أفضل أهل اليمامة، وقال محمد بن مهران الرازيّ: كان يقال: إنه من الأبدال، له في «الصحيحين» الحديث الذي ذكره ابن معين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له عند الشيخين إلا هذا الحديث. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِيِ كَثِيرٍ) الطائيّ، مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلِّس، ويرسل [٥] (ت ١٣٢) وقيل: قبل ذلك (ع) «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. ٤ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٥ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد بن رافع النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين. ٦ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٨ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) الأبناويّ اليمنيّ، تقدّم قريبًا. و«أبو هريرة -﵁-» ذُكر قبله. [تنبيه]: أما رواية أبي سلمة عن أبي هريرة -﵁-، فقد ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٤٤٦١) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «حاجّ موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك، وأشقيتهم؟ قال: قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته، وبكلامه؟، أتلومني على أمر كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني، أو قدّره عليّ قبل أن يخلقني؟» قال رسول الله -ﷺ-: «فحجّ آدم موسى». انتهى . وأما رواية همّام بن منبّه، عن أبي هريرة -﵁-، فساقها عبد الرزاق -﵀- في «مصنّفه»، فقال: (٢٠٠٦٨) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «تحاجّ آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة إلى الأرض؟ فقال له آدم: أنت الذي أعطاك الله علم كل شيء، واصطفاك على الناس برسالته؛ قال: نعم، قال: أفتلومني على أمر كان قد كُتب قبل أن أفعله، أو قال: من قبل أن أُخلق؟ قال: فحجَّ آدم موسى». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٢٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) أبو عبد الله، أو أبو جعفر البصريّ التميميّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٦٠/ ٣٣٦. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) بتقديم الزاي، مصغّرًا العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديّ الْقُرْدوسيّ، بالقاف، وضم الدال، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يُرسِل عنهما [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القَدْر، كان لا يرى الرواية بالمعنى [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٨. و«أبو هريرة -﵁- ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة -﵁- هذه ساقها البخاريّ -﵀- في«صحيحه»، فقال: (٤٤٥٩) - حدّثنا الصَّلْت بن محمد، حدّثنا مهديّ بن ميمون، حدّثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ- قال:«التقى آدم وموسى، فقال موسى لآدم: آنت الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ قال له آدم: آنت الذي
مصادر المؤلف (٣٠)

١. «فيض القدير شرح الجامع الصغير» للمناويّ ٢/ ٣٣٠.

٢. «الفتح»١٥/ ٢٣١ - ٢٣٢، كتاب«القدر»رقم (٦٦١٤).

٣. «الفتح» ١٥/ ٢٣٢ - ٢٣٣، كتاب «القدر» رقم (٦٦١٤).

٤. «الفتح» ١٥/ ٢٣٥.

٥. من باب ضرب: انهمك في الجهل، وهو خلاف الرشد. اهـ. «المصباح» ٢/ ٤٥٧.

٦. «الفتح»١٥/ ٢٣٥.

٧. «الفتح»١٥/ ٢٣٥ - ٢٣٧، كتاب«القدر»رقم (٦٦١٤).

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٣٢ - ٥٣٣.

٩. راجع: «معالم السنن» ٧/ ٧٠ - ٧٢.

١٠. هكذا نسخة «الفتح»: «ثانيها» وفي العبارة ركاكة، فليحرّر.

١١. راجع: «الفتح» ١١/ ٦٢٢ - ٦٣٤.

١٢. راجع: «مجموع الفتاوى» ٨/ ٣٠٣ - ٣٣٦.

١٣. «شرح العقيدة الطحاويّة» ١/ ١٣٦، نشر مؤسّسة الرسالة.

١٤. راجع: «تحفة الأحوذيّ» ٦/ ٢٨٢.

١٥. «إكمال المعلم» ٧/ ١٣٧.

١٦. «لسان العرب» ١٥/ ١٤٠ - ١٤١.

١٧. «عمدة القاري» ١٩/ ٦٠.

١٨. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ٤/ ٣٠٤.

١٩. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٣٠٤.

٢٠. «الفتح» ١٥/ ٢٣٤.

٢١. راجع ما كتبه في: هامش «الفتح» ١٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥.

٢٢. «الفتح» ١٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥.

٢٣. راجع: «مختصر أحمد شاكر» ١/ ١٠٣.

٢٤. «تفسير الطبريّ» ٩/ ٥٧.

٢٥. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٨٤.

٢٦. «فيض القدير» ١/ ١٠٩.

٢٧. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٠١.

٢٨. وفي نسخة: «برسالاته».

٢٩. «صحيح البخاريّ»٤/ ١٧٦٤.

٣٠. «مصنف عبد الرزاق» ١١/ ١١٣.