HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٣٠

حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار وعبيد الله بن سعيد (واللفظ لابن سعيد). قالوا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قتادة، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ نبي الله ﷺ كان يقول عند الكرب «لا إله إلا الله العظيم الحليم. لا إله إلا الله رب العرش العظيم. لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص85
ج ٤ ص ٢٠٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٤٢٢
الْكَرْب، وهو عَقْدٌ غَليظ في رَشَا الدلو، وقد يوصف الغمّ بأنه عُقدة على القلب. انتهى . وقال المرتضى -﵀-: الْكَرْب على وزن الضَّرْب: الحُزْن، والغمّ الذي يأخذ بالنفْس بفتح فسكون ؛ كالكُربة بالضم، وجَمْع الكَرْب كُرُوب، كفلس وفلوس، وجمع الكربة كُرَب، كصُرَد، وكَرَبه الأمرُ، والغمّ يكرُبه كربًا: اشتدّ عليه، فاكترب لذلك؛ أي: اغتم، فهو مكروب، وكَرِيب. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٩٧] (٢٧٣٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ سَعِيدٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السَّرَخْسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سُنيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ) بن أبي عبد اللَّه الدّستوائيّ -بفتح الدال، وسكون السين المهملتين، وفتح المثناة، ثم مَدّ- البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ، ربَّما وَهِم [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر -بمهملة، ثم نون، ثم موحّدة، وزن جعفر- أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السّدوسيّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (أَبُو الْعَالِيَةِ) رُفيع -بالتصغير- ابن مِهْران الرياحيّ -بكسر الراء، والتحتانية- ثقة كثير الإرسال [٢] مات سنة تسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٠/ ٤٢٥. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنَّه مسلسلٌ بالبصريين، غير عبيد اللَّه، فنيسابوريّ، وأن شيخيه: ابن المثني، وابن بشّار من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبَّاس -﵄- حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ) وفي الرواية التالية: «أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيَّ حَدَّثَهُمْ»، فصرّح قتادة بالتحديث، فزالت عنه تهمة التدليس؛ لأنه مدلّس. [تنبيه]: قال في «الفتح»: أبو العالية هو الرياحي -بتحتانية، ثم مهملة- واسمه رُفيع، وقد رواه قتادة عنه بالعنعنة، وهو مدلّس، وقد ذكر أبو داود في «السنن» في «كتاب الطهارة» عقب حديث أبي خالد الدالاني عن قتادة، عن أبي العالية: قال شعبة: إنما سمع قتادة عن أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس بن متّى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث: «القضاةُ ثلاثة»، وحديث ابن عباس: «شَهِد عندي رجال مَرْضيّون». وروى ابن أبي حاتم في «المراسيل» بسنده عن يحيى القطان، عن شعبة، قال: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث، فذكرها بنحوه، ولم يذكر حديث ابن عمر، وكأن البخاريّ لم يعتبر بهذا الحصر؛ لأن شعبة ما كان يحدّث من أحد من المدلِّسين إلا بما يكون ذلك المدلس قد سمعه من شيخه، وقد حدّث شعبة بهذا الحديث عن قتادة، وهذا هو السر في إيراده -أي: البخاريّ- له معلقًا في آخر الترجمة، من رواية شعبة، وأخرج مسلم الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أن أبا العالية حدّثهم، وهذا صريح في سماعه له منه، وأخرج البخاريّ أيضًا من رواية قتادة، عن أبي العالية، غير هذا، وهو حديث رؤية موسى وغيره ليلة أسري به، وأخرجه مسلم أيضًا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد زالت تهمة التدليس برواية مسلم الثانية حيث صرّح فيها قتادة بتحديث أبي العالية لهم، كما أسلفته آنفًا، فتنبّه. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ) بفتح، فسكون؛ أي: عند حلَول الكرب، وتقدّم معنى الكرب أول الباب، وفي الرواية الآتية، من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: «كان يدعو بهنّ، ويقولهنّ عند الكرب»، وفي رواية يوسف بن عبد اللَّه بن الحارث، عن أبي الحارث، عن أبي العالية: «كان إذا حَزَبه أمر» وهو بفتح الحاء المهملة، والزاي، وبالموحّدة؛ أي: هَجَم عليه، أو غلبه، وفي حديث عليّ عند النسائيّ، وصححه الحاكم: «لقَّنني رسول اللَّه -ﷺ- هؤلاء الكلمات، وأمرني إن نزل بي كرب، أو شدّة أن أقولها: سبحان اللَّه رب العرش العظيم». («لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ) الذي لا يَعْظُم عليه شيء، (الْحَلِيمُ) الذي يؤخّر العقوبة مع القدرة، (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ») وهكذا في رواية للبخاريّ، وفي رواية له: «لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم»، وفي رواية مسلم الآتية قال في أوله: «لا إله إلا اللَّه رب العرش الكريم» بدل: «العظيم الحليم»، ووقع جميع ما تضمَّنته هاتان الروايتان في رواية وهيب بن خالد، لكن قال: «العليم الحليم» باللام بدل الظاء المعجمة. ووقع في حديث عليّ -﵁- بلفظ: «لا إله إلا اللَّه الكريم العظيم، سبحان اللَّه، تبارك اللَّه رب العرش العظيم، والحمد للَّه رب العالمين»، وفي لفظ: «الحليم الكريم» في الأول، وفي لفظ: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، العليّ العظيم، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له الحليم الكريم»، وفي لفظ: «لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، سبحانه ﵎، رب العرش العظيم، الحمد للَّه رب العالمين»، أخرجها كلّها النسائيّ -﵀-. [تنبيه]: قوله: «رب العرش العظيم» نقل ابن التين عن الداوديّ أنه رواه برفع «العظيم»، وكذا برفع «الكريم» في قوله: «رب العرش الكريم» على أنهما نعتان للرب، والذي ثبت في رواية الجمهور بالجرِّ على أنه نعت للعرش، وكذا قرأ الجمهور في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]، و﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] بالرفع، وقرأ ابن محيصن بالجرِّ فيهما، وجاء ذلك أيضًا عن ابن كثير، وعن أبي جعفر المدنيّ، وأُعرب بوجهين: أحدهما: ما تقدم، والثاني: أن يكون مع الرفع نعتًا للعرش، على أنه خبر ابتدأ محذوف، قُطع عما قبله للمدح، ورُجِّح؛ لحصول توافق القراءتين، ورجح أبو بكر الأصم الأول؛ لأن وصف الرب بالعظيم أَولى من وَصْف العرش، وفيه نظر؛ لأن وصف ما يضاف للعظيم بالعظيم أقوى في تعظيم العظيم، فقد نَعَت الهدهد عرش بلقيس بأنه عرش عظيم، ولم يُنْكِر عليه سليمان. [تنبيه آخر]: قال العلماء: الحليم: الذي يؤخر العقوبة مع القدرة، والعظيم: الذي لا شيء يعظم عليه، والكريم: المعطي فضلًا، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبَّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٦٨٩٧ و٦٨٩٨ و٦٨٩٩ و٦٩٠٠] (٢٧٣٠)، و(البخاريّ) في «الدعوات» (٦٣٤٥ و٦٣٤٦) و«التوحيد» (٧٤٢٦ و٧٤٣١) وفي «الأدب المفرد» (٧٠٢)، و(الترمذيّ) في«الدعوات» (٣٤٣١)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٦٧) وفي «عمل اليوم والليلة» (٦٥٣)، و(ابن ماجه) في «الدعاء» (٣٩٢٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٢٨ و٢٥٤ و٢٥٨ و٢٥٩ و٢٨٠ و٢٨٤ و٣٣٩ و٣٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٢٠)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ٣٠٢) وفي «الكبير» (١٠/ ٣١٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤/ ٤١٦)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٢٢٠ و٢٢١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب هذا الذكر عند الكرب. ٢ - (ومنها): ما قاله في «العمدة»: اشتَمَل هذا الذكر على التوحيد الذي هو أصل التنزيهات المسمَّاة بالأوصاف الجلالية، وعلى العظمة التي تدلّ على القدرة العظيمة؛ إذ العاجز لا يكون عظيمًا، وعلى الحِلم الذي يدلّ على العلم؛ إذ الجاهل بالشيء لا يُتصور منه الحلم، وهما أصل الصفات الوجودية الحقيقية المسماة بالأوصاف الإكرامية، ووجه تخصيص الذكر بالحليم؛ لأن كرب المؤمن غالبًا إنما هو على نوع تقصير في الطاعات، أو غفلة في الحالات، وهذا يُشعر برجاء العفو المقلِّل للحزن. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قاله الطبريّ -﵀-: معنى قول ابن عباس -يعني: في الرواية التالية-: «يدعو بهنّ»، وإنما هو تهليل وتعظيم، يَحْتَمِل أمرين: أحدهما: أن المراد: تقديم ذلك قبيل الدعاء، كما ورد من طريق يوسف بن عبد اللَّه بن الحارث المذكورة، وفي آخره: «ثم يدعو»، وكذا هو عند أبي عوانة في «مستخرجه» من هذا الوجه، وعند عبد بن حميد من هذا الوجه: «كان إذا حزبه أمر قال»، فذكر الذكر المأثور، وزاد: «ثم دعا»، وفي «الأدب المفرد» من طريق عبد اللَّه بن الحارث: «سمعت ابن عباس» فذكره، وزاد في آخره: «اللَّهُمَّ اصرف عني شرّه». قال الطبريّ: ويؤيد هذا ما رَوى الأعمش، عن إبراهيم: قال: كان يقال: إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثّناء، كان على الرجاء. ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة فيما حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ، قال: سألت ابن عيينة عن الحديث الذي فيه: «أكثر ما كان يدعو به النبيّ -ﷺ- بعرفة: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . .» الحديث، فقال سفيان: هو ذِكر، وليس فيه دعاء، ولكن قال النبيّ -ﷺ- عن ربه -﷿-: «من شَغَله ذِكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أُعطي السائلين» . قال: وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد اللَّه بن جُدعان [من الطويل]: أأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي … حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا … كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِكَ الثَّنَاءُ قال سفيان: فهذا مخلوق حين نُسب إلى الكرم اكتَفَى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق. قال الحافظ: ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- رفعه: «دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، فإنه لم يَدْع بها رجل مسلم في شيء قطّ، إلا استجاب اللَّه تعالى له»، أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، والحاكم، وفي لفظ للحاكم: «فقال رجل: أكانت ليونس خاصّةً أم للمؤمنين عامّةً؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ألا تسمع إلى قول اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]». انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: قال الطبريّ: كان السلف يَدْعون بهذا الدعاء، ويسمُّونه دعاء الكرب. [فإن قيل]: كيف يسمّى هذا دعاء، وليس فيه من معنى الدعاء شيْ، وإنَّما هو تعظيم للَّه تعالى، وثناء عليه؟. [فالجواب]: إن هذا يسمّى دعاء لوجهين: أحدهما: أنه يُستفتح به الدعاء، ومن بعده يدعو، وقد ورد في بعض طرقه: «ثم يدعو». وثانيهما: أن ابن عيينة قال -وقد سئل عن هذا-: أما علمت أن اللَّه تعالى يقول: «إذا شَغَل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ، وقد قال أمية بن أبي الصلت: إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا … كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ قال القرطبيّ: وهذا الكلام حسنٌ، وتتمته أن ذلك إنما كان لنكتتين: إحداهما: كَرَم الْمُثْنَى عليه، فإنه إذا اكتفى بالثناء عن السؤال دلّ ذلك على سهولة البذل عليه، والمبالغة في كَرَم الحقّ. وثانيهما: أن الْمُثنِيَ لَمّا آثر الثّناء الذي هو حقّ المثنَّى عليه على حقّ نفسه الذي هو حاجته بُودر إلى قضاء حاجته من غير إحراج إلى إظهار مذلّة السؤال مجازاةً له على ذلك الإيثار، واللَّه تعالى أعلم. قال: ومما قد جاء منصوصًا عليه، وسُمّي دعاءً، وإن لم يكن فيه دعاء، ولا طلب ما أخرجه النسائيّ من حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استُجيب له». انتهى . [فائدة]: قال ابن بطال -﵀-: حدّثني أبو بكر الرازيّ، قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم، أكتب الحديث، وهناك شيخ يقال له: أبو بكر بن عليّ، عليه مدار الفتيا، فسُعي به عند السلطان، فسُجن، فرأيت النبيّ -ﷺ- في المنام، وجبريل عن يمينه، يحرك شفتيه بالتسبيح، لا يفتر، فقال لي النبيّ -ﷺ-: قل لأبي بكر بن عليّ يدعو بدعاء الكرب الذي في «صحيح البخاريّ» حتى يفرّج اللَّه عنه، قال: فأصبحت، فأخبرته، فدعا به، فلم يكن إلا قليلًا حتى أخرج. انتهى. وأخرج ابن أبي الدنيا في «كتاب الفرج بعد الشدة» له من طريق عبد الملك بن عمير، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان. انظر الحسن بن الحسن، فاجلده مائة جلدة، وأوقفه للناس، قال: فبعث إليه، فجيء به، فقام إليه عليّ بن الحسين، فقال: يا ابن عمّ تكلم بكلمات الفرج، يفرّج اللَّه عنك، فذكر حديث عليّ باللفظ الثاني، فقالها، فرَفع إليه عثمان رأسه، فقال: أرى وجه رجل كُذب عليه، خَلُّوا سبيله، فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره، فأُطلق. وأخرج النسائيّ، والطبريّ من طريق الحسن بن الحسن بن عليّ، قال: لَمَّا زوج عبد اللَّه بن جعفر ابنته، قال لها: إن نزل بك أمر، فاستقبليه، بأن تقولي: لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، سبحان اللَّه رب العرش العظيم، الحمد للَّه رب العالمين، قال الحسن: فأرسل إليّ الحجاجُ، فقلتهنّ، فقال: واللَّه لقد أرسلت إليكَ، وأنا أريد أن أقتلك، فلأنتَ اليوم أحبّ إليّ من كذا وكذا، وزاد في لفظ: فَسَلْ حاجتك. [تنبيه]: ومما ورد من دعوات الكرب ما أخرجه أصحاب السنن، إلا الترمذيّ، عن أسماء بنت عميس -﵂- قالت: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: «ألا أعلّمك كلمات تقوليهن عند الكرب: اللَّه اللَّه ربي، لا أشرك به شيئًا». وأخرج الطبريّ من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عباس -﵄- مثله. ولأبي داود، وصححه ابن حبان، عن أبي بكرة، رفعه: «دعوات المكروب: اللَّهُمَّ رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» ، ذكر هذا كلّه في «الفتح»، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٩٨] (. . .) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَحَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ أَتَمُّ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبل باب، و«هشام» هو: الدستوائيّ. [تنبيه]: رواية وكيع عن هشام الدستوائيّ هذه ساقها ابن ماجه -﵀- في «سننه»، فقال: (٣٨٨٣) - حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا وكيع، عن هشام، صاحب الدّسْتوائي عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس؛ أن النبيّ -ﷺ- كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، سبحان اللَّه رب العرش العظيم، سبحان اللَّه رب السماوات السبع، ورب العرش الكريم». قال وكيع مرّةً: «لا إله إلا اللَّه» فيها كلّها. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٩٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ الريَاحِي حَدَّثَهُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ، وَيَقُولُهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ، فَذكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، غيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ -بسين مهملة- أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مهران اليشكريّ البصريّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ) فاعل «ذَكَرَ» الظاهر أنه ضمير محمد بن بشر، ويَحْتمل أن يكون ضمير سعيد بن أبي عروبة، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة هذه ساقها عبد بن حُميد -﵀- في «مسنده»، مع اختلاف يسير، فقال: (٦٥٨) - حدّثنا محمد بن بشر العبديّ، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة؛ أن أبا العالية الرِّياحيّ حدّثهم، عن ابن عباس: «أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يدعو بهنّ، أو يقولهنّ عند الكرب: لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللَّه رب السماوات السبع، ورب العرش الكريم». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٠٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبيّ -ﷺ- كَانَ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ، فَذكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَزَادَ مَعَهُنَّ: «لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميون السمين البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد العَمّي البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ) الأنصاريّ مولاهم، أبو الوليد البصريّ، ثقة [٥] (م ت س ق) تقدم في «البيوع» ٥٢/ ٤١٣٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ) بحاء مهملة، وزاي، فموحّدة مفتوحة؛ أي: هَجَم عليه، أو غلبه، أو نزل به همَّ، أو غمّ، وفي رواية أخرى: «حَزَنه» بنون؛ أي: أوقعه في الحزن، يقال: حزنني الأمرُ، وأحزنني الأمر، فأنا محزون، ولا يقال: مُحْزَن، ذكره ابن الأثير . وقال الفيّوميّ -﵀-: حَزَبَهُمْ أمر يَحْزِبُهُمْ، من باب قتل: أصابهم. انتهى. وقال أيضًا: حَزِنَ حَزَنًا، من باب تَعِبَ، والاسم: الحُزْنُ بالضم، فهو حزين، ويتعدى في لغة قريش بالحركة، يقال: حَزَنَنِي الأمر يَحْزُنُنِي، من باب قتل، قاله ثعلب، والأزهريّ، وفي لغة تميم بالألف، ومَثَّل الأزهريّ باسم الفاعل، والمفعول، في اللغتين على بابهما، ومنع أبو زيد استعمال الماضي من الثلاثيّ، فقال: لا يقال: حَزَنَهُ، وإنما يستعمل المضارع من الثلاثيّ، فيقال: يَحْزُنُهُ. انتهى . وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَزَادَ مَعَهُنَّ) فاعل «ذَكَرَ»، و«زَادَ» ضمير حماد بن سلمة، فتنبّه. [تنبيه]: رواية حماد بن سلمة عن يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ هذه ساقها النسائيّ -﵀- في «الكبرى»، فقال: (١٠٤٨٨) - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، قال: أخبرنا الحسن بن موسى، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن يوسف بن عبد اللَّه بن الحارث، عن أبي العالية، عن عبد اللَّه بن عباس؛ أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا حَزَبه أمر، قال: «لا إله إلا اللَّه الحليم العظيم، لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللَّه رب العرش الكريم، لا إله إلا اللَّه رب السماوات، ورب الأرض، رب العرش العظيم»، ثم يدعو. انتهى . [تنبيه آخر]: أعلّ الدارقطنيّ -﵀- رواية حمّاد بن سلمة هذه بأن مهديّ بن ميمون خالفه بالإرسال، ودونك نصّه: وأخرج مسلم حديث حمّاد بن سلمة عن يوسف بن عبد اللَّه بن الحارث، عن أبي العالية، عن ابن عبَّاس: «كان يدعو عند الكرب»، وقد خالفه مهديّ بن ميمون عن يوسف، فأرسله. انتهى. وهذا الذي ذكره الدارقطنيّ أشار إليه النسائيّ قبله في «السنن الكبرى»، فقال بعد أن أخرج رواية حماد بن سلمة التي ذكرتها في التنبيه الماضي ما نصّه: خالفه مهديّ بن ميمون، ثم ساق روايته، فقال: (١٠٤٩٠) - أخبرنا محمد بن حاتم، قال: أخبرنا حِبّان، قال: أخبرنا عبد اللَّه، عن مهديّ بن ميمون، قال: حدّثنا يوسف بن عبد اللَّه بن الحارث، قال: قال لي أبو العالية: ألا أعلِّمك دعاءً، أُنبئت أن النبيّ -ﷺ- كان إذا نزلت به شدّة دعا به: «لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللَّه رب السماوات، ورب الأرض، رب العرش الكريم». انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة ما أشار إليه الإمامان: النسائيّ، والدارقطنيّ إعلال رواية حمّاد بن سلمة الحديث موصولًا بمخالفة مهديّ بن ميمون بالإرسال، وهو أحفظ من حمّاد، فيترّجح إرساله على وصله. ويُعتذر عن مسلم بأنه ما أراد بإخراج رواية حماد إلا المتابعة في أصل
مصادر المؤلف (١٦)

١. «مفردات ألفاظ القرآن» ص ٧٠٦.

٢. وضُبط في بعض نُسخ «القاموس» محرّك الراء، ومثله في «الصحاح».

٣. «تاج العروس» ص ٩٠٤.

٤. »الفتح«١٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧.

٥. «عمدة القاري» ٢٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣.

٦. حديث ضعيف.

٧. ويُروى «حِبَاؤك» بالموحدة، وكذا قوله: «الحِبَاء» آخر البيت، والْحِباء: العطاء.

٨. رواه الترمذي، وقد مضى أنه ضعيف.

٩. «المفهم» ٧/ ٥٦ - ٥٧.

١٠. «الفتح» ١٤/ ٣٥٨ - ٣٦٠، «كتاب الدعوات» رقم (٦٣٤٥).

١١. «سنن ابن ماجه» ٢/ ١٢٧٨.

١٢. «مسند عبد بن حميد» ١/ ٢٢٠.

١٣. «فيض القدير» ٥/ ١٢٠.

١٤. «المصباح المنير» ١/ ١٣٣ - ١٣٤.

١٥. «السنن الكبرى» للنسائي ﵀ ٦/ ١٦٧.

١٦. «السنن الكبرى» للنسائي ﵀ ٦/ ١٦٨.