أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٦٩٣٣] (٢٧٤٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٧٣ و٢٧٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، واللَّه تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٣٤] (٢٧٤٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَجَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ جَعْفَرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ إِيَادٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كَيْفَ تَقُولُونَ بِفَرَحِ رَجُلٍ انْفَلَتَتْ مِنْهُ رَاحِلَتُهُ، تَجُرُّ زِمَامَهَا بِأَرْضٍ قَفْرٍ، لَيْسَ بِهَا طَعَامٌ، وَلَا شَرَابٌ، وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ، فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّتْ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ، فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا، فَوَجَدَهَا مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟»، قُلْنَا: شَدِيدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمَا وَاللَّهِ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ»، قَالَ جَعْفَرٌ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام تقدّم قبل باب.
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ) القُرَشيّ، وقيل: الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠].
روى عن عبيد اللَّه بن إياد بن لقيط، والوليد بن أبي ثور، ويونس بن أبي يعفور، وحُديج بن معاوية، وحفص بن سليمان القارئ، وعِدّة.
وروى عنه مسلم حديثًا واحدًا في التوبة -يعني: هذا الحديث- وبقيّ بن مخلد، وأبو يعلى، وموسى بن إسحاق، وجماعة.
ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن منجويه: مات بعد الثلاثين ومائتين، وبلغ تسعين سنةً، وقال مُطَيَّن: مات يوم الجمعة لإحدى عشر بقيت من جمادى الآخرة سنة (٢٤٠)، ثقةٌ، لا يَخْضِب، وذكره أبو عليّ الجيانيّ في مشائخ أبي داود، وقال: يُعْرَف بِزَنْبَقَة، حَدَّث أبو داود عنه في «ابتداء الوحي»، قال: ثنا الوليد بن أبي ثور. انتهى، قال الحافظ: و«ابتداء الوحي» كتاب مفرد لأبي داود، ما هو من أبواب السنن، واللَّه أعلم .
تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ -﵀-: هكذا خرّج مسلم هذا الحديث عن يحيى بن يحيى، وجعفر بن حُميد في رواية ابن ماهان، والكسائيّ، وجعفر هذا هو شيخ لمسلم لم يرو عنه إلا هذا الحديث، وهو كوفيّ يُعرَف بـ «زَنْبَقَة» حدّث عنه بَقِيّ بن مَخْلَد من أهل بلدنا، وخرّجه أبو مسعود عن جعفر بن حُميد، وهو الصواب، ورُوي عن أبي أحمد الْجُلُوديّ: حدّثنا يحيى بن يحيى، وعبد بن حُميد، مكان جعفر بن حُميد، وهو وَهَمٌ. انتهى .
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيادِ بْنِ لَقِيطٍ) السَّدُوسيّ، أبو السَّلِيل -بفتح المهملة، وكسر اللام، وآخره لام أيضًا- الكوفيّ، كان عَرِيف قومه، صدوقٌ، ليّنه البزار وحده [٧] (ت ١٦٩) (بخ م ت س ق) تقدم في «الصلاة» ٤٦/ ١١٠٩.
٤ - (إِيَادُ) -بكسر أوله، ثم تحتانية- ابن لَقِيط السَّدُوسيّ، ثقةٌ [٤] (بخ م دت س) تقدم في «الصلاة» ٤٦/ ١١٠٩.
٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، واستُصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لِدَةً، مات سنة اثنتين وسبعين (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٢٧) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسل بالكوفيين، غير يحيى، فنيسابوريّ، وصحابيّه ابن صحابيّ -﵄-.
شرح الحديث:
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) -﵄-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كَيْفَ تَقُولُونَ)؛ أي: تظنّون، وهذا مما استُعمل فيه القول بمعنى الظنّ، كما قال ابن مالك في»الخلاصة«:
وَكَـ«تَظُنُّ»اجْعَلْ«تَقُولُ»إِنْ وَلِي … مُسْتَفْهَمًا بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلِ
بَغَيْرِ ظَرْفٍ أَوْ كَظَرْفٍ أَوْ عَمَلْ … وَإِنْ بِبَعْضِ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ
وَأُجْرِيَ الْقَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقَا … عِنْدَ سُلَيْمٍ نَحْوُ قُلْ ذَا مُشْفِقَا
(بِفَرَحِ رَجُلٍ انْفَلَتَتْ)؛ أي: خرجت بسرعة (مِنْهُ رَاحِلَتُهُ)، وقوله: (تَجُرُّ زِمَامَهَا) جملة حَاليّة من الفاعل، (بِأَرْضٍ) متعلّق بـ«تجرّ»، (قَفْرٍ) بفتح القاف، وسكون الفاء: المفازة لا ماء بها، ولا نبات، وأرض قفر، ومفازة قَفْرَةٌ، ويجمعونها على قِفَار، فيقولون: أرض قِفَارٌ على توهّم جمع المواضع؛ لِسَعتها، ودار قَفْرٌ، وقِفَارٌ كذلك؛ والمعنى: خالية من أهلها، فإن جعلتها اسمًا ألحقت الهاء، فقلت: قَفْرَةٌ، وقال الجوهريّ: مفازة قَفْرٌ، وقَفْرَةٌ. انتهى .
فقوله: (لَيْسَ بِهَا طَعَامٌ، وَلَا شَرَابٌ) تأكيد؛ لأن هذا هو معنى القفر، وقوله: (وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ) جملة حاليّة، (فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ)؛ أي: أعجزه المطلب، (ثُمَّ مَرَّتْ) تلك الراحلة (بِجِذْلِ شَجَرَةٍ) بكسر الجيم، وفتحها، وبالذال المعجمة، وهو أصل الشجرة القائم، (فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا) بكسر الزاي؛ أي: خطام تلك الراحلة، (فَوَجَدَهَا)؛ أي: وجد الرجل الراحلة، (مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟)؛ أي: بذلك الجذل، قال الصحابة المسؤولون: (قُلْنَا: شَدِيدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ)؛ أي: نظنّ فرح ذلك الرجل قويًّا، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه، كـ»ألا«، (وَاللَّهِ) فيه مشروعيّة الحلف من غير تحليف إشارة إلى تعظيم أمر المخبَر به، (لَلَّهُ) بلام الابتداء المفتوحة، (أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ») الرجل المذكور أوّلًا؛ لأن القاعدة: إذا أعيدت النكرة معرفة، فهي عين الأُولى، كما قال في «عقود الجمان»:
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوينَا مُسْنَدَا … «لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ» أَبَدَا
وقد أجبت في «الفوائد السَّميّة» استشكال من استشكل هذه القاعدة بأنها أغلبيّة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ جَعْفَرٌ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ) أشار به إلى بيان