HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٥٢

حدثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَعِيدَ بن المسيب أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول «جعل الله الرحمة مائة جزء. فأمسك عنده تسعة وتسعين. وأنزل في الأرض جزءا واحدا. فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق. حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص96
ج ٤ ص ٢١٠٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٢٢
[٨٧٤] وفي حديث: (إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ) ما يدل على سعة رحمة الله تعالى، وأنه الذي أنشأ الأسباب، وجعل الرحمة بين الخلق، وفي هذه الأحاديث دلالة أن الله تعالى رحيم، ودلالة أن رحمته أبلغُ مما نعلم، ودلالة أنه رحيم بعباده، فما لم يتجاسر عليه عبده بكثرة المعاصي؛ لم يعاقبه.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٦٢٠
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٤٧] (٢٧٥٢) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) هو: حرملة بن يحيى بن حرملة بن عمران، أبو حفص التُّجِيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب المصريّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النجاد الأَيْليّ، أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح، وقيل: سنة (١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، من كبار [٣] مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. و«أبو هريرة -﵁-» ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وأنه أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وقد اتفقوا على أنَّ مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، وفيه أبو هريرة رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلمة الزهريّ (أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّب أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ) قال النوويّ -﵀-: هكذا وقع في نُسخ بلادنا جميعًا:»جعل اللَّه الرحمة مائة جزء«، وذكر القاضي:»جعل اللَّه الرُّحْم«، بحذف الهاء، وبضم الراء، قال: ورويناه بضم الراء، ويجوز فتحها، ومعناه: الرحمة. انتهى . وفي رواية للبخاريّ:«إن اللَّه خلق الرحمة مائة رحمة»، قال في«العمدة»: أي: الرحمة التي جعلها في عباده وهي مخلوقة، وأما الرحمة التي هي صفة من صفاته فهي قائمة بذاته -﷿-، وقوله:«مائة رحمة»؛ أي: مائة نوع من الرحمة، أو مائة جزء، كما في الحديث الآخر. انتهى . ووقع في رواية للبخاريّ:«جعل اللَّه الرحمة في مائة جزء»، قال الكرمانيّ : كان المعنى يتم بدون الظرف، فلعل«في»زائدة، أو متعلقة بمحذوف، وفيه نوع مبالغة؛ إذ جعلها مظروفًا لها معنى، بحيث لا يفوت منها شيء. وقال ابن أبي جمرة : يَحْتَمِل أن يكون: لَمّا مَنّ على خلقه بالرحمة جعلها في مائة وعاء، فأهبط منها واحدًا للأرض. قال الحافظ: خَلَت أكثر الطرق عن الظرف، كرواية سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة الآتية في«الرقاق»:«إن اللَّه خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة»، ولمسلم من رواية عطاء، عن أبي هريرة:«إن للَّه مائة رحمة»، وله من حديث سلمان:«إن اللَّه خلق مائة رحمة يوم خلق السماوات والأرض، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض». وقال القرطبيّ: يجوز أن يكون معنى«خَلَق»: اخترع، وأوجد، ويجوز أن يكون بمعنى قَدَّر، وقد ورد«خَلَق»بمعنى قدّر في لغة العرب، فيكون المعنى: أن اللَّه أظهر تقديره لذلك يوم أظهر تقدير السماوات والأرض. وقوله:«كلُّ رحمة تَسَعُ طباق الأرض»المراد بها التعظيم، والتكثير، وقد ورد التعظيم بهذا اللفظ في اللغة والشرع كثيرًا . (فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ) زاد في رواية للبخاريّ:«جزءًا»، وفي رواية:«وأَخَّر عنده تسعة وتسعين رحمة»، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة الآتية هنا:«وخبأ عنده مائة إلا واحدة». (وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) وفي رواية المقبريّ:«وأرسل في خلقه كلّهم رحمة»، وفي رواية عطاء:«أنزل منها رحمة واحدة بين الجنّ، والإنس، والبهائم»، وفي حديث سلمان:«فجعل منها في الأرض واحدة»، قال القرطبيّ: هذا نصّ في أن الرحمة يراد بها متعلّق الإرادة، لا نفس الإرادة، وأنها راجعة إلى المنافع والنعم . (فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ«). وفي رواية عطاء: »فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها«، وفي حديث سلمان: »فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش، والطير بعضها على بعض«، قال ابن أبي جمرة: خَصّ الفرس بالذِّكر؛ لأنها أشد الحيوان المألوف الذي يعاين المخاطبون حركته مع ولده، ولمَا في الفرس من الخفة والسرعة في التنقل، ومع ذلك تتجنب أن يصل الضرر منها إلى ولدها. وزاد في حديث سلمان في آخره: «فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة مائة»، وفيه إشارة إلى أن الرحمة التي في الدنيا بين الخلق تكون فيهم يوم القيامة يتراحمون بها أيضًا، وصرح بذلك المهلَّب، فقال: الرحمة التي خلقها اللَّه لعباده، وجعلها في نفوسهم في الدنيا هي التي يتغافرون بها يوم القيامة التبعات بينهم، قال: ويجوز أن يستعمل اللَّه تلك الرحمة فيهم، فيرحمهم بها سوى رحمته التي وسعت كل شيء، وهي التي من صفة ذاته، ولم يزل موصوفًا بها، فهي التي يرحمهم بها زائدًا على الرحمة التي خلقها لهم، قال: ويجوز أن تكون الرحمة التي أمسكها عند نفسه هي التي عند ملائكته المستغفرين لمن في الأرض؛ لأنَّ استغفارهم لهم دالّ على أنَّ في نفوسهم الرحمة لأهل الأرض. قال الحافظ: وحاصل كلامه: أن الرحمة رحمتان: رحمة من صفة الذات، وهي لا تتعدد، ورحمة من صفة الفعل، وهي المشار إليها هنا، ولكن ليس في شيء من طرق الحديث أن التي عند اللَّه رحمة واحدة، بل اتفقت جميع الطرق على أنَّ عنده تسعة وتسعين رحمة، وزاد في حديث سلمان: «أنه يكملها يوم القيامة مائة» بالرحمة التي في الدنيا، فتعدد الرحمة بالنسبة للخلق. وقال القرطبيّ: مقتضى هذا الحديث: أن اللَّه عَلِمَ أن أنواع النعم التي يُنعم بها على خلقه مائة نوع، فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحد، انتظمت به مصالحهم، وحصلت به مرافقهم، فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي، فبلغت مائة، وكلها للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فإن رحيمًا من أبنية المبالغة التي لا شيء فوقها، ويُفهم من هذا أن الكفار لا يبقى لهم حظ من الرحمة، لا من جنس رحمات الدنيا، ولا من غيرها، إذا كمل كل ما كان في علم اللَّه من الرحمات للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦]. وقال الكرمانيّ: الرحمة هنا عبارة عن القدرة المتعلقة بإيصال الخير والقدرة في نفسها غير متناهية، والتعلق غير متناه، لكن حصره في مائة على سبيل التمثيل؛ تسهيلًا للفهم، وتقليلًا لِمَا عند الخلق، وتكثيرًا لِمَا عند اللَّه -﷾-. وأما مناسبة هذا العدد الخاصّ، فحكى القرطبي عن بعض الشراح: أن هذا العدد الخاصّ أُطلق لإرادة التكثير والمبالغة فيه. وتعقبه بأنه لَمْ تَجْر عادة العرب بذلك في المائة، وإنما جرى في السبعين، كذا قال. وقال ابن أبي جمرة: ثبت أن نار الآخرة تفضل نار الدنيا بتسع وستين جزءًا، فإذا قوبل كل جزء برحمة، زادت الرحمات ثلاثين جزءًا، فيؤخذ منه أن الرحمة في الآخرة أكثر من النقمة فيها، ويؤيده قوله: «غلبت رحمتي غضبي». قال الحافظ: لكن تبقى مناسبة خصوص هذا العدد، فيَحْتَمِل أن تكون مناسبة هذا العدد الخاصّ؛ لكونه مثل عدد درج الجنة، والجنة هي محل الرحمة، فكان كل رحمة بإزاء درجة، وقد ثبت أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة اللَّه تعالى، فمن نالته منها رحمة واحدة كان أدنى أهل الجنة منزلة، وأعلاهم منزلة من حصلت له جميع الأنواع من الرحمة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى بُعد هذه المناسبات التي ذكروها هنا، فالأَولى والأوضح تفويض هذا العلم إلى عالم الغيب والشهادة، وعدم الخوض في مثله؛ إذ لم نُكلَّف بعلمه، ولم يرد نصّ نتمسّك به، ونعتمد عليه، فسلّم تسلم، وفوّض تغنم، واللَّه -﷾- أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٦٩٤٧ و٦٩٤٨ و٦٩٤٩] (٢٧٥٢)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٦٠٠٠) و«الرقاق» (٦٤٦٩) وفي «الأدب المفرد» (١٠٠)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٥٤١)، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٤٢٩٣)، و(ابن المبارك) في «الزهد» (١/ ٣٦٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٢١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٤٧ و٦١٤٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ٢٩٧) وفي «مسند الشاميين» (٤/ ١٦٦)، و(اللالكائي) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٦/ ١١٩٧)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (٧/ ٤٥٧)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤١٧٩ و٤١٨٠) و«التفسير» (٢/ ٨٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سعة رحمة اللَّه -﷾-. ٢ - (ومنها): بيان عدد أقسام الرحمة، وأنه مائة جزء، والحقّ أنه لا يَعلم حكمة التجزئة إلى هذا العدد إلا من أخبر بذلك، فالسلامة الإيمان به والتسليم. ٣ - (ومنها): أن الرحمة المنقسمة إلى هذا العدد هي الرحمة الفعليّة التابعة لمشيئته -﷾-، فإنها مخلوقة قابلة للتقسيم، وأما الرحمة التي هي من صفات ذاته -﷾-، فإنها صفة قائمة به، لا تتجزّأ. قال الشيخ البرّاك -حفظه اللَّه تعالى-: دلّت النصوص من الكتاب والسُّنَّة على أنَّ الرحمة المضافة إلى اللَّه تعالى رحمتان: إحداهما: هي صفته، وصفاته تعالى غير مخلوقة، وإضافتها إليه تعالى من إضافة الصفة إلى الموصوف، كما قال تعالى عن نبيّ اللَّه سليمان -﵇-: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهذان الاسمان متضمّنان صفة الرحمة، فاسمه الرحمن يدلّ على الرحمة الذاتيّة التي لم يزل، ولا يزال موصوفًا بها، واسمه الرحيم يدلّ على الرحمة الفعليّة التابعة لمشيئته -﷾-، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١]. وأهل السُّنَّة والجماعة يُثبتون الرحمة للَّه تعالى صفة قائمة به، والمعطّلة، ومن تبعهم ينفون حقيقة الرحمة عن اللَّه تعالى، ومنهم الأشاعرة، ويؤوّلونها بالإرادة، أو النعمة. والرحمة الأخرى مما يضاف إليه تعالى: هي رحمة مخلوقة، وإضافتها إليه هي إضافة مخلوق إلى خالقه، ومن شواهدها قول اللَّه تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧]، وقوله -للجنّة- كما في الحديث القدسيّ: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء». والرحمة المذكورة في حديث الباب هي الرحمة المخلوقة، وهي التي جعلها اللَّه -﷿- في مائة جزء، والرحمة المخلوقة في الدنيا والآخرة هي أثر الرحمة التي هي صفته، ومقتضاها. انتهى كلام البرّاك ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: هذه الأحاديث من أحاديث الرجاء، والبشارة للمسلمين، قال العلماء: لأنه إذا حصل للإنسان من رحمة واحدة في هذه الدار المبنية على الأكدار الإسلام، والقرآن، والصلاة، والرحمة في قلبه، وغير ذلك مما أنعم اللَّه تعالى به، فكيف الظن بمائة رحمة في الدار الآخرة، وهي دار القرار، ودار الجزاء، واللَّه أعلم . ٥ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة -﵀-: في الحديث إدخال السرور على المؤمنين؛ لأنَّ العادة أن النفس يكمل فرحها بما وُهب لها إذا كان معلومًا مما يكون موعودًا. انتهى . ٦ - (ومنها): وفيه الحثّ على الإيمان، واتساع الرجاء في رحمات اللَّه تعالى المدّخرة للمؤمن في الآخرة، وسيأتي في حديث أبي هريرة الآتي في الباب: «ولو يعلم الكافر ما عند اللَّه من الرحمة ما قنط من جنّته أحد»، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٤٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبِ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ، وَخَبَأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ -بفتح الميم، والقاف، ثم موحّدة مكسورة- البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله سبع وسبعون سنةً (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) -بضم الحاء المهملة، وسكون الجيم- هو: عليّ بن حُجر بن إياس السَّعْديّ، أبو الحسن المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٤ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ -بضم الحاء المهملة، وفتح الراء، بعدها قاف- أبو شِبْل -بكسر المعجمة، وسكون الموحّدة- المدنيّ، صدوق، رُبَّما وَهِم [٥] مات سنة بضع (١٣٠) (ز م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٥ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ المدنيّ، مولى الْحُرَقة، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (وَخَبَأَ عِنْدَهُ مِائَةً)؛ أي: ستر، وحفظ، يقال: خبأت الشيءَ خَبْأً، مهموزًا، من باب نَفَعَ: سترته، وخَبّأته: حفظته، والتشديد تكثير، ومبالغة، قاله الفيّوميّ -﵀- . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، وللَّه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٤٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ للَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. و«أبو هريرة -﵁-» ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وعطاء، فمكيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في عصره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-)؛ أنه (قَالَ: «إِنَّ للَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ) قال في»المرعاة«: المراد بالرحمة هنا: هي التي جعلها في عباده، وهي مخلوقة، وأما الرحمة التي هي صفة من صفاته فهى قائمة بذاته تعالى غير مخلوقة. وقال الطيبيّ -﵀-: رحمة اللَّه تعالى لا نهاية لها، فلم يُرِد بما ذكره تحديدًا، بل تصويرًا للتفاوت بين قِسط أهل الإيمان منها في الآخرة، وقسط كافة المربوبين في الدنيا. انتهى. وقال في«اللمعات»: لعل المراد: أنواعها الكلية التي تحت كل نوع منها أفراد غير متناهية، أو المراد ضَرْب المثل لبيان المقصود من قلة ما عند الناس، وكثرة ما عند اللَّه تقريبًا إلى فهم الناس، أو هو من قبيل قوله:«إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة»في أن الحصر باعتبار هذا الوصف فافهم . (أَنْزَلَ مِنْهَا)؛ أي: من جملة المائة (رَحْمَةً وَاحِدَةً) وفي رواية:«وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة»، قال القاري: الإنزال تمثيل مشيرٌ إلى أنها ليست من الأمور الطبيعية، بل هي من الأمور السماوية، مقسومة بحسب قابلية المخلوقات. (بَيْنَ الْجِنِّ)؛ أي: بعضهم مع بعض، (وَالإِنْسِ) كذلك، (وَالْبَهَائِمِ)؛ أي: مع أولادها، (وَالْهَوَامِّ) بتشديد الميم: جمع هامّة، وهي كل ذات سم، وقد يقع على ما يَدِبّ من الحيوان، وإن لم يقتل، كالحشرات، كذا
مصادر المؤلف (١٢)

١. «شرح النوويّ»٧/ ٦٩ - ٧٠.

٢. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ»٣٣/ ٢٤٥.

٣. «شرح صحيح البخاريّ»للكرمانيّ ٢١/ ١٦٥.

٤. «بهجة النفوس»٤/ ١٥٣ - ١٥٤.

٥. «الفتح» ١٣/ ٥٤٣ رقم (٦٠٠٠).

٦. «الفتح» ١٣/ ٥٤٣ رقم (٦٠٠٠).

٧. «الفتح» ١٣/ ٥٤٣ رقم (٦٠٠٠).

٨. راجع: هامش «الفتح» ١٣/ ٥٤٤ - ٥٤٥.

٩. «شرح النوويّ» ١٧/ ٦٨ - ٦٩.

١٠. «بهجة النفوس» ٤/ ١٥٦.

١١. راجع: «المصباح المنير» ١/ ١٦٣.

١٢. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٨/ ١٧١.