HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٦٦

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (واللفظ لابن المثنى). قال: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قتادة، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قال «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا. فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا. فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله. فكمل به مائة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم. فقال: إنه قتل مائة نفس. فهل له من توبة؟ فقال: نعم. ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا. فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم. ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط. فأتاه ملك في صورة آدمي. فجعلوه بينهم. فقال: قيسوا ما بين الأرضين. فإلى أيتهما كان أدنى، فهو له. فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد. فقبضته ملائكة الرحمة» قال قتادة: فقال الحسن: ذكر لنا؛ أنه لما أتاه الموت نأى بصدره.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص103
ج ٤ ص ٢١١٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٢٤
[٨٧٧] وقوله في حديث التوبة : (فَنَاءَ بِصَدرِه) أي: نهض، يقال: ناء فلان بحمله: إذا نهض به متثاقلا. ومن باب توبة كعب بن مالك ﵁ -
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٧٢٩
جملة في محل نَصْب على الحال، (فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ) -ﷺ-، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني عن حالك (حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ) مريدًا السؤال عما اقترفته من الذنوب، (أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ، فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟»، قَالَ) الرجل: (بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ)؛ أي: فعلت ذلك، (قَالَ) -ﷺ-: («ثُمَّ شَهِدْتَ) بكسر الهاء، من باب تعب، (الصَّلَاةَ مَعَنَا؟»، فَقَالَ) الرجل (نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ)؛ أي: صليت معك، (قَالَ) أبو أمامة: (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ)؛ أي: ما يوجبه (أَوْ) للشكّ من الراوي، (قَالَ) -ﷺ-: قد غفر لك (ذَنْبَكَ»)، واللَّه تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أمامة الباهليّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٦٩٨١] (٢٧٦٥)، و(أبو داود) في «الحدود» (٤٣٨١)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣ و٢٦٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٧٦٢٣)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٨٦٨١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣١١)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (٥/ ٤٠٣)، واللَّه تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٨٢] (٢٧٦٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنى- قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُل قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُور آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى، فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ، فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ»، قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الْحَسَنُ: ذُكِرَ لنَا أنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ، نَأَى بِصَدْرِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبر الدستوائيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (أَبُو الصِّدِّيقِ) بكر بن عمرو، وقيل: ابن قيس الناجيّ -بالنون، والجيم- البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٨) (ع) تقدم في «الصلاة» ٣٥/ ١٠١٩. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ -﵁-، فمدنيّ، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجمعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد صحابيّ ابن صحابيّ -﵁-، ومن المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الصِّدَيقِ) وفي الرواية التالية: «عن قتادة أنه سمع أبا الصدّيق الناجيّ»، فصرّح قتادة بالسماع، فزالت عنه تهمة التدليس، واسم أبي الصديق -وهو بكسر الصاد المهملة، وتشديد الدال المكسورة-: بكر، واسم أبيه: عمرو، وقيل: قيس، وليس له عند مسلم إلا حديثان فقط، هذا، وحديث تقدّم في «الصلاة»، وقال الحافظ: وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث. (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁-؛ (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) وفي رواية البخاريّ:»كان في بني إسرائيل«، (رَجُلٌ) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على اسمه، ولا على اسم أحد من الرجال ممن ذُكر في القصة. انتهى . (قَتَلَ تِسْعَةً وَتسْعِينَ نَفْسًا)؟ أي: ظلمًا، (فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ) إنما سأل عن الأعلم؛ لأنه الذي يوجد عنده عِلم أحكام الشرع، (فَدُلَّ) بالبناء للمفعول؛ أي: دلّه الناس (عَلَى رَاهِبٍ) اسم فاعل من رَهِبَ؛ أي: خاف، قال الفيّوميّ -﵀-: رَهِبَ رَهَبًا، من باب تَعِب: إذا خاف، والاسم: الرَّهْبَةُ، فهو رَاهِبٌ من اللَّه، واللَّه مَرْهُوبٌ، والأصل: مرهوب عقابه، والرَّاهِبُ، عابد النصارى من ذلك، والجمع رُهْبَانٌ، وربما قيل: رَهَابِينُ، وتَرَهَّبَ الرَّاهِبُ: انقطع للعبادة، والرَّهْبَانِيَّةُ من ذلك، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، مَدَحهم عليها ابتداءً، ثم ذَمّهم على ترك شَرْطها بقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]؛ لأن كُفرهم بمحمد -ﷺ- أحبطها، قال الطُّرْطُوشيّ: وفي هذه الآية تقوية لمذهب من يرى أن الإنسان إذا ألزم نفسه فعلًا من العبادة لَزِمه، قال: وأنا أمِيل إلى ذلك، والجواب عنه أن التعرّض بالذمّ لم يكن لإفسادهم العبادة بنوع من الإفسادات المنهية عند الفاعل، وهم لم يفسدوها على اعتقادهم، وإنما ذمّهم على ترك الإيمان بمحمد -ﷺ-، فالذمّ متوجه على الراهب وغيره، فألغى وصف الرهبانية بدليل مَدْحٍ من آمن منهم، وقد أبطل تلك العبادة بقوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧]، ولم يقل: الذين أتموا، وأما قوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فالمراد: لا تبطلوها بمعصية الرسول -ﷺ-. انتهى . قال في «الفتح»: قوله: «فأتى راهبًا» فيه إشعار بأن ذلك كان بعد رفع عيسى؛ لأن الرهبانية إنما ابتدعها أتباعه، كما نُصّ عليه في القرآن. انتهى . (فَأَتَاهُ)؛ أي: أتى الرجل القاتلُ الراهبَ (فَقَالَ) له: (إِنَّهُ) فيه التفات؛ إذ الأصل أن يقول: «إني». (قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا)؛ أي: ظُلمًا، (فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ؟)؛ أي: صحيحة، (فَقَالَ) له الراهب جوابًا عن سؤاله: (لَا)؛ أي: لا توبة لك بعد أن قتلت تسعة وتسعين إنسانًا، وأفتاه بذلك؛ لغلبة الخشية عليه، واستبعاده أن تصح توبته بعد قَتْله لمن ذَكَر أنه قَتَله بغير حقّ ، وقال القاري: وهذا قاله إما جهلًا منه بعلم التوبة، وإما لغلبة الخشية عليه، وإما لتصوّره عدم إمكان إرضاء خصومه عنه . (فَقَتَلَهُ)؛ أي: الراهب، (فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً) قال القاري: لعله لكونه أوهمه أنه لا يقبل له توبة منها، وإن رضي مستحقوه، وقيل: لأن فتياه اقتضت عنده أن لا نجاة له، فيئس من الرحمة، ثم تداركه اللَّه تعالى، فنَدِم على ما صنع، فرجع يسأل، وفيه إشارة إلى قلة فطنة الراهب؛ لأنه كان من حقّه التحرز ممن اجترأ على القتل حتى صار له عادة، بأن لا يواجهه بخلاف مراده، وأن يستعمل معه المعاريض؛ مداراةً عن نفسه، هذا لو كان الحكم عنده صريحًا في عدم قبول توبة القاتل، فضلًا عن أن الحكم لم يكن عنده إلا مظنونًا . وقال القرطبيّ -﵀-: قول الراهب للقاتل: لا توبة لك دليل على قلّة علم ذلك الراهب، وعدم فطنته، حيث لم يُصب وجه الفتيا، ولا سَلَك طريق التحرّز على نفسه، ممن صار القتل له عادة معتادة، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه، فكان حقّه ألا يشافهه بمنع التوبة؛ مداراةً لدفع القتل عن نفسه، كما يدارى الأسد الضاري، لكنه أعان على نفسه، فإنَّه لمّا آيسه من رحمة اللَّه، وتوبته قَتَله، بحكم سبعيته، ويأسه من رحمة اللَّه، وتوبته عليه، ولمّا لَطَف اللَّه به بقي في نفسه الرغبة في السؤال عن حاله، فما زال يبحث إلى أن ساقه اللَّه تعالى إلى هذا الرجل العالم الفاضل، فلما سأله نطق بالحقّ والصواب، فقال له: ومن يحول بينك وبينها؟ مفتيًا منكرًا على من ينفيها عنه، ثم إنه أحاله على ما ينفعه، وهو مفارقته لأرضه التي كانت غلبت عليه بحكم عادة أهلها الفاسدة، ولقومه الذين كانوا يُعينونه على ذلك، ويَحملونه عليه. وبهذا يُعلم فضل العلم على العبادة، فإنَّ الأول غلبت عليه الرهبانية، واغترّ بوصف الناس له بالعلم، فأفتى بغير علم، فهلك في نفسه، وأهلك غيره، والثاني كان مشتغلًا بالعلم، ومعتنيًا به، فوُفّق للحق، فأحياه اللَّه في نفسه، وأحيا به الناس. قال القاضي: ومذهب أهل السُّنَّة والجماعة أن التوبة تكفِّر القتل، كسائر الذنوب، وهو قول كافّة العلماء، وما رُوي عن بعضهم من تشديد في الزجر، وتورية في القول، فإنما ذلك لئلا يجترئ الناس على الدماء، وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ٩٣]، فقيل: معناه: إن جازاه، وقيل: الخلود: طول الإقامة، لا التأبيد، وقيل: الآية في رجل بعينه قَتل رجلًا له عليه دم بعد أخذ الدية، ثم ارتدّ، وقد تقدّم القول على أن كل ما دون الشرك يجوز أن يغفره اللَّه تعالى، وأنه ليس من ذلك شيء كفرًا، قتلًا كان، أو تَرْك صلاة، أو غيرها، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، ولقوله -ﷺ- في حديث عبادة بن الصامت -﵁-: «تبايعوني على ألّا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرَّم اللَّه إلا بالحق، فمن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره اللَّه عليه، فأمْره إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه»، متّفقٌ عليه، ولقوله -ﷺ- في حديث عبادة -﵁- أيضًا: «خمس صلوات افترضهن اللَّه -﷿- على العباد، فمن جاء بهنّ لم يضيّع منهن شيئًا، كان له عند اللَّه عهد أن يغفر له، ومن لم يأت بهنّ، فليس له عند اللَّه عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه»، وهذه حُجج صريحة تبيّن فساد مذهب المكفرة بشيء من ذلك. انتهى . (ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ) بالبناء للمفعول أيضًا، (عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ) الرجل القاتل للعالم: (إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟)؛ أي: صحيحة، (فَقَالَ) ذلك العالمْ (نَعَمْ) لك توبة صحيحة، (وَمَنْ) استفهاميّة، والاستفهام للإنكار؛ أي: لا أَحَدَ (يَحُولُ)؛ أي: يمنع، ويحجُز (بَيْنَهُ)؛ أي: بين القاتل، وقد سبق أنه فيه التفاتًا؛ أي: بينك (وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟)؛ يعني: أن التوبة مفتوح بابها، فبادِر إليها، ثم أرشده إلى ما يُعينه عليها، بقوله: (انْطَلِقْ)؛ أي: اذهب من أرضك هذه التي ارتكبت فيها هذه الجرائم الشنيعة الفظيعة (إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا) لأرض سمّاها له، وقع تسمية القريتين في حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵄-، مرفوعًا في «المعجم الكبير» للطبرانيّ، قال فيه: إن اسم القرية الصالحة: نصرة، واسم القرية الأخرى: كفرة، قاله في «الفتح» . ثم ذكر سبب أمْره له بالانطلاق إليها بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّ بِهَا)؛ أي: لأن بتلك الأرض (أُنَاسًا) قال الفيّوميّ -﵀-: «الأناسُ» قيل: فُعالٌ بِضَمّ الفَاءِ، مُشْتَقُ مِنَ الأُنِس، لكن يجوزُ حذف الهمزة تخفيفًا على غير قياس، فيبقى النَّاسَ، وعنِ الكسائيّ أن الأُنَاسَ، والنَّاسَ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحد، وليس أحدهما مشتقًّا من الآخر، وهو الوجهُ؛ لأنهما مادَّتَانِ مُخْتلِفَتانِ في الاشْتِقَاق، والحذف تَغْيِيرٌ، وهو خِلافٌ الأَصْلِ. انتهى . (يَعْبُدُونَ اللَّهَ) -﷿- (فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ) حتى تلحق بهم؛ لأن اللَّه تعالى يقول فيهم: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم»، (وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ) ثم بيّن له سبب نهيه عن الرجوع إليها بما قرنها بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّهَا)؟ أي: لأن أرضك (أَرْضُ سَوْءٍ) بفتح السين المهملة، وسكون الواو؛ أي: قبيحة تُغري على الفساد؛ لسوء سُكّانها، أو لغير ذلك. (فَانْطَلَقَ) الرجل قاصدًا تلك الأرض، (حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ)، أي: بلغ نصفه، يقال: نصفتُ الشيءَ نَصْفًا، من باب قتل: بلغتُ نصفه، وكلُّ شيء بلغ نصف شيءقيل: نصَفَهُ ينْصُفُهُ، فإن بلغ نصف نفسه، ففيه لغاتٌ، نَصَفَ ينصُفُ، من باب قتل، وأنصف بالألف، وتنصّف، قاله الفيّوميّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «نصف الطريقَ»؛ أي: بلغ نصفه، يقال: نصف الماءَ، والشجرةَ، وغيرهما: إذا بلغ نصف ذلك. انتهى . (أَتَاهُ الْمَوْتُ)؛ أي: أمارته، وسكراته، (فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ)؛ أي: في قبض روحه، (مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَاب، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ): نحن أحقّ به؛ لأنه (جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ) -﷿-، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «إنه جاء تائبًا، مقبلًا بقلبه» هذا نصّ صريح في أن اللَّه تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه، من صحة قَصْده إلى التوبة، وحِرصه عليها، وأن ذلك خَفِي على ملائكة العذاب، حتى قالت: إنه لم يعمل خيرًا قط، ولو اطّلعت على ما في قلبه من التوبة لَمَا صحّ لها أن تقول هذا، ولا تُنازع ملائكة الرحمة في قولها: إنه جاء تائبًا مقبلًا بقلبه، بل شَهِدت بما في عِلمها، كما شهد الآخرون بما تحقّقوه، لكن شهادة ملائكة الرحمة على إثبات، وشهادة ملائكة العذاب على عدم علم، وشهادة الإثبات مقدّمة، فلا جَرَمَ لَمّا تنازع الصنفان، وخرج كلاهما عن الشهادة إلى الدعاوى، بعث اللَّه إليهما ملَكًا حاكمًا يفصل بينهما، وصوّره بصورة آدميّ؛ إخفاءً عن الملائكة، وتنويهًا ببني آدم، وأن منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا. انتهى . (وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ) نحن أحقّ به، (إِنَّهُ) يَحْتَمل أن يكون بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الجملة المستأنفة التعليليّة، وأن يكون بفتحها بتقدير حرف التعليل؛ أي: لأنه (لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ) لعل ذلك لكونه قتل مائة نفس، فأحاط ذلك بحسناته كلّها، أو لأنهم علموا أنه ليس من أهل الطاعة، بل عمره كلّه جرائم، كما سبق في الرجل الذي أوصى بالوصيّة الجائرة؛ لأنه «لم يبتئر عند اللَّه خيرًا»؛ أي: لم يدّخر. (فَأتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُور آدَمِيّ، فَجَعَلُوهُ) حَكَمًا (بَيْنَهُمْ) قال القرطبيّ -﵀-: فيه حجَّة لمالك على قوله: إن المتخاصمَين إذا حكّما بينهما رجلًا يصلح للتحكيم، لزمهما ما يحكم به، وقد خالفه في ذلك الشافعيّ. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد استوفيت البحث فيها في «شرح النسائيّ» عند شرح حديث شُريح بن هانئ، عن أبيه هانئ، أنه لمّا وَفَد إلى رسول اللَّه -ﷺ- سمعه، وهم يَكنون هانئًا أبا الحَكَم، فدعاه رسول اللَّه -ﷺ-، فقال له: «إن اللَّه هو الحكم، وإليه الحُكْم، فلم تكنَى أبا الحكم؟» فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، قال: «ما أحسن من هذا؟ فما لك من الولد؟» قال: لي شُريح، وعبد اللَّه، ومسلم، قال: «فمن أكبرهم؟» قال: شُريح، قال: «فأنت أبو شُريح»، فدعا له، ولولده. انتهى . فذكرت اختلاف العلماء في المسألة، ورجّحت ما دلّ عليه هذا الحديث من جواز التحكيم في كل شيء، وأنه ينفذ، ولا يجوز للقاضي أن ينقضه، فراجع شرحي هناك ، وباللَّه تعالى التوفيق. (فَقَالَ) ذلك الملك: (قِيسُوا) بكسر القاف، أمْر من قاس الشيء يقيسه قَيْسًا، من باب باع: بمعنى قدّره، وقاسه يقوسه قَوْسًا، من باب قال لغةٌ، وقايسته بالشيء مقايسةً، وقياسًا، من باب قاتل، وهو تقديره به، والمقياس: المقدار . (مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ)؛ أي: الأرض التي خرج منها، والأرض التي خرج إليها، (فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ) الرجل (أَدْنَى)؛ أي: أقرب، (فَهُوَ)؛ أي: ذلك الرجل، (لَهُ)؛ أي: لذلك الأقرب، (فَقَاسُوهُ)؛ أي: قاسوا ما بين الأرضين (فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ)؛ أي: قَصَد الذهاب إليها، (فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ») لكونه مقبول التوبة، وهذا مصداق قوله -﵀-:«إن رحمتي سبقت غضبي». قال النوويّ -﵀-: وأما قياس الملائكة ما بين القريتين، وحُكم الملَك الذي جعلوه بينهم بذلك، فهذا محمول على أن اللَّه تعالى أمَرهم عند اشتباه أمْره عليهم، واختلافهم فيه أن يُحَكِّموا رجلًا ممن يمرّ بهم، فمَرَّ الملَك في صورة رجل، فحَكَم بذلك. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«فإلى أيتهما كان أدنى فهو له»دليل على أن الحاكم إذا تعارضت الأقوال عنده، وتعذرت الشهادات، وأمكنه أن يستدلّ بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوي، نفذ الحكم بذلك، كما فعله سليمان؛ حيث قال:«ائتوني بالسكين أشقّه بينهما». [تنبيه]: قال القاضي: جعل اللَّه قربه من القرية علامة للملَك عند اختلافهم مع عدمهم معرفة حقيقة باطنه التي اطَّلَع اللَّه عليها، ولو تحقّقوا توبته لم يختلفوا، ولم يحتاجوا للمقايسة. وتعقّبه القرطبيّ، فقال: هذه غفلة منه عن قول ملائكة الرحمة:«جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى اللَّه -﷿-»)، وهذا نصّ في أن ملائكة الرحمة عَلِمت ما في قلبه، فلو علمت ملائكة العذاب ما في قلبه لَمَا تنازعوا؛ لأن الملائكة كلّهم لا يخفى عليهم أن التوبة إذا صحّت في القلب، وعَمِل على مقتضاها بالجوارح بالقَدْر الممكن مقبولة بفضل اللَّه تعالى، ووَعْده الصادق، والأحسن ما ذكرناه إن شاء اللَّه تعالى، وإنما جعل اللَّه قُرب تلك الأرض سببًا مرجّحًا لحجَّة ملائكة الرحمة، ومصدّقًا لصحة التوبة، وفيه دليل على أن أعمال الظاهر عنوان على الباطن. انتهى . (قَالَ قَتَادَةُ) بن دعامة: (فَقَالَ الْحَسَنُ) البصريّ: (ذُكِرَ لَنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: ذَكر بعض الناس لنا، (أَنَّهُ)؛ أي: الرجل، (لَمَّا أتاهُ الْمَوْتُ)؛ أي: مقدّماته، وعلاماته، (نَأَى)؛ أي: ابتعد (بِصَدْرهِ) عن الأرض التي جاء منها إلى جهة الأرض التي خرج إليها؛ أي: فبسبب تلك المحاولة كان أقرب إليها، فقبضته ملائكة الرحمة، وفي رواية شعبة التالية: «فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر، فجُعل من أهلها»، وفي روايته أيضًا: «فأوحى اللَّه إلى هذه أنْ تباعدي، وإلى هذه أنْ تقرّبي». وقال النوويّ: قوله: «نأى بصدره»؛ أي: نهض، ويجوز تقديم الألف على الهمزة، وعكسه، وسبق في حديث أصحاب الغار. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: «نأى بصدره»؛ أي: نهض به مع ثِقَل ما أصابه من الموت، وذلك دليل على صحة توبته، وصِدق رغبته. انتهى . ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «فناء»، قال في «الفتح»: قوله: «فناء» بنون، ومدّ؛ أي: بَعُد، أو المعنى: مالَ، أو نهض مع تثاقُل، فعلى هذا فالمعنى: فمال إلى الأرض التي طلبها، هذا هو المعروف في هذا الحديث، وحَكَى بعضهم فيه: «فنأى» بغير مدّ قبل الهمز، وبإشباعها، بوزن سَعَى، تقول: نَأَى يَنْأَى نَأْيًا؛ أي: بَعُد، وعلى هذا فالمعنى: فبَعُد عن الأرض التي خرج منها. قال: ووقع في رواية هشام عن قتادة ما يُشعر بأن قوله: «فَنَاءَ بصدره» إدراج، فإنه قال في آخر الحديث: «قال قتادة ة قال الحسن: ذُكِر لنا أنه لمّا أتاه الموت ناء بصدره». انتهى، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٦٩٨٢ و٦٩٨٣ و٦٩٨٤] (٢٧٦٦)، و(البخاريّ) في «أحاديث الأنبياء» (٣٤٧٠)، و(ابن ماجه) في «الديات» (٢٦٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٦٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٠ و٧٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١١ و٦١٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٥٠٨)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٦/ ١٠٥٦)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٣/ ١٠٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٧) وفي «شُعب الإيمان» (٥/ ٣٩٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعية التوبة من جميع الكبائر، حتى مِنْ قَتْلِ الأنفس، ويُحمل على أن اللَّه تعالى إذا قَبِل توبة القاتل تكفّل برضا خصمه. ٢ - (ومنها): بيان أن المفتي قد يجيب بالخطأ، وغَفَل من زعم أنه إنما قَتَل الأخير على سبيل التأوّل؛ لكونه أفتاه بغير علم؛ لأن السياق يقتضي أنه كان غير عالم بالحكم، حتى استمر يستفتي، وأن الذي أفتاه استبعد أن تصح توبته بعد قَتْله لمن ذَكَر أنه قتله بغير حقّ، وأنه إنما قَتَله بناءً على العمل بفتواه؛ لأن ذلك اقتضى عنده أن لا نجاة له، فيئس من الرحمة، ثم تداركه اللَّه، فنَدِم على ما صنع، فرجع يسأل، وفيه إشارة إلى قلة فطنة الراهب؛ لأنه كان من حفه التحرز ممن اجترأ على القتل، حتى صار له عادة بأن لا يواجهه بخلاف مراده، وأن يستعمل معه المعاريض مداراةً عن نفسه، هذا لو كان الحكم عنده صريحًا في عدم قبول توبة القاتل، فضلًا عن أن الحكم لم يكن عنده إلا مظنونًا. ٣ - (ومنها): أن الملائكة الموكَلين ببني آدم يَختلف اجتهادهم في حقهم بالنسبة إلى من يكتبونه مطيعًا أو عاصيًا، وأنهم يختصمون في ذلك، حتى يقضي اللَّه بينهم. ٤ - (ومنها): بيان فضل التحول من الأرض التي يصيب الإنسان فيها المعصية؛ لِمَا يَغلب بحكم العادة على مثل ذلك؛ إما لتذكره لأفعاله الصادرة قبل ذلك، والفتنة بها، وإما لوجود من كان يعينه على ذلك، ويحضّه عليه، ولهذا قال له الأخير: «ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء». ٥ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي اعتادها في زمن المعصية، والتحول منها كلّها، والاشتغال بغيرها. ٦ - (ومنها): بيان فضل العالم على العابد؛ لأن الذي أفتاه أوّلًا بأن لا توبة له غلبت عليه العبادة، فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل، من استجرائه على قتل هذا العدد الكثير، وأما الثاني فغلب عليه العلم، فأفتاه بالصواب، ودلّه على طريق النجاة. ٧ - (ومنها): أن التوبة -كما قال عياض-: تنفع من القتل، كما تنفع من سائر الذنوب، وهو وإن كان شرعًا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف، لكن ليس هذا من موضع الخلاف؛ لأن موضع الخلاف إذا لم يَرِد في شرعنا تقريره، وموافقته، أما إذا وَرَدَ فهو شَرْع لنا بلا خلاف، ومن الوارد في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وحديث عبادة بن الصامت -﵁-، ففيه بعد قوله: «ولا تقتلوا النفس». وغير ذلك من المنهيات، «فمن أصاب من ذلك شيئًا، فأمره إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه» متفق عليه. قال الحافظ: ويؤخذ ذلك أيضًا من جهة تخفيف الآصار عن هذه الأمة بالنسبة إلى مَنْ قَبْلهم من الأمم، فإذا شُرع لهم قبول توبة القاتل، فمشروعيتها لنا بطريق الأَولى. ٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن في بني آدم من يصلح للحكم بين الملائكهَ إذا تنازعوا ، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٨٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبا الصَّدِّيقِ النَّاجِيَّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَجَعَلَ يَسْأَلُ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَأَتَى رَاهِبًا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ، فَقَتَلَ الرَّاهِبَ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ فِيهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَنَأَى بِصَدْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (سَمِعَ أَبَا الصِّدِّيقِ) بكسر الصاد، والدال المهملتين، وتشديد الثانية، واسمه: بكر بن قيس، أو بكر بن عمرو. وقوله: (النَّاجِيَّ) بالنون، وتخفيف الجيم، وتشديد الياء: نسبة إلى بني ناجية بن سامة بن لؤيّ، وهي قبيلة كبيرة من سامة، قاله في«اللباب» . وقوله: (هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟)؛ أي: هل تُقبل توبته بعد هذه الجريمة العظيمة؟ قال الطيبيّ -﵀-: في الحديث إشكال؛ لأنا إن قلنا: لا، فقد خالفنا نصوصًا، وإن قلنا: نعم، فقد خالفنا أيضًا أصل الشرع، فإن حقوق بني آدم لا تسقط بالتوبة، بل توبتها أداؤها إلى مستحقها، أو الاستحلال منها. فالجواب: أن اللَّه تعالى إذا رضي عنه، وقَبِل توبته يُرضي خصمه. انتهى . وقوله: (فَنَأَى بِصَدْرهِ)؛ أي: نهض، ويَحْتَمل أن يكون بمعنى: نَاءَ؛ أي: بَعُد، يقال: ناء، ونأى بمعنى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، في الحديث الماضي، وللَّه الحمد والمنة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٨٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، وَزَادَ فِيهِ: «فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تبَاعَدِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨.
مصادر المؤلف (٢٥)

١. «الفتح» ٨/ ١٢٧ - ١٢٨، «كتاب أحاديث الأنبياء» رقم (٣٤٧٠).

٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٤١.

٣. «الفتح» ٨/ ١٢٧ - ١٢٨.

٤. «مرعاة المفاتيح» ٨/ ٤٦.

٥. «مرقاة المفاتيح» ٥/ ١٥٩.

٦. «مرعاة المفاتيح» ٨/ ٤٦.

٧. «المفهم» ٧/ ٨٩ - ٩١.

٨. «الفتح» ٨/ ١٢٨.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٦.

١٠. «المصباح المنير»٢/ ٦٠٨.

١١. «المفهم»٧/ ٩١.

١٢. «المفهم»٧/ ٩١ - ٩٢.

١٣. «المفهم»٧/ ٩٢.

١٤. «سنن النسائيّ (المجتبى) »٨/ ٢٢٦.

١٥. راجع:«ذخيرة العقبى»٣٩/ ٢٤١ - ٢٤٥ رقم (٥٣٨٩).

١٦. «المصباح المنير»٢/ ٥٢١.

١٧. «شرح النوويّ» ١٧/ ٨٤.

١٨. «المفهم» ٧/ ٩٢ - ٩٣.

١٩. «شرح النوويّ» ١٧/ ٨٤.

٢٠. «المفهم» ٧/ ٩١.

٢١. راجع:«الفتح»٨/ ١٢٩ - ١٣٠،«كتاب أحاديث الأنبياء»رقم (٣٤٧٠).

٢٢. وفي نسخة:«أقرب بشبر».

٢٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٢٨٧.

٢٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٤٠.

٢٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٤٠.