HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٧٠

حدثنا حبان بن موسى. أخبرنا عبد الله بن المبارك. أخبرنا يونس بن يزيد الأيلي. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حميد. (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حدثنا. وقال الآخران: أخبرنا) عبد الرزاق. أخبرنا معمر. والسياق حديث معمر من رواية عبد وابن رافع. قال يونس ومعمر. جميعا عن الزهري: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وعلقمة بن وقاص وعبيد اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مسعود عن حديث عائشة، زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا. فبرأها الله مما قالوا. وكلهم حدثني طائفة من حديثها. وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض. وأثبت اقتصاصا. وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني. وبعض حديثهم يصدق بعضا. ذكروا؛ أن عائشة، زوج النبي ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا، أقرع بين نسائه. فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله ﷺ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها. فخرج سهمي. فخرجت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وذلك بعدما أنزل الحجاب. فأنا أحمل هودجي، وأنزل فيه، مسيرنا. حتى إذا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من غزوه، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل. فقمت حين آذنوا بالرحيل. فمشيت حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل. فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع. فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي. فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب. وهم يحسبون أني فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا. لم يهبلن ولم يغشهن اللحم. إنما يأكلن العلقة من الطعام. فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه. وكنت جارية حديثة السن. فبعثوا الجمل وساروا. ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش. فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. فتيممت منزلي الذي كنت فيه. وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني، قد عرس من وراء الجيش فادلج. فأصبح عند منزلي. فرأى سواد إنسان نائم. فأتاني فعرفني حين رآني. وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي. فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني. فخمرت وجهي بجلبابي. ووالله! ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه. حتى أناخ راحلته. فوطئ على يدها فركبتها. فانطلق يقود بي الراحلة. حتى أتينا الجيش. بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة. فهلك من هلك في شأني. وكان الذي تولى كبره. عبد الله بن أبي بن سلول. فقدمنا المدينة. فاشتكيت، حين قدمنا المدينة، شهرا. والناس يفيضون في قول أهل الإفك. ولا أشعر بشيء من ذلك. وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول «كيف تيكم؟» فذاك يريبني. ولا أشعر بالشر. حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع. وهو متبرزنا. ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل. وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا. وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه. وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف. وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق. وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب. فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي. حين فرغنا من شأننا. فعثرت أم مسطح في مرطها. فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت. أتسبين رجلا قد شهد بدرا. قالت: أي هنتاه! أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت، فأخبرتني بقول أهل الإفك. فازددت مرضا إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فسلم ثم قال «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت، وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله ﷺ. فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه! ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية! هوني عليك. فوالله! لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا كثرن عليها. قالت قلت: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا. قالت، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي. وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي. يستشيرهما في فراق أهله. قالت فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود. فقال: يا رسول الله! هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك. والنساء سواها كثير. وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بريرة فقال «أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟» قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق! إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. قَالَتْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على المنبر. فاستعذر من عبد الله بن أبي، ابن سلول. قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو على المنبر «يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي. فوالله! ما علمت على أهلي إلا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا. وما كان يدخل على أهلي إلا معي» فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه. يا رسول الله! إن كان في الأوس ضربنا عنقه. وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا. ولكن اجتهلته الحمية. فقال لسعد بن معاذ: كذبت. لعمر الله! لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت. لعمر الله! لنقتلنه. فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان الأوس والخزرج. حتى هموا أن يقتتلوا. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ على المنبر. فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت وبكيت يومي ذلك. لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم بكيت ليلتي المقبلة. لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها. فجلست تبكي. قالت فبينا نحن على ذلك دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فسلم ثم جلس. قالت ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل. وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء. قالت فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال «أما بعد. يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله. وإن كنت ألممت بذنب. فاستغفري الله وتوبي إليه. فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه» قالت فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب عني رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قال. فقال: والله! ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ. فقالت: والله! ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. فقلت، وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني، والله! لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به. فإن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقونني. وإني، والله! ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشي. قالت وأنا، والله! حينئذ أعلم أني بريئة. وأن الله مبرئي ببراءتي. ولكن، والله! ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى. ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله ﷿ في بأمر يتلى. ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فوالله! ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ. فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي. حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، في اليوم الشات، من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت، فلما سري عن رسول الله ﷺ، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال «أبشري. يا عائشة! أما الله فقد برأك»فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله! لا أقوم إليه. ولا أحمد إلا الله. هو الذي أنزل براءتي. قالت فأنزل الله ﷿: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ [٢٤ /النور] عشر آيات. فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات براءتي. قالت فقال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله! لا أنفق عليه شيئا أبدا. بعد الذي قال لعائشة. فأنزل الله ﷿: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى﴾ [٢٤ /النور] إلى قوله: ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾. قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. فقال أبو بكر: والله! إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه. وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سأل زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ عن أمري «ما علمت؟ أو ما رأيت؟» فقالت: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري. والله! ما علمت إلا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ. فعصمها الله بالورع. وطفقت أختها حمنة بنت حجش تحارب لها. فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. وقال في حديث يونس: احتملته الحمية.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص112
ج ٤ ص ٢١٢٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٢٩
[٨٧٩] أخبرنا أبو سهل بن أبي القاسم الدشتي بنيسابور؛ أخبرنا أبو القاسم السراج؛ أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الكارزي؛ قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز؛ حدثنا حجاج بن منهال؛ حدثنا عبد الله بن عمر النميري؛ حدثنا يونس بن يزيد الأيلي؛ قال: سمعت الزهري؛ قال: سمعت عروة بن الزبير؛ وسعيد بن المسيب؛ وعلقمة بن وقاص؛ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ و﵂ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا. وأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النِّعالي ببغداد؛ أخبرنا أبو الحسن بن رزقويه؛ قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن السماك؛ وحمزة بن محمد بن الحارث الدهقان؛ وأحمد بن خلف السابح؛ قالوا: حدثنا عبد الكريم بن الهيثم؛ حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي؛ حدثنا سفيان؛ عن محمد بن إسحاق؛ عن وائل بن داود؛ عن الزهري قال: حدثني أربعة: عروة بن الزبير؛ وسعيد بن المسيب؛ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ وعلقمة بن وقاص الليثي؛ عن حديث عائشة ﵂ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها. وفي رواية الدشتي: وكلٌّ حدثني طائفةً من الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يُصدِّق بعضًا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعضٍ، وفي رواية النِّعالي: وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض؛ وأشد اقتصاصا، وقد وَعَيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني أن عائشة ﵂ قالت: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهِمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَه، قَالَت فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، - قال إبراهيم: قال سفيان: أراه قال: فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصطَلِق - فَخَرَجَ سَهمِي، فَأَخْرَجَنِي مَعَه، وَذَاكَ بَعْدَمَا أُنزِلَ الحِجَابُ، وَكُنتُ أُحمَلُ فِي هَودَجِي، وَأَنزَلُ فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلنَ وَلَم يَعْشَهُنَّ السِّمَن). وفي رواية الدشتي: (حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَرَوَتِهِ تِلكَ، فَدَنَونَا مِنَ المَدِينَةِ قَافِلِينَ، فَآذَنَ لَيلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنَ بِالرَّحِيلِ لِحَاجَتِي، فَلَمَّا قَضَيتُ شَأْنِي أَقبَلتُ إِلَى رَحلِي). وفي رواية النعالي: (فَقُمتُ لِأَقضي شَأْنِي، فَمَشَيتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيشَ، فقَضَيتُ حَاجَتِي ثُمَّ أَقبَلتُ إِلَى الرَّحلِ، فَلَمَستُ بِيَدِي صَدرِي فَإِذَا عِقدٌ كَانَ عَلَيَّ مِنْ جَزع أَظفَارٍ قَد سَقَطَ، فَرَجَعْتُ ألتَمِسُه فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ النَّفَرُ الَّذِينَ يَشُدُّونَ هَودَجِي). وفي رواية الدشتي: (وأَقبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي، فَاحْتَمَلُوا هَودَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنتُ أَركَبُه). وفي رواية النعالي: (وَهُم يَحسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكُنتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، وَكُنَّ النِّسَاءُ إِذ ذَاكَ خِفَافًا، إِنَّمَا كُنَّ يَأْكُلنَ الغُفَّةَ مِنَ الطَّعَامِ). وفي رواية الدشتي: (يَأْكُلنَ العُلقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَم يُنكِرِ القَومُ خِفَّةَ الهَودَجِ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدتُ عِقدِي بَعدَمَا اسْتَمَرَّ الجَيشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهم فلَيسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمتُ مَنزِلِي الَّذِي كُنتُ فِيهِ، فَجَلَستُ، وَظَنَنتُ أَنَّ القَومَ سَيَفْقِدُونِي ويَرْجِعُونَ فِي طَلَبِي، فَبَينَما أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَكَانِي، إِذ غَلَبَتِنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ؛ ثُمَّ الذَّكَوَانِيُّ، مِن وَرَاءِ الجَيشِ). وفي رواية النعالي: (قَد عَرَّسَ مِن وَرَاءِ الجَيشِ فَادَّلَجَ، فَأَصْبَحَ فِي المَنزِل؛ فَرَأَى سَوَادَ إِنسَانٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَن يُضَرَبَ عَلَينا الحِجَابُ، فَلَمَّا رَآنِي اسْتَرْجَع وقال: إِنَّا لِله وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، عِرْسُ رَسُولِ الله، ﷺ فَاسْتَيْقَظتُ بِاستِرجَاعِهِ، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلبَابِي، فَوَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي بِكَلِمَةٍ؛ وَلَا سَمِعتُ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ اسْتِرجَاعِهِ، حَتَّى جَاءَ بِبَعِيرِهِ فَأَنَاخَه، ثُمَّ وَطِئَ عَلَى يَدِهِ فَرَكِبتُه، وَأَخَذَ بِخِطَامِهِ؛ وَجَعَلَ يَقُودُه حَتَّى أَتَيْنَا الجَيشَ بَعدَمَا نَزَلُوا فِي نَحرِ الظَّهِيرَةِ، فَأَفَاضَ أَهلُ الإِفكِ فِي قَولِهم؛ فَهَلَكَ فِي شَأْنِي مَن هَلَكَ، فَدَخَلْنَا المَدِينَة فَمَرِضْتُ؛ فَلَبِثْتُ شَهرًا فِي وَجَعِي، وَأَهلِ الإِفْكِ يُفِيضُونَ فِي قَولِهم، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِن الشَّرِّ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبَرَهُ مِنهُم عَبدُ اللَّهِ مِنْ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، وَكَانَ لَا يَرِيبُنِي مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ). وفي رواية الدشتي: (وَإِنَّمَا يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللُّطفَ الَّذِي كُنتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدخُلُ عَلَيَّ فَيَقُولُ: كَيْفَ تِيكُم؟ ثُمَّ يَنصَرِف، فَذَلكَ الَّذِي يَرِيبُنِي؛ وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ). وفي رواية النعالي: (فَلَمَّا نَقَهتُ مِن وَجَعِي خَرَجْتُ قِبَلَ المَنَاصِعِ أَنَا وَأُمُّ مِسطح بن أَثَاثَة، وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا). وفي رواية الدشتي: (وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، وَأَمرُنَا أَمرُ العَرَبِ الأَوَلِ فِي التَّنَزُّهِ قِبَلَ الغَائِط، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أَن نَتَّخِذَهَا عِندَ بُيُوتِنَا). وفي رواية النعالي: (فَلَمَّا قَضَيتُ شَأْنِي فَرَجَعْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَنزِل). وفي رواية الدشتي: (وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهم بن الْمُطَّلِبِ بن عَبدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنتُ صَخرِ بن عَامِرٍ، جَدَّةُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَابْنُهَا مِسطَحُ مِنْ أُثَاثَةَ بن عَبدِ الْمُطَّلِبِ، فَعَثَرَت أُمُّ مِسطحٍ في مرطهَا، فَقَالَت: تَعِسَ مِسطَحٌ؛ فَقُلْتُ: سُبحَانَ اللَّهِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا، قَالَت: يَا هَنَاهِ؛ إِنَّكِ لَمِنَ الْمُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ). وفي رواية الدشتي: (فَقَالَت يَا هَنْتَاه، أَوَلَم تَسمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَت قُلتُ: وَمَا قَال؟). وفي رواية النعالي: (قُلتُ: وَمَا قَالَ مِسطَح؟ فَأَخبَرَتِنِي بِقَولِ أَهْلِ الإِفْكِ؛ فَازدَدتُ وَجَعًا عَلَى وَجَعِي، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: كَيْفَ تِيكُم؟). وفي رواية الدشتي: (وَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: كَيفَ تِيكُم؟ فَقُلتُ لَه: أَتَأْذَنُ لِي أَن آتِيَ أَبَوَيَّ؟ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَن أَستَيقِنَ الْخَبَرَ مِن قِبْلِهِمَا). وفي رواية النعالي: (فَأَذِنَ لِي، فَأَتيتُ أَبَوَيَّ؛ فَقُلتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّه). وفي رواية الدشتي: (يَا أُمَّتَاه؛ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَت: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ). وفي رواية النعالي: (مَا هَذَا الَّذِي يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهِ؟ قَالَت: هَوِّنِي عَلَيكِ يَا بُنَيَّةُ، فَقَلَّ امْرَأَةٌ حَظِيَّةٌ كَانَت عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا القَولَ). وفي رواية الدشتي: (فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَة قَطُّ وَضِيئَةٌ عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ، إلَّا أكثرنَ عَلَيْهَا القَولَ: قَالَت فقُلتُ: سُبحَانَ اللهِ؛ وَلَقَد تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ فَبَكَيتُ تلك الليلَةَ حَتَّى أَصبَحتُ). وفي رواية النعالي: (فقُلتُ: سُبْحَانَ اللهِ أو يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَت: نعم، فَمَكَثتُ يَومِي ذَلِكَ، وَلَيلَتِي المُقبِلَة؛ لَا يَرْقَأُ لِي دَمَعٌ وَلَا أَكتَحِلُ بِنَومٍ، وَظَنَّ أَبَوَايَ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، وَمَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِ بِيتٍ مِنَ العَرَبِ مَا دَخَلَ عَلَى آلِ أَبي بكر، قَالَت وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بن زَيدٍ يَستَشِيرهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ؛ حِينَ اسْتَلَبَثَ الوَحيُ عَلَيْهِ شَهِرًا، لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي أَمرِي شيءٌ، فَأَمَّا أُسَامَهُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعلَمُ مِن بَرَاءَةِ أَهلِهِ، وَالَّذِي فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُم أَهلُكَ وَلَا نَعلَمُ إِلَّا خَيرًا، قَالَت: وَأَمَّا عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ: لَمْ يُضَيَّقِ اللهُ عَلَيكَ؛ النِّساء سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَأَرسِل إِلَى الجَارِيَةِ تُخبِركَ). وفي رواية الدشتي: (وَإِن تَسأَلِ الخَادِمَ تَصدُقكَ، قَالَت: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ لَهَا: أَي بَرِيرَةُ؛ هَلْ رَأَيتِ مِن شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟). قال النعالي: (أَوْ رَأَيتِ شَيْئًا تَكرَهِينَهُ؟ قَالَتْ: أَحمِي سَمعِي وَبَصَرِي، عَائِشَةُ أَطيبُ مِن طِيبِ الذَّهَبِ). وفي رواية الدشتي: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغمِصُهُ عَلَيْهَا أَكثَرَ مِن أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَن عَجِين أَهْلِهَا، فَتَأتِي الدَّاجِنُ فَتَأكُلُهُ). قال النعالي: (قَالَت: وَسَأَلَ رَسُولُ الله ﷺ زَيْنَبَ عَن أَمرِي، وَكَانَت هِيَ الَّتِي تُسَامِينِي مِن أَزْوَاجِ النَّبِي ﷺ، فَقَالَ: هَل عَلِمَتِ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ مِن شَيْءٍ تَكرَهِينَه؟، فَعَصَمَهَا اللهُ ﷿ بِالوَرَعِ، فَقَالَت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵁ مِن شَيْءٍ أَغمِصُهُ عَلَيْهَا، قَالَت: وَطَفِقَت حَمَنَةُ بِنتُ جَحِشٍ تُحَارِبُ لَهَا). قال الدشتي: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ مَن يَعذُرُنِي مِن رَجُلٍ قَد بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؟). وفي رواية النعالي: (وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَعَذَرَ إِلَى النَّاسِ مِن عَبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ [بن] سَلُولٍ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي تولَّى كِبَرَهُ، فَقَامَ عَلَى المَنبَرِ، فَقَالَ: يَا مَعَاشِرَ النَّاسِ، مَن يَعْذُرُنِي مِن رجلٍ قَد بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى؟ فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمتُ مِن أَهلِي إِلَّا خَيرًا، وَلَقَد ذَكَرُوا رَجُلا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدخُلُ [عَلَى] أَهلِي إِلا مَعِي). وفي رواية الدشتي: (وَمَا كَانَ يَدخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعدُ بْنُ مُعَادٍ - وَهُوَ سَيِّدُ الأَوسِ - فَقَالَ: أَنَا أَعذُرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِن كَانَ مِنَ الْأُوسِ ضَرَبتُ عُنُقَهِ، وَإِن كَانَ مِن إِخْوَانِنَا مِنَ الخَرْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمَرَكَ). وفي رواية النعالي: (وَإِن كَانَ مِنَ الخَزرجِ أَتَينَا بِرَأْسِهِ؛ فَقَامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ - وكَانَ سَيِّد الخَزرَج - فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمرُ اللهِ، وَاللَّه إِن كَانَ مِنَ الخَزرَجِ لَا تَقْتُلُهُ؛ وَلا تَقدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَكَانَ قَبلَ ذَلِكَ رَجُلا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّة، فَقَامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعِدِ بن مُعَاذٍ - فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّه إِن كَانَ مِنَ الخَزْرَج، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ، وَثَارَ الحَيَّانِ: الأَوسُ وَالخَزرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَن يَقتَتِلُوا). وفي رواية الدشتي: (فَتَثَاوَرَ الحَيَّانِ: الأوسُ وَالخَزرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَن يَقتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى المنبرِ يُخَفِّضُهُم حَتَّى سَكَتُوا). وفي رواية النعالي: (يُخَفِّضُهُمْ وَيُسكِتُهُم حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: فَبَينَا أَنَا أَبكِي إِذا استأذنَت عَلَيَّ امْرَأَة مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الضَّعَفَة، فَأَذنتُ لَهَا، فَجَلَسَت مَعِي تَبكي). وفي رواية الدشتي: (فَجَلَسَت تَبكِي مَعِي). وفي رواية النعالي: (قَالَت: فَإِنَّا لجلوسٌ وَنَحْنُ عَلَى تِلكَ الحَالَ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَجَلَسَ إِلَى جَنبِي). وفي رواية الدشتي: (قَالَت: وَلَم يَجلِس عِندِي مُنذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ). وفي رواية النعالي: (مُنذُ قِيلَ فِي مَا قِيلَ). وفي رواية الدشتي: (وَقَدْ لَبِثَ شَهِرًا لَا يُوحَى إِلَيهِ فِيَّ شَيْءٌ، قَالَت: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَد بَلَغَنِي عَنكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِن كُنتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ). وفي رواية النعالي: (فَإِن كُنتِ بَرِيئَةً فَإِنَّ الله ﷿ سَيُبَرِّئُكِ، وَإِن كُنتِ أَلْمَمتِ بِذَنبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيهِ، فَإِنَّ التَّوبَةَ مِنَ الذَّنبِ: النَّدَمُ وَالاستِغفَار). وفي رواية الدشتي: (فَإِنَّ العَبدَ إِذَا اعتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهُ تَابَ اللهُ عَلَيهِ). وفي رواية النعالي: (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَه قَلَصَ دَمِعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطرَةً. فَقُلتُ لأُمِّي: يَا أُمَّه؛ أَجِيبي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، فَقَالَت لي: يَا بُنَيَّة، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ أَجِب عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فيما قَالَ. فَقَالَ: يا بُنَيَّةُ؛ وَالله مَا أَدرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ). وفي رواية الدشتي: (قَالَت قُلتُ - وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرآنِ -: إِنِّي وَاللهِ لَقَد عَلِمتُ أَنَّ هَذَا الأَمرَ قَد بَلَغَكُم وَاستَقَرَّ فِي أَنفُسِكُم). وفي رواية الدشتي: (لَقَد سَمِعْتُمْ هَذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُم وَصَدَّقْتُم بِهِ، وَلَئن قُلتُ لَكُم إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ؛ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بِأَمرٍ يَعلَمُ اللهُ أَنِّي بَرِيئَةٌ مِنهُ لَتُصَدِّقُونِي). وفي رواية الدشتي: (لَتُصَدِّقُنَّنِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُم مَثَلًا، إِلَّا أَبَا يُوسُفَ). وفي رواية النعالي: (إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُف -[واختلف عَلَيَّ] اسمُ يَعقُوبَ - ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ثُمَّ تَحَوَّلتُ وَاصْطَجَعتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللهُ يَعْلَمُ حينئذٍ أَنِّي بريئةٌ). وفي رواية الدشتي: (وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ الله ﷿ سَيُبَرِّئُنِي، وَلَكِنْ مَا كُنْتُ أَنْتَظر أَنَّ الله يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحقَرَ). وفي رواية الدشتي: (وَلَشَأنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي عَيْنِي وَأَصْغَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ ﷿ في شيءٍ مِن شَأْنِي بِشَيءٍ، وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنَّ اللَّهَ ﷿ يُرِي نَبِيَّهُ فِي مَنَامِهِ رُؤيَا يَذْهَبُ بِما فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ). وفي رواية الدشتي: (وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وفي رواية النعالي: (مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن مَجْلِسِهِ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؛ حَتَّى نُزِّلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ مِثْلَ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ عِندَ نُزُولِ الوَحيِ؛ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الوَحي). وفي رواية الدشتي: (فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي، مِنْ ثِقَلِ القُرآنِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ، قَالَت فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكَانَ أَوَّلُ شيءٍ تَكَلَّمَ بِهِ - وَهُوَ يَضْحَكُ -: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا الله تعالى فَقَد بَرَّأَكِ، قَالَت وَتَلا عَلَيَّ هَذا العشر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]، فقَالَت أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَبِّلِي رَأْسَهُ. فَقُلتُ: لا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلا أَحمدُ إلا الله ﷿، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي مِنَ السَّمَاءِ. فَقُلتُ لأَبي: يَا أَبَتِ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَعذُرَنِي عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ أَهْلُ الإفكِ مَا قَالُوا؟ قَالَ: يَا بُنَيَّةُ، وَكَيْفَ أَعْذُرُكِ بِمَا لا أَعلَمُ، وَأَيُّ أَرضِ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سماءٍ تُظِلُّنِي؛ إِذَا قُلتُ مَا لَا أَعْلَمُ؟ قَالَت: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يُنفِقُ عَلَى مِسطَحِ بن أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقرِهِ، فَحَلَفَ أَن لا يُنفِقَ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ فِي عَائِشَةَ ﵁ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فقَالَ أَبُو بَكرٍ ﵁: بَلَى وَاللَّهِ، لأُحِبُّ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسطَحَ النَّفَقَة الَّتِي كَانَ يُنفِقُ). وفي رواية النعالي: (وَقَالَ: لا أَنزَعُهَا مِنهُ أَبَدًا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ حَدِيثِ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ) . شرح ما في حديث الإفك من الغريب قوله: (طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ)؛ الطائفة من الشيء: بعضُه، وقوله: (كَانَ أَوعَى)؛ أي: أحفظَ، يقال: وَعَيتُ العلم: إذا حَفِظتُه، وقوله: (اقتِصَاصًا)؛ أي: اتِّباعًا، قال صاحب المجمل : اقتَصَصْت الحديث: إذا رويته على ما علمته، وهو من: اقتَصَصْت الأثر: إذا تتبَّعتُه، و(الهَودَجُ): مركب من مراكب النساء، يقال: تَهَدَّجت الناقة: ارتفع سِنامها كأنه هودجٌ، والهدجان: مشية الشيخ، وهدجت الريح حنت، والتَّهَدُّجُ: تقطُّع الصوت، وهدج الظليم: مشى في ارتعاشٍ، وقوله: (وَلَم يُهَبَّلَنَ)؛ المُهَبَّلُ: الرجل الثقيل الكثير اللحم، قال: فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلِ . وفي رواية: (لَمْ يُهَبِّلُهُنَّ اللَّحْمُ) ؛ أي لم يكثُر عليهنَّ اللحمُ، وفي رواية: (وَأَنَا يَومَئِذٍ جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنّ لَم أَحمِل اللَّحمَ)، وقوله: (أَقرعَ بَينَ نِسَائِهِ)؛ فيه سنة القُرعة بين النساء إذا أراد الزوج السفر، ولا يحتسب على المرأة أيام السفر إذا رجعت من سفرها، ومن فقه الحديث أن القلة في الطّعم محمودة لأنها قالت: (إِنَّمَا كُنَّا نأكُل العُلْقَةَ)؛ العُلْقَة: اليسير من الطعام، أي: تتماسك به دون الشِّبع، وفي المثل: لَيْسَ المُتَعلِّقُ كالمتأنِّقِ ، أي: ليس من يتبلغ بالشيء اليسير؛ كمن يتأنق يأكل ما شاء، ويقال: ما يأكل فلان إلا عُلْقَة، أي: ما يمسك به نفسه، ويقال: بل العُلْقَة ما يأكله بُكرة قبل الغَداء، والعَلَاق أيضا؛ والعَلَق: ما تتبلغ به الماشية من الشجر، وهي العلقة، ويتبلغ: أي يتجزأ، قال الشاعر: وفَلاةٍ كأنها ظَهْرُ تُرْسٍ … ليس إلا الرَّجيعَ فيها عَلاقُ يقول لا تجد الإبل فيها عَلاقا، إلا ما تردده من جرتها، والظبية تعلق: إذا تناولت الشجر، وفي الحديث في ذكر الشهداء أن أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضرٍ، تَعْلُقُ من ورق الجنة . وقوله: (أَذِنَ لَيلَةً بِالرَّحِيلِ)، وروي: (آذَنَ)؛ أي: أعلم، قال أهل اللغة : آذنته أعلمته، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، أي: أعلمتكم ما ينزل علي من الوحي لتستووا في الإيمان به، وقوله: (وَقَفَلَ)؛ أي: رجع من الغزو، والقافلة: الراجعة من السفر، وقولها: (أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحلِ)؛ الرَّحْلُ: منزل الرجل ومأواه، وقوله: (مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ)؛ الجَزْعُ: الخرز، وأظفار […] عود؛ وكأنه يثقب ويجعل في القلادة، و(العِقْدُ): القلادة، وروي: (مِنْ جَزْعِ ظفارِ)؛ وظفار بكسر الراء من غير تنوين: مدينة باليمن ينسب إليها هذا الجَزع، وفي المثل: مَنْ دَخَلَ ظفارِ حَمَّرَ ، أي: من دخل هذه المدينة تكلم بالحِميَرِية، وفي رواية خارج الصحيح: (إِنَّمَا كُنَّ يَأْكُلْنَ الغُفَّةَ مِنَ الطَّعَامِ) الغُفَّة: البُلغة من العيش، يعني: اليسير، قال: وغُفّةٌ مِن قِوَامِ العَيشِ تكفِيِني وقولها: (حِينَ رَحَلُوهُ)؛ أي: وضعوه على البعير، قال أهل اللغة : رَحَلَه: إذا أظعنه من مكانه، وقولها: (فَبَعَثُوا الجَمَلَ)؛ أي: أقاموه، (وَاسْتَمَرَّ الجَيشُ)؛ أي مَرُّوا، (فَتَيَمَّمْتُ)؛ أي: قصدت، قال: تَيمَّمْتُ قَيْسًا، وَكَمْ دُونَهُ … مِنَ الأَرض مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ وقولها: (سَيَفقِدُونِي)؛ أي: يطلبوني فلا يجدوني فيسعون في طلبي، وقولها: (قَد عَرَّسَ)؛ أي: نزل وقت السحر، وقولها: (فَادَّلَجَ) يقال: أَدْلَج القوم: إذا قطعوا الليل كلَّه سيرًا، وادَّلجوا إذا خرجوا من آخر الليل بتشديد الدال، وقولها: (فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِه)؛ تعني قوله إنا لله وإنا إليه راجعون، وقولها: (فَرَأَى سَوَادَ إِنسَانٍ)؛ أي شخص إنسانٍ (فَخَمَّرْتُ وَجْهِي)؛ أي: سترت، (بجِلبَابي)؛ أي بردائي، (أَنَاخَ): أي: أبرك، (ثُمَّ وَطِئ عَلَى يَدِهَا)؛ أي: وضع رجله على يد الراحلة؛ لئلا تقوم قبل أن أركب. وقولها: (مُوغِرِينَ): الوَغْرَة: شدة الحر، وأوغر دخل في وقت شدة الحر، وأوغر صدره؛ أي أحماه من الغيظ، ووَغَر صدرُه عليه يَوْغَرُ: إذا اغتاظ، والوَغِيرُ: لحم يُشوى على الرَّمضاء، و(نَحْرُ الظَّهِيرَة): أولها، وقولها: (فَأَفَاضَ أَهلُ الإِفْكِ فِي قولِهِم) وفي الصحيح: (والناس يفيضون في قول أهل الإفك)؛ يقال: أفاض في الحديث، أي: أخذ فيه ودفع، وقولها: (يَرِيبُنِي) أي: يشككني، قال خالد بن زهير الهذلي : يَا قَوْمِ مَالِي وأَبا ذُؤَيبِ … كنتُ إِذا أَتَوْتُه مِنْ غَيْبِ يَشَمُّ عِطْفِي ويَبُزُّ ثَوْبي … كأَنَّما أَرَبْتُه بِرَيْبِ قيل كان أبو ذؤيب يرسل بخالد - وهو ابن أخته - إلى امرأة يهواها يقال لها أم عمرو، فراودت أمُّ عمرٍو خالدا عن نفسه، فأبى ذلك حينًا، ثم طاوعها، فلما رجع إلى أبي ذؤيب، قال: والله إني لأجد ريح أم عمرٍو منك، ثم جعل لا يأتيه إلا استراب، وقال خالد هذا الشعر، وله معه حديث طويل . والغَيْبُ: ما استتر، والعِطف: الجانب، ويَبُزُّ ثوبي: أي يجذبه إليه، وأَرَابَ: إذا ظهر منه ما يُتَّهم به، والرَّيْبُ: الشك، يقال: رابني هذا الأمر: إذا أدخل عليك شكا. و(نَقَهْتُ مِنَ المَرَضِ) بفتح القاف؛ أي برأت، وقولها: (وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا)؛ أي: الموضع الذي نبرز إليه لقضاء الحاجة، والمَنَاصِعُ): اسم بَرِّيَة بباب المدينة، و(الكُنُفُ): جمع الكنيف، و(التَّنَزُّه): الخروج إلى الصحراء لحاجة، و(المِرْطُ): الإزار المخطط، وقولها: (تَعِسَ مِسْطَحٌ): دعاء عليه، وقولها: (قَالَت: أَيْ هَنْتَاهُ)، يقال: في الكناية عن الشخص المذكر: ياهَنَاه، وعن المؤنث: يا هَنْتَاه، وأي: حرف نداء، و(تِيكُم): إشارة إلى مؤنث، وخطاب إلى جماعة، و(الحَظِيَّة) : الوجيهة ذات المنزلة، و(الوَضِيئَة): الجميلة الحسنة، و(الضَّرَائِرُ): جمع الضَّرَّة، والضَّرَّة: المرأة التي تُنكح على امرأة كانت قبلها، ثم يقع هذا الاسم عليهما جميعا، و(لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ)؛ أي: لا ينقطع، (وَلَا أَكْتَحِل بِنَومٍ)؛ أي: لا أنام، و(اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ)؛ أي: لبث ووقف ولم ينزل، وقوله: (تَصْدُقْكَ): أي تقل لك الصدق، و(أَغْمِصُه)؛ أي: أعيبه، يقال: غَمِصته أغمصه، وفي لغة أخرى: غَمَصته بفتح الميم أعْمَصه، وقولها: (أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي)؛ أي أصون سمعي وبصري من أن أقول سمعت ولم أسمع، وبصرت ولم أبصر، و(الدَّاجِنُ): الشاة التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى. و(تُسَامِينِي): من المساماة، مفاعلة وهي من السُّمُو، أي: تفاخرني وتجاريني، و(طَفِقَت حَمْنَة تُحَارِبُ لَها)؛ أي: أخذت في المحاربة لها، أي: لأجل أختها، كانت زينب ضرة عائشة ﵂، فكانت لا تقول في حق عائشة ﵂ إلا الجميل، وكانت أختها حَمْنَة تتعصب لأختها، فتسمع ما يذكر الناس وتقوله. وفي الحديث ترك الخوض فيما لا يُستيقن، والاحتراز من البهت والكذب والقذف، وفي الحديث أن المكذوب عليه يتوجع مما يقال فيه، وفيه أن على الزوج أن لا يقبل قول الحاسد في امرأته، وفيه أن الذنب وإن عظُم، فإن الندم والاستغفار يكفرانه، لقوله ﷺ: (إن كُنتِ ألمَمتِ بِذَنْبٍ فَاستَغفِرِي الله)؛ أي: (إِن إن كنت أصبت ذنبا، وأصله من اللّمَم، واللمم: مقاربة المعصية من غير مواقعة، وألممت بالرحل إلماما إذا نزلت به، وقاربته والمُلِمَّة: النازلة تنزل بالمرء، قال : إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا … وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا وقوله: (مَا رَامَ مَجْلِسَه)؛ أي: ما برح، وقوله: (فَتَثَاوَرَ الحَيَّانِ) ؛ أي تواثبا، وقوله: (يُخَفِّضُهُمْ)؛ [أي: يقول لهم: اخفضوا] أصواتكم و(يُسْكِتُهُم) ؛ أي: يقول لهم: اسكتوا، و(قَلَصَ دَمعِي)؛ أي: ارتفع، (حَتَّى مَا أُحِسُّ)؛ أي: ما أجد و(البُرَحَاء) شدة الحمى، (لَيَتَحَدَّرُ): لَيَتصبب، و(الجُمَانُ): الدُّر، شبَّه قطراتِ العَرَق بالدُّر، وقوله: (استَعذَر)؛ أي: طلب من القوم أن يعذروه إذا عاقب الذين تكلموا في حديث الإفك، وكذا معناه: (مَن يَعذُرُني)؛ أي: من يقيم عذري إذا أحللت بأهل الإفك ما يستوجبونه، و(اليَوم الشَّاتِي): يوم الشتاء، وقوله: (أَيُّ أَرضٍ تُقِلُّنِي)؛ أي: تحملني، و(أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي)؛ أي: تكون ظلًّا لي، وفي رواية: (اجتَهَلَته الحَمِيَّة)، كأن معناه: معنى استجهلته، أي: حملته على الجهل، وطلبت منه الجهل، و(لَعَمْرُ الله) قسم، وفي رواية: (فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيه)، يقال: استوشيت الحديث، أي: استخرجته، أي: كان يسأل الناس ويُفْشِيه، وقوله: (وَأَبَنُوهُم)؛ أي: اتهموهم، وقوله: (عَن كَنَفِ أُنْثَى)؛ أي: عن [ثيابها] ، أي: ما خالطت امرأة قط. ومن باب ما جاء في ذكر المنافقين
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٨٧
لاحتمال أن يتناوبا القيادة، فتارة يقود هذا، وأخرى يقود هذا، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (وَكَانَ أَعْلَمَ قَوْمِهِ، وَأَوْعَاهُمْ إلخ)؛ أي: أحفظهم. وقوله: (غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ)، يعني: غزوة بدر، وغزوة تبوك. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير معقل بن عبيد اللَّه. وقوله: (يَزِيدُونَ عَلَى عَشْرَةِ آلافٍ) قال النوويّ -﵀-: هكذا وقع هنا زيادة على عشرة آلاف، ولم يبيّن قدرها، وقد قال أبو زرعة الرازيّ: كانوا سبعين ألفًا، وقال ابن إسحاق: كانوا ثلاثين ألفًا، وهذا أشهر، وجمع بينهما بعض الأئمة بأن أبا زرعة عدَّ التابع والمتبوع، وابن إسحاق عَدّ المتبوع فقط، واللَّه أعلم. انتهى . وقوله: (وَلَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانُ حَافِظٍ) بكسر الدال، وحكي فتحها: الكتاب الذي يُكتب فيه الجيش، وأهل العطيّة، واللَّه تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٩٤] (٢٧٧٠) - (حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْن إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَالسِّيَاقُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدٍ، وَابْنِ رَافِعٍ، قَالَ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ جَمِيعًا: عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلْقَمَةُ بْنِ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، ذَكرُوا أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرج بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا في غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- منْ غَزْوِهِ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأْنِي، أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ، فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَني ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كانُوا يَرْحَلُونَ لِي، فَحَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ، قَالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلْنَ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ، وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ، وَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ، وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي، فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أنا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي، غَلَبَتْني عَيْنِي، فَنِمْتُ، وَكَالم صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ، ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ، قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَادَّلَجَ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَيَّ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ، حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَواللَّه مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا، فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ، بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: «كَيْفَ تِيكُمْ؟»، فَذَاكَ يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقِهْتُ، وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنَّ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مَسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟، قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ، أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟، قَالَتْ: فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ تِيكُمْ؟»، قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَواللَّه لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصَبَحْتُ أَبْكِي، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّاَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُمْ أَهْلُكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟»، قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ، فَتَأْكُلُهُ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَواللَّه مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا، مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي». فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ، تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ، قَالَتْ: وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي، وَأَنَا أَبْكِي اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيهِ»، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي، حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِيمَا قَالَ، فَقَالَ: واللَّه مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: واللَّه مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ -وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ-: إِنِّي واللَّه لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا، حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِكُمْ ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ، واللَّه يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، واللَّه يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِي، وَإِنِّي واللَّه مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا، إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف: ١٨]. قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا واللَّه حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ واللَّه مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَي، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ -﷿- فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي النَّوْمِ رُؤَيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، قَالَتْ: فَواللَّه مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ -﷿- عَلَى نَبِيِّهِ -ﷺ-، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: «أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ»، فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: واللَّه لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَأَنْزَل اللَّهُ -﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] عَشْرَ آيَاتٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿- هَؤُلَاءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِي. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ؛ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ، وَفَقْرِهِ: واللَّه لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]. قَالَ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي كتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: واللَّه إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَأَل زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشِ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- عَنْ أَمْرِي: «مَا عَلِمْتِ، أَوْ مَا رَأَيْتِ؟»، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، واللَّه مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ). رجال هذا الإسناد: أربعة عشر: ١ - (حَبَّانُ بْنُ مُوسَى) بن سَوّار السُّلَميّ، أبو محمد المروزيّ، الكشميهنيّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن ابن المبارك، وأبي حمزة السُّكّريّ، وداود بن عبد الرحمن العَطّار، وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى له الترمذيّ، والنسائيّ بواسطة أحلد بن عبدة الآمليّ، ومحمد بن حاتم بن نُعيم المروزيّ، ومحمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، وأحمد بن إبراهيم الدَّورقيّ، وجعفر الفريابي، وعباس الدُّوريّ، وأبو زرعة، وابن وارة، والحسن بن سفيان، وجماعة. قال إبراهيم بن الجنيد: ليس صاحب حديث، ولا بأس به، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة (٢٣٣)، وكذا قال البخاريّ. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. وقال النوويّ -﵀-: «حِبّان بن موسى»: هو بكسر الحاء، وليس له في «صحيح مسلم» ذِكر إلا في هذا الموضع، وقد أكثر عنه البخاريّ في «صحيحه» . ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) المروزيّ، مولى بني حنظلة، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عالمٌ جوادٌ مجاهدٌ جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت ١٨١) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٢. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنِّف، شهيرٌ عَمِي في آخر عمره، فتغير، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حَدَّث به بالبصرة، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وهو ابن ثمان وخمسين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٧ - (عَلْقَمَةُ بْنِ وَقَّاصٍ) -بتشديد القاف- الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] أخطأ من زعم أن له صحبةً، وقيل: إنه وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، مات في خلافة عبد الملك (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٧/ ١٧٠٧. ٨ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ثبتٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٩ - (عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ-) بنت أبي بكر الصديق -﵄-، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبيّ -ﷺ-، إلا خديجة ففيهما خلاف شهير، ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، وفيه رواية تابعيّ عن أربعة من التابعين، وكلّهم من الفقهاء السبعة، إلا علقمة بن وقّاص، وهم الذين ذكرهم بعضهم بقوله: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ وجمعهم الحافظ العراقيّ بقوله: وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللَّهِ … سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ … أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ وفيه عائشة -﵂- أم المؤمنين، وأفقه نساء الأمة، ومن المكثرين السبعة، الذين جمعتهم بقولي: الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ [تنبيه آخر]: قوله: (وَالسِّيَاقُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ)؛ يعني: أن سياق الحديث الذي أورده هنا هو سياق معمر بن راشد، وأما يونس، فروى معناه، وقوله: (مِنْ رِوَايَةِ عَبْدٍ)؛ يعني: ابن حُميد شيخه الرابع، (وَابْنِ رَافِعٍ) بالجرّ عطفًا على «عبد»؛ أي: من رواية محمد بن رافع شيخه الثالث، (قَالَ يُونُسُ) بن يزيد (وَمَعْمَر) بن راشد (جَمِيعًا)، وقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ إلخ) مقول «قال يونس ومعمر»، واللَّه تعالى أعلم. شرج الحديث: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن الأَولى أن يُقرأ بكسر الياء المشدّدة، لا بفتحها، قال السيوطيّ في «ألفية الأثر»: كُلُّ مُسَيَّبٍ بِفَتْح الْيَا سِوَى … أَبِي سَعِيدٍ زَادَ كَسْرًا فَاسْتَوَى ثُمَّةَ هَذَا الْكَسْرُ أَوْلَى إِذْ أَتَى … أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهِ فَثَبَتَا وَعَنْ سَعِيدٍ كَرْهُة الْفَتْحَ وَرَدْ … بَلْ قِيلَ قَدْ دَعَا عَلَى مَنِ اعْتَمَدْ فَابْعُدْ عَنِ الْفَتْحِ لِكَيْ تَجْتَنِبَا … دُعَاءَهُ وَنِعْمَ ذَاكَ مَطْلَبَا (وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) الأسديّ المدنيّ، (وَعَلْقَمَةُ بْنِ وَقَّاصٍ) الليثيّ، (وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتبةَ بْنِ مَسْعُودٍ) الهذليّ المدنيّ. [تنبيه]: قد لخّص الحافظ في «الفتح» روايات هذا الحديث، فأجاد، وأفاد، قال -﵀- ما حاصله: ساق البخاريّ -﵀- حديث الإفك بطوله من طريق الليث، عن يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن مشايخه الأربعة، وقد ساقه بطوله أيضًا في «الشهادات» من طريق فُليح بن سليمان، وفي «المغازي» من طريق صالح بن كيسان، كلاهما عن الزهريّ، وأورده في مواضع أخرى باختصار، فأول ما أخرجه في «الجهاد»، ثم في «الشهادات»، ثم في «التفسير»، ثم في «الأيمان والنذور»، ثم في «التوحيد» من طريق عبد اللَّه النميريّ، عن يونس باختصار في هذه المواضع، وأخرجه في «التوحيد»، وعلّقه في «الشهادات» باختصار أيضًا، من رواية الليث أيضًا، وأخرجه في «التفسير»، و«الأيمان والنذور»، و«الاعتصام» من طريق صالح بن كيسان باختصار، في هذه المواضع أيضًا، وأخرج طرفًا منه معلقًا في «المغازي» من طريق النعمان بن راشد، عن الزهريّ، ومن طريق معمر، عن الزهريّ طرفًا آخر. وأخرجه مسلم من رواية عبد اللَّه بن المبارك، عن يونس، ومن رواية عبد الرزاق، عن معمر، كلاهما عن الزهري، ساقه على لفظ معمر، ثم ساقه من طريق فُليح، وصالح، بإسنادهما، قال مثله، غير أنه بَيَّن الاختلاف في: «احتملته الحمية»، أو «اجتهلته»، وفي «موغرين»، كما سيأتي، وذكر في رواية صالح زيادة كما سأنبه عليها. قال الجامع: زيادته هي قوله: «وَزَادَ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ: قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ وَزَادَ أَيْضًا: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: واللَّه إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قال: وأخرجه النسائيّ في «عِشرة النساء» من طريق صالح، وأخرجه في «التفسير» من طريق محمد بن ثور، عن معمر، لكنه اقتصر على نحو نصف أوله، ثم قال: وساق الحديث، وأخرج من طريق ابن وهب، عن يونس، وذكر آخر، كلاهما عن الزهريّ بسنده: «ودعا رسول اللَّه -ﷺ- عليًّا، وأُسامة، يستشيرهما -إلى قوله-: فتأتي الداجن، فتأكله»، أخرجه في «القضاء». وأخرج أبو داود من طريق ابن وهب، عن يونس طرفًا منه في «السُّنَّة»، وهو قول عائشة: «ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللَّه فيّ بوحي يُتلى». وذكره الترمذيّ عن يونس، ومعمر، وغيرهما عن الزهريّ معلقًا، عقب رواية هشام بن عروة عن أبيه. قال: فهذه جميع طرقه في هذه الكتب. وقد جاء عن الزهريّ من غير رواية هؤلاء، فأخرجه أبو عوانة في «صحيحه»، والطبرانيّ من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعبيد اللَّه بن عمر العُمريّ، وإسحاق بن راشد، وعطاء الْخُرَاسانيّ، وعُقيل، وابن جريج. وأخرجه أبو عوانة أيضًا من رواية محمد بن إسحاق، وبكر بن وائل، ومعاوية بن يحيى، وحميد الأعرج. وعند أبي داود طرف من رواية حميد هذا، والطبرانيّ أيضًا من رواية زياه. بن سعد، وابن أبي عتيق، وصالح بن أبي الأخضر، وأفلح بن عبد اللَّه بن المافيرة، وإسماعيل بن رافع، ويعقوب بن عطاء. وأخرجه ابن مردويه من رواية ابن عيينة، وعبد الرحمن بن إسحاق، كلم، وعدّتهم ثمانية عشر نفسًا عن الزهريّ، منهم من طوّله، ومنهم من اختصره، وأكثرهم يُقَدِّم عروة على سعيد، وبعد سعيد علقمة، ويختم بعبيد اللَّه، وقَدَّم معمر، ويونس من رواية ابن وهب عنه، وعُقيل، وابن إسحاق في رواية معاوية، وزياد، وأفلحُ، وإسماعيل، ويعقوبُ سعيدَ بنَ المسيِّب على عروة، وقَدَّم ابن وهب علقمةَ على عبيد اللَّه، وقدم ابنُ إسحاق في روايةٍ علقمةَ، وثنَّى بسعيد، وثلَّث بعروة، وأخَّر عبيد اللَّه، وقدَّم عطاءٌ الخراسانيّ عبيدَ اللَّه على عروة في رواية، وحذف من أخرى سعيدًا، وكذا قدم صالحُ بن أبي الأخضر عبيدَ اللَّه، لكن ثنّى بأبي سلمة بن عبد الرحمن بدل سعيد، وثلّث بعلقمة، وختم بعروة، واقتصر بكرٌ على سعيد. انتهى ما قاله الحافظ -﵀- ، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ) متعلّقٌ بـ «أخبرني»، وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-) بدل، أو عطف بيان لـ «عائشة». [تنبيه]: «الزوج» بلا هاء يُطلق على الذكر والأنثى، قال الفيّوميّ -﵀-: الرجل زَوْجُ المرأة، وهي زَوْجُهُ أيضًا، هذه هي اللغة العالية، وبها جاء القرآن، نحو قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، والجمع فيهما أَزْوَاجٌ، قاله أبو حاتم، وأهل نَجْد يقولون في المرأة: زَوْجَةٌ، بالهاء، وأهل الحرم يتكلمون بها، وعَكَس ابن السِّكّيت، فقال: وأهل الحجاز يقولون للمرأة: زَوْجٌ، بغير هاء، وسائر العرب: زَوْجَةٌ بالهاء، وجَمْعها زَوْجَاتٌ، والفقهاء يقتصرون في الاستعمال عليها؛ للإيضاح، وخوف لَبْس الذكر بالأنثى؛ إذ لو قيل: تركة فيها زَوْجٌ، وابن، لم يُعْلَم أذكر هو، أم أنثى؟ انتهى . وقوله: (حِينَ قَالَ لَهَا) «حين» ظرف متعلّق بصفة «حديث عائشة»؛ أي: حديثها الكائن وقت قول أهل الإفك لها، وقوله: (أَهْلُ الإِفْكِ) مرفوع على الفاعليّة، و«الإفك» بكسر الهمزة، وفتحها، وبفتحتين: الكذب، قال المجد -﵀-: أَفَكَ، كضرب، وعَلِمَ إِفْكًا، بالكسر، والفتح، والتحريك، وأُفُوكًا: كَذَبَ. انتهى . وقال النسفي في «تفسيره»: الإفك أبلغ ما يكون من الافتراء والكذب، وقيل: هو البهتان، لا تشعر به حتى يفجأك، وأصله: الأفك بالفتح مصدر قولك: أفكه يأفكه أَفْكًا: قَلَبه، وصرفه عن الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [الأحقاف: ٢٢]، وقيل للكذب: إفك؛ لأنه مصروف عن الصدق، قاله في «العمدة» . وسيأتي ذكر أسماء أهل الإفك قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. (مَا قَالُوا) «ما» موصولة، والعائد محذوف، أي: الذي قالوه، مما لا يليق بجنابها -﵂-. (فَبَرَّأَهَا اللَّهُ)؛ أي: نزّه اللَّه -﷿- عائشة -﵂- (مِمَّا قَالُوا)، أي: من الإفك الذي، قالوه، وافتروه عليها، فقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ [النور: ١١] إلى آخر الآيات العشر. (وَكُلُّهُمْ)، أي: كلّ الأربعة المذكورين، (حَدَّثَنِي طَائِفَةً)؛ أي: بعضًا (مِنْ حَدِيثِهَا) قال في «الفتح»: هو مقول الزهريّ كما في رواية فليح: «قال الزهريّ. . . إلخ»، وفي رواية ابن إسحاق: «قال الزهريّ: كلٌّ حدثني بعض هذا الحديث، وقد جمعت لك كل الذي حدثوني»، ولمّا ضَمّ ابنُ إسحاق إلى رواية الزهريّ عن الأربعة روايته هو عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن عمرة، وعن يحير، بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه، كلاهما عن عائشة، قال: «دخل حديث هؤلاء جميعًا، يحدّث بعضهم ما لم يحدّث صاحبه، وكلّ كان ثقةً، فكلٌّ حَدّث عنها ما سمع، قال. . .» فذكره. قال النوويّ -﵀-: هذا الذي ذكره الزهريّ من جَمْعه الحديث عنهم جائز، لا مَنْع منه، ولا كراهة فيه؛ لأنه قد بَيّن أن بعض الحديث عن بعضهم، وبعضه عن بعضهم، وهؤلاء الأربعة أئمةٌ حُفّاظٌ ثقاتٌ من أجلِّ التابعين، فإذا ترددت اللفظة من هذا الحديث بين كونها عن هذا أو ذاك لم يضرّ، وجاز الاحتجاج بها؛ لأنهما ثقتان، وقد اتفق العلماء على أنه لو قال: حدّثني زيد أو عمرو، وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطَب، جاز الاحتجاج به. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: وإلى هذا الذي ذكره النوويّ -﵀- من جواز الاحتجاج بمثل هذا أشار السيوطيّ -﵀- في «ألفيّة الأثر»، فقال: وَمَنْ رَوَى بَعْضَ حَدِيثٍ عَنْ رَجُلْ … وَبَعْضَهُ عَنْ آخَرٍ ثُمَّ جُمَلْ ذَلِكَ عَنْ ذَيْنِ مُبَيِّنًا بِلَا … مَيْزٍ أَجِزْ وَحَذْفُ بَعْضٍ حُذِلَا مُجَرَّحًا يَكُونُ أَوْ مُعَدَّلَا … وَحَيْثُ جَرْحُ وَاحِدٍ لَا تَقْبَلَا وقال عياض: انتَقَدوا على الزهريّ ما صنعه من روايته لهذا الحديث ملفّقًا عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يُفرد حديث كل واحد منهم عن الآخر. انتهى. قال الحافظ -﵀-: وقد تتبعت طرقه، فوجدته من رواية عروة على انفراده، ومن رواية علقمة بن وقاص على انفراده، وفي سياق كلّ منهما مخالفات، ونقص، وبعض زيادة لِمَا في سياق الزهريّ عن الأربعة. فأما رواية عروة، فأخرجها البخاريّ في «الشهادات» من رواية فُليح بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عقب رواية فُليح عن الزهريّ، قال: مثله، ولم يسق لفظه، وبينهما تفاوت كبير، فكأن فُليحًا تجوّز في قوله: مثله، وقد علقها البخاريّ، كما سيأتي قريبًا لأبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه بتمامه، ووصلها مسلم لأبي أسامة، إلا أنه لم يسقه بتمامه، ووصله أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة بتمامه، وكذا أخرجه الترمذيّ، والطبريّ، والإسماعيليّ، من رواية أبي أسامة، وأخرجه أبو عوانة، والطبرانيّ من رواية حماد بن سلمة، وأبي أويس، وأبي عوانة، وابن مردويه من رواية يونس بن بكرٍ، والدارقطنيّ في «الغرائب» من رواية مالك، وأبو عوانة من رواية عليّ بن مُسهر، وسعيد بن أبي هلال، ووصلها البخاريّ باختصار في «الاعتصام» من رواية يحيى بن أبي زكريا، كلهم عن هشام بن عروة، مطوّلًا، ومختصرًا. وأما رواية علقمة بن وقاص، فوصلها الطبريّ، والطبرانيّ من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنه. وأما رواية سعيد بن المسيِّب، وعبيد اللَّه، فلم أجدهما إلا من رواية الزهريّ عنهما. وقد رواه عن عائشة غير هؤلاء الأربعة، فأخرجه البخاريّ في «الشهادات» من رواية عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، ولم يسق لفظها، وقد ساقه أبو عوانة في «صحيحه»، والطبرانيّ من طريق أبي أويس، وأبو عوانة، والطبريّ أيضًا من طريق محمد بن إسحاق، كلاهما عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم عنها، وأخرجه أبو عوانة أيضًا من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، والبخاريّ من رواية القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة، إلا أنه لم يسق لفظه، أخرجه في «الشهادات»، وكذا رواية عمرة عقب رواية فُليح عن الزهريّ، وأخرجه أبو عوانة، والطبرانيّ من طريق الأسود بن يزيد، وعبّاد بن عبد اللَّه بن الزبير، ومِقسم مولى ابن عباس، ثلاثتهم عن عائشة. وقد رَوَى هذا الحديث من الصحابة غير عائشة جماعة، منهم: عبد اللَّه بن الزبير، وحديثه أيضًا عقب رواية فليح عند البخاريّ في «الشهادات»، ولم يسق لفظ، وأمّ رُومان قد تقدم حديثها في قصة يوسف، وفي «المغازي» ويأتي باختصار قريبًا، وابن عباس، وابن عمر، وحديثهما عند الطبرانيّ، وابن مردويه، وأبو هريرة، وحديثه عند البزار، وأبو اليسر، وحديثه باختصار عند ابن مردويه. فجميع من رواه من الصحابة غير عائشة ستة، ومن التابعين عن عائشة عشرة. وأورده ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير مرسلًا بإسناد وَاهٍ، وأورده الحاكم في «الإكليل» من رواية مقاتل بن حيّان، وهو بالمهملة، والتحتانية مرسلًا أيضًا. قال الحافظ -﵀-: وسأذكر في أثناء شرح هذا الحديث ما في رواية هؤلاء من فائدة زائدة -إن شاء اللَّه تعالى-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: وسأورد في شرحي هذا ما ذكره الحافظ -﵀- وأزيده ما في بقيّة الشروح -إن شاء اللَّه تعالى-. (وَبَعْضُهُمْ)؛ أي: بعض هؤلاء الأربعة (كَانَ أَوْعَى)؛ أي: أحفظ، وأحسن إيرادًا وسردًا للحديث (لِحَدِيثِهَا)؛ أي: حديث عائشة -﵂-، (مِنْ بَعْضٍ) قال الحافظ -﵀-: هذا إشارة إلى أن بعض هؤلاء الأربعة أمْيَز في سياق الحديث من بعض، من جهة حِفظ أكثره، لا أن بعضهم أضْبط من بعض مطلقًا، ولهذا قال: «أوعى له»؛ أي: للحديث المذكور خاصّة. (وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا)؛ أي: سياقًا، قاله في «الفتح»، وقال في «العمدة»: «اقتصاصًا»؛ أي: حفظًا، يقال: قصصت الشيء: إذا تتبّعت أثره شيئًا بعد شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]؛ أي: اتبعي أثره، ومنه القاصّ الذي يأتي بالقصة، ويجوز بالسين: قسست أثره قَسًّا. انتهى . (وَقَدْ وَعَيْتُ) بفتح العين؛ أي: حفظت (عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم)؛ أي: الأربعة المذكورين، (الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي) ولفظ البخاريّ: «الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عن عائشة»، قال الكرمانيّ: فإن قلت: قال أَوّلًا: «كلهم حدثني طائفة»، وثانيًا: «وعيت عن كل واحد منهم الحديث»، وهما متنافيان. قلت: المراد بالحديث: البعض الذي حدثه منه؛ إذ الحديث يُطلق على الكل، وعلى البعض، وهذا الذي فعله الزهريّ من جَمْعه الحديث عنهم جائز . وقال في «الفتح»: «الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عن عائشة»، أي: القَدْر الذي حدّثني به؛ ليطابق قوله: «وكلٌّ حدثني طائفة من الحديث»، وحاصله أن جميع الحديث عن مجموعهم، لا أن مجموعه عن كل واحد منهم، ووقع في رواية أفلح: «وبعض القوم أحسن سياقًا». (وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا) قال الحافظ: كأنه مقلوب، والمقام يقتضي أن يقول: وحديث بعضهم يُصَدِّق بعضًا، ويَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، والمراد: أن بعض حديث كلٍّ منهم يدلّ على صدق الراوي في بقية حديثه، لحسن سياقه، وجودة حفظه. انتهى . وقال في «العمدة»: القياس أن يقال: بعضهم يصدّق بعضًا، أو حديث بعضهم يصدّق بعضًا، ولكن لا شك أن المراد ذلك، لكن قد يُستعمل أحدهما مكان الآخر؛ لِمَا بينهما من الملازمة، بحسب عُرف الاستعمال. انتهى . (ذَكَرُوا)؛ أي: الأربعة المذكورون، ووقع في رواية فُليح: «زعموا أن عائشة قالت» والزعم قد يقع موضع القول، وإن لم يكن فيه تردد، لكن لعلّ السر فيه أن جميع مشايخ الزهريّ لم يصرّحوا له بذلك، كذا أشار إليه الكرمانيّ . (أَنَّ عَائِشَةَ زوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ) ووقع في رواية البخاريّ ما لفظه: «الذي حدّثني عروة، عن عائشة -﵂-، قال في»الفتح«: هكذا في رواية الليث، عن يونس، وأما رواية ابن المبارك، وابن وهب، وعبد اللَّه النميريّ، فلم يقل واحد منهم عن يونس:»الذي حدّثني عروة«، وإنما قالوا: عن عائشة، فاقتضت رواية الليث أن سياق الحديث عن عروة، ويَحْتَمِل أن يكون المراد أولى شيء منه، ويؤيده أنه تقدم في»الهبة«، وفي»الشهادات« من طريق يونس، عن الزهريّ، عن عروة وحده، عن عائشة أوّل هذا الحديث، وهو القرعة عند إرادة السفر، وكذلك أفردها أبو داود، والنسائيّ من طريق يونس، وكذا يحيى بن يمان عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عند ابن ماجه، والاحتمال الأول أَولى؛ لِمَا ثبت أن الرواة اختلفوا في تقديم بعض شيوخ الزهريّ على بعض، فلو كان الاحتمال الثاني متعينًا لامتنع تقديم غير عروة علر، عروة، ولَأَشعر أيضًا أن الباقين لم يرووا عن عائشة قصة القرعة، وليس كذلك، فقد أخرج النسائيّ قصة القرعة خاصّة من طريق محمد بن عليّ بن شافع، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه وحده، عن عائشة، وستأتي القصة من رواية هشام بن عروة وحده، وفي سياقه مخالفة كثيرة للسياق الذي هنا للزهريّ عن عروة، وهو مما يتأيد به الاحتمال الأول، واللَّه أعلم. انتهى . (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا)؛ أي: إلى سفر، فهو منصوب بنزع الخافض، أو ضُمِّن «يَخرج» معنى يُنشئ فيكون سفرًا نصبًا على المفعولية، وفي رواية فُليح، وصالح بن كيسان: «كان إذا أراد سفرًا» (أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ)؛ أي: ساهم بينهنّ؛ تطييبًا لقلوبهنّ. [تنبيه]: قال في «العمدة»: كيفية القرعة بالخواتيم، يؤخذ خاتم هذا، وخاتم هذا، ويدفعان إلى رجل، فيُخرج منهما واحدًا، وعن الشافعيّ: يَجعل رقاعًا صغارًا يكتب في كل واحد اسم ذي السهم، ثم يَجعل بنادق طين، ويُغطي عليها ثوبٌ، ثم يُدخل رجل يده، فيخرج بندقة، وينظر مَن صاحبها، فيدفعها إليه، وقال أبو عبيد بن سلام: عَمِل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء -﵈-: نبيّنا، ويونس، وزكرياء -﵈-. انتهى . وقال في «الفتح»: ومشروعية القرعة مما اختُلف فيه، والجمهور على القول بها في الجملة، وأنكرها بعض الحنفية، وحَكَى ابن المنذر عن أبي حنيفة القول بها، وجعل البخاريّ ضابطها الأمرَ المشكلَ، وفسّرها غيره بما ثبت فيه الحق لاثنين، فأكثر، وتقع المشاححة فيه، فيُقرَع لفصل النزاع، وقال إسماعيل القاضي: ليس في القرعة إبطال شيء من الحقّ كما زعم بعض الكوفيين، بل إذا وجبت القسمة بين الشركاء، فعليهم أن يَعدِلوا ذلك بالقيمة، ثم يقترعوا، فيصير لكل واحد ما وقع له بالقرعة مجتمعًا مما كان له في المُلك مشاعًا فيُضم في موضع بعينه، ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه؛ لأنَّ مقادير ذلك قد عُدِّلت بالقيمة، وإنما أفادت القرعة أن لا يختار واحد منهم شيئًا معينًا، فيختاره الآخر، فيقع التنازع، وهي إما في الحقوق المتساوية، وإما في تعيين الملك، فمن الأول عَقْد الخلافة، إذا استووا في صفة الإمامة، وكذا بين الأئمة في الصلوات، والمؤذنين، والأقارب في تغسيل الموتي، والصلاة عليهم، والحاضنات إذا كنّ في درجة، والأولياء في التزويج، والاستباق إلى الصف الأول، وفي إحياء الموات، وفي نَقْل المعدن، ومقاعد الأسواق، والتقديم بالدعوى عند الحاكم، والتزاحم على أخذ اللقيط، والنزول في الخان المسبَّل، ونحوه، وفي السفر ببعض الزوجات، وفي ابتداء القَسم، والدخول في ابتداء النكاح، وفي الإقراع بين العبيد، إذا أوصى بعتقهم، ولم يَسَعْهم الثلث، وهذه الأخيرة من صُوَر القسم الثاني أيضًا، وهو تعيين المُلك، ومن صُور تعيين الملك: الإقراع بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: فيه دليل على أنَّ للقرعة مدخلًا شرعيًّا في الحقوق المشتركة، وهو قول الكافة، قال أبو عبيدة: وقد عمل بها ثلاثة من الأنبياء: يونس، وزكريا، ومحمد -صلّى اللَّه عليهم وسلّم أجمعين- قال ابن المنذر: واستعمالها كالإجماع بين أهل العلم فيما يُقسم بين الشركاء، ولا معنى لقول من ردّها، وحَكَى عن أبي حنيفة إجازتها، قال: ولا تقسيم في القياس، ولكنا تركنا القياس للآثار. قال القرطبيّ: ومقتضى هذا أنه قَصَرها على المواضع التي وردت في الأحاديث، دون تعديتها إلى غيرها، وهو قول مالك أيضًا، والمغيرة، وبعض أصحابنا، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة ترك القول بها، وأنكرها بعض الكوفيين، وقال: هي كالأزلام، وبإجازتها في المشكلات قال الشافعيّ، قال القاضي: وهو مشهور مذهب مالك. وأما القرعة بين النساء إذا أراد سفرًا، فقد اختَلَف العلماء في ذلك، فذهب مالك في أحد قوليه، والشافعيّ، وأبو حنيفة إلى أنه لا يخرج منهنّ إلا من خرجت عليها القرعة؛ تمسُّكًا بظاهر هذا الحديث، فإنه كالنصّ في ذلك، وقال مالك أيضًا: إن له أن يسافر بمن شاء منهنّ بغير قرعة، وإن القسمة هنا سقطت للضرورة؛ إذ قد تكون إحداهنّ أخفّ محملًا، وأقلّ مؤونةً، وأصلح للسفر، والأخرى أصلح للمقام في بيته؛ لسدّ ضيعته، وللقيام بولده، وقد تكون أثقل جسمًا، وأكثر مؤونة. قال القرطبيّ: والذي يقع لي أن هذا ليس بخلاف في أصل القرعة في هذا، وإنما هذا لاختلاف أحوال النساء، فإذا كان فيهنّ من تصلح للسفر، ومن لا تصلح تعيّن من تصلح، ولا يمكن أن يقال: يجب أن يسافر بمن لا تصلح؛ لأنَّ ذلك ضرر، ومشقة عليه، و«لا ضرر، ولا ضرار» ، وانما تدخل القرعة إذا كنّ كلهنّ صالحات للسفر، فحينئذ تتعيّن القرعة؛ لأنَّه لو أخرج واحدة منهنّ بغير قرعة لخيف أن يكون ذلك ميلًا إليها، ولكان للأخرى مطالبته بحقها، فإذا خرج بمن وقعت عليها القرعة انقطعت حجَّة الأخرى، وارتفعت التهمة عنه، وطاب قلب من بقي منهنّ، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن القرعة مشروعة، لصحة الأدلة على ذلك، وليس للمانعين حجة مقنعة، بل هي مجرّد استدلال عقليّ؛ فتأمل بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم. (فَأَيَّتُهُنَّ) وقع في رواية الأصيليّ من طريق فُليح: «فأيّهنّ» بغير مثناة، والأولى أَولى، (خَرَجَ سَهْمُهَا) بالقرعة (خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَهُ) إلى السفر. (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (فَأَقْرَعَ) النبيّ -ﷺ- (بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا) هي غزوة بني المصطلِق، وصرّح بذلك محمد بن إسحاق في روايته، وكذا أفلح بن عبد اللَّه عند الطبرانيّ، وعنده في رواية أبي أويس: «فخرج سهم عائشة في غزوة بني المصطلِق، من خُزاعة»، وعند البزار من حديث أبي هريرة: «فأصابت عائشةَ القرعةُ في غزوة بني المصطلِق»، وفي رواية بكر بن وائل، عند أبي عوانة ما يُشعر بأن تسمية الغزوة في حديث عائشة مدرَج في الخبر، قاله في «الفتح» . [تنبيه]: اختُلف في غزوة المصطلِق متى كانت؟: قال في «الفتح»: أما المصطلق: فهو بضم الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الطاء المهملة، وكسر اللام، بعدها قاف، وهو لقب، واسمه جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بطن من بني خزاعة. وأما المريسيع: فبضم الميم، وفتح الراء، وسكون التحتانيتين، بينهما مهملة مكسورة، وآخره عين مهملة، هو ماء لبني خزاعة، بينه وبين الفُرْع مسيرة يوم. قال ابن إسحاق: كانت سنة ست، كذا هو في مغازي ابن إسحاق، رواية يونس بن بكرٍ، وغيره عنه، وقال: في شعبان، وبه جزم خليفة، والطبريّ، وروى البيهقيّ من رواية قتادة، وعروة، وغيرهما، أنها كانت في شعبان سنة خمس، وكذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق. وقال موسى بن عقبة: سنة خمس، ولفظه: ثم قاتل رسول اللَّه -ﷺ- بني المصطلق، وبني لحيان، في شعبان سنة خمس، ويؤيده ما أخرجه البخاريّ في «الجهاد» عن ابن عمر أنه غزا مع النبيّ -ﷺ- بني المصطلق في شعبان سنة أربع، ولم يؤذَن له في القتال؛ لأنه إنما أُذن له فيه في الخندق، كما تقدم، وهي بعد شعبان، سواء قلنا: إنها كانت سنة خمس، أو سنة أربع، وقال الحاكم في «الإكليل»: قول عروة وغيره: إنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق. قال الحافظ: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، كما سيأتي، فلو كان المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها، لكان ما وقع في «الصحيح» من ذِكر سعد بن معاذ غلطًا؛ لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على الصحيح، كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل: سنة أربع، فهي أشدّ، فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان؛ لتكون قد وقعت قبل الخندق؛ لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضًا، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودًا في المريسيع، ورُمي بعد ذلك بسهم في الخندق، ومات من جراحته في قريظة، قال: ويؤيده أيضًا أن حديث الإفك كان سنة خمس؛ إذ الحاديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة، فيكون المريسيع بعد ذلك، فيرجح أنها سنة خمس، أما قول الواقديّ: إن الحجاب كان في ذىِ القعدة سنة خمس فمردود، وقد جزم خليفة، وأبو عبيدة، وغير واحد بأنه كان سنة ثلاث، فحصلنا في الحجاب على ثلاثة أقوال: أشهرها سنة أربع، واللَّه أعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصحيح كون غزوة المصطلق سنة خمس من الهجرة، واللَّه تعالى أعلم. (فَخَرَجَ فِيهَا)، أي: تلك الغزوة، (سَهْمِي) قال في «الفتح»: هذا يُشعر بأنها كانت في تلك الغزوة وحدها، لكن عند الواقديّ من طريق عبّاد بن عبد اللَّه عنها، أنها خرجت معه في تلك الغزوة أيضًا أم سلمة، وكذا في حديث ابن عمر، وهو ضعيف، ولم يقع لأم سلمة في تلك الغزوة ذِكر، ورواية ابن إسحاق من رواية عبّاد ظاهرة في تفرّد عائشة بذلك، ولفظه: «فخرج سهمي عليهنّ، فخرج بي معه». انتهى . (فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ)؛ أي: بعدما نزل الأمر بالحجاب، والمراد: حجاب النساء عن رؤية الرجال لهنّ، وكنّ قبل ذلك لا يُمنعن، وهذا قالته كالتوطئة للسبب في كونها كانت مستترةً في الهودج، حتى أفضى ذلك إلى تحميله، وهي ليست فيه، وهم يظنون أنها فيه، بخلاف ما كان قبل الحجاب، فلعل النساء حينئذ كنّ يركبن ظهور الرواحل بغير هوادج، أو يركبن الهوادج غير مستترات، فما كان يقع لها الذي يقع، بل كان يعرف الذي كان يَخدْم بعيرها، إن كانت ركبت أم لا. (فَأَنَا أُحْمَلُ) بالبناء للمفعول، (فِي هَوْدَجِي) بفتح الهاء، وسكون الواو، وبفتح الذال المهملة، وفي آخره جيم، وهو مَرْكب من مراكب العرب، أُعِدّ للنساء، قاله في «العمدة» . وقال في «الفتح»: «الهودج» بفتح الهاء، والدال، بينهما واو ساكنة، وآخره جيم: مَحْمِل، له قُبّة، تُستر بالثياب ونحوه، يوضع على ظهر البعير، يركب عليه النساء؛ ليكون أستر لهنّ، ووقع في رواية أبي أويس بلفظ: «الْمِحَفّة» . (وَأُنْزَلُ فِيهِ)، وفي رواية ابن إسحاق: «فكنت إذا رَحُلوا بعيري جلست في هودجي، ثم يأخذون بأسفل الهودج، فيضعونه على ظهر البعير». وقوله: (مَسِيرَنَا) هكذا رواية مسلم، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «فَسِرْنا حتى إذا فرغ إلخ»، وللأول وجه، وهو أن «مسيرنا» ظرف تنازعه «أُحمل»، و«أُنزل»؛ والمعنى: أن هذا الحمل في الهودج، والإنزال فيه كان في جميع أوقات السير، وأماكنه. (حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ غَزْوِهِ) قال في «الفتح»: كذا اقتصرت القصةَ؛ لأن المراد سياق قصة الإفك خاصّة، وإنما ذكرتْ ما ذكرتْ ذلك كالتوطئة؛ لِما أرادت اقتصاصه، ويَحْتَمِل أن تكون ذكرت جميع ذلك، فاختصره الراوي؛ للغرض المذكور، ويؤيده أنه قد جاء عنها في قصة غزوة بني المصطلق أحاديث غير هذا، ويؤيد الأول أن في رواية الواقديّ عن عباد: «قلت لعائشة: يا أمتاه حدثينا عن قصة الإفك، قالت: نعم»، وعنده: «فخرجنا، فغَنَّمه اللَّه أموالهم، وأنفسهم، ورجعنا». انتهى . (وَقَفَلَ) بقاف وفاء، من باب نصر، وضرب قُفولًا ؛ أي: رجع من غزوته. (وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ) زاد في رواية البخاريّ: «قافلين»؛ أي: راجعين، والمراد: أن قصتها وقعت حال رجوعهم من الغزوة قُرب دخولهم المدينة. (آذَنَ) بالمدّ، والتخفيف، وبغير مدّ، والتشديد، كلاهما بمعنى أعْلَمَ بالرحيل، وفي رواية ابن إسحاق: «فنزل منزلًا، فبات به بعض الليل، ثم آذن بالرحيل». (لَيْلَةً) ظرف لـ «آذن»، (بِالرَّحِيلِ)؛ أي: بالذهاب من ذلك الموضع، وفي رواية بعضهم: «الرحيلَ» بغير موحّدة، وبالنصب، وكأنه حكاية قولهم: الرحيلَ بالنصب على الإغراء، قاله في «الفتح» . (فَقُمْتُ)؛ أي: من منزلي (حِينَ آذَنُوا)؛ أي: أعلموا (بِالرَّحِيلِ)؛ أي: بالارتحال، (فَمَشَيْتُ) بفتح الشين، من باب ضرب؛ أي: ذهبت لأقضي حاجتي منفردة، (حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ) وبعُدت عنهم، (فَلَمَّا قَضَيْتُ)؛ أي: فرغت (مِنْ شَأْنِي) ولفظ البخاريّ: «فلما قضيت شأني»؛ أي: الذي توجهت بسببه، وقال العينيّ؛ أي: ما يتعلق بقضاء الحاجة، وهو ما يُكنى عنه؛ استقباحًا لذكره. انتهى . قال في «الفتح»: ووقع في حديث ابن عمر خلاف ما في «الصحيح»، وأن سبب توجهها لقضاء حاجتها أن رَحْل أم سلمة مَالَ، فأناخوا بعيرها؛ ليصلحوا رحلها، قالت عائشة: فقلت: إلى أن يُصلحوا رحلها، قضيت حاجتي، فتوجهت، ولم يعلموا بي، فقضيت حاجتي، فانقطعت قلادتي، فأقمت في جمعها، ونظامها، وبعث القوم إبلهم، ومضوا، ولم يعلموا بنزولي، وهذا شاذّ، منكرٌ. انتهى . (أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ) قال الكرمانيّ: الرحل: المتاع، وقال العينيّ: الرحل: المنزل، والمسكن، يقال: انتيهنا إلى رحالنا؛ أي: إلى منازلنا. انتهى . وقال الفيّوميّ: الرَّحْلُ: كلُّ شيء يُعَدّ للرحيل، من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، وحِلْس، ورَسَن، وجَمْعه أَرْحُلٌ، ورِحَالٌ، مثلُ أَفْلُسٍ، وسِهَامٍ. انتهى . (فَلَمَسْتُ) بيدي (صَدْرِي)، وقوله: (فَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني انقطاع عقدي. (عِقْدِي) بكسر العين: قلادةٌ تُعَلَّق في العنق، للتزين بها، (مِنْ جَزْعِ) -بفتح الجيم، وسكون الزاي، بعدها عين مهملة-: خَرَزٌ معروف، في سواده بياض؛ كالعروق، قال ابن القطّاع: هو واحد، لا جمع له، وقال ابن سيده: هو جَمْع واحده جَزَعة، وهو بالفتح، فأما الجزع بالكسر، فهو جانب الوادي، ونَقَل كراع أن جانب الوادي بالكسر فقط، وأن الآخر يقال بالفتح، وبالكسر، وأغرب ابن التين فحكى فيه الضم، قال التيفاشيّ: يوجد في معادن العقيق، ومنه ما يؤتى به من الصين، قال: وليس في الحجارة أصلب جسمًا منه، ويزداد حُسْنه إذا طُبخ بالزيت، لكنهم لا يتيمّنون بِلُبسه، ويقولون: من تقلّده كَثُرت همومه، ورأى منامات رديئة، وإذا عُلِّق على طفل سال لعابه، ومن منافعه إذا أُمِرّ على شعر الْمَطْلُوقة لسَهُلت ولادتها . (مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ) قال النوويّ -﵀-: الجزع: بفتح الجيم، وإسكان الزاي، هو خرز يمانيّ، وأما ظَفَار: فبفتح الظاء المعجمة، وكسر الراء، وهي مبنية على الكسر، تقول: هذه ظفارِ، ودخلت ظفارِ، وإلى ظفارِ بكسر الراء، بلا تنوين في الأحوال كلها، وهيب قرية في اليمن. انتهى . ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: «من جزع أظفار»، قال في «الفتح»: كذا في هذه الرواية: «أظفار» بزيادة ألف، وكذا في رواية فليح، لكن في رواية الكشميهنيّ من طريقه: «ظفار»، وكذا في رواية معمر، وصالح، وقال ابن بطال: الرواية: «أظفار»، بألف، وأهل اللغة لا يعرفونه بألف، ويقولون: «ظفار»، قال ابن قتيبة: «جزع ظفاري»، وقال القرطبيّ: وقع في بعض روايات مسلم: «أظفار»، وهي خطأ. قال الحافظ: لكنها في أكثر روايات أصحاب الزهريّ، حتى إن في رواية صالح بن أبي الأخضر عند الطبرانيّ: «جزع الأظافير». فأما ظفار -بفتح الظاء المعجمة، ثم فاء، بعدها راء، مبنية على الكسر- فهي، مدينة باليمن، وقيل: جبل، وقيل: سُمِّيت به المدينة، وهي في أقصى اليمن إلى جهة الهند، وفي المثل: «من دخل ظفار حَمِر»؛ أي: تكلم بالحِمْيرية؛ لأن أهلها كانوا من حِمْير، وإن ثبتت الرواية: «من جزع أظفار» فلعل عِقدها كان من الظفر، أحد أنواع القُسط، وهو طيّب الرائحة، يُتبخّر به، فللَّه عُمل مثل الخرز، فأَطلقت عليه جزعًا؛ تشبيهًا به، ونظمته قلادة، إما لِحُسن لونه، أو لطيب ريحه. وقد حَكَى ابن التين أن قيمته كانت اثني عشر درهمًا، وهذا يؤيد أنه ليس جَزَعًا ظفاريًّا؛ إذ لو كان كذلك لكانت قيمته أكثر من ذلك. ووفع في رواية الواقديّ: «فكان في عنقي عِقدٌ من جزع ظفارِ، كانت أمي أدخلتني به على رسول اللَّه -ﷺ-» . وقال القرطبيّ -﵀-: صحيح الرواية: «ظفار»، كما قاله ابن السكيت، وفي «الصحاح»: ظفارِ: مثل قَطَامِ: مدينة في اليمن، يقال: «من دخل ظفار حَمَّر»، وجَزْعٌ ظفاريٌّ: منسوب إليها، وكذلك عُود ظفاريّ، وهو العود الذي يُتبخَّر به، وعلى هذا فمن قيّده جزع أظفار بألف، فقد أخطأ، وبالوجه الصحيح رويته. انتهى . وقال في «العمدة»: قولها: «من جزع أظفار»: الجزع بفتح الجيم، وسكون الزاي: خرز يمان، وزعم أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي في كتابه «الأحجار»: إنه يوجد في اليمن في معادن العقيق، ومنه ما يؤتى به من الصين، وهو أصناف، فمنه البقرانيّ، والغرويّ، والفارسيّ، والحبشيّ، والعسليّ، والمعرق، وليس في الحجارة أصلب من الجزع جسمًا، لا يكاد يجيب من يعالجه سريعًا، وإنما يحسن إذا طبخ بالزيت، وزعمت الفلاسفه أنه يُشتق من اسمه الجزع؛ لأنه يُوَلِّد في القلب جزعًا، ومن تقلّد به كثُرت همومه، ورأى أحلامًا رديئةً، وكثر الكلام بينه وبين الناس، وإن عُلِّق على طفل كثر لعابه، وسال، وإن لُفّ في شعر الْمُطلقة ولدت، ويقطع نفث الدم، ويختم القروح، وعند البكريّ: ومنه جزع يُعرف بالنقمي، ومعدنه بضمير وسعوان، وعذيقة، ومخلاف حولان، والجزع السماويّ، وهو العشاريّ، وقال ثعلب في «الفصيح»: والجزع: الخرز، وقال ابن درستويه: ليس كل الخرز يسمى جزعًا، وإنما الجزع منها المجزع؛ أي: المقطع بالألوان المختلفة، قد قَطع سوادُه ببياضَه، وفي «المنضد» لكراع، عن الأثرم: أهل البصرة يقولون: الْجَزْع، والْجِزْع بالفتح، والكسر: الخرز، وقال أبو القاسم التميمي في كتابه «المستطرف» عن بندار: الجزع واحد، لا جمع له، وقال الحربيّ، وابن سِيده: الجزع: الخرز، واحدته جزعة. وقولها: «أظفار» بالألف في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهنيّ «ظفار» بلا ألف، وكذا وقع في «صحيح مسلم» بلا ألف، وقال القرطبيّ: مَن قيّده بألف أخطأ، وصحيح الرواية بفتح الظاء، وقال ابن السكيت: «ظفار» قرية باليمن، وعن ابن سعد: جبل، وفي «الصحاح»: مبني على الكسر؛ كقَطَامِ، وقال البكريّ: قال بعضهم: سبيلها سبيل المؤنث، لا ينصرف، وقال ابن قرقول: تُرفع، وتُنصب، وقال أبو عبيد: وقَصْر المملكة بظفارِ قصر ذي ريدان، ويقال: إن الجن بَنَتها، وقال الكرمانيّ: ظفار بفتح المعجمة، وخفة الفاء، وبالراء: مدينة باليمن، ويقال: جَزْعٌ ظَفَاريّ، وفي بعضها أظفار، بزيادة همزة في أولها، نحو الأظفار جمع الظفر، ولعله سُمّي به؛ لأن الظفر نوع من العطر، أو لأنه ما اطمأنّ من الأرض، أو لأن الأظفار اسم لعُود يمكن أن يُجعل كالخرز، فيتحلى به. انتهى. وقال ابن التين: في بعض الروايات: العقد الملتمس مقدار ثمنه اثني عشرة درهمًا. انتهى . (قَدِ انْقَطَعَ) وفي رواية ابن إسحاق: «قد انسلّ من عنقي، وأنا لا أدري»، (فَرَجعْتُ، فَالْتَمَسْتُ)؛ أيْ طلبت (عِقْدِي، فَحَبَسَنِي)؛ أي: منعني (ابْتِغَاؤُهُ)؛ أي: طلب ذلك العقد الذي قد انقطع منّي، وفي رواية ابن إسحاق: «فرجعت عَودي على بَدْئي إلى المكان الذي ذهبت إليه»، وفي رواية الواقديّ: «وكنت أظنّ أن القوم لو لبثوا شهرًا لم يبعثوا بعيري، حتى أكون في هودجي». (وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ) -بفتح الراء، وسكون الهاء، وتفتح-، قال الفيّوميّ -﵀-: الرَّهْطُ: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرَّهْطُ من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضًا: الرَّهْطُ، وَالنَّفَرُ، وَالقَوْمُ، وَالمَعْشَرُ؛ وَالعَشِيرَةُ، معناهم: الجمع لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرَّهْطُ، وَالْعَشِيرَةُ بمعنًى، ويقال: الرَّهْطُ ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في «كتاب الضاد والظاء»، ونقله ابن فارس أيضًا، ورَهْطُ الرجلِ: قومُه، وقبيلته الْأَقربونَ. انتهى . وقال الحافظ: ولم أعرف من الرهط هنا أحدًا، إلا أن في رواية الواقديّ أن أحدهم أبو موهوبة، مولى رسول اللَّه -ﷺ-، وهو أبو مويهبة الذي رَوَى عنه عبد اللَّه بن عمرو بن العاص حديثًا في مرض رسول اللَّه -ﷺ-، ووفاته، أخرجه أحمد، وغيره، قال البلاذريّ: شَهِد أبو مويهبة غزوة المريسيع، وكان يَخْدُم بعير عائشة، وكان من مُوَلّدي بني مزينة، وكأنه في الأصل أبو موهوبة، ويُصغّر، فيقال أبو مويهبة. انتهى . (الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي) بفتح حرف المضارعة، وسكون الراء، وفتح الحاء، يقال: رحلتُ البعيرَ رَحْلًا، من باب نَفَعَ: شددت عليه رحله ، وتقدّم قريبًا معنى الرحل. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «يَرْحلون لي» هكذا وقع في أكثر النسخ: «لي» باللام، وفي بعض النسخ: «بي» بالباء، واللام أجود، و«يَرْحَلون» بفتح الياء، وإسكان الراء، وفتح الحاء المخففة؛ أي: يجعلون الرَّحْل على البعير، وهو معنى قولها: «فَرَحلوه» بتخفيف الحاء. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «يرحلون» بفتح أوله، والتخفيف، رحلت البعير: إذا شددت عليه الرحل، ووقع في رواية أبي ذرّ هنا بالتشديد في هذا، وفي: «فرحلوه». قال: وقوله: «لي»، في رواية معمر: «بي»، وحَكَى النوويّ عن أكثر نُسخ «صحيح مسلم»: «يرحلون لي»، قال: وهو أجود، وقال غيره بالباء أجود؛ لأن المراد وَضْعها، وهي في الهودج، فشَبَّهَت الهودجَ الذي هي فيه بالرحل الذي يوضع على البعير. انتهى . (فَحَمَلُوا هَوْدَجِي) بفتح الهاء، وسكون الواو: مَرْكَب من مراكب النساء، كما مرّ قريبًا، وقولها: (فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ) تفسير وتوضيح لمعنى قولها: «فحملوا هودجي»، و«البعير» تقدّم أنه بفتح الموحّدة، وتُكسر قليلًا، ويُطلق على الذكر والأنثى، بخلاف الجمل، فإنه خاصّ بالذكر، والناقة، فإنها خاصّة بالأنثى. وقال في «الفتح»: «فرحلوه»؛ أي: وضعوه، وفيه تجوّز، وإنما الرحل هو الذي يوضع على ظهر البعير، ثم يوضع الهودج فوقه. انتهى . (الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ)، وقولها: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ) بفتح السين، وكسرها، من بابي عَلِمَ، وورِثَ، أي: يظنّون (أَنِّي فِيهِ) بفتح همزة «أنّ»؛ لسدّها مسدّ مفعولي «يحسبون»، ثم بيّن سبب هذا الحسبان، فـ (قَالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ)؛ أي: وقت حدوث هذه الواقعة، (خِفَافًا) بكسر الخاء، وتخفيف الفاء، وقال في «الفتح»: قولها: «وكان النساء إذ ذاك خفافًا» قالت هذا كالتفسير لقولها: «وهم يحسبون أني فيه». انتهى . (لَمْ يُهَبَّلْنَ) قال النوويّ -﵀-: ضبطو «يهبلن» على أوجه: أشهرها: ضم الياء، وفتح الهاء، والباء المشدّدة؛ أي: يثقلن باللحم، والشحم. والثاني: «يَهْبَلْنَ» بفتح الياء، والباء، وإسكان الهاء بينهما. والثالث: بفتح الياء، وضم الباء الموحّدة، ويجوز بضم أوله، وإسكان الهاء وكسر الموحّدة، قال أهل اللغة: يقال: هبله اللحم، وأهبله: إذا أثقله، وكَثُر لحمه، وشحمه، وفي رواية البخاريّ: «لَمْ يثقلهنّ اللحم»، وهو بمعناه، وهو أيضًا المراد بقولها: «ولم يغشهنّ اللحم، ويأكلن العُلْقة» بضم العين؛ أي: القليل، ويقال لها أيضًا: البلغة. انتهى . وقال في «الفتح» قولها: «لم يثقلهنّ اللحم»، في رواية فُليح: «لم يثقلهنّ، ولم يغشهنّ اللحم». قال ابن أبي جمرة: ليس هذا تكرارًا؛ لأن كل سمين ثقيل من غير عكس؛ لأن الهزيل قد يمتلئ بطنه طعامًا، فيثقل بدنه، فأشارت إلى أن المعنيَيْن لم يكونا في نساء ذلك الزمان . وقال الخطابيّ : معنى قولها: «لم يغشهنّ»؛ أي: لم يكثر عليهنّ، فيركب بعضه بعضًا، وفي رواية معمر: «لم يهبلهن» وضبطه ابن الخشاب فيما حكاه ابن الجوزيّ بفتح أوله، وسكون الهاء، وكسر الموحّدة، ومثله القرطبيّ لكن قال: وضم الموحّدة، قال: لأن ماضيه بفتحتين مخففًا، ثم ذكر ما تقدّم عن النوويّ، وفي رواية ابن جريج: «لم يهبلهن اللحم»، وحَكَى القرطبيّ أنها في رواية لابن الحذاء في مسلم أيضًا، وأشار إليها ابن الجوزيّ ، وقال: المهبل: الكثير اللحم، الثقيل الحركة، من السِّمَن، وفلان مهبل، أي: مهيج، كأن به ورمًا. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: اختَلَف الرواة في تقييد هذا الحرف -يعني: لم يهبّلن- فرواه العذريّ بضم الياء، وفتح الهاء، وتشديد الباء، على ما لم يُسَمّ فاعله، ومن طريق الطبريّ: بفتح الياء، وسكون الهاء، وفتح الباء، والصواب بضمها؛ لأنَّ ماضيه فَعُل، وفي بعض الروايات عن ابن الحذاء: «لم يُهَبِّلْن» بضم الياء، وفتح الهاء، وكسر الباء مشدّدة، وهذه الرواية هي المعروفة في اللغة، قال في «الصحاح»: هبّله اللحمُ: إذا كَثُر عليه، وركب بعضه على بعض، وأهبله أيضًا، يقال: رجل مُهْبَّلٌ، قال أبو كبير [من الكامل]: مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدٌ … حُبُكَ النِّطَاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلِ قال: وقالت عائشة -﵂- في حديث الإفك: «والنساء يومئذ لم يُهَبِّلهنّ اللحمُ». انتهى . (وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ) كذا للأكثر، وفي رواية الكشميهنيّ هنا: «إنما نأكل» بالنون أوله، وباللام فقط، (الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ) بضم العين المهملة، وسكون اللام، ثم قاف، أي: القليل، قال القرطبيّ: كأن المراد: الشيء القليل الذي يُسَكِّن الرّمَقَ، كذا قال، وقد قال الخليل: الْعُلْقة: ما فيه بُلْغَةٌ من الطعام إلى وقت الغداء، حكاه ابن بطال، قال: وأصلها شجر يبقى في الشتاء، تتبلغ به الإبل حتى يدخل زمن الربيع. انتهى . (فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ) وفي رواية للبخاريّ: «فلم يستنكر القوم خِفّة الهودج»، قال في «الفتح»: وهذا أوضح؛ لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها، وهي ليست فيه، فكأنها تقول: كأنها لخفة جسمها، بحيث إن الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه، وعدمها، ولهذا أردفت ذلك بقولها: «وكنت جاريةً، حديثة السنّ»؛ أي: أنها مع نحافتها صغيرة السنّ، فذلك أبلغ في خفتها، وقد وُجِّهت رواية مسلم بأن المراد: لم يستنكروا الثقل الذي اعتادوه؛ لأن ثقله في الأصل إنما هو مما رُكِّب الهودج منه، من خشب، وحبال، وستور، وغير ذلك، وأما هي فلشدّة نحافتها كان لا يظهر بوجودها فيه زيادة ثقل. والحاصل: أن الثقل والخفة من الأمور الإضافية، فيتفاوتان بالنسبة، ويستفاد من ذلك أيضًا أن الذين كانوا يَرْحَلون بعيرها كانوا في غاية الأدب معها، والمبالغة في ترك التنقيب عما في الهودج، بحيث إنها لم تكن فيه، وهم يظنون أنها فيه، وكأنهم جوّزوا أنها نائمة. انتهى . (حِينَ رَحَلُوهُ)، أي: حملوه على الرحل، وقولها: (وَرَفَعُوهُ) تأكيد لمعنى «رحلوه»، قالت عائشة -﵂-: (وَكُنْتُ جَارَيةً حَدِيثَةَ السِّنِّ) هو كما قالت؛ لأنها أُدخلت على النبيّ -ﷺ- بعد الهجرة في شوال، ولها تسع سنين، وأكثر ما قيل في المريسيع: إنها عند ابن إسحاق كانت في شعبان سنة ست، فتكون لم تكمل خمس عشرة، فإن كانت المريسيع قبل ذلك، فتكون أصغر من ذلك، وفائدة ذكرها هذا أنها مع نحافتها صغيرة السنّ، فذلك أبلغ في خفتها، ويَحْتَمِل أن تكون أشارت بذلك إلى بيان عُذرها فيما فعلته من الحرص على العقد الذي انقطع، ومن استقلالها بالتفتيش عليه في تلك الحال، وترك إعلام أهلها بذلك، وذلك لِصِغَر سنها، وعدم تجاربها للأمور، بخلاف ما لو كانت ليست، صغيرة، لكانت تتفطن لعاقبة ذلك، وقد وقع لها بعد ذلك في ضياع العقد أيضًا أنها أعلمت النبيّ -ﷺ- بأمره، فأقام بالناس على غير ماء، حتى وجدته، ونزلت آية التيمم بسبب ذلك، فظهر تفاوت حال من جرّب الشيء، ومن لم يجربه، وقد تقدم إيضاحه في «كتاب التيمم». (فَبَعَثُوا الْجَمَلَ)، أي: أثاروه، (وَسَارُوا) نحو المدينة ظانّين أنها في هودجها، قالت: (وَوَجَدْتُ عِقْدِي)؛ أي: قلادتي التي انقطعت منّي، ثم ضاعت (بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ) «بعد» ظرف لـ «وجدت»، و«ما» مصدريّة، و«استمرّ» بمعنى مضى ؛ أي: بعد مضيّ الجيش، وذهابه، وقال في «الفتح»: «استمرّ»؛ أي: ذهب ماضيًا، وهو استَفْعل، من مَرّ. انتهى. وقال في «العمدة»: «واستمرّ»؛ أي: ذهب، ومضي، قاله الداوديّ، ومنه قوله تعالى: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]؛ أي: ذاهب، أو معناه دائم، أو قويّ شديد. انتهى . (فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ) جمع منزل؛ أي: مواضع نزول الجيش، (وَ) الحال أنه (لَيْسَ بِهَا)، أي: بتلك المنازل (دَاعٍ)، أي: طالب يطلب الضائع، وينادي: يا فلان أين أنت، (وَلَا مُجِيبٌ)؛ أي: لذلك الداع، والمراد أنه ليس هناك طالب ولا مطلوب، بل ذهب كل من كان في ذلك الموضع. وفي رواية فليح: «وليس فيها أحدٌ». [فإن قيل]: لِمَ لَمْ تستصحب عائشة معها غيرها، فكان أدعى لأمنها، مما يقع للمنفرد، ولكانت لَمّا تأخرت للبحث عن العقد، ترسل من رافقها؛ لينتظروها، إن أرادوا الرحيل؟ [والجواب]: أن هذا من جملة ما يستفاد من قولها: «حديثة السنّ»؛ لأنها لم يقع لها تجربة مثل ذلك، وقد صارت بعد ذلك إذا خرجت لحاجتها تستصحب، كما سيأتي في قصتها مع أم مسطح. (فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي)؛ أي: قصدت، وفي رواية البخايّ: «فأممت منزلي» بالتخفيف؛ أي: قَصدته، قال في «الفتح»: وفي رواية أبي ذرّ هنا بتشديد الميم الأُولى، قال الداوديّ: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، قال ابن التين: هذا على أنه بالتخفيف. انتهى. (الَّذِي كُنْتُ) نازلة (فِيهِ) أَوّلًا، (وَظَنَنْتُ) الظنّ هنا بمعنى العلم؛ أي: علمت (أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونَنِي) هكذا في بعض النسخ: بنونين، إحداهما نون الرفع، والثانية نون الوقاية، وفي بعض النسخ: «سيفقدوني» بنون واحدة، وهو يَحْتَمل أن تكون النون مخفّفة بحذف إحدى النونين، ويَحْتَمل أن تكون مشدّدة، بإدغام المتماثلين. ومعنى «يفقدوني»: يَعدموني، يقال: فقده فقدًا، من باب ضرب، وفِقدانًا: عَدِمه، وافتقده مثله، وتفقّده: طلبه عند غَيبته . وقال المرتضى -﵀- : فَقَدَهُ يَفْقِدُه فَقْدًا، بفتح، فسكون، وفِقْدانًا بالكسر، وفُقْدَانًا بالضمّ، وفُقُودًا بالضَمِّ، عَدِمَه. قال: وفي «المُفْرَدات» للراغب: الفَقْدُ أَخَصُّ من العَدَمِ؛ لأن العَدَم بعْدَ الوُجُودِ؛ أي: فهو أَعَمُّ، وقال أيضًا: التّفَقُّد: تَعْرُّفُ فِقْدَانِ الشيءِ، والتعَهُّد: تَعرُّفُ العَهْد المتقدّم. قال: وقد أنشدَنَا بعضُ الأصحاب: تَفَقُّدُ الخِلَّانِ مُسْتَحْسَنٌ … فَمَنْ بَدَاهُ فنِعمًّا بَدَا سَنَّ سُلَيْمَانُ لنا سُنَّةً … فكان فيما سَنَّهُ المُقْتَدَى تَفَقَّدَ الطَّيْرَ على رأْسِهِ … فقال ما لِي لا أَرى الهُدْهُدَا (فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ) وقع في رواية معمر: «فيرجعوا» بغير نون، وكأنه على لغة من يحذفها مطلقًا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: وإلى أحكام نون الرفع ثبوتًا وحذفًا أشار ابن مالك -﵀- في «الكافية الشافية» ، فقال: بِالنُّونِ رَفْعُ نَحْوِ «يَذْهَبُونَا» … وَ«تَذْهَبَانِ» ثُمَّ «تَذْهَبِينَا» وَاحْذِفْ إِذَا جَزَمْتَ أَوْ نَصَبْتَا … كَـ «لَمْ تَكُونَا لِتَرُومَا سُحْتَا» وَحَذْفُهَا فِي الرَّفْع قَبْلَ «نِي» أَتَى … وَالْفَكُّ وَالإِدْغَامُ أَيْضًا ثَبَتَا وَدُونَ «نِي» فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا … فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا «أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي … وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي» قال عياض: الظنّ هنا بمعنى العلم، وتُعُقّب باحتمال أن يكون على بابه، فإنهم أقاموا إلى وقت الظهر، ولم يرجع أحد منهم إلى المنزل الذي كانت به، ولا نُقل أن أحدًا لاقاها في الطريق، لكن يَحْتَمِل أن يكونوا استمرّوا في السير إلى قرب الظهر، فلما نزلوا إلى أن يشتغلوا بحطّ رحالهم، ورَبْط رواحلهم، واستصحبوا حالهم في ظنهم أنها في هودجها، لم يفتقدوها إلى أن وصلت على قرب، ولو فقدوها لرجعوا كما ظنته، وقد وقع في رواية ابن إسحاق: «وعرفت أن لو افتقدوني لرجعوا إليّ»، وهذا ظاهر في أنها لم تَتْبعهم. ووقع في حديث ابن عمر خلاف ذلك، فإن فيه: «فجئت، فاتّبعتهم، حتى أعييت، فقصت على بعض الطريق، فمَرّ بي صفوان»، وهذا السياق ليس بصحيح؛ لمخالفته لِمَا في «الصحيح»، وأنها أقامت في منزلها إلى أن أصبحت، وكأنه تعارَض عندها أن تتبعهم فلا تأمن أن يختلف عليها الطرق، فتهلك قبل أن تدركهم، ولا سيما وقد كانت في الليل، أو تقيم في منزلها لعلهم إذا فقدوها عادوا إلى مكانها الذي فارقوها فيه، وهكذا ينبغي لمن فَقَد شيئًا أن يرجع بفكره القَهْقَرَى إلى الحد الذي يتحقق وجوده، ثم يأخذ من هناك في التنقيب عليه. وأرادت بمن يفقدها: من هو منها بسبب؛ كزوجها، أو أبيها، والغالب الأول؛ لأنه كان من شأنه -ﷺ- أن يساير بعيرها، ويتحدث معها، فكأن ذلك لم يتفق في تلك الليلة، ولمّا لم يتفق ما توقعته من رجوعهم إليها ساق اللَّه إليها من حَمَلها بغير حول منها، ولا قوّة، ذكره في «الفتح» . (فَبَيْنَا) أصله «بين»، فأشبعت فتحة النون، فصارت ألفًا، وهو مضاف إلى جملة (أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي)، وقولها: (غَلَبَتْنِي) جواب «بينا»، و(عَيْنِي) بالإفراد، (فَنِمْتُ) بكسر النون، من باب عَلِم، وما اشتهر على ألسنة العوامّ من ضمّ النون، فمن أغلاطهم الشائعة، فتنبّه. قال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن يكون سبب النوم شدّةَ الغمّ الذي حصل لها في تلك الحالة، ومن شأن الغم، وهو وقوع ما يُكره غلبة النوم، بخلاف الهمّ، وهو توقّع ما يُكره، فإنه يقتضي السهر، أو لِما وقع من بَرْد السَّحَر لها، مع رطوبة بدنها، وصغر سنها، وعند ابن إسحاق: «فتلففت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني»، أو أن اللَّه -﷾- لطف بها، فألقى عليها النوم، لتستريح من وحشة الانفراد في البريّة بالليل. انتهى . (وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ) بفتح الطّاء المهملة المشدّدة، (السُّلَمِيُّ) بضم الذال المهملة، (ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ) منسوب إلى ذكوان بن ثعلبة بن بُهْثَة، بضم الموحّدة، وسكون الهاء، بعدها مثلثة، ابن سُليم، وذكوان بطن من بني سُليم، وكان صحابيًّا فاضلًا، أول مشاهده عند الواقديّ: الخندق، وعند ابن الكلبي: المريسيع، وسيأتي في أثناء شرح هذا الحديث ما يدلّ على تقدم إسلامه، ويأتي أيضًا قول عائشة: إنه قُتل شهيدًا في سبيل اللَّه، ومرادها: أنه قُتل بعد ذلك، لا أنه في تلك الأيام، وقد ذكر ابن إسحاق أنه استُشهد في غَزاة إرمينية في خلافة عمر -﵄-، سنة تسع عشرة، وقيل: بل عاش إلى سنة أربع وخمسين، فاستُشهد بأرض الروم، في خلافة معاوية -﵄-. وقال في «الإصابة»: صفوان بن المعطَّل بن رُبَيّعة -بالتصغير- ابن خُزَاعيّ -بلفظ النسب- ابن محارب بن مُرّة بن فالج بن ذكوان السَّلميّ، ثم الذكوانيّ، هكذا نَسَبه أبو عمر، لكن عند ابن الكلبيّ: «رحضة» بدل «ربيعة»، وزاد بينه وبين خُزاعي: «المؤمل»، قال البغوي: سكن المدينة، وشهد صفوان الخندق، والمشاهد في قول الواقديّ، ويقال: أول مشاهده المريسيع، جرى ذكرها في حديث الإفك المشهور في «الصحيحين» وغيرهما، وفيه قول النبيّ -ﷺ-: «ما علمت عليه إلا خيرًا» وقصته مع حسان مشهورة أيضًا، ذكرها يونس بن بكرٍ في زيادات «المغازي» موصولة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: وقعد صفوان بن المعطَّل لحسان، فضربه بالسيف، قائلًا: تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ مِنِّي فَإِنَّنِي … غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ فجاء حسان إلى النبيّ -ﷺ-، فاستعداه على صفوان، فاستوهبه الضربة، فوهبها له، وذكره موسى بن عقبة في «المغازي» عن الزهريّ نحوه. انتهى باختصار . (قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ) «عَرّس» بمهملات، مشدّدًا؛ أي: نزل، قال أبو زيد: التعريس: النزول في السفر، في أيّ وقت كان، وقال غيره: أصله النزول من آخر الليل في السفر للراحة، ووقع في حديث ابن عمر بيان سبب تأخر صفوان، ولفظه: «سأل النبيّ -ﷺ- أن يجعله على الساقة، فكان إذا رحل الناس قام يصلي، ثم اتّبعهم، فمن سقط له شيء أتاه به»، وفي حديث أبي هريرة: «وكان صفوان يتخلف عن الناس، فيصيب القدح، والجراب، والإداوة»، وفي مرسل مقاتل بن حيان: «فيحمله، فيَقْدَم به، فيُعَرِّفه في أصحابه»، وكذا في مرسل سعيد بن جبير نحوه. (فَادَّلَجَ) بتشديد الدال، وهو سَيْر آخر الليل. ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «فأدلج»، قال في «الفتح»: «أدلج» بسكون الدال في روايتنا، وهو كـ «ادّلج» بتشديدها، وقيل: بالسكون: سار من أوله، وبالتشديد: سار من آخره، وعلى هذا فيكون الذي هنا بالتشديد؛ لأنه كان في آخر الليل، وكأنه تأخر في مكانه حتى قَرُب الصبح، فركب ليظهر له ما يسقط من الجيش، مما يخفيه الليل، ويَحْتِمِل أن يكون سبب تأخيره ما جرت به عادته من غلبة النوم عليه، ففي «سنن أبي داود»، والبزار، وابن سعد، وصحيحه ابن حبان، والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد: «أن امرأة صفوان بن المعطَّل جاءت إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت: يا رسول اللَّه، إن زوجي يضربني إذا صليت، ويُفَطِّرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، فسأله، فقال: أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ سورتين، وقد نهيتها عنها، وأما قولها: يفطرني إذا صمت، فأنا رجل شابّ، لا أصبر، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس. . .» الحديث. قال البزار: هذا الحديث كلامه منكر، ولعل الأعمش أخذه من غير ثقةٌ، فدلّسه، فصار ظاهر سنده الصحة، وليس للحديث عندي أصل. انتهى. قال الحافظ: وما أعله به ليس بقادح؛ لأن ابن سعد صرّح في روايته بالتحديث بين الأعمش وأبي صالح، وأما رجاله فرجال الصحيح، ولَمّا أخرجه أبو داود قال بعده: رواه حماد بن سلمة، عن حميد، عن ثابت، عن أبي المتوكل، عن النبيّ -ﷺ-، وهذه متابعة جيّدة، تُؤْذِن بأن للحديث أصلًا، وغفل من جعل هذه الطريقة الثانية علّة للطريق الأُولى. وأما استنكار البزّار ما وقع في متنه، فمراده أنه مخالف للحديث الآتي قريبًا من رواية أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قصة الإفك، قالت: «فبلغ الأمرُ ذلك الرجلَ، فقال: سبحان اللَّه، واللَّه ما كشفت كنف أنثى قطّ»؛ أي: ما جامعتها، والكنف -بفتحتين-: الثوب الساتر، ومنه قولهم: أنت في كنف اللَّه، أي: في سِتره، والجمع بينه وبين حديث أبي سعيد على ما ذكر القرطبيّ أن مراده بقوله: ما كشفت كنف أنثى قط، أي: بِزِنا، قلت: وفيه نظر؛ لأن في رواية سعيد بن أبي هلال، عن هشام بن عروة في قصه الإفك: «أن الرجل الذي قيل فيه ما قيل لمّا بلغه الحديث قال: واللَّه ما أصبت امرأة قط حلالًا ولا حرامًا»، وفي حديث ابن عباس عند الطبرانيّ: «وكان لا يقرب النساء»، فالذي يظهر أن مراده بالنفي المذكور ما قبل هذه القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك، فهذا الجمع لا اعتراض عليه، إلا بما جاء عن ابن إسحاق أنه كان حصورًا، لكنه لم يثبت، فلا يعارض الحديث الصحيح. ونقل القرطبيّ أنه هو الذي جاءت امرأته تشكوه، ومعها ابنان لها منه، فقال النبيّ -ﷺ-: «لَهُما أشبه به من الغراب بالغراب»، ولم أقف على مستند القرطبيّ في ذلك، وسيأتي هذا الحديث في «كتاب النكاح»، وأُبَيّن هناك أن المقول فيه ذلك غير صفوان، وهو المعتَمد، إن شاء اللَّه تعالى. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا طوّل الحافظ -﵀- في الجمع بين هذه الأحاديث، ولا يخفى على المنصف أن هذا الجمع ظاهر التكلّف، والتعسّف، وما قاله البزّار من كون الحديث منكرًا هو الأظهر الذي لا غبار عليه، فالجمع بين هذه القصص، وبين ما في الصحيح، وغيره من قوله: «ما كشفت كنف أنثى قط»، وقوله: «ما أصحبت امرأة قط لا حلالًا، ولا حرامًا»، وقوله: «وكان حصورًا»، وغير ذلك من أبعد ما يكون من الجمع. وذكر في «الإصابة» (٣/ ٤٤١) قصّة مجيء امرأة صفوان إلى النبيّ -ﷺ-، وشكواها في الضرب وغيره، ثم قال: ولكن يشكل عليه أن عائشة قالت في حديث الإفك: إن صفوان قال: واللَّه ما كشفت كنف أنثى قط، وقد أورد هذا الإشكال قديمًا البخاريّ، ومال إلى تضعيف الحديث أبو سعيد بذلك. انتهى. والحاصل: أن الجمع المذكور لا يصحّ، فتأمّله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم. (فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي)؛ أي: مكاني الذي نزلت فيه في تلك الليلة، (فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ) السواد بلفظ ضدّ البياض يُطلق على الشخص أيَّ شخص كان، فكأنها قالت: رأى شخص آدميّ، لكن لا يظهر أهو رجل، أو امرأة؟ (فَأَتَانِي، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي) هذا يُشعر بأن وجهها انكشف لمّا نامت؛ لأنه تقدّم أنها تلفّفت بجلبابها، ونامت، فلما انتبهت باسترجاع صفوان بادرت إلى تغطية وجهها. (وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ) بالبناء للمفعول، (الْحِجَابُ عَلَيَّ)؛ أي: وعلى غيرها من النساء، ولفظ البخاريّ: «وكان يراني قبل الحجاب»؛ أي: قبل نزول آية الحجاب، وهذا يدلّ على قِدَم إسلام صفوان، فإن الحجاب كان في قول أبي عبيدة، وطائفة: في ذي القعدة سنة ثلاث، وعند آخرين: فيها سنة أربع، وصححه الدمياطي، وقيل: بل كان فيها سنة خمس، وهذا مما تناقض فيه الواقديّ، فإنه ذكر أن المريسيع كان في شعبان سنة خمس، وأن الخندق كانت في شوال منها، وأن الحجاب كان في ذي القعدة منها، مع روايته حديث عائشة -﵂- هذا، وتصريحها فيه بأن قصة الإفك التي وقعت في المريسيع كانت بعد الحجاب، وسَلِم من هذا ابن إسحاق، فإن المريسيع عنده في شعبان، لكن سنة ست، وسَلِم الواقديّ من التناقض في قصة سعد بن معاذ الآتي ذكرها، نعم وسَلِم منها ابن إسحاق، فإنه لم يذكر سعد بن معاذ في القصة أصلًا، كما سأبيّنه، ومما يؤيد صحة ما وقع في هذا الحديث أن الحجاب كان قبل قصة الإفك قول عائشة -﵂- أيضًا في هذا الحديث أن النبيّ -ﷺ- سأل زينب بنت جحش عنها، وفيه: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبيّ -ﷺ-، وفيه: وطفِقت أختها حَمْنة تحارب لها، فكل ذلك دالّ على أن زينب كانت حينئذ زوجته -ﷺ-، ولا خلاف أن آية الحجاب نزلت حين دخوله -ﷺ- بها، فثبت أن الحجاب كان قبل قصة الإفك، قال الحافظ: وقد كنت أمليت في أوائل «كتاب الوضوء» أن قصة الإفك وقعت قبل نزول الحجاب، وهو سهو، والصواب بعد نزول الحجاب، فليُصْلَح هناك. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيس جدّا، واللَّه تعالى أعلم. (فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ، حِينَ عَرَفَنِي)؛ أي: بقوله: «إنا للَّه، وإنا إليه راجعون»، وصرّح بها ابن إسحاق في روايته، وكأنه شقّ عليه ما جرى لعائشة -﵂-، أو خشي أن يقع ما وقع، أو أنه اكتَفَى بالاسترجاع رافعًا به صوته عن مخاطبتها بكلام آخر؛ صيانةً لها عن المخاطبة في الجملة، وقد كان عمر -﵁- يستعمل التكبير عند إرادة الإيقاظ، وفيه دلالة على فطنة صفوان -﵁-، وحُسن أدبه. (فَخَمَّرْتُ)؛ أي: غطّيت (وَجْهِي بِجِلْبَابِي)؛ أي: الثوب الذي كان عليها، قال الفيّوميّ -﵀-: الجِلْبَابُ: ثوب أوسع من الخمار، ودون الرداء، وقال ابن فارس: الجِلْبَابُ: ما يُغَطَّى به، من ثوب، وغيره، والجمع: الجَلابِيبُ، وتَجلْبَبَتِ المرأةُ: لبست الجِلْبَابَ. انتهى . (وَواللَّه مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً) عَبّرت بهذه الصيغة؛ إشارةً إلى أنه استمرّ منه تَرْك المخاطبة؛ لئلا يُفهَم لو عَبّرت بصيغة الماضي اختصاص النفي بحال الاستيقاظ، فعبَّرت بصيغة المضارعة. (وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ)؛ أي: قوله: إنا للَّه، وإنا إليه راجعون، (حَتَّى أنَاخَ رَاحِلَتَهُ) وفي رواية الكشميهنيّ: «حين أناخ راحلته»، ووقع في رواية فُليح: «حتى» للأصيليّ و«حين» للباقين، وكذا عند مسلم عن معمر، وعلى التقديرين فليس فيه نفي أنه كلمها بغير الاسترجاع؛ لأن النفي على رواية: «حين» مقيد بحال إناخة الراحلة، فلا يمنع ما قبل الإناخة، ولا ما بعدها، وعلى رواية: «حتى»، معناها: بجميع حالاته إلى أن أناخ، ولا يمنع ما بعد الإناخة، وقد فَهِم كثير من الشراح أنها أرادت بهذه العبارة نفي المكالمة البتة، فقالوا: استعمل معها الصمت اكتفاء بقرائن الحال مبالغة منه في الأدب، وإعظامًا لها، وإجلالًا. انتهى. وقد وقع في رواية ابن إسحاق أنه قال لها: «ما خلَّفك؟»، وأنه قال لها: «اركبي»، واستأخر، وفي رواية أبي أويس: «فاسترجع، وأعظم مكاني-؛ أي: حين رآني وحدي- وقد كان يعرفني قبل أن يُضرب علينا الحجاب، فسألني عن أمري، فسترت وجهي عنه بجلبابي، وأخبرته بأمري، فقرَّب بعيره، فوطئ على ذراعه، فولاني قفاه، فركبت»، وفي حديث ابن عمر: «فلما رآني ظنّ أني رجل، فقال: يا نومان قم، فقد سار الناس»، وفي مرسل سعيد بن جبير: «فاسترجع، ونزل عن بعيره، وقال: ما شأنك يا أم المؤمنين؟ فحدثته بأمر القلادة». انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر ما في «الصحيحين» يقوّي ما فهمه الشرّاح، من أنه لم يكلِّمها أصلًا، لكن إن ثبتت هذه الروايات، تدلّ على أنه كلّمها، ولكن لا بدّ من التثبّت في صحّتها، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا)؛ أي: ليكون أسهل لركوبها، ولا يحتاج إلى مَسّها عند ركوبها، وفي حديث أبي هريرة: «فغطى وجهه عنها، ثم أدنى بعيره منها». (فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ) هكذا وقع في جميع الروايات، إلا في مرسل مقاتل بن حيان، فإن فيه: «أنه ركب معها مردفًا لها»، والذي في «الصحيح» هو الصحيح. (بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ) -بضم الميم، وكسر الغين المعجمة، والراء المهملة-؛ أي: نازلين في وقت الوَغْرة -بفتح الواو، وسكون الغين- وهي شدّة الحرّ لَمّا تكون الشمس في كبد السماء، ومنه أخذ وَغْر الصدر، وهو توقّده من الغيظ بالحقد، وأوغر فلان: إذا دخل في ذلك الوقت؛ كأصبح، وأمسى. وسيأتي لمسلم عن عبد بن حميد قال: قلت لعبد الرزاق: ما قوله: «موغرين؟» قال: الوغرة: شدّة الحر. وسيأتي أيضًا عنده من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان: «موعزين» بعين مهملة، وزاي، قال القرطبيّ: كأنه من وعزت إلى فلان بكذا؛ أي: تقدمت، والأول أَولى، قال: وصحّفه بعضهم بمهملتين، وهو غلط. قال الحافظ: ورُوي «مُغَوِّرين»، بتقديم الغين المعجمة، وتشديد الواو، والتغوير: النزول وقت القائلة. ووقع في رواية فُليح: «مُعَرِّسين» بفتح العين المهملة، وتشديد الراء، ثم سين مهملة، والتعريس: نزول المسافر في آخر الليل، وقد استُعمل في النزول مطلقًا، كما تقدم، وهو المراد هنا. انتهى . وقولها: (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) تأكيد لقولها: «موغرين»، فإن نحر الظهيرة أولها، وهو وقت شدّة الحرّ، ونحر كل شيء أوله، كأن الشمس لَمّا بلغت غايتها في الارتفاع، كأنها وصلت إلى النحر الذي هو أعلى الصدر. ووقع في رواية ابن إسحاق: «فواللَّه ما أدركْنا الناسَ، ولا افتُقِدتُّ حتى نزلوا، واطمأنوا، طلع الرجل يقودني»، قاله في «الفتح». وقال في «العمدة»: «في نحر الظهيرة»: وهو وقت القائلة، وشدّة الحرّ، والنحر الأول، والصدر، وأوائل الشهر تسمى النحور، وقال الداوديّ: الظهيرة: نصف النهار عند أول الفيء، قال: وقيل: الظهر والظهير لِمَا بعد نصف النهار؛ لأن الظهر آخر الإنسان، وسمّي آخر الشهر بذلك، ولا نُسَلِّم له؛ لأن أول اشتداد الحرّ قبل نصف النهار. انتهى . (فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي)؛ أي: هلك الذين اشتغلوا بالإفك عليّ، وفي رواية أبي أويس: «فهُنالك قال فِيّ، وفيه أهل الإفك ما قالوا»، فأبهمت القائل، وما قال، وأشارت بذلك إلى الذين تكلموا بالإفك، وخاضوا في ذلك، وأما أسماؤهم فالمشهور في الروايات الصحيحة: عبد اللَّه بن أُبَيّ، ومِسْطح بن أُثاثة، وحسّان بن ثابت، وحَمْنة بنت جحش، وقد وقع في المغازي من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ قال: قال عروة: لم يُسَمّ من أهل الإفك أيضًا غير عبد اللَّه بن أُبَيّ إلا حسان بن ثابت، ومِسطح بن أُثاثة، وحَمنة بنت جحش، في ناس آخرين، لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة، كما قال اللَّه تعالى. انتهى. والعصبة من ثلاثة إلى عشرة، وقد تُطلق على الجماعة من غير حصر في عدد، وزاد أبو الربيع بن سالم فيهم تبعًا لأبي الخطاب بن دحية: عبد اللَّه، وأبا أحمد ابنا جحش، وزاد فيهم الزمخشريّ: زيد بن رفاعة، قال الحافظ: ولم أره لغيره، وعند ابن مردويه من طريق ابن سيرين: حلف أبو بكر أن لا ينفق على يتيمين، كانا عنده، خاضا في أمر عائشة، أحدهما: مسطح. انتهى، ولم أقف على تسمية رفيق مسطح. وأما القول فوقع في حديث ابن عمر، فقال عبد اللَّه بن أُبَيّ: فَجَرَ بها، ورب الكعبة، وأعانه على ذلك جماعة، وشاع ذلك في العسكر، وفي مرسل سعيد بن جبير: وقذفها عبد اللَّه بن أُبَيّ، فقال: ما برئت عائشة من صفوان، ولا برئ منها، وخاض بعضهم، وبعضهم أعجبه. (وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ)؛ أي: تَصَدَّى لمعظمه، وتقلّده، و«كبره»؛ أي: كبر الإفك، وكِبْر الشيء: معظمه، وهو قراءة الجمهور بكسر الكاف، وقرأ حميد الأعرج بضمها، قال الفراء: وهي قراءة جيّدة في العربية، وقيل: المعنى: الذي تولى إثمه، فقوله: «الذي تولّى» اسم «كان»، وخبرها قوله: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) ويجوز العكس، ولكن الأول أولى؛ لأن العَلَم أعرف من الموصول، فهو أحقّ بأن يكون مسندًا إليه، فتنبّه، وقولها: (ابْنُ سَلُولَ) بالرفع نعتًا لـ «عبد اللَّه»، لا لـ «أبيّ»، ولذلك ينوّن «أبيٌّ»، وتثبت همزة الوصل في «ابن» خطًّا؛ لأن شرط حذفها أن يقع «ابن» بين علمين، ويكون الثاني أبًا للأول، ففي هذه الحالة، يُحذف من الاسم الأول التنوين، كما في «أبيّ» هنا، ويُحذف من «ابن» همزة الوصل خطًّا، وقد بُيّنت المسألة في شرح «الخلاصة»، وحواشيها عند قول ابن مالك -﵀-: وَنَحْوَ «زَيْدٍ» ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ «أَزيدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ» وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا والحاصل: أن «أُبيًّا» والد عبد اللَّه، و«سَلُولَ» بفتح السين أمه، غير منصرف؛ للعلميّة والتأنيث. ووقع في المغازي من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عروة، قال: أُخبرت أنه كان يشاع، ويتحدّث به عنده، فيُقِرّه -بضم أوله، وكسر القاف- ويستمعه، ويستوشيه -بمهملة، ثم معجمة-؛ أي: يستخرجه بالبحث عنه، والتفتيش، ومنهم من ضبطه: يَقُرّه، بفتح أوله، وضم القاف، وفي رواية ابن إسحاق: «وكان الذي تولى كبر ذلك عبد اللَّه بن أبيّ، في رجال من الخزرج». (فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ)؛ أي: مرضت (حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ شَهْرًا)، أي: مدّة شهر، (وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ) بضمّ حرف المضارعة؛ أي: يخوضون، من أفاص في قول: إذا أكثر منه، وقال في «العمدة»: هو من الإفاضة، وهي التكثير، والتوسعة، يقال: أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا فيه، يخوضون، وهو من قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾ [النور: ١٤]، وقال ابن عرفة: حديث مفاضٌ، ومستفاضٌ، ومستفيضٌ في الناس؛ أي: جارٍ فيهم، وفي كلامهم . (فِي قَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ) متعلّق بـ «يُفيضون»، و«أهل الإفك» هم: أهل الكذب، والبهتان. (وَلَا أَشْعُرُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: شعرت بالشيء شُعُورًا، من باب قعد، وشِعْرًا، وشِعْرَةً بكسرهما: عَلِمْتُ ؛ أي: لا أعلم. (بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ)، أي: مما يخوض فيه الناس، وفي رواية ابن إسحاق: «وقد انتهى الحديث إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وإلى أبويّ، ولا يذكرون لي شيئًا من ذلك»، وفيها: «أنها مَرِضت بضعًا وعشرين ليلة»، وهذا فيه ردّ على ما وقع في مرسل مقاتل بن حيان: «أن النبيّ -ﷺ- لمّا بلغه قول أهل الإفك، وكان شديد الغيرة، قال: لا تدخل عائشة رحلي، فخرجت تبكي، حتى أتت أباها، فقال: أنا أحقّ أن أخرجك، فانطلقت تجول، لا يُؤويها أحدٌ، حتى أنزل اللَّه عذرها»، قال الحافظ: وإنما ذكرته مع ظهور نكارته لإيراد الحاكم له في «الإكليل»، وتبعه بعض من تأخر غير متأمّل لِمَا فيه من النكارة، والمخالفة للحديث الصحيح، من عدّة أوجه، فهو باطل. ووقع في حديث ابن عمر: «فشاع ذلك في العسكر، فبلغ النبيّ -ﷺ-»، فلما قَدِموا المدينة أشاع عبد اللَّه بن أُبَيّ ذلك في الناس، فاشتد على رسول اللَّه -ﷺ-«. (وَهُوَ يَرِيبُنِي) بفتح أوله، من الريب، ويجوز الضمّ، من الرباعيّ، يقال: رابه، وأرابه، قاله في«الفتح». وقال في«العمدة»:«يريبني»بفتح الياء، وضمها، فالأول من رابني، والثاني من أرابني، يقال: رابني الأمرُ يَريبني: إذا توهمته، وشككت فيه، فإذا استيقنته قلت: رابني منه كذا يريبني، وعن الفراء هما بمعنى واحد في الشك، وقال صاحب«المنتهى»؛ الاسم: الريبة بالكسر، وأرابني، ورابني: إذا تخوفت عاقبته، وقيل: رابني: إذا علمت به الريبة، وأرابني: إذا ظننت به، وقيل: رابني: إذا رأيت منه ما يريبك، وتكرهه، وتقول هذيل: أرابني، وأراب: إذا أتى بريبة، وراب: صار ذا ريبة، وقال أبو محمد في«الواعي»: رابني أفصح. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-:«يريبني»: من الريبة، وهي اسم للتهمة، والشك، تقول: رابني فلان: إذا رأيت منه ما يريبك، وهذيل تقول: أرابني فلان، قال الهذلي: يَا قَوْمِ مَا لِي وَأَبَا ذُؤَيْبِ … كَأَنَّنِي أَرَبْتُهُ بِرَيْبِ وأراب الرجل: صار ذا ريبة، فهو مريب، حكاه الجوهريّ، وقال غيره: يمال: أرابني الأمرُ يُرِيبُني: إذا توهّمته، وشككت فيه، فإذا استيقنته قلت: رابني منه كذا يَريبني، وقال الفرّاء: هما بمعنى واحد في الشك. انتهى . (فِي وَجَعِي)، أي: في حال مرضي، (أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اللُّطْفَ) بضم أوله، وسكون ثانيه، وبفتحهما، لغتان، والمراد: الرفق، ووقع في رواية ابن إسحاق: «أنكرت بعض لطفه»، (الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي)؛ أي: حين أمرض، (إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: «كَيْفَ تِيكُمْ») بالمثناة المكسورة، وهي للمؤنث، مثل ذاكم للمذكر، والكاف لخطاب الحاضرين، وفي رواية ابن إسحاق: «فكان إذا دخل قال لأمي، وهي تُمَرِّضني: كيف تيكم»، واستدلت عائشة بهذه الحالة على أنها استشعرت منه بعض جفاء، ولكنها لمّا لَمْ تكن تدري السبب لم تبالغ في التنقيب عن ذلك، حتى تعرفه، ووقع في رواية أبي أويس: «إلا أنه يقول، وهو مارّ: كيف تيكم؟ ولا يدخل عندي، ولا يعودني، ويسأل عني أهل البيت»، وفي حديث ابن عمم: «وكنت أرى منه جفوة، ولا أدري من أي شيء؟». (فَذَاكَ) الذي أراه منه (يَرِيبُنِي)؛ أي: يوقعني في الشكّ في تغيّر حاله -ﷺ-، (وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ)، أي: بالإفك الذي افتراه الأفّاكون، وانتشر بين الناس، وتحدّثوا به، (حَتَّى خَرَجْتُ) من البيت (بَعْدَمَا نَقِهْتُ) بفتح القاف، وكسرها لغتان، حكاهما الجوهريّ في «الصحاح» وغيره، والفتح أشهر، واقتصر عليه جماعة، يقال: نَقَهَ يَنْقَه نُقُوهًا، فهو ناقِة، ككَلَح يَكْلَح كُلُوحًا فهو كالح، ونَقِهَ يَنْقَا، نَقَهًا، فهو ناقه، كفَرِح يَفْرَح فَرَحًا، والجمع نُقَّهٌ، بضم النون، وبتشديد القاف، والناقه هو الذي أفاق من المرض، وبرأ منه، وهو قريب عهد به، لم يتراجع إليه كمال صحته، قاله النوويّ -﵀- . وقال في «الفتح»: «نقهت» بفتح القاف، وقد تكسر، والأول أشهر، والناقه بكسر القاف: الذي أفاق من مرضه، ولم تتكامل صحته، وقيل: إن الذي بكسر القاف بمعنى: فَهِمْت، لكنه هنا لا يتوجه؛ لأنها ما فَهِمَت ذلك، إلا فيما بعدُ، وقد أطلق الجوهريّ وغيره أنه بفتح القاف وكسرها لغتان، في برأ من المرض، وهو قريب العهد لم يرجع إليه كمال صحته. انتهى . (وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ) وفي رواية أبي أويس: «فقلت: يا أم مسطح خذي الإداوة، فاملئيها ماء، فاذهبي بنا إلى المناصع». (قِبَلَ الْمَنَاصِعِ) بكسر القاف؛ أي: جهة المناصع، بفتح الميم، وهي مواضع خارج المدينة، كانوا يتبرزون فيها، الواحد منصع، وقال الأزهريّ: أراه موضعًا بعينه، خارج المدينة، وهو في الحديث: «صعيد أفيح، خارج المدينة»، وقال ابن السِّكِّيت: المناصع في اللغة: المجالس. انتهى . وقوله: (وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا) جملة حاليّة، وهو بفتح الراء المشدّدة، وبالزاي، وهو الموضع الذي يتبرزون فيه؛ أي: يقضون فيه حاجتهم، والبراز اسم ذلك الموضع أيضًا . (وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ)، تعني: أنهنّ لا يخرجن لقضاء حاجتهنّ نهارًا، وهو في الليل، ثم يمتدّ ذلكَ إلى الليلة المستقبلة، (وَذَلِكَ)؛ أي: كوننا نخرج قبل المناصع، (قَبْلَ أَنَّ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ) بضم الكاف والنون: جمع كَنيف، قال أهل اللغة: الكنيف الساتر مطلقًا، وسُمّي به موضع الغائط؛ لأنهم يستترون به. وقال في «الفتح»: قوله: «متبرزنا» بفتح الراء، قبل الزاي: موضع التبرز، وهو الخروج إلى البراز، وهو الفضاء، وكله كناية عن الخروج إلى قضاء الحاجة، و«الكُنُف» بضمتين: جمع كَنيف، وهو الساتر، والمراد به هنا: المكان المتَّخذ لقضاء الحاجة، وفي رواية ابن إسحاق: «الكنف التي يتخذها الأعاجم» . وقولها: (قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا) منصوب على الحال، وأُفرد مع أن صاحبه جمع؛ لأن فعيلًا يستوي فيه الجمع والمفرد، أو منصوب بنزع الخافض على قلّة، أي: في مكان قريب من بيوتنا . (وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ) بضم الهمزة، وتخفيف الراء: صفة العرب، وبفتح الهمزة، وتشديد الراء: صفة الأمر، قال النوويّ: كلاهما صحيح، تريد أنهم لم يتخلقوا بأخلاق العجم. قال الحافظ: ضبطه ابن الحاجب بالوجه الثاني، وصرّح بمنع وصف الجمع باللفظ الأول، ثم قال: إن ثبتت الرواية خُرّجت على أنَّ العرب اسم جمع، تحته جموع، فتصير مفردة بهذا التقدير. انتهى. (فِي التَّنَزُّهِ)، أي: طلب النزاهة، ووقع في رواية للبخاريّ: «في التبرز قِبَل الغائط»، قال في «الفتح»: وفي رواية فليح: «في البرّية» بفتح الموحّدة، وتشديد الراء، ثم التحتانية -«أو في التنزه» بمثناة، ثم نون، ثم زاي ثقيلة، هكذا على الشكّ-، والتنزه: طلب النزاهة بالخروج إلى الصحراء، والمراد: البعد عن البيوت. انتهى . (وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ)؛ أي: برائحتها، وقوله: (أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا) «نتّخذ» صلة «أن»، والمصدر المؤوّل بدل من «الكنف». (فَانْطَلَقْتُ أَنَا) جيء به ليكن العطف على الضمير المتّصل، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَأُمُّ مِسْطَحٍ) بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الطاء، آخره حاء مهملة. قال في «الإصابة»: أم مِسطح القرشيَة التيميّة، ويقال: المطلبية، وهي بنت، أبي رُهْم أَنِيس -بفتح الهمزة، بعدها نون مكسورة- ابن عبد المطلب بن عبد مناف، ويقال: بنت صخر بن عامر بن كعب بن تيم بن مُرّة، قلت: هكذا حَكَى أبو موسى، وهو غلط، فإن هذا نَسَبُ سَلْمى أم الخير والدة أبي بكر، هي بنت صخر إلى آخره، والذي قال غيره: أنها بنت خالة أبي بكر الصديق، اسمها رائطة بنت صخر إلخ، هكذا، قال ابن سعد، يقال: اسمها سَلْمي، ويقال: ريطة حكاه ابن الأمين، عن ابن بشكوال، وبه جزم ابن حزم في «الجمهرة»، وهي مشهورة بكنيتها، ثبت ذكرها في «الصحيحين» في قصة الإفك، حين خرجت عائشة لقضاء الحاجة، فعَثَرت، فقالت: تَعِس مسطح، فقالت لها عائشة: تسبِّين رجلًا شَهِد بدرًا؟، فقالت: أوَ لم تعلمي ما قال؟ فذكرت لها قصة الإفك، وكان مسطح ممن تَكَلَّم في ذلك، وقال ابن سعد: أسلمت أم مسطح، فحَسُن إسلامها، وكانت من أشدّ الناس على مسطح، حين تكلم مع أهل الإفك. انتهى . وقال في «الفتح»: أم مِسطح، بكسر الميم، وسكون السين، وفتح الطاء، بعدها حاء مهملات، قيل: اسمها سَلْمى، وفيه نظر؛ لأن سلمى اسم أم أبي بكر، ثم ظهر لي أن لا وَهْم فيه، فإن أم أبي بكر خالتها، فسمِّيت باسمها. انتهى . (وَهِيَ)؛ أي: أم مِسطح (بِنْتُ أَبِي رُهْمِ) بضمّ الراء، وسكون الهاء، (ابْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ) قال في «الفتح»: كذا هنا، ولم ينسبه فُليح، وفي رواية صالح: «بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف»، وهو الصواب، واسم أبي رُهم: أَنِيس. (وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ)، أي: ابن كعب بن سعد بن تيم، من رهط أبي بكر، (خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) اسمها رائطة، حكاه أبو نعيم. (وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ) بضم الهمزة، ومثلثتين: الأولى خفيفة، بينهما ألف، (ابْنِ عَبَّادِ بْني الْمُطَّلِبِ) فهو المطلبيّ من أبيه وأمه، والْمِسطح عُود من أعواد الخباء، وهو لقب، واسمه: عوف، وقيل: عامر، والأول هو المعتمَد، وقد أخرج الحاكم من حديث ابن عباس قال: قال أبو بكر يعاتب مِسطحًا في قصّة عائشة -﵃-: يَا عَوْفُ وَيْحَكَ هَلْ لَا قُلْتَ عَارِفَةٌ … مِنَ الْكَلَامِ وَلَمْ تَبْتَغ بِهِ طَمَعَا وكان هو وأمه من المهاجرين الأولين، وكان أبوه مات، وهو صغير فكفله أبو بكر؛ لقرابة أم مسطح منه، وكانت وفاة مسطح سنة أربع وثلاثين، وقيل: سنة سبع وثلاثين، بعد أن شَهِد صِفِّين مع عليّ -﵄- . (فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ) وفي رواية البخاريّ: «فأقبلت أنا، وأم مسطح» (قِبَلَ)؛ أي: جهة (بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا)؛ أي: قضينا حاجتنا التي خرجنا من أجلها، (فَعَثَرَتْ) بفتح العين المهملة، والثاء المثلثة، (أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا) بكسر الميم: كساء من صوف، قاله الداوديّ، وقال ابن فارس: مِلحفة يؤتزر بها، وقال الهرويّ: المروط: الأكسية، وضبطه ابن التين: المرط بفتح الميم، قاله في «العمدة» . وقال في «الفتح»: وفي رواية مِقسم، عن عائشة: «أنها وطِئت على عَظْم، أو شوكة»، وهذا ظاهره أنها عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها، ثم أخبرتها الخبر بعد ذلك، لكن في رواية هشام بن عروة الآتية قريبًا أنها عَثَرت قبل أن تقضي عائشة حاجتها، وأنها لمّا أخبرتها الخبر رجعت، كأن الذي خرجت له لا تجد منه لا قليلًا، ولا كثيرًا، وكذا وقع في رواية ابن إسحاق: «قالت: فواللَّه ما قدرت أن أقضي حاجتي»، وفي رواية ابن أويس: «فذهب عني ما كنت أجد من الغائط، ورجعت عَودي على بَدئي»، وفي حديث ابن عمر: «فأخذتني الحمي، وتقلص ما كان مني»، ويُجمع بينهما بأن معنى قولها: «وقد فرغنا من شأننا»، أي: من شأن المسير، لا قضاء الحاجة . (فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ) بفتح العين، وكسرها، لغتان مشهورتان، واقتصر الجوهريّ على الفتح، والقاضي على الكسر، ورجّح بعضهم الكسر، وبعضهم الفتح، ومعناه: عَثَر، وقيل: هلك، وقيل: لزمه الشرّ، وقيل: بَعُدَ، وقيل: سقظ بوجهه خاصّة، قاله النوويّ -﵀- . وقال في «العمدة»: «تَعِسَ» بكسر العين، وفتحها، لغتان مشهورتان، ومعناه: عثر، وقيل: هلك، وقيل: لزمه الشرّ، وقيل: بَعُد، وقيل: سقط لوجهه، وقيل: التعس: أن لا ينتعش من عثرته، وقيل: تعس تعسًا، وأتعسه اللَّه، وقال ابن التين: المحدّثون يقرؤونه بكسر العين، وهو عند أهل اللغة، بفتحها، وقيل: معناه. انكبّ؛ أي: كبّه اللَّه. انتهى . قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهَا؛ بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلَا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟) وفي رواية هشام بن عروة: أنها عَثَرت ثلاث مرات، كل ذلك تقول: «تعس مسطح»، وأن عائشة تقول لها: «أي أمُّ أتسبّين ابنك؟»، وأنها انتهرتها في الثالثة، فقالت: «واللَّه ما أسبّه إلا فيك»، وعند الطبرانيّ: «فقلت: أتسبّين ابنك، وهو من المهاجرين الأولين؟»، وفي رواية ابن حاطب، عن علقمة بن وقاص: «فقلت: أتقولين هذا لابنك، وهو صاحب رسول اللَّه -ﷺ-؟ ففعلت مرتين، فأعدت عليها، فحدثتني بالخبر، فذهب عني الذي خرجت له، حتى ما أجد منه شيئًا». قال أبو محمد بن أبي جمرة: يَحْتَمِل أن يكون قول أم مسطح هذا عمدًا، لتتوصل إلى إخبار عائشة بما قيل فيها، وهي غافلة، ويَحْتَمِل أن يكون اتفاقًا، أجراه اللَّه على لسانها، لتستيقظ عائشة من غفلتها عما قيل فيها. انتهى . (قَالَتْ) أم مسطح: (أَيْ هَنْتَاهُ) «أَيْ» حرف نداء للبعيد، وقد يستعمل للقريب، حيث يُنزل منه منزل البعيد، والنكتة فيه هنا أن أم مسطح نسبت عائشة إلى الغفلة عما قيل فيها؛ لإنكارها سبّ مسطح، فخاطبتها خطاب البعيد، و«هنتاه» بفتح الهاء، وسكون النون، وقد تفتح، بعدها مثناة، وآخره هاء ساكنة، وقد تضمّ؛ أي: هذه، وقيل: امرأة، وقيل: بلهي، كأنها نَسَبتها إلى قلة المعرفة بمكائد الناس، وهذه اللفظة تختص بالنداء، وهي عبارة عن كل نكرة، وإذا خوطب المذكر قيل: يا هنة، وقد تُشبع النون، فيقال: يا هناه، وحَكَى بعضهم تشديد النون فيه، وأنكره الأزهريّ، قاله في «الفتح». وقال النوويّ: قولها: «أي هنتاه»: هي بإسكان النون، وفتحها، والإسكان أشهر، قال صاحب «النهاية»: «يا هنتاه»، أي: يا هذه، وتفتح النون، وتسكن، وتضم الهاء الآخرة، وتسكن، وفي التثنية هنتان، وفي الجمع هنوات، وهنات، وفي المذكر هَنٌ، وهنان، وهنون. ولك أن تُلحقها الهاء، لبيان الحركة، فتقول: يا هنه، وأن تُشبع الحركة، فتصير ألفًا، فتقول: يا هناه، ولك ضم الهاء، فتقول: يا هناهُ أَقْبِلْ، قال الجوهريّ: هذه اللفظة تختص بالنداء. ومعناه: يا هذه، وقيل: يا امرأة، وقيل: يا بلهاء، كأنها نُسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس، وشرورهم. انتهى . (أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟)، أي: مسطح في شأنك، (قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟)، أي: أيّ شيء قال فيّ؟، وفي رواية البخاريّ: «قالت: قلت: وما قال؟» وفي رواية أبي أويس: «فقالت لها: إنك لغافلة عما يقول الناس»، وفيها: «أن مسطحًا، وفلانًا، وفلانًا، يجتمعون في بيت عبد اللَّه بن أُبَيّ، يتحدثون عنك، وعن صفوان، يرمونك به»، وفي رواية مِقسم، عن عائشة: «أشهد أنك من الغافلات المؤمنات»، وفي رواية هشام بن عروة الآتية: «فنَقَّرت لي الحديث»، وهي بنون، وقاف ثقيلة؛ أي: شَرَحته، ولبعضهم بموحدة، وقاف خفيفة؛ أي: أعلمتنيه، قاله في «الفتح» . (قَالَتْ) عائشة: (فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ)؛ أي: بما افتراه أهل الكذب، وقد تقدّمت أسماؤهم. (فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي) وعند سعيد بن منصور، من مرسل أبي صالح: «فقالت: وما تدرين ما قال؟ قالت: لا واللَّه، فأخبرتها بما خاض فيه الناس، فأخذتها الْحُمَّى»، وعند الطبرانيّ بإسناد صحيح، عن أيوب، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة: «قالت: لما بلغني ما تكلموا به، هممت أن آتي قَلِيبًا، فأطرح نفسي فيه»، وأخرجه أبو عوانة أيضًا. (فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) قيل: الفاء في «فدخل» زائدة، والأَولى أن في الكلام حذفًا، تقديره: فلما دخلت بيتي، استقريت فيه، فدخل، ولفظ البخاريّ: «فلما رجعت إلى بيتي، ودخل عليّ رسول اللَّه -ﷺ-» بالواو، (فَسَلَّمَ) على من في البيت (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- على عادته: («كَيْفَ تِيكُمْ؟»)؛ أي: كيف حال هذه المرأة؟ يريد عائشة -﵂-، قالت عائشة: (قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟) أبا بكر، وأم رُومان -﵄-، وفي رواية هشام بن عروة: «فقلت: أرسِلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام»، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا الغلام. (قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ)؛ أي: وقت استئذاني إيّاه (أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ)؛ أي: خبر الإفك (مِنْ قِبَلِهِمَا)؛ أي: من جهة أبويّ، (فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) في إتياني أبويّ، (فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي) أم رومان: (يَا أُمَّتَاهْ)؛ أي: يا أمي، (مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء يتحدّث الناس في شأني؟ (فَقَالَتْ) أمها: (يَا بُنَيَّةُ) تصغير ابنة، (هَوِّنِي) أمر من التهوين، وهو التسهيل، أي: سهّلي (عَلَيْكِ) الأمر، وفي رواية هشام بن عروة: «فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن»، (فَواللَّه لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ)؛ أي: فيما مضى من الزمان. [تنبيه]: قوله: «لقلّما» «ما» هذه زائدة، تسمّى «ما» الكافّة؛ لأنها كفّت «قَلّ» عن عمل الرفع في الفاعل، قال ابن هشام الأنصاريّ -﵀- في «مغنيه» ما معناه: لا تتّصل «ما» هذه إلا بثلاثة أفعال: «قلّ»، و«كثُر»، و«طال»، وعلّة ذلك شَبَهَهنّ بـ «رُبّ»، ولا يدخلن حينئذ إلا على جملة فعليّة، صُرّح بفعلها؛ كقوله [من الخفيف]: قَلَّمَا يَبْرَحُ اللَّبِيبُ إِلَى مَا … يُورِثُ الْمَجْدَ دَاعِيًا أَوْ مُجِيبَا وزعم بعضهم أن «ما» مع هذا الأفعال مصدرّية، لا كافّة. انتهى . وعلى هذا فالفعل بعدها صلتها، وهي في تأويل المصدر فاعل «قَلَّ». وقال الأمير في «حاشيته» ما معناه: وزاد بعضهم على هذه الأفعال: «قَصُرَ»، قال: وهي أفعال لا فاعل لها؛ كالتوكيد اللفظيّ، في: قام قام زيد، وكان الزائدةِ. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد نظمت ذلك بقولي: وَ«مَا» تَكُفُّ «طَالَ» «قَلَّ» «كَثُرَا» … وَبَعْضُهُمْ زَادَ عَلَيْهَا «قَصُرَا» وَلَا يَلِي الْفَاعِلُ هَذِهِ كَمَا … فِي قَامَ قَامَ إِذْ مُؤَكِّدًا سَمَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ «مَا» مُؤَوِّلَهْ … فَمَعَ مَا يَلِي تَكُونُ فَاعِلَهْ (وَضِيئَةٌ) بوزن عظيمة، من الوضأءة، وهو الحُسن والجمال؛ أي: حسنة جميلة، وكانت عائشة كذلك، ووقع في رواية بن ماهان: «حَظِيّة» بمهملة، ثم معجمة، من الحظوة، وهي الوجاهة، ورفعة المنزلة، وفي رواية هشام: «ما كانت امرأة حسناء»، (عِنْدَ رَجُلٍ) خبر «كان»، (يُحِبُّهَا) نعت لـ «رجل» وقوله: (وَلَهَا ضَرَائِرُ) جملة في محلّ نصب على الحال، و«الضرائر»: جمع ضَرّة، وقيل للزوجات: ضرائر؛ لأن كل واحدة يحصل لها الضرر من الأخرى بالغيرة. (إِلَّا كَثَّرْنَ)؛ أي: الضرائر، (عَلَيْهَا)؛ أي: أكثرن القول بالنقيصة والعيب لتلك المرأة الوضيئة، وقال في «الفتح»: «أكثرن عليها» في رواية الكشميهنيّ: «كَثّرن» بالتشديد؛ أي: القول في عيبها، وفي رواية ابن حاطب: «لقلما أحبّ رجلٌ امرأته، إلا قالوا لها نحو ذلك»، وفي رواية هشام: «إلا حسدنها، وقيل فيها»، وفي هذا الكلام من فطنة أمها، وحسن تأتّيها في تربيتها ما لا مزيد عليه، فإنها عَلِمت أن ذلك يعظم عليها، فهَوَّنت عليها الأمر بإعلامها بأنها لم تنفرد بذلك؛ لأن المرء يتأسى بغيره فيما يقع له، وأدمجت في ذلك ما تُطَيّب به خاطرها من أنها فائقة في الجمال، والحظوة، وذلك مما يُعجب المرأة أن توصف به، مع ما فيه من الإشارة إلى ما وقع من حمنة بنت جحش، وأن الحامل لها على ذلك كون عائشة ضرة أختها زينب بنت جحش، وعُرف من هذا أن الاستثناء في قولها إلا أكثرن عليها متصلٌ؛ لأنها لم تقصد قصتها بعينها، بل ذكرت شأن الضرائر، وأما ضرائرها هي، فإنهنّ وإن كنّ لم يصدر منهم في حقها شيء، مما يصدر من الضرائر، لكن لم يُعدَم ذلك ممن هو منهن بسبيل، كما وقع من حمنة؛ لأن ورع أختها منعها من القول في عائشة، كما منع بقيةَ أمهات المؤمنين، وإنما اختصت زينب بالذِّكر؛ لأنها التي كانت تضاهي عائشة في المنزلة. انتهى . (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ) استغاثت باللَّه تعالى، متعجبة من وقوع مثل ذلك في حقها، مع براءتها المحققة عندها، (وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟) الإفك، زاد الطبريّ من طريق معمر، عن الزهريّ: «وبلغ رسول اللَّه -ﷺ-؟ قالت: نعم»، وفي رواية هشام: «فقلت: وقد عَلِم به أبي؟ قالت: نعم، قلت: ورسول اللَّه -ﷺ-؟ قالت: نعم ورسول اللَّه -ﷺ-، وفي رواية ابن إسحاق:»فقلت لأمي: غفر اللَّه لك، يتحدث الناس بهذا، ولا تذكرين لي«، وفي رواية ابن حاطب، عن علقمة:»ورجعت إلى أبويّ، فقلت: أما اتقيتما اللَّه فيّ، وما وصلتما رحمي، يتحدث الناس بهذا، ولم تُعلماني«، وفي رواية هشام بن عروة:»فاستعبرت، فبكيت، فسمع أبو بكر صوتي، وهو فوق البيت يقرأ، فقال لأمي: ما شأنها؟ فقالت: بلغها الذي ذُكر من شأنها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنية، إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت«، وفي رواية معمر، عند الطبرانيّ:»فقالت أمي: لم تكن علمت ما قيل لها، فأكبَّت تبكي ساعة، ثم قال: اسكتي يا بنية«. (قَالَتْ) عائشة: (فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ) بالقاف، بعدها همزة؛ أي: لا ينقطع، من رقأ الدمع: إذا انقطع، (وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ)؛ أي: لا أنام، وهو استعارة للسهر، ووقع في رواية مسروق، عن أم رُومان:«فخَرَّتْ مغشيًّا عليها، فما استفاقت إلا وعليها حُمَّى بنافض، فطرحتُ عليها ثيابها، فغطيتها»، وفي رواية الأسود، عن عائشة:«فألقت عليّ أمي كلَّ ثوب، في البيت». [تنبيه]: طُرُق حديث الإفك مجتمعة على أن عائشة -﵂- بلغها الخبر من أم مسطح -﵂-، لكن وقع في حديث أم رُومان ما يخالف ذلك، ولفظه:«بينا أنا قاعدة، أنا وعائشة، إذ وَلَجت علينا امرأة من الأنصار، فقالت: فعل اللَّه بفلان، وفعل، فقلت: وما ذاك؟ قالت: ابني ومن حدّث الحديث، قالت: وما ذلك؟ قالت: كذا وكذا، هذا لفظ البخاريّ في »المغازي«، ولفظه في قصة يوسف: »قالت: إنه نَمَى الحديث، فقالت عائشة: أيُّ حديث؟ فأخبرتها، قالت: فسمعه أبو بكر؟ قالت: نعم، قالت: ورسول اللَّه -ﷺ-؟ قالت: نعم، فخَرَّت مغشيًّا عليها«. قال الحافظ -﵀-: وطريق الجمع بينهما أنها سمعت ذلك أَوّلًا من أم مسطح، ثم ذهبت لبيت أمها لتستيقن الخبر منها، فأخبرتها أمها بالأمر مجملًا، كما مضى من قولها: «هَوِّني عليك»، وما أشبه ذلك، ثم دخلت عليها الأنصارية، فأخبرتها بمثل ذلك، بحضرة أمها، فقوي عندها القطع بوقوع ذلك، فسألت: هل سمعه أبوها، وزوجها؟ ترجيًّا منها أن لا يكونا سمعا ذلك؛ ليكون أسهل عليها، فلما قالت لها إنهما سمعاه، غُشي عليها، قال: ولم أقف على اسم هذه المرأة الأنصارية، ولا على اسم ولدها. انتهى . (ثُمَّ أَصَبَحْتُ)؛ أي: دخلت في الصباح، والحال أني (أَبْكِي) من شدّة الحزن على ما قيل، (وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) هذا ظاهره أن السؤال وقع بعدما عَلِمت بالقصة؛ لأنها عَقَّبت بكاءها تلك الليلة بهذا، ثم عَقَّبت هذا بالخطبة، ورواية هشام بن عروة تُشعر بأن السؤال والخطبة وقعا قبل أن تعلم عائشة بالأمر، فإن في أول رواية هشام، عن أبيه، عن عائشة: «لما ذُكر من شأني الذي ذُكر، وما علمت به، قام رسول اللَّه -ﷺ- خطيبًا»، فذكر قصة الخطبة الآتية. ويمكن الجمع بأن الفاء في قوله: «فدعا» عاطفة على شيء محذوف، تقديره: وكان رسول اللَّه -ﷺ- قبل ذلك قد سمع ما قيل، فدعا عنيًّا. (وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زيدٍ) -﵃-، وفي حديث ابن عمر: «وكان إذا أراد أن يستشير أحدًا في أمر أهله، لم يَعْدُ عليًّا وأُسامة»، لكن وقع في رواية الحسن العربي عن ابن عباس، عند الطبرانيّ أنه -ﷺ- استشار زيد بن ثابت، فقال: دعها، فلعل اللَّه يُحدث لك فيها أمرًا، قال الحافظ: وأظنّ في قوله: ابن ثابت تغيير، وأنه كان في الأصل ابن حارثة، وفي رواية الواقديّ: أنه سأل أم أيمن، فبرّأتها، وأم أيمن هي والدة أسامة بن زيد، وسيأتي أنه سأل زينب بنت جحش أيضًا. (حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوحْيُ)؛ أي: أبطأ، وتأخّر، ولم ينزل، قاله في «العمدة» ، وقال في «الفتح»: قوله: «حين استلبث الوحيُ» بالرفع، أي: طال لُبث نزوله، وبالنصب، أي: أستبطأ النبيّ -ﷺ- نزوله. انتهى . والمراد من الوحي: هو المتعلّق بشأن عائشة -﵂-، لا مطلق الوحي، واللَّه اتعالى أعلم. وقوله: (يَسْتَشِيرُهُمَا) جملة حاليّة مقدّرة، وهو من الاستشارة، يقال: شَاوَرْتُهُ في كذا، واسْتَشَرْتُهُ: راجعته لأرى رأيه فيه، فَأَشَارَ عليّ بكذا: أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إِشَارَةٌ حسنةً، والاسم المَشُورَةُ، وفيها لغتان: سكون الشين، وفتح الواو، والثانية: ضمّ الشين، وسكون الواو، وزان، مَعُونةٍ ويقال: هي من شَارَ الدابةَ: إذا عَرَضها في الْمِشْوَار، ويقال: من شُرْتُ العسل، شبّه حُسن النصيحة بشرب العسل، قاله الفيّوميّ . (فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ)؛ أي: عائشة، وإنما عَدَلت عن قولها: «في فراقي» إلى قولها: «فراق أهله»؛ لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها. (قَالَتْ) عائشة: (فَامَّا أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالَّذِي يَعْلَمُ)؛ أي: بما يعلمه من حال عائشة -﵂-، وهو براءتها عن الفواحش والرذائل، وقولها: (مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِا) بيان للموصول، (وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ)؛ أي: لأهل النبيُّ -ﷺ-، (مِنَ الْوُدِّ)؛ أي: من محبّته لهم، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُمْ أَهْلُكَ) هكذا رواية مسلم، ولفظ البخاريّ: «أهلُك»، قال في «العمدة»: رُوي بالنصب؛ أي: ألزم أهلك، وروي بالرفع؛ أي: هي أهلك، لا تسمع فيها شيئًا. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «أهلك» بالرفع، فإن في رواية معمر: «هم أهلك»، ولو لم تقع هذه الرواية لجاز النصب؛ أي: أمسك، ومعناه: هم أهلك؛ أي: العفيفة اللائقة بك، ويَحْتَمِل أن يكون قال ذلك متبرئًا من المشورة، ووَكَل الأمر إلى رأي النبيّ -ﷺ-، ثم لم يكتف بذلك حتى أخبر بما عنده، فقال: ولا نعلم إلا خيرًا، وإطلاق الأهل على الزوجة شائع، قال ابن التين: أطلق عليها أهلًا، وذكرها بصيغة الجمع، حيث قال: «هم أهلك» إشارةً إلى تعميم الأزواج بالوصف المذكور. انتهى، ويَحْتَمِل أن يكون جمع لإرادة تعظيمها. انتهى . (وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا) لا نعلم في شأن عائشة إلا خيرًا كثيرًا من أنها عفيفة ورعة، تقيّة، نقيّة بريئة مما اُلصق بها، زورًا، وبُهتانًا، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. (وَأمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) -﵁- (فَقَالَ) زاد في رواية للبخاريّ: «يا رسول اللَّه» (لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كثِيرٌ) قال في «الفتح»: كذا للجميع بصيغة التذكير، كأنه أراد الجنس، مع أن لفظ فَعيل يشترك فيه المذكر والمؤنث إفرادًا وجمعًا، وفي رواية الواقديّ: «قد أحلّ لك، وأطاب، طَلِّقها، وانكِحْ غيرها»، وهذا الكلام الذي قاله عليّ -﵁- حَمَله عليه ترجيح جانب النبيّ -ﷺ- لِمَا رأى عنده من القلق بسبب القول الذي قيل، وكان -ﷺ- شديد الغيرة، فرأى عليّ -﵁- أنه إذا فارقها، سَكَن ما عنده من القلق بسببها، إلى أن يتحقق براءتها، فيمكن رجعتها، ويستفاد منه ارتكاب أخفّ الضررين لذهاب أشدّهما. وقال النوويّ : رأى ذلك هو المصلحة في حقّ النبيّ -ﷺ-، واعتقد ذلك لِمَا رأى من انزعاجه، فبذل جهده في النصيحة لإرادة راحة خاطره -ﷺ-. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة : لم يجزم عليّ بالإشارة بفراقها؛ لأنه عقب ذلك بقوله: «وسَلِ الجارية تصدقك»، ففوّض الأمر في ذلك إلى نظر النبيّ -ﷺ-، فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر، إلى أن تَطَّلع على براءتها؛ لأنه كان يتحقق أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة. والعلة في اختصاص عليّ وأسامة -﵄- بالمشاورة أن عليًّا كان عنده كالولد؛ لأنه ربّاه من حال صغره، ثم لم يفارقه، بل وازداد اتصاله بتزويج فاطمة -﵄-، فلذلك كان مخصوصًا بالمشاورة فيما يتعلق بأهله، لمزيد اطلاعه على أحواله أكثر من غيره، وكان أهل مشورته فيما يتعلق بالأمور العامّة أكابر اللَّه صحابة، كأبي بكر، وعمر، وأما أسامة فهو كعليّ في طول الملازمة، ومزيد الاختصاص والمحبة، ولذلك كانوا يُطلقون عليه أنه حِبّ رسول اللَّه -ﷺ-، وخَصَّه دون أبيه وأمه، لكونه كان شابًّا كعليّ، وإن كان عليّ أسن منه، وذلك أن للشاب من صفاء الذهن ما ليس لغيره، ولأنه أكثر جُرأة على الجواب بما يظهر له من المسنّ؛ لأن المسنّ غالبًا يحسب العاقبة، فربما أخفى ما يظهر له رعاية للقائل تارةً، والمسؤول عنه أخرى، مع ما ورد في بعض الأخبار أنه استشار غيرهما. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: وقع بسبب هذا الكلام من عليّ نسبة عائشة إياه إلى الإساءة في شأنها، كما تقدم من رواية الزهريّ عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة في «المغازي»، وما (٣٩١١) - حدّثني عبد اللَّه بن محمد، قال: أملى علي هشام بن يوسف من حفظه، أخبرنا معمر، عن الزهريّ قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليًّا كان فيمن قذف عائشة؟ قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أن عائشة -﵂- قالت لهما: كان عليّ مُسَلّمًا في شأنها. . . إلخ. راجع به الوليد بن عبد الملك من ذلك، فأغنى عن إعادته، وقد وضح عذر عليّ -﵁- في ذلك. انتهى . (وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ) هي بريرة مولاة عائشة -﵄-، (تَصْدُقْكَ)؛ أي: تخبرك خبرًا صادقًا عن شأنها، وفي رواية مِقسم، عن عائشة: «أَرْسِل إلى بريرة خادمها، فَسَلْها، فعسى أن تكون قد اطّلعت على شيء من أمرها». (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَرِيرَةَ) -بفتح الموحّدة، وكسر الراء- وفي رواية مِقسم: «فأرسل إلى بريرة، فقال لها: أتشهدين أني رسول اللَّه؟ قالت: نعم، قال: فإني سائلك عن شيء، فلا تكتمينه، قالت: نعم، قال: هل رأيت من عائشة ما تكرهينه؟ قالت: لا». وقد قيل: إن تسميتها هنا وَهَمٌ؛ لأن قصّتها كانت بعد فتح مكة، كما ثبت أنها لمّا خُيِّرت، فاختارت نفسها، كان زوجها يبكي، فقال النبيّ -ﷺ- للعباس: «يا عباس ألا تعجب من حبّ مغيث بريرة. . .» الحديث. ويمكن الجواب بأن تكون بريرة كانت تخدُم عائشة، وهي في رقّ مواليها، وأما قصتها معها في مكاتبتها، وغير ذلك فكان بعد ذلك بمدّة، أو أن اسم هذه الجارية المذكورة في قصّة الإفك وافق اسم بريرة التي وقع لها التخيير. قال الحافظ: وجزم البدر الزركشيّ فيما استدركته عائشة على الصحابة أن تسمية هذه الجارية بريرة مدرجة من بعض الرواة، وأنها جارية أخرى، وأخذه من ابن القَيّم الحنبليّ، فإنه قال: تسميتها ببريرة وَهَمٌ من بعض الرواة، فإن عائشة إنما اشترت بريرة بعد الفتح، ولمّا كاتبتها عقب شرائها، وعتقت خُيِّرت فاختارت نفسها، فظنّ الراوي أن قول عليّ: وسَلِ الجارية تصدقك أنها بريرة، فغلط، قال: وهذا نوع غامض لا ينتبه له إلا الحذاق. قال الحافظ: وقد أجاب غيره بأنها كانت تخدُم عائشة بالأجرة، وهي في رقّ مواليها قبل وقوع قصتها في المكاتبة، وهذا أَولى من دعوى الإدراج، وتغليط الحفاظ. انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد الحافظ في هذا التعقّب، فإن تغليط الحفّاظ مع إمكان الحمل المذكور ليس له وجه، فتأمله بالإمعان، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ) -ﷺ-: («أَيْ بَرِيرَةُ)»أيْ«حرف نداء، وتقدّم الخلاف فيها، هل هي للبعيد، أم للقريب، أو للوسط؟ (هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ)»من«زائدة، و»شيء«مفعول به لـ»رأيت«، وقوله: (يَرِيبُكِ) تقدّم أنه بفتح حرف المضارعة، وضمّه، صفة لـ»شيء«؛ أي: يشكّكك فيما قاله أهل الإفك (مِنْ عَائِشَةَ؟») -﵂-، ولفظ البخاريّ: «أي بريرةُ، هل رأيت من شيء يريبك؟»، وفي رواية هشام بن عروة: «فانتهرها بعض أصحابه، فقال: اصدقي رسول اللَّه -ﷺ-»، وفي رواية أبي أويس: «أن النبيّ -ﷺ- قال لعليّ: شأنك بالجارية، فسألها عليّ، وتوعدها، فلم تخبره إلا بخير، ثم ضربها، وسألها، فقالت: واللَّه ما علمت على عائشة سوءًا»، وفي رواية ابن إسحاق: «فقام إليها عليّ، فضربها ضربًا شديدًا، يقول: اصدقي رسول اللَّه -ﷺ-»، ووقع في رواية هشام: «حتى أسقطوا لها به»، يقال: أسقط الرجل في القول: إذا أتى بكلام ساقط، والضمير في قوله: «به» للحديث، أو الرجل الذي اتهموها به. وحَكَى عياض أن في رواية ابن ماهان في مسلم: «حتى أسقطوا لهاتها» بمثناة مفتوحة، وزيادة ألف بعد الهاء، قال: وهو تصحيف؛ لأنهم لو أسقطوا لهاتها، لم تستطع الكلام، والواقع أنها تكلمت، فقالت: سبحان اللَّه إلخ، وفي رواية حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عند الطبرانيّ: «فقال: لست عن هذا أسألك، قالت: نعمة، فلما فَطِنت قالت: سبحان اللَّه»، وهذا يدلّ على أنَّ المراد بقوله في الرواية: «حتى أسقطوا لها به» حتى صرّحوا لها بالأمر، فلهذا تعجبت. وقال ابن الجوزيّ : «أسقطوا لها به»؛ أي: صرحوا لها بالأمر، وقيل: جاؤوا في خطابها بسقط من القول. ووقع في رواية الطبريّ من طريق أبي أسامة: «قال عروة: فجيبَ ذلك على من قاله». وقال ابن بطال : يَحْتَمِل أن يكون من قولهم: سقط إلى الخبر: إذا علمه، قال الشاعر: إِذَا هُنَّ سَاقَطْنَ الْحَدِيثَ وَقُلْنَ لِي … . . . . . . . . . . . . قال: فمعناه: ذكروا لها الحديث، وشرحوه . (قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ) -﵂-: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ) نافية؛ أي: ما (رَأَيْتُ عَلَيْهَا)؛ أي: على عائشة -﵂-، (أَمْرًا)؛ أي: مما تسألون عنه شيئًا أصلًا، وأما من غيره ففيها ما ذكرت من غلبة النوم؛ لصغر سنّها، ورطوبة بدنها. (قَطُّ)؛ أي: فيما مضى من الزمن، (أَغْمِصُهُ) بفتح الغين المعجمة، وكسر الصاد المهملة، وفتحها، من باب ضرب، وسَمِعَ، وفَرِح، يقال: غَمِصَهُ، غمصًا، احتقره، وعابه، كاغتمصه، قاله المجد ؛ أي: أعيبه (عَلَيْهَا)؛ أي: على عائشة -﵂- (أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ) بدال مهملة، ثم جيم: الشاة التي تألف البيت، ولا تخرج إلى المرعى، وقيل: هي كل ما يألف البيوت مطلقًا، شاة، أو طيرًا، قال النوويّ -﵀-: ومعنى هذا الكلام: أنه ليس فيها شيء مما تسألون عنه أصلًا، ولا فيها شيء من غيره، إلا نومها عن العجين (فَتَأْكُلُهُ) الداجن، وفي رواية ابن إسحاق: «ما كنت أعيب عليها إلا أني كنت أعجن عجيني، وآمرها أن تحفظه، فتنام عنه»، وفي رواية مِقسم: «ما رأيت منها مذ كنت عندها، إلا أني عجنت عجينًا لي، فقلت: احفظي هذه العجينة، حتى أقتبس نارًا؛ لأخبزها، فغفلت، فجاءت الشاة، فأكلتها»، وهو يفسّر المراد بقوله في رواية الباب: «حتى تأتي الداجن». قال ابن المنير في «الحاشية»: هذا من الاستثناء البديع الذي يراد به المبالغة في نفي العيب، فغفلتها عن عجينها أبعد لها من مثل الذي رُميت به، وأقرب إلى أن تكون من الغافلات المؤمنات، وكذا في قولها في رواية هشام بن عروة: «ما علمت إلا ما يعلم الصائغ على الذهب الأحمر»؛ أي: كما لا يعلم الصائغ من المذهب الأحمر إلا الخلوص من العيب، فكذلك أنا لا أعلم منها إلا الخلوص من العيب. وفي رواية ابن حاطب، عن علقمة: «فقالت الجارية الحبشية: واللَّه لعائشة أطيب من المذهب، ولئن كانت صنعت ما قال الناس، لَيُخْبِرَنّك اللَّه، قالت: فعجب الناس من فقهها. (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ) وفي رواية أبي أويس:«ثم خرج حين سمع من بريرة ما قالت»، وفي رواية هشام بن عروة:«قام فينا خطيبًا، فتشهد، وحمد اللَّه، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد»، وزاد عطاء الخرسانيّ، عن الزهريّ هنا قبل قوله«فقام»:«وكانت أم أيوب الأنصاربة قالت لأبي أيوب: أما سمعت ما يتحدث الناس؛ فحدثته بقول أهل الإفك، فقال: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم». وروى الطبري من حديث ابن عمر:«قال: قال أسامة: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك» الآية، لكن أسامة مهاجريّ، فإن ثبت حُمِل على التوارد. وفي مرسل سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ ممن قال ذلك، وروى الطبريّ أيضًا من طريق ابن إسحاق: حدّثني أبي عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب قالت له أم أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلي، وذلك الكذب، أكنتِ فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا واللَّه، قال: فعائشة واللَّه خير منك، قالت: فنزل القرآن: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ الآية. وللحاكم من طريق أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب نحوه، وله من طريق أخرى قال: قالت أم طفيل لأبي بن كعب، فذكر نحوه. (فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ) أما «أُبَيّ» فمنوّن، و«ابن سلولَ» فبكتابة ألف «ابن»، وهو غير منصرف؛ للعلميّة، والتأنيث، كما سبق؛ أي: طاب من يَعذِره منه؛ أي: يُنصفه، قال الخطابيّ: يَحْتَمِل أن يكون معناه: من يقوم بعذره فيما رمى أهلي به من المكروه، ومن يقوم بعذري إذا عاقبته على سوء ما صدر منه، ورجّح النوويّ هذا الثاني، وقيل: معنى من يعذرني: من ينصرني، والعذير: الناصر، وقيل: المراد: من ينتقم لي منه، وهو كالذي قبله، ويؤيده قول سعد: أنا أعذرك منه. وقال الفيّوميّ -﵀-: عَذَرْتُهُ فيما صنع عَذْرًا، من باب ضرب: رفعتُ عنه اللوم، فهو مَعْذُورٌ؛ أي: غير ملوم، والاسم: العُذْرُ، وتُضم الذال للإتباع، وتسكن، والجمع أَعْذَارٌ، قال: وقولهم: مَن عَذِيرِي من فلان، ومن يَعْذرُنِي منه؛ أي: من يلومه على فعله، ويُنحي باللائمة عليه، ويَعْذِرُنِي في أمره، ولا يلومني عليه، وقيل: معناه: من يقوم بِعُذْرِي إذا جازيته بصنعه، ولا يلومني على ما أفعله به، وقيل: عَذِيرٌ بمعنى نصير؛ أي: من ينصرني، فيقال: عَذَرْتُهُ -من باب ضرب-: إذا نصرته. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: وقولها: «فاستعذر»؛ أي: طلب من يقبل عذره، كما قال: «من يَعذِرنِي من رجل قد بلغ أذاه في أهلي»؛ أي: من يقبل عذري في حقه، وعقوبته، فقال سعد: أنا أعذرك منه؛ أي: أقبل عذرك فيه. انتهى . (قَالَتْ) -﵂-: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة حاليّة من الفاعل، («يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي) من باب ضرب؛ أي: من يرفع عنّي اللوم (مِنْ رَجُلٍ)؛ أي: من أجل انتقامي منه، والرجل هو عبد اللَّه بن أبيّ المذكور، (قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي)؛ أي: في عائشة -﵂-، وفي رواية هشام بن عروة:»أشيروا عليّ في أناس أَبَنُوا أهلي«، وهو بفتح الموحّدة الخفيفة، والنون المضمومة. وحَكَى عياض أن في رواية الأصيليّ بتشديد الموحّدة، وهي لغة، ومعناه: عابوا أهلي، أو اتهموا أهلي، وهو المعتمَد؛ لأن الأَبَنَ بفتحتين: التهمة، وقال ابن الجوزيّ: المراد: رَمَوا أهلي بالقبيح، ومنه الحديث الذي في«الشمائل»في ذكر مجلسه -ﷺ-:«لا تُؤبن فيه الْحُرَم»، وحَكَى عياض أن في رواية عبدوس بتقديم النون الثقيلة على الموحّدة، قال: وهو تصحيف؛ لأن التأنيب هو اللوم الشديد، ولا معنى له هنا. انتهى، قال النوويّ -﵀-: وقد يوجه بأن المراد: لامُوهُم أشدّ اللوم فيما زعموا أنهم صنعوه، وهم لم يصنعوا شيئًا من ذلك، لكنه بعيد من صورة الحال، والأول هو المعتمَد، قال النوويّ -﵀-: التخفيف أشهر. وفي رواية ابن إسحاق:«ما بال أناس يؤذوني في أهلي»، وفي رواية ابن حاطب:«من يَعذِرني فيمن يؤذيني في أهلي، ويَجمع في بيته من يؤذيني»، ووقع في رواية الغسّاني المذكورة:«في قوم يسبّون أهلي»، وزاد فيه:«ما علمت عليهم من سوء قط». (فواللَّه مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي) عائشة -﵂-، وغيرها كذلك (إِلَّا خيْرًا)؛ أي: صلاحًا، وعفّةً، وتقوى، (وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا) هو صفوان بن الْمُعَطِّل -﵁-، زاد الطبريّ في روايته:«صالِحًا»، وزاد أبو أويس في روايته:«وكان صفوان بن المعطِّل قعد لحسان، فضربه ضربة بالسيف، وهو يقول [من الطويل]: تَلَقَّ ذَبَابَ السَّيْفِ مِنِّي فَإِنَّنِي … غُلَامٌ إِذُا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ فصاح حسان، ففَرّ صفوان، فاستوهب النبيّ -ﷺ- من حسان ضربة صفوان، فوهبها له. (مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ)؛ أي: على صفوان (إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي»، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيُّ) قال الحافظ: كذا هنا، وفي رواية معمر، وأكثر أصحاب الزهريّ، ووقع في رواية صالح بن كيسان:«فقام سعد أخو بني عبد الأشهل»، وفي رواية فُليح:«فقام سعد، ولم ينسبه»، وقد تعيّن أنه سعد بن معاذ؛ لِمَا وقع في رواية الباب وغيره، قال: وأما قول شيخ شيوخنا القطب الحلبيّ: وقع في نسخة سماعنا:«فقام سعد بن معاذ»، وفي موضع آخر:«فقام سعد أخو بني عبد الأشهل»، فيَحْتَمِل أن يكون آخر غير سعدًا بن معاذ، فإن في بني عبد الأشهل جماعة من الصحابة، يُسَمَّى كل منهم سعدًا، منهم سعد بن زيد الأشهليّ، شَهِد بدرًا، وكان على سبايا قريظة الذين بيعوا بنجد، وله ذِكر في عدة أخبار، منها في خطبة النبيّ -ﷺ- في مرض وفاته، قال: فيَحْتَمِل أن يكون هو المتكلم في قصة الإفك. قال الحافظ: وحَمَله على ذلك ما حكاه عياض وغيره من الإشكال في ذِكر سعد بن معاذ في هذه القصة، والذي جوّزه مردود بالتصريح بسعد بن معاذ في هذه الرواية، فأنكر كلام عياض، وما تيسَّر من الجواب عنه. قال عياض: في ذِكر سعد بن معاذ في هذا الحديث إشكال، لم يتكلم الناس عليه، ونبّهنا عليه بعض شيوخنا، وذلك أن الإفك كان في المريسيع، وكانت سنة ست، فيما ذَكر ابن إسحاق، وسعد بن معاذ مات من الرَّمْية التي رُميها بالخندق، فدعا اللَّه، فأبقاه حتى حَكَم في بني قريظة، ثم انفجر جُرحه، فمات منها، وكان ذلك سنة أربع عند الجميع، إلا ما زعم الواقديّ أن ذلك كان سنة خمس، قال: وعلى كل تقدير، فلا يصح ذكر سعد بن معاذ في هذه القصة، والأشبه أنه غيره، ولهذا لم يذكره ابن إسحاق في روايته، وجعل المراجعة أولًا وثانيًا بين أُسيد بن حُضير، وبين سعد بن عبادة، قال: وقال لي بعض شيوخنا: يصح أن يكون سعد موجودًا في المريسيع، بناءً على الاختلاف في تاريخ غزوة المريسيع، وقد حَكَى البخاريّ عن موسى بن عقبة، أنها كانت سنة أربع، وكذلك الخندق كانت سنة أربع، فيصح أن تكون المريسيع قبلها؛ لأن ابن إسحاق جزم بأن المريسيع كانت في شعبان، وأن الخندق كانت في شوال، فإن كانا من سنة واحدة استقام أن تكون المريسيع قبل الخندق، فلا يمتنع أن يشهدها سعد بن معاذ. انتهى. قال الحافظ: وقد قدَّمنا في المغازي أن الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة أن المريسيع كانت سنة خمس، وأن الذي نقله عنه البخاريّ من أنها سنة أربع سَبْق قَلَم، نعم والراجح أن الخندق أيضًا كانت في سنة خمس، خلافًا لابن إسحاق، فيصح الجواب المذكور. وممن جزم بأن المريسيع سنة خمس الطبريّ، لكن يعكر على هذا شيء لم يتعرضوا له أصلًا، وذلك أن ابن عمر ذكر أنه كان معهم في غزوة بني المصطلِق، وهو المريسيع، وثبت في «الصحيحين» أيضًا أنه عُرض في يوم أحد فلم يُجِزه النبيّ -ﷺ-، وعُرض في الخندق فأجازه، فإذا كان أول مشاهده الخندق، وقد ثبت أنه شهد المريسيع لزم أن تكون المريسيع بعد الخندق، فيعود الإشكال. ويمكن الجواب بأنه لا يلزم من كون ابن عمر كان معهم في غزوة بني المصطلِق، أن يكون أُجيز في القتال، فقد يكون صحب أباه، ولم يباشر القتال، كما ثبت عن جابر أنه كان يمنح الماء لأصحابه يوم بدر، وهو لم يشهد بدرًا باتفاق. وقد سلك البيهقيّ في أصل الإشكال جوابًا آخر؛ بناء على أن الخندق قَبْل المريسيع، فقال: يجوز أن يكون جُرْح سعد بن معاذ لَمْ ينفجر عقب الفراغ من بني قريظة، بل تأخر زمانًا، ثم انفجر بعد ذلك، وتكون مراجعته في قصة الإفك في أثناء ذلك، ولعله لم يشهد غزوة المريسيع لمرضه، وليس ذلك مانعًا له أن يجيب النبيّ -ﷺ- في قصة الإفك بما أجابه. قال الحافظ: وأما دعوى عياض أن الذين تقدموا لم يتكلموا على الإشكال المذكور، فما أدري من الذين عناهم، فقد تعرض له من القدماء إسماعيل القاضي، فقال: الأَولى أن تكون المريسيع قبل الخندق؛ للحديث الصحيح عن عائشة. واستشكله ابن حزم؛ لاعتقاده أن الخندق قبل المريسيع، وتعرض له ابن عبد البرّ، فقال: رواية من روى أن سعد بن معاذ راجَعَ في قصة الإفك سعد بن عبادة وَهَمٌ خطأ، وإنما راجع سعدُ بن عبادة أُسيد بن حضير، كما ذكره ابن إسحاق، وهو الصحيح، فإن سعد بن معاذ مات في منصرفهم من غزوة بني قريظة، لا يختلفون في ذلك، فلم يدرك المريسيع، ولا حضرها، وبالغ ابن العربيّ على عادته، فقال: اتفق الرواة على أن ذكر ابن معاذ في قصة الإفك وَهَمٌ، وتَبِعه على هذا الإطلاق القرطبيّ . انتهى . (فَقَالَ) سعد بن معاذ -﵁-: (أَنَا أَعْذِرُكَ)؛ أي: أنتقم لك (مِنْهُ)؛ أي: من هذا الرجل عبد اللَّه ابن أُبيّ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية فُليح: «فقال: أنا واللَّه أعذِرك منه»، ووقع في رواية معمر: «أعذرك منه» بحذف المبتدأ. (إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ) القبيلة المشهورة، وهي قبيلة سعد بن معاذ -﵁-، وهو: سعد بن معاذ -بضم الميم- ابن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن النبيت، واسمه عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسيّ الأشهليّ، أسلم على يد مصعب بن عمير، لمّا أرسله النبيّ -ﷺ- إلى المدينة يُعَلِّم المسلمين، شَهِد بدرًا، لم يختلفوا فيه، وشَهِد أُحُدًا، والخندق، ورماه يومئذ حِبَان ابن الْعَرِقَة في أكحله . (ضَرَبْنَا عُنُقَهُ) وفي رواية صالح بن كيسان: «ضربتُ» بضم المثناة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان سيدهم، فجزم بأن حُكْمه فيهم نافذ، لا يخالفه فيه، ولأن من آذى النبيّ -ﷺ- يجب قتله. (وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ) القبيلة المشهورة أيضًا، وهي قبيلة سعد بن عُبادة -﵁-، ولفظ البخاريّ: «وإن كان من إخواننا من الخزرج» بـ «من» في موضعين، فـ «من» الأولى تبعضية، والأخرى بيانية. (أَمَرْتَنَا) فيه بما تراه، (فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ)؛ أي: نفّذنا أمرك فيه، وفي رواية ابن جريج: «أتيناك به، ففعلنا فيه أمرك». (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) الصحابيّ المشهور -﵁-، وهو: سعد بن عُبادة -بضم العين- ابن دُليم بن حارثة بن أبي حَزِيمة -بفتح الحاء المهملة، وكسر الزاي، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الميم، بعدها هاء- ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر أخي الأوس بن حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو المزيقياء بن عامر ماء السماء، وأم الأوس والخزرج قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن قضاعة، وقيل: قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة، وكان نقيب بني ساعدة، شَهِد بدرًا عند بعضهم، وسار إلى الشام، فأقام بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة، ولم يختلفوا أنه وُجد ميتًا على مغتسله . وقولها: (وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ) جملة حاليّة من الفاعل، وفي رواية صالح بن كيسان: «فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بن ثابت بنت عمه، من فخذه، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج»، انتهى، وأم حسان اسمها الفُريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبد وَدّ بن زيد بن ثعلبة، وقوله: «من فخذه» بعد قوله: بنت عمه إشارة إلى أنها ليست بنت عمه حقيقةً؛ لأن سعد بن عبادة يجتمع معها في ثعلبة. (وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا) ولفظ البخاريّ: «وكان قبل ذلك رجلًا صالِحًا»؛ أي: كامل الصلاح، وفي رواية الواقديّ: «وكان صالِحًا، لكن الغضب بلغ منه، ومع ذلك لم يغمص عليه في دينه». (وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو هنا لمعظم رواة «صحيح مسلم»: «اجتهلته» بالجيم، والهاء: أي استخفّته، وأغضبته، وحملته على الجهل، وفي رواية ابن ماهان هنا: «احتملته» بالحاء، والميم، وكذا رواه ومسلم بعد هذا من رواية يونس، وصالح، وكذا رواه البخاريّ، ومعناه: أغضبته، فالروايتان صحيحتان. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «ولكن احتملته الحمية» كذا للأكثر: «احتملته» -بحاء مهملة، ثم مثناة، ثم ميم- أي: أغضبته، وفي رواية معمر عند مسلم، وكذا يحيى بن سعيد عند الطبرانيّ: «اجتهلته» بجيم، ثم مثناة، ثم هاء، وصوّبها الوقشيّ؛ أي: حملته على الجهل. انتهى . (فَقَالَ) سعد بن عبادة (لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ) بفتح العين المهملة، هو البقاء، وهو العُمر بضمها، لكن لا يُستعمل في القسم إلا بالفتح، وقوله: (لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ) زاد في رواية للبخاريّ: «ولو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتَلَ»، قال في «الفتح»: فسّرَ قولَهُ: «لا تقتله» بقوله: «ولا تقدر على قتله»؛ إشارةً إلى أن قومه يمنعونه من قتله، وأما قوله: «ولو كان من رهطك» فهو من تفسير قوله: «كذبت»؛ أي: في قولك: إن كان من الأوس ضربتُ عنقه، فنَسَبه إلى الكذب في هذه الدعوي، وأنه جزم أن يقتله إن كان من رهطه مطلقًا، وأنه إن كان من غير رهطه إن أُمر بقتله قتله، وإلا فلا، فكأنه قال له: بل الذي نعتقده على العكس بما نطقت به، وأنه إن كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل، ولكنه من غير رهطك، فأنت تحب أن يُقتل، وهذا بحسب ما ظهر له في تلك الحالة. ونقل ابن التين عن الداوديّ أن معنى قوله: «كذبت، لا تقتله» أن النبيّ -ﷺ- لا يجعل حكمه إليك، فلذلك لا تقدر على قتله، وهو حَمْل جيّد. وقد بيّنت الروايات الأخرى السبب الحامل لسعد بن عبادة على ما قال، ففي رواية ابن إسحاق: «فقال سعد بن عبادة: ما قلت هذه المقالة، إلا أنك علمت أنه من الخزرج»، وفي رواية ابن حاطب: «فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ، واللَّه ما بك نصرة رسول اللَّه -ﷺ-، ولكنها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهلية، وإِحَنٌ لم تُحْلَل لنا من صدوركم، فقال ابن معاذ: اللَّه أعلم بما أردتُ». وفي حديث ابن عمر:«إنما طلبت به دخول الجاهلية». وقال ابن التين: قول ابن معاذ:«إن كان من الأوس ضربتُ عنقه»إنما قال ذلك؛ لأن الأوس قومه، وهم بنو النجار، ولم يقل في الخزرج؛ لِمَا كان بين الأوس والخزرج من التشاحن قبل الإسلام، ثم زال بالإسلام، وبقي بعضه بحكم الأَنَفة، قال: فتكلم سعد بن عبادة بحكم الأَنَفة، ونفى أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وهو من الأوس، قال: ولم يُرد سعد بن عبادة الرضا بما نُقل عن عبد اللَّه بن أُبَيّ، وإنما بمعنى قول عائشة:«وكان قبل ذلك رجلًا صالِحًا»، أي: لم يتقدم منه ما يتعلق بالوقوف مع أنفة الحمية، ولم تُرد أنه ناضل عن المنافقين، وهو كما قال، إلا أن دعواه أن بني النجار قوم سعد بن معاذ خطأ، وإنما هم من رهط سعد بن عبادة، ولم يَجْر لهم في هذه القصة ذِكر. وقد تأوّل بعضهم ما دار بين السعدين بتأويل بعيد، فارتكب شططًا، فزعم أن قول سعد بن عبادة:«لا تقتله، ولا تقدر على قتله»، أي: إن كان من الأوس، واستَدَلَّ على ذلك بأن ابن معاذ لم يقل في الخزرجي ضربنا عنقه، وإنما قال ذلك في الأوسيّ، فدلّ على أن ابن عبادة لم يقل ذلك حمية لقومه؛ إذ لو كان حمية لم يوجهها رهط غيره، قال: وسبب قوله ذلك أن الذي خاض في الإفك كان يُظهر الإسلام، ولم يكن النبيّ -ﷺ- يقتل من يُظهر الإسلام، وأراد أن بقية قومه يمنعونه منه، إذا أراد قتله، إذا لم يصدر من النبيّ -ﷺ- أمْر بقتله، فكأنه قال: لا تقل ما لا تفعل، ولا تَعِدْ بما لا تقدر على الوفاء به. ثم أجاب عن قول عائشة: «احتملته الحمية» بأنها كانت حينئذ منزعجة الخاطر؛ لِمَا دهمها من الأمر، فقد يقع في فهمها ما يكون أرجح منه. وعن قول أُسيد بن حضير الآتي بأنه حَمَل قول ابن عبادة على ظاهر لفظه، وخَفِي عليه أن له محملًا سائغًا. انتهى. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التعسف، من غير حاجة إلى ذلك، وقوله: إن عائشة قالت ذلك، وهي منزعجة الخاطر مردود؛ لأن ذلك إنما يتمّ لو كانت حدّثت بذلك عند وقوع الفتنة، والواقع أنها إنما حدّثت بها بعد دهر طويل، حتى سمع ذلك منها عروة، وغيره، من التابعين، كما قدَّمت الإشارة إليه، وحينئذ كان ذلك الانزعاج، وزال، وانقضى. والحقّ أنها فهمت ذلك عند وقوعه بقرائن الحال، وأما قوله: «لا تقدر على قتله» مع أن سعد بن معاذ لم يقل بقتله، كما قال في حقّ من يكون من الأوس، فإن سعد بن عبادة فَهِم أن قول ابن معاذ: أمرتنا بأمرك؛ أي: إن أمرتنا بأمرك، أي: أمرتنا بقتله قتلناه، وإن أمرت قومه بقتله قتلوه، فنَفَى سعدُ بن عبادة قدرة سعد بن معاذ على قتله، إن كان من الخزرج؛ لعلمه أن النبيّ -ﷺ- لا يأمر غير قومه بقتله، فكأنه أيأسه من مباشرة قتله، وذلك بحكم الحمية التي أشارت إليها عائشة، ولا يلزم من ذلك ما فهمه المذكور أنه يَرُدّ أمر النبيّ -ﷺ- بقتله، ولا يمتثله، حاشا لسعد من ذلك. وقد اعتذر المازريّ عن قول أُسيد بن حضير لسعد بن عبادة: إنك منافق أن ذلك وقع منه على جهة الغيظ، والْحَنَق، والمبالغة في زجر سعد بن عبادة عن المجادلة عن ابن أُبَيّ وغيره، ولم يُرِد النفاق الذي هو إظهار الإيمان، وإبطان الكفر، قال: ولعله -ﷺ- إنما ترك الإنكار عليه لذلك، وسيأتي ذِكر ما في فوائد هذا الحديث في آخر شرحه زيادة في هذا -إن شاء اللَّه تعالى-. (فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) هو: أُسيد -بضم الهمزة- ابن حُضير -بضم إلى ناء المهملة، وفتح الضاد المعجمة- ابن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيده بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسيّ الأسهليّ، أبو يحيى، أسلم على يد مصعب بن عمير بالمدينة بعد العقبة الأُولى، وقيل الثانية، واختُلف في شهوده بدرًا، فنفاه ابن إسحاق، والكلبيّ، وأثبته غيرهما، وشهد أُحُدًا، وما بعدها من المشاهد، وشَهِد مع عمر -﵄- فتح البيت المقدّس، مات بالمدينة سنة عشرين، وصلى عليه عمر -﵄- . (وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ)؛ أي: من رهطه، ولم يكن ابن عمه حقيقة؛ لأنه سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، وأُسيد بن حُضير بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس إنما يجتمعان في امرئ القيس، وهما في التعدد إليه سواء. (فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ)؛ أي: ولو كان من الخزرج، إذا أمرنا النبيّ -ﷺ- بذلك، وليست لكم قدرة على منعنا من ذلك، (فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ، تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ) أطلق أُسيد -﵁- ذلك مبالغة في زجره عن القول الذي قاله، وأراد بقوله: «فإنك منافق»؛ أي: تصنع صنيع المنافقين، وفسّره بقوله: «تجادل عن المنافقين»، وقابل قوله لسعد بن معاذ: «كذبت، لا تقتله» بقوله هو: «كذبت لنقتلنّه»، وقال المازريّ: إطلاق أسيد لم يُرِد به نفاق الكفر، وإنما أراد أنه كان يُظهر المودة للأوس، ثم ظهر منه في هذه القصة ضدّ ذلك، فأشبه حال المنافق؛ لأن حقيقته إظهار شيء، وإخفاء غيره، ولعل هذا هو السبب في تَرْك إنكار النبيّ -ﷺ- عليه. (فَثَارَ)؛ أي: تناهضوا للنزاع، والعصبية، وأصله من ثار الشيء يثور: إذا ارتفع، وانتشر، ولفظ البخاريّ: «فتثاور» بمثناة، ثم مثلّثة، تفاعل من الثورة. (الْحَيَّانِ) بحاء مهملة، ثم تحتانية مشدّدة: تثنية حيّ، والحيّ القبيلة؛ أي: تناهضوا للنزاع والعصبية، وقوله: (الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ) بدل من «الحيان»، والمعنى: نهض الحيّان بعضهم إلى بعض من الغضب، ووقع في حديث ابن عمر: «وقام سعد بن معاذ، فسَلّ سيفه». (حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا)؛ أي: حتى قصدوا المحاربة، وتناهضوا للنزاع، وزاد ابن جريج في روايته، في قصة الإفك هنا: «قال: قال ابن عباس: فقال بعضهم لبعض: موعدكم الحرّة»، أي: خارج المدينة؛ لتتقاتلوا هناك. (وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُخَفِّضُهُمْ)؛ أي: يتلطف بهم ليسكتوا (حَتَّى سَكَتُوا)؛ أي: الحيّان، (وَسَكَتَ) النبيّ -ﷺ-، وفي رواية ابن حاطب: «فلم يزل يومئ بيده إلى الناس ها هنا، حتى هدأ الصوت»، وفي رواية فُليح: «فنزل، فخفّضهم، حتى سكتوا»، ويُحْمَل على أنه سكّتهم، وهو على المنبر، ثم نزل إليهم أيضًا ليكمل تسكيتهم، ووقع في رواية عطاء الخرسانيّ، عن الزهريّ: «فحجز بينهم». (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ) وفي رواية البخاريّ: «فمكثت يومي ذلك»، (لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ)؛ أي: لا ينقطع، (وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ) كناية عن عدم نومها بالكلّيّة، زاد في رواية البخاريّ: «فأصبح أبواي عندي»؛ أي: أنهما جاءا إلى المكان الذي هي فيه من بيتهما، لا أنها رجعت من عندهما إلى بيتها، ووقع في رواية محمد بن ثور، عن معمر، عند الطبريّ: «وأنا في بيت أبويّ»، (ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ) وفي رواية البخاريّ: «وقد بكيت ليلتين، ويومًا»؛ أي: الليلة التي أخبرتها فيها أم مسطح الخبر، واليوم الذي خطب فيه النبيّ -ﷺ- الناس، والليلة التي تليه، ووقع في رواية فُليح: «وقد بكيت ليلتي ويومًا»، قال في «الفتح»: وكأن الياء مشدّدة، ونَسَبتهما إلى نفسها؛ لِما وقع لها فيها. انتهى. (لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ)، وفي رواية فُليح: «حتى أظنّ»، ويُجمع بأن الجميع كانوا يظنون ذلك، (أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ) من فلق الشيء: إذا شقّه، (كَبِدِي) بفتح الكاف، وكسر الموحّدة، قال الفيوميّ -﵀-: الكبد من الأمعاء معروفة، وهي أنثي، وقال الفرّاء: تُذكّر، وتؤنَّث، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وسكون الباء، والجمع أكباد، وكبود قليلًا. انتهى . وقال المجد: الكبد بالفتح، والكسر، وكَكَتِف: معروف، وقد يُذكّر. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول أن الكبد فيه ثلاث لغات: فتح الكاف، وكسر الموحّدة، وسكونها، مع فتح الكاف، وكسرها، واللَّه تعالى أعلم. (فَبَيْنَمَا هُمَا) وفي رواية للبخاريّ: «فبينا هما»، (جَالِسَانِ عِنْدِي، وَ) الحال (أَنَا أَبْكِي)، وقولها: (اسْتَأْذَنَتْ) جواب «بينما»؛ أي: طلبت الإذن منّي في الدخول عليّ، (عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمها. (فَأَذِنْتُ لَهَا) في الدخول (فَجَلَسَتْ تَبْكِي) معي تحزّنًا عليّ. (قَالَتْ) عائشة: (فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ)، وفي رواية للبخاريّ: «فينا نحن كذلك»، (دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-)، وفي رواية هشام بن عروة: «فأصبح أبواي عندي، فلم يزالا، حتى دخل عليّ رسول اللَّه -ﷺ-، وقد صلى العصر، وقد اكتنفني أبواي، عن يميني، وعن شمالي»، وفي رواية ابن حاطب: «وقد جاء رسول اللَّه -ﷺ- حتى جلس على سريرٍ وجاهي»، وفي حديث أم رومان: «أن عائشة في تلك الحالة كانت بها الحمى النافض، وأن النبيّ -ﷺ- لمّا دخل، فوجدها كذلك، قال: ما شأن هذه؟ قالت: أخذتها الحمى بنافض، قال: فلعله في حديث تُحُدّث؟ قالت: نعم، فقعدت عائشة». (فَسَلَّمَ) -ﷺ- (ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَدْ لَبِثَ) بكسر الباء؛ أي: مكث -ﷺ- (شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ) حَكَى السهيليّ أن بعض المفسرين ذكر أن المدة كانت سبعة وثلاثين يومًا، فألغى الكسر في هذه الرواية، وعند ابن حزم أن المدة كانت خمسين يومًا، أو أَزْيد، ويُجمع بأنها المدة التي كانت بين قدومهم المدينة، ونزول القرآن في قصة الإفك، وأما التقييد بالشهر، فهو المدّة التي أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها حين بلغها الخبر. (قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ جَلَسَ) وفي رواية هشام بن عروة: «فحَمِد اللَّه، وأثنى عليه»، (ثُمَّ قَالَ) بعد التشهّد: («أَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضمّ، لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد التشهّد، (يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا) هو كناية عما رُميت به، من الإفك، قال القرطبيّ: وهذا يدلّ على أنَّ كذا وكذا يُكنى بها عن الأحوال، كما يُكنى بها عن الأعداد. انتهى . وقال الحافظ: ولم أر في شيء من الطرق التصريح، فلعل الكناية من لفظ النبيّ -ﷺ-، ووقع في رواية ابن إسحاق:«فقال: يا عائشة، إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فاتقِ اللَّه، كان كنت قارفت سوءًا فتوبي»، (فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً) مما رُميت به (فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ)؛ أي: بوحي يُنزله بذلك، قرآنًا، أو غيره. (وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ)؛ أي: وقع منك على خلاف العادة، وهذا حقيقة الإلمام ومنه قوله: أَلَمَّتْ بِنَا وَاللَّيْلُ مُرْخٍ سُتُورَهُ وقول الآخر: مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا أي: متى يقع منك هذا النادر، وهو أصل اللمم . (فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ) وفي رواية معمر:«ثم توبي إليه»، وفي رواية أبي أويس:«إنما أنتِ من بنات آدم، إن كنت أخطأت، فتوبي»، قال النوويّ: معناه: إن كنت فعلت ذنبًا، وليس ذلك لك بعادة، وهذا أصل اللمم. انتهى . (فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ)؛ أي: أقرّ (بِذَنْبٍ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ») قال القرطبيّ: هذا دليلٌ على أنَّ الاعتراف بالذنب لا يُغني عن التوبة، بل لا بدّ من التوبة مع الاعتراف. وقال الداوديّ: أمَرها بالاعتراف، ولم يندبها إلى الكتمان المفرِّق بين أزواج النبيّ -ﷺ- وغيرهنّ، فيجب على أزواجه الاعتراف بما يقع منهنّ، ولا يكتمنه إياه؛ لأنه لا يحل لنبيّ إمساك من يقع منها ذلك، بخلاف نساء الناس، فإنهنّ نُدبن إلى الستر. وتعقبه عياض: بأنه ليس في الحديث ما يدلّ على ذلك، ولا فيه أنه أمَرها بالاعتراف، وإنما أمَرها أن تستغفر اللَّه، وتتوب إليه؛ أي: فيما بينها وبين ربها، فليس صريحًا في الأمر لها بأن تعترف عند الناس بذلك، قال الحافظ: وسياق جواب عائشة يُشعر بما قاله الداوديّ، لكن المعترف عنده ليس إطلاقه، فليتأمل، ويؤيد ما قاله عياض أن في رواية حاطب: «قالت: فقال أَبِي: إن كنت صنعت شيئًا فاستغفري اللَّه، وإلا فأخبري رسول اللَّه -ﷺ- بعذرك». (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَقَالَتَهُ) تلك (قَلَصَ دَمْعِي) بفتح القاف، واللام، ثم صاد مهملة، أي: استمسك نزوله، فانقطع، ومنه قَلَص الظلّ: إذا ارتفع، قال القرطبيّ: سببه أن الحزن والغضب إذا أخذ أحدهما فُقد الدمع؛ لفرط حرارة المصيبة. وقال النوويّ: «قلص» بفتح القاف، واللام، أي: ارتفع؛ لاستعظام ما يُعيبني من الكلام. انتهى . وقال القرطبيّ : «قلص»؛ أي: انقبض، وارتفع، وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّ الحزن والموجدة، قد انتهت نهايتها، وبلغت غايتها، ومهما انتهى الأمر إلى ذلك جفّ الدمع؛ لفرط حرارة المصيبة، كما قال الشاعر: عَيْنَيَّ سُحَّا وَلَا تَشُحَّا … جَلَّ مُصَابِي عَنِ الدَّوَاءِ إِنَّ الأَسَى وَالْبُكَا جَمِيـ … ــعًا ضِدَّانِ كَالدَّاءِ وَالدَّوَاءِ (حَتَّى مَا أُحِسُّ) بضمّ الهمزة، وكسر السين المهملة، أي: ما أجد (مِنْهُ)؛ أي: من الدمع (قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأَبِي) أبي بكر -﵁-: (أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِيمَا قَالَ)؛ أي: فيما تكلّم به الآن من الكلام، (فَقَالَ) أبو بكر -﵁-: (واللَّه مَا) نافية، (أَدْرِي مَا) موصولة؛ أي: الذي (أقولُـ) ـــه (لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) قيل: إنما قالت عائشة لأبيها ذلك، مع أن السؤال إنما وقع عما في باطن الأمر، وهو لا اطّلاع له على ذلك، لكن قالته إشارةً إلى أنها لم يقع منها شيء في الباطن، يخالف الظاهر الذي هو يطّلع عليه، فكأنها قالت له: برئني بما شئت، وأنت على ثقة من الصدق فيما تقول، وإنما أجابها أبو بكر بقوله: «لا أدري»؛ لأنه كان كثير الاتّباع لرسول اللَّه -ﷺ-، فأجاب بما يطابق السؤال في المعني، ولأنه وإن كان يتحقق براءتها، لكنه كَرِه أن يزكي ولده، وكذا الجواب عن قول أمها: «لا أدري»، ووقع في رواية هشام بن عروة: «فقال: ماذا أقول؟»، وفي رواية أبي أويس: «فقلت لأبي: أجب، فقال: لا أفعل، هو رسول اللَّه -ﷺ-، والوحي يأتيه». وقال النوويّ -﵀-: قولها لأبويها: «أجيبا عني» فيه تفويض الكلام إلى الكبار؛ لأنهم أعرف بمقاصده، واللائق بالمواطن منه، وأبواها يعرفان حالها، وأما قول أبويها: «لا ندري ما نقول» فمعناه: أن الأمر الذي سألها عنه لا يَقفان منه على زائد على ما عند رسول اللَّه -ﷺ- قبل نزول الوحي، من حُسن الظنّ بها، والسرائر إلى اللَّه تعالى. انتهى . (فَقُلْتُ لأُمِّي أم رُومان) -﵂-: (أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: واللَّه مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-). قالت عائشة: (فَقُلْتُ: وَ) الحال (أَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ) قالت هذا؛ توطئةً لعذرها؛ لكونها لم تستحضر اسم يعقوب -﵇-، ووقع في رواية هشام بن عروة: «فلما لم يجيباه، تشهدتُ، فحمدتُ اللَّه، وأثنيتُ عليه بما هو أهله، ثم قلتُ: أما بعدُ»، وفي رواية ابن إسحاق: «فلما استعجما عليّ، استعبرت، فبكيت، ثم قلت: واللَّه لا أتوب مما ذكروا أبدًا». (إِنِّي واللَّه لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا) الأمر (حَتَّى اسْتَقَرَّ)، وفي رواية فُليح: «وقر» بالتخفيف، أي: ثبت وزنًا ومعنى (فِي نُفُوسِكُمْ) وفي بعض النسخ: «في أنفسكم»، (وَصَدَّقْتُمْ بِهِ) وفي رواية هشام بن عروة: «لقد تكلمتم به، وأُشربته قلوبكم»، قالت هذا، وإن لم يكن على حقيقته، على سبيل المتهابلة لِمَا وقع من المبالغة في التنقيب عن ذلك، وهي كانت لِمَا تحققته من براءة نفسها، ومنزلتها، تعتقد أنه كان ينبغي لكل من سمع عنها ذلك أن يقطع بكذبه، لكن العذر لهم عن ذلك أنهم أرادوا إقامة الحجة على من تكلم في ذلك، ولا يكفي فيها مجرد نفي ما قالوا، والسكوت عليه، بل تعيَّن التنقيب عليه؛ لِقَطْع شُبَهِهِم، أو مرادها بمن صَدَّق به: أصحاب الإفك، لكن ضمت إليه من لم يكذبهم تغليبًا. (فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ) مما رُميت به، وقولها: (واللَّه يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ) جملة معترضة بين الشرط وجوابه، جىِء بها تأكيدًا للكلام، (لَا تُصَدِّقُونِي بِذلِكَ)؛ أي: لا تقطعون بصدقي، وفي رواية هشام بن عروة: «ما ذاك بنافعي عندكم»، وقالت في الشق الآخر: «لتصدقني»، وإنما قالت ذلك؛ لأن المرء مؤاخذ بإقراره، ووقع في حديث أم رُومان: «لئن حلفت لا تصدقونني، ولئن قلت، لا تعذرونني». (وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ) أي: بما رُميت به، (واللَّه يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِي) بنونين، وفي رواية: «لتصدقُنّي» بتشديد النون، والأصل تصادقونني، فأدغمت إحدى النونين في الأخرى. (وَإِنِّي واللَّه مَا) نافية، (أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا)، وفي رواية: «واللَّه ما أجد لكم مثلًا»، وفي رواية: «ما أجد لكم، ولي مثلًا»، (إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ:) زاد ابن جريج في روايته: «واختُلس مني اسمه»، وفي رواية هشام بن عروة: «والتمست اسم يعقوب، فلم أقدر عليه»، وفي رواية أبي أويس: «نسيت اسم يعقوب؛ لِمَا بي من البكاء، واحتراق الجوف»، ووقع في حديث أم رُومان: «مَثَلي ومَثَلكم، كيعقوب وبنيه»، وهي بالمعنى؛ للتصريح في حديث هشام وغيره بأنها لم تستحضر اسمه. (﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]) قال الزجاج، أي: فشأني، أو الذي أعتقده صبر جميل، وقال قطرب، أي: فصبري صبر جميل. وقيل: فصبر جميل أَولى بي، قيل: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه. قال الزجاج: قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف: «فصبرًا جميلًا». قال: وكذا في مصحف أنس، قال المبرد: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ بالرفع أَولى من النصب؛ لأن المعنى: قال ربّ عندي صبر جميل، وإنما النصب على المصدر؛ أي: فلأصبرنّ صبرًا جميلًا. قال الشاعر [من الرجز]: شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى … صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلَانَا مَبْتَلَى (﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: ١٨])؛ أي: المطلوب منه العون (﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾)؛ أي: على إظهار حال ما تصفون، أو على احتمال ما تصفون، وهذا منه -﵇- إنشاء، لا إخبار . (قَالَتْ) عائشة: (ثمَّ تَحَوَّلْتُ) إلى الجهة الأخرى، (فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي) وزاد ابن جريج: «وولَّيت وجهي نحو الجدر»، (قَالَتْ: وَأَنَا واللَّه حِينَئِذٍ)؛ أي: حين تحوَّلت إلى الجهة الأخرى (أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ) مما رموني به، (وَأَنَّ اللَّهَ) بفتح الهمزة، لعطفه على «أني» الأُولي، (مُبَرِّئِي) منزل وحيًا يبرّؤني مما رُميت به، (بِبَرَاءَتِي)؛ أي: بسبب براءتي من ذلك. وزعم ابن التين أنه وقع عنده: «وإن اللَّه مبرئني» بنون قبل الياء، وبعد الهمزة، قال: وليس ببيِّن؛ لأن نون الوقاية تدخل في الأفعال؛ لتَسْلَم من الكسر، والأسماء تُكسر، فلا تحتاج إليها. انتهى. قال الحافظ: والذي وقفنا عليه في جميع الروايات: «مبرئي» بغير نون، وعلى تقدير وجود ما ذَكَر، فقد سُمع مثل ذلك في بعض اللغات. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد ورد شُذوذًا دخول نون الوقاية على اسم الفاعل؛ تشبيهًا له بالفعل، وعلى اسم التفضيل؛ لِشَبَهه بالتعجّب، فالأول كقوله -ﷺ- لليهود: «هل أنتم صادقوني؟» ، ومنه قول الشاعر: وَلَيْسَ بِمُعْيِينِي وَفِي النَّاس مُمْتِعٌ … صَدِيقٌ إِذَا أَعْيَا عَلَيَّ صَدِيقُ ومن الثاني قوله -ﷺ-: «غير الدجّال أخوفني عليكم» روي بلا نون، وبها ، واللَّه تعالى أعلم. (وَلَكِنْ واللَّه مَا كُنْتُ أَظُنّ أَنْ يُنْزَلَ) بالبناء للمفعول، (فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى) بالبناء للمفعول أيضًا، (وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ -﷿- فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى) بالبناء للمفعول أيضًا، وفي رواية فُليح: «من أن يُتَكَلَّم بالقرآن في أمري»، وفي رواية ابن إسحاق: «يُقرأ به في المساجد، ويُصَلَّى به». قال القرطبيّ -﵀-: فيه دليل على أن الذين يتعيَّن على أهل الفضل، والعلم، والجادة، والمنزلة: احتقار أنفسهم، وترك الالتفات إلى أعمالهم، وإلى أحوالهم، وتجريد النظر إلى لطف اللَّه تعالى، ومنّته، وعفوه، ورحمته، وكرمه، ومغفرته، وقد اغترّ كثير من الجهّال بالأعمال، فلاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات، وإجابة الدعوات، وزعموا أنهم ممن يُتبرك بلقائهم، ويُغتنم صالح دعائهم، وأنهم يجب احترامهم، وتعظيمهم، فيُتمسّح بأثوا بهم، وتُقبّل أيديهم، ويرون أن لهم من المكانة عند اللَّه بحيث يَنتقم لهم ممن تَنَقَّصهم في الحال، وأن يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وهذه كلّها نتائج الجهل العميم، والعقل غير المستقيم، فإنَّ ذلك إنما يصدر من جاهل معجَب بنفسه، غافل عن جُرْمه وذنبه، مغتزّ بإمهال اللَّه -﷿- له عن أخذه، ولقد غلب أمثال هؤلاء الأنذال في هذه الأزمان، فاستتبعوا العوامّ، وعظمت بسببهم على أهل الدين المصائب والطوامّ، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون، وهذه نفثات صدور، وإلى اللَّه عاقبة الأمور. انتهى . (وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي النَّوْم رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا)؛ أي: بتلك الرؤيا؛ لأن رؤيا الأنبياء وحيٌ. (قَالَتْ: فَواللَّه مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَجْلِسَهُ)؛ أي: ما فارق -ﷺ- مكان جلوسه، ومصدره الريم بالتحتانية، بخلاف رام بمعنى طلب، فمصدره الروم، ويفترقان أيضًا في المضارع، يقال: رام يروم رومًا، ورام يريم رَيْمًا، قاله في «الفتح». (وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ)؛ أي: من الذين كانوا حينئذ حضورًا، (حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ -﷿- عَلَى نَبِيِّهِ -ﷺ-)، وفي رواية أبي أسامة: «وأنزل اللَّه على رسوله -ﷺ- من ساعته»، (فَأَخَذَهُ) -ﷺ- (مَا) موصول في محل رفع على أنه فاعل، (كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ) بضم الموحّدة، وفتح الراء، ثم مهملة، ثم مدّ: هي شِدّة الْحُمَّى، وقيل: شدّة الكرب، وقيل: شدّة الحرّ، ومنه بَرَحَ بي الْهَمُّ: إذا بلغ مني غايته، ووقع في رواية إسحاق بن راشد: «وهو العرق»، وبه جزم الداوديّ، وهو تفسير باللازم غالبًا؛ لأن الْبُرَحاء شدّة الكرب، ويكون عنده العرق غالبًا، وفي رواية ابن حاطب: «وشَخَص بصره إلى السقف»، وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن عائشة عند الحاكم: «فأتاه الوحي، وكان إذا أتاه الوحي أخذه السبل»، وفي رواية ابن إسحاق: «فسُجّي بثوب، ووُضعت تحت رأسه وسادةٌ، من أدم». وقولها: (عِنْدَ الْوَحْي) متعلّق بـ «أخذه»، (حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ)؛ أي: ليتصبّب، ويسيل (مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ) -بضم الجيم، وتخفيف الميم-: اللؤلؤ، وقيل: حَبّ يُعمل من الفضة؛ كاللؤلؤ، وقال الداوديّ: خَرَزٌ أبيض، والأول أَولى، فشَبّهت قطرات عَرَقه -ﷺ- بالجمان؛ لمشابهتها في الصفاء، والحسن، وزاد ابن جريج في روايته: «قال أبو بكر: فجعلت انظر إلى رسول اللَّه -ﷺ- أخشى أن ينزل من السماء ما لا مردّ له، وأنظر إلى وجه عائشة، فإذا هو منبق، فيُطمعني ذلك فيها»، وفي رواية ابن إسحاق: «فأما أنا فواللَّه ما فَزِعت، قد عرفت أني بريئة، وأن اللَّه غير ظالمي، وأما أبواي فما سُرِّي عن رسول اللَّه -ﷺ- حتى ظننت لتخرجنّ أنفسهما فَرَقًا من أن يأتي من اللَّه تحقيق ما يقول الناس»، ونحوه في رواية الواقديّ. وقولها: (مِنَ الْعَرَقِ) بيان لـ «مثل»، والعَرَقُ مُحرّكة: رشْحُ جِلْدِ الحَيَوان، وقِيلَ: هو ما جَرَى من أُصولِ الشَّعَرِ، من ماءِ الجلْدِ، اسم للجِنْس، لا يُجمَع، وهو في في الحَيوانِ أصْلٌ، ويُسْتعارُ لغَيْرِه، قال اللَّيثُ: لَمْ أسمَعْ للعَرَقِ جمْعًا، فإذ جُمِع كان قِياسُه على فَعَلٍ وأفْعادٍ، مثل جدَثٍ وأجْداثٍ، ذكره المرتضى . وقولها: (فِي الْيَوْمِ) متعلّق بـ «يتحدّر»، (الشَّاتِ) صفة لـ «اليوم»؛ أي: البارد، يقال: شتا اليومُ، فهو شاتٍ، من باب قال: إذا اشتدّ برده . (مِنْ ثِقَلِ)؛ أي: شدّة، وقوّة (الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ) كما أخبر اللَّه -﷿- بذلك حيث قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]. (قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا سُرِّيَ) بضم السين المهملة، وتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول، أي: كُشف (عَنْ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-) ما كان يجده من الشدّة، وقولها: (وَهُوَ يَضْحَكُ) جملة حاليّة من «رسول اللَّه -ﷺ-»، وفي رواية هشام بن عروة: «فرُفع عنه، وإني لأتبيّن السُّرور في وجهه، يمسح جبينه»، وفي رواية ابن حاطب: «فوالذي أكرمه، وأنزل عليه الكتاب، ما زال يضحك حتى إني لأنظر إلى نواجذه سرورًا، ثم مسح وجهه»، (فَكَانَ) يَحْتَمِل أن تكون الفاء زائدة، و«كان» جواب «لما»، ويَحْتَمِل أن يكون الجواب محذوفًا، أي: سُرّي عنه، وهذا هو الذي في «صحيح البخاريّ»، ولفظه: «فلما سُرّي عن رسول اللَّه -ﷺ- سُرّي عنه، وهو يضحك، فكان. . . إلخ». وقولها: (أَوَّلَ كَلِمَةٍ) بنصب «أول» على أنه خبر «كان» مقدّمًا، واسمها المصدر المؤوّل بعده، ويجوز العكس، لكن الأول أَولى؛ لأن المصدر المؤوّل بمنزلة الضمير، فيكون أعرف، فهو أحقّ بكونه اسم «كان»، واللَّه تعالى أعلم. وقولها: (تَكَلَّمَ بِهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ «كلمة»، (أَنْ قَالَ: «أَبْشِرِي يَا عَائِشَة، أمّا اللَّهُ) -﷿- (فَقَدْ بَرَّأَكِ»)؛ أي: بما أنزل من القرآن، وفي رواية فليح: «أن قال لي: يا عائشة احمدي اللَّه، فقد برأك»، وعند الترمذيّ من هذا الوجه: «البشرى يا عائشة، فقد أنزل اللَّه براءتك». (فَقَالَتْ لِي أُمِّي قُومِي إِلَيْهِ) قال النوويّ -﵀-: معناه ة قالت لها أمها: قومي إليه -ﷺ-، فاحمديه، وقبّلي رأسه، واشكريه؛ لنعمة اللَّه تعالى التي بشّرك، فقالت عائشة -﵂- ما قالت إدلالًا عليه، وعَتْبًا لكونهم شَكُّوا في حالها، مع عِلمهم بحسن طرائقها، وجميل أحوالها، وارتفاعها عن هذا الباطل الذي افتراه قوم ظالمون، ولا حجة له، ولا شبهة فيه، قالت: وإنما أحمد ربي -﷿- الذي أنزل براءتي، وأنعم عليّ بما لم أكن أتوقعه، كما قالت: «ولشأني كان أحقر في نفسي، من أن يتكلم اللَّه تعالى فِيّ بأمر يُتْلَى». انتهى . (فَقُلْتُ: واللَّه لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي) وفي رواية صالح: «فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: واللَّه لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا أحمد إلا اللَّه الذي أنزل براءتي»، وفي رواية الطبريّ من هذا الوجه: «أحمد اللَّه، لا إياكما»، وفي رواية ابن جريج: «فقلت: بحمد اللَّه، وذَمِّكما»، وفي رواية أبي أويس: «نحمد اللَّه، ولا نحمدكم»، وفي رواية أم رُومان، وكذا في حديث أبي هريرة: «فقالت: نحمد اللَّه، لا نحمدك»، ومثله في رواية عمر بن أبي سلمة، وكذا عند الواقديّ، وفي رواية ابن حاطب: «واللَّه لا نحمدك، ولا نحمد أصحابك»، وفي رواية مِقسم، والأسود، وكذا في حديث ابن عباس: «ولا نحمدك، ولا نحمد أصحابك»، وزاد في رواية الأسود، عن عائشة: «وأخذ رسول اللَّه -ﷺ- بيدي، فانتزعت يدي منه، فنهرني أبو بكر». وعُذرها في إطلاق ذلك ما ذَكَرته من الذي خامرها من الغضب، من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ما قال، مع تحققهم حُسْن طريقتها. قال ابن الجوزيّ: إنما قالت ذلك إدلالًا، كما يُدِلُّ الحبيب على حبيبه، وقيل: أشارت إلى إفراد اللَّه تعالى بقولها: فهو الذي أنزل براءتي، فناسب إفراده بالحمد في الحال، ولا يلزم منه ترك الحمد بعد ذلك. ويَحْتَمِل أن تكون مع ذلك تمسكت بظاهر قوله -ﷺ- لها: «احمدي اللَّه»، ففَهِمت منه أمرها بإفراد اللَّه تعالى بالحمد، فقالت ذلك، وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة، كان من باعث الغضب. وروى الطبريّ، وأبو عوانة من طريق أبي حَصِين، عن مجاهد، قال: «قالت عائشة: لمّا نزل عذرها، فقبّل أبو بكر رأسها، فقلت: ألا عذرتني؟ فقال: أيُّ سماء تُظلني، وأيّ أرض تُقِلّني إذا قلت ما لا أعلم؟!». (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-) قوله: (﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ﴾ [النور: ١١]) مرفوع على أنه خبر «إن»، و(﴿مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]) صفة لعصبة، وقيل: خبر «إن» قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور: ١١]، ويكون «عصبة» بدلًا من فاعل ﴿جَاءُوا﴾، قال ابن عطية: وهذا أنسق في المعني، وأكثر فائدة من أن يكون الخبر ﴿عُصْبَةٌ﴾، وجملة ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾، وإن كانت طلبية، فجعْلها خبرًا يصِح بتقدير، كما في نظائر ذلك، و«الإفك»: أسوأ الكذب، وأقبحه، وهو مأخوذ من أَفَك الشيء: إذا قلبه عن وجهه، فالإفك: هو الحديث المقلوب، وقيل: هو البهتان، وأجمع المسلمون على أن المراد بما في الآية: ما وقع من الإفك على عائشة أمّ المؤمنين -﵂-، وإنما وصفه اللَّه بأنه إفك؛ لأن المعروف من حالها -﵂- خلاف ذلك. قال الواحديّ: ومعنى القَلْب في هذا الحديث الذي جاء به أولئك النفر: أن عائشة -﵂- كانت تستحقّ الثناء بما كانت عليه من الحصانة، وشرف النسب، والسبب، لا القذف، فالذين رموها بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه، فهو إفك قبيح، وكذب ظاهر. والعصبة: هم الجماعة من العشرة إلى الأربعين، والمراد بهم هنا: عبد اللَّه بن أُبيّ رأس المنافقين، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومِسطح بن أُثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم. وقيل: العصبة من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من عشرة إلى خمسة عشر، وأصلها في اللغة: الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض. انتهى . وقولها: (عَشْرَ آياتٍ) بدل من ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا﴾؛ لأنه مفعول به لـ «أنزل» محكيّ، ولفظ البخاريّ: «العشر الآياتِ كلّها»؛ أي: أنزل اللَّه -﷿- إلى آخر عشر آيات، وآخر العشرة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال الحافظ -﵀-: لكن وقع في رواية عطاء الخراسانيّ، عن الزهريّ: «فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، وعدد الآي إلى هذا الموضع ثلاث عشر آية، فلعل في قولها:»العشر الآيات«مجازًا بطريق إلغاء الكسر، وفي رواية الْحَكَم بن عُتيبة مرسلًا عند الطبريّ:»لَمّا خاض الناس في أمر عائشة. . . «، فذكر الحديث مختصرًا، وفي آخره:»فأنزل اللَّه تعالى خمس عشرة آية من سورة النور، حتى بلغ: الخبيثات للخبيثين«، وهذا فيه تجوّز، وعدّة الآي إلى هذا الموضع ست عشرة، وفي مرسل سعيد بن جبير، عند ابن أبي حاتم، والحاكم في»الإكليل«:»فنزلت ثماني عشرة آية، متواليةً، كَذَّبت مَن قذف عائشة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦] «، وفيه ما فيه أيضًا، وتحرير العدّة سبع عشرة. قال الزمخشريّ: لم يقع في القرآن من التغليظ في معصيةٍ مَا وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة، وأشبعها؛ لاشتماله على الوعيد الشديد، والعتاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام القول في ذلك، واستشناعه، بطرُق مختلفة، وأساليب متقنة، كل واحد منها كافٍ في بابه، بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان، إلا بما هو دون ذلك، وما ذلك إلا لإظهار علوّ منزلة رسول اللَّه -ﷺ-، وتطهير من هو منه بسبيل. وعند أبي داود من طريق حميد الأعرج، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: «جلس رسول اللَّه -ﷺ-، وكشف الثوب عن وجهه، ثم قال: أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾». وفي رواية ابن إسحاق: «ثم خرج إلى الناس، فخطبهم، وتلا عليهم»، ويُجمع بأنه قرأ ذلك عند عائشة، ثم خرج، فقرأها على الناس . (فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿- هَؤُلَاءِ الآيَاتِ) وفي بعض النسخ: «هذه الآياتِ»، وقولها: (بِبَرَاءَتِي)؛ أي: بسبب براءتي، ووقع في بعض النسخ: «بَرَاءَتي» دون الباء السببيّة، فيكون منصوبًا على أنه مفعول من أجله؛ أي: أنزلها لأجل براءتي، فهو مصدر مضاف إلى مفعوله، كما قال في «الخلاصة»: يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصدَرُ إِنْ … أَبَانَ تَعْلِيلًا كَـ «جُدْ شُكْرًا، وَدِنْ» (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق -﵁-، وقولها: (وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ، وَفَقْرِهِ) جملة معترضة بين القول، ومقوله، وقولها: «لقرابته» بيان لسبب إنفاقه عليه، وقد تقدم بيان قرابته قبلُ، وقولها: «وَفَقْرِهِ»؛ أي: ولأجل كونه فقيرًا، فهو علّة أخرى للإنفاق عليه. وقال في «الفتح»: يؤخذ من فعل أبي بكر -﵁- هذا مشروعية ترك المؤاخذة بالذنب ما دام احتمال عدمه موجودًا؛ لأن أبا بكر -﵁- لم يقطع نفقة مِسطح إلا بعد تحقّق ذنبه فيما وقع منه. (واللَّه لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ)؛ أي: على مِسطح (شَيْئًا أَبَدًا)؛ أي: فيما يُستقبل من الزمان حتى أموت، (بَعْدَ) الأمر (الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ)؛ أي: عن عائشة، وفي رواية هشام بن عروة: «فحلف أبو بكر أن لا ينفع مِسطحًا بنافعة أبدًا». (فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ [النور: ٢٢]) قال أبو عبيدة: معناه: لا يفتعل من آليت؛ أي: أقسمت، وله معنى آخر من ألوت؛ أي: قَصّرت، ومنه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقال الفرّاء: الائتلاء الحلف، وقرأ أهل المدينة: «ولا يتألّ»، بتأخير الهمزة، وتشديد اللام، وهي خلاف رسم المصحف، وما نسبه إلى أهل المدينة غير معروف، وإنما نُسبت هذه القراءة للحسن البصريّ، وقد روى ابن أبي حاتم، من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ يقول: لا يُقسم، وهو يؤيد القراءة المذكورة، قاله في «الفتح» . وقال في «فتح القدير» : قوله ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾؛ أي: يحلف، ووزنه: يَفْتَعِل، من الأَلِيّة، وهي اليمين، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: تَأَلَّى ابْنُ أَوْسٍ حَلْفَةَ لِيَرُدَّنِي … إِلَى نِسْوَةٍ كَأَنَّهُنَّ مَفَايِدُ وقول الآخر [من الطويل]: قَلِيلُ الأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ … وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ يقال: ائتلى يأتلي: إذا حلف، ومنه قوله -﷾-: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وقالت فرقة: هو من الموت في كذا: إذا قَصَّرت، ومنه: لم آل جهدًا؛ أي: لم أقصر، وكذا منه قوله: « ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: وَمَا الْمَرْءُ مَا دَامَتْ حُشَاشَةُ نَفْسِهِ … بِمُدْرِكِ أَطْرَافِ الْخُطُوبِ وَلَا آلِي والأوّل أَولى بدليل سبب النزول. انتهى. (﴿أُولُو الْفَضْلِ﴾)؛ أي: الغنى والسَّعة في المال، وقال النسفيّ: ﴿أُولُو الْفَضْلِ﴾ في الدين (﴿مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾) في الدنيا، وقال أبو السعود: ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدين، وكفى به دليلًا على فضل الصدّيق -﵁-، ﴿وَالسَّعَةِ﴾ في المال. انتهى . (﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾)؛ أي: على أن لا يؤتوا، قال الزجاج: أن لا يؤتوا فحذف «لا»، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا … وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيكِ وَأَوْصَالِي وقال أبو عبيدة: لا حاجة إلى إضمار «لا»، والمعنى: لا يحلفوا على أنَّ لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان الجامعين لتلك الأوصاف، وعلى الوجه الآخر يكون المعنى: لا يُقَصِّروا في أن يحسنوا إليهم، وإن كانت بينهم شحناء، لذنب اقترفوه، وقرأ أبو حيوة: «أن تؤتوا» بتاء الخطاب على الالتفات. ﴿أُولِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: أصحاب القربى؛ أي: القرابة، وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ معطوفان على ﴿أُولِي﴾، والمعنى: أن يؤتوا الأقارب، والمساكين، والمهاجرين، فهذه الأوصاف الثلاثة لموصوف واحد، والتعبير بصيغة الجمع، وبالعطف؛ لتعدّد الأوصاف، وإن الموصوف بها واحدًا، وهو مِسطح . (إِلَى قَوْلِهِ) -﷿-: (﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ [النور: ٢٢]) وتمام الآية: ﴿وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. قال الشوكانيّ -﵀-: ثم علّمهم سبحانه أدبًا آخر، فقال: ﴿وَلْيَعْفُوا﴾ [النور: ٢٢] عن ذنبهم الذي أذنبوه عليهم، وجنايتهم التي اقترفوها، مِن عَفَا الرَّبْع؛ أي: درس، والمراد: محو الذنب حتى يعفو، كما يعفو أثر الربع، ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢] بالإغضاء عن الجاني، والإغماض عن جنايته، وقُرئ بالفرقية في الفعلين جميعًاء ثم ذكر -ترغيبًا عظيمًا لمن عفا، وصفح-، فقال: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] بسبب عفوكم، وصفحكم عن الفاعلين للإساءة عليكم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]؛ أي: كثير المغفرة والرحمة لعباده، مع كثرة ذنوبهم، فكيف لا يقتدي العباد بربهم في العفو، والصفح عن المسيئين إليهم. انتهى . وقال سليمان الجمل: قوله: ﴿وَلْيَعْفُوا﴾؛ أي: أولو الفضل عن الخائضين في الإفك، ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾؛ أي: ليُعرضوا عن لومهم، فإن العفو أن يتجاوز عن الجاني، والصفح أن يتناسى جُرمه، وقيل: العفو بالفعل، والصفح بالقلب. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀- في «تفسيره»: قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ تمثيل، وحجة؛ أي: كما تحبون عفو اللَّه عن ذنوبكم، فكذلك اغفروا لمن دونكم، ويُنظر إلى هذا المعنى قوله -ﷺ-: «من لا يَرْحَم لا يُرْحَم» . انتهى. قال الإمام مسلم -﵀-: (قَالَ حِبَّانُ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة (ابنُ مُوسَى) شيخه في هذا الحديث، فهو موصول، وليس معلّقًا. (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ) الآية؛ يعني: قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، (أَرْجَى آيةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) -﷿- حيث بشّرت بغفران ذنوب من يغفر، ويصفح عن غيره، قال في «الفتح»: وإلى هذا أشار القائل: فَإِنَّ قَدْرَ الذَّنْبِ مِنْ مِسْطَحِ … يَحُطُّ قَدْرَ النَّجْمِ مِنْ أُفْقِهِ وَقَدْ جَرَى مِنْهُ الَّذِي قَدْ جَرَى … وُعُوتِبَ الصِّدِّيقُ فِي حَقِّهِ [تنبيه]: اختُلف في أرجى آية في كتاب اللَّه تعالى: قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ المفسِّر -﵀-: قال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب اللَّه تعالى، من حيث لُطف اللَّه بالقذَفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل: أرجى آية في كتاب اللَّه -﷿- قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٧]، وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]، فشَرَح الفضل الكبير في هذه الآية، وبشَّر به المؤمنين في تلك. قال: ومن آيات الرجاء قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]. وقال بعضهم: أرجى آية في كتاب اللَّه -﷿-: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، وذلك أن رسول اللَّه -ﷺ- لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار. انتهى . (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- لما سمع الآية: (واللَّه إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّه لِي) وفي رواية هشام بن عروة: «بلي، واللَّه يا ربنا، إنا لنحب أن تغفر لنا»، (فَرَجَعَ)؛ أي: ردّ (إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ)، وفي رواية فليح: «فرجع إلى مسطح الذي كان يُجري عليه»، وفي رواية هشام بن عروة: «وعاد له بما كان يصنع»، ووقع عند الطبرانيّ: «أنه صار يعطيه ضعف ما كان يعطيه قبل ذلك»، (وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا)؛ أي: لا أرفعها.، وأقطعها (مِنْهُ أَبَدًا)؛ أي: ما دُمت حيًّا. (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَأَل)، ولفظ البخاريّ: «يسأل»، (زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ-) ﵂ (عَنْ أَمْرِي)؛ أي: عن شأني، وحالي بالنسبة لِمَا رُميت به، (مَما) استفهاميّة، أي: أيّ شيء (عَلِمْتِ) من شأن عائشة -﵂-، (أَوْ) للشكّ من الراوي، أي: أو قال: (مَا رَأَيْتِ)؛ أي: أيّ شيء أبصرت من عائشة فيما تُرمى به، (فَقَالَتْ) زينب -﵁-: (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي) من الحماية؛ أي: أحفظ (سَمْعِي وَبَصَرِي) فلا أنسب إليهما ما لم أسمع، وأبصر. وقال القرطبيّ: قول زينب -﵂-: «أحمي سمعي، وبصري»؛ أي: أمنعهما من عقوبة اللَّه تعالى بالكفّ عن قول: ست، أو رأيت، ولم أسمع، ولم أر، وما علمت إلا خيرًا، فعَصمها اللَّه من الهلاك بما رزقها من التثبّت، والدين، والورع، مع أنها كانت تناصبها، وتنافسها في المرتبة، فكان كما قال من لا يجوز عليه الخطأ ولا الكذب: ﴿. . . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] . (واللَّه مَا عَلِمْتُ) عليها (إِلَّا خَيْرًا)؛ أي: عفّة، وحصانة، وتقى. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي)؛ أي: تعاليني من السموّ، وهو العلوّ، والارتفاع؛ أي: تطلب من العلوّ، والرفعة، والحظوة عند النبيّ -ﷺ- ما أطلب، أو تعتقد أن الذي لها عنده مثل الذي لي عنده، قال الحافظ: وذَهِل بعض الشراح، فقال: إنه من سَوْم الخسف، وهو حَمْل الإنسان على ما يكرهه، والمعنى: تغايظني، وهذا لا يصحّ، فإنه لا يقال في مثله: سام، ولكن: ساوم. انتهى. (مِنْ) بين (أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَعَصَمَهَا)؛ أي: حفظها، (ومنعها اللَّهُ) -﷿- (بِالْوَرَعِ)؛ أي: بالمحافظة على دينها، ومجانبة ما تخشَى سوء عاقبته، (وَطَفِقَتْ) بكسر الفاء، وتفتح؛ أي: شرعت، وأخذت (أُخْتُهَا حَمْنَةُ) بفتح الحاء المهملة، وسكون الميم، (بِنْتُ جَحْشٍ) وكانت تحت طلحة بن عبيد اللَّه -﵁-، (تُحَارِبُ لَهَا)؛ أي: تجادل لها، وتتعصّب، وتحكي ما قال أهل الإفك؛ لتنخفض منزلة عائشة، وتعلو مرتبة أختها زينب، (فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ)؛ أي: حدّثت، فيمن حدّث، أو أثمت مع من أثم. (قَالَ) ابن شهاب (الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ) وفي رواية: «فهذا الذي بلغنا من حديث هؤلاء الرهط»، يعني: مشايخه الأربعة: سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقّاص، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود. زاد صالح بن كيسان عن ابن شهاب، عن عروة: «قالت عائشة: واللَّه إن الرجل الذي قيل له ما قيل، ليقول: سبحان اللَّه، والذي نفسي بيده ما كشفت كنف أنثى قط» -وقد تقدم شرحه قبلُ- قالت عائشة: «ثم قُتل بعد ذلك في سبيل اللَّه»، وتقدم الخلاف في سنة قتله، وفي الغَزاة التي استُشهد فيها في أوائل الكلام على هذا الحديث. ووقع في آخر رواية هشام بن عروة: «وكان الذي تكلم به مسطح، وحسان بن ثابت، والمنافق عبد اللَّه بن أُبيّ، وهو الذي يستوشيه، وهو الذي تولى كبره هو وحَمنةُ». وعند الطبرانيّ من هذا الوجه: «وكان الذي تولى كبره عبد اللَّه بن أُبيّ، ومِسطح، وحمنة، وحسان، وكان كِبْر ذلك من قِبَل عبد اللَّه بن أبي». وعند أصحاب «السنن» من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة: «أن النبيّ -ﷺ- أقام حدّ القذف على الذين تكلموا بالإفك»، لكن لم يذكر فيهم عبد اللَّه بن أُبيّ، وكذا في حديث أبي هريرة، عند البزار، وبنى على ذلك صاحب «الهدي» ، فأبدى الحكمة في ترك الحدّ على عبد اللَّه بن أُبيّ، وفاته أنه ورد أنه ذُكر أيضًا فيمن أقيم عليه الحدّ. ووقع ذلك في رواية أبي أويس، وعن حسن بن زيد، عن عبد اللَّه بن أبي بكر، أخرجه الحاكم في «الإكليل»، وفيه ردّ على الماورديّ حيث صحح أنه لم يحدّهم مستندًا إلى أن الحدّ لا يثبت إلا ببيّنة، أو إقرار، ثم قال: وقيل: إنه حدَّهم، قال الحافظ: وما ضعّفه هو الصحيح المعتَمد. انتهى. وقوله: (وَقَالَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ) بيّن به الاختلاف بين يونس بن يزيد، وبين معمر بن راشد الراويين عن الزهريّ في هذا اللفظ، فرواه يونس بلفظ: «احتملته الحميّة»؛ أي: حملته الأَنَفة على أن يردّ على سعد بن معاذ نُصرته النبيّ -ﷺ- بقتل الخزرجيّ، ورواه معمر بلفظ: «اجتهلته الحميّة»؛ أي: حملته على الجهل، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٦٩٩٤ و٦٩٩٥ و٦٩٩٦] (٢٧٧٠)، و(البخاريّ) في «الشهادات» (٢٦٣٧ و٢٦٦١) و«الجهاد» (٢٨٧٩) و«المغازي» (٤٠٢٥ و٤١٤١) و«التفسير» (٤٦٩٠ و٤٧٥٠) و«الأيمان والنذور» (٦٦٦٢) و«الاعتصام» (٧٣٦٩) و«التوحيد» (٧٥٤٥)، و(أبو داود) في «السُّنَّة» (٤٦٣٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٩٧ و٢٩٨ و٦/ ٤١٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٩٤ - ١٩٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٧٤٨)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٥٢١ و٥٢٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٣/ ١٣٤ و١٣٥ و١٣٩ و١٤٠ و١٤١ و١٤٢ و١٤٣ و١٤٤ و١٤٥ و١٤٦ و١٤٧ و١٤٨)، و(ابن حبان) في «صحيحه» (٤٢١٢ و٧٠٩٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤٩٢٧ و٤٩٣٣ و٤٩٣٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٣٠٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل واحد قطعة مبهمة منه، وهذا وَإن كان فِعل الزهريّ وحده، فقد أجمع المسلمون على قبوله منه، والاحتجاج به. ٢ - (ومنها): مشروعية القرعة حتى بين النساء، وفي العتق، وغيره، مما ذكرناه في أول الحديث، مع خلاف العلماء. ٣ - (ومنها): وجوب الإقراع بين النساء عند إرادة السفر ببعضهنّ. ٤ - (ومنها): أنه لا يجب قضاء مدة السفر للنسوة المقيمات، قال النوويّ: وهذا مجمَع عليه إذا كان السفر طويلًا، وحُكم القصير حكم الطويل علي المذهب الصحيح، وخالف فيه بعض أصحابنا. ٥ - (ومنها): جواز السفر بالنساء حتى في الغزو، وجواز ركوب النساء في الهوادج، وجواز خدمة الرجال لهنّ في تلك الأسفار. ٦ - (ومنها): جواز لبس النساء القلائد في السفر كالحضر. ٧ - (ومنها): جواز حكاية ما وقع للمرء من الفضل، ولو كان فيه مدح ناس، وذم ناس، إذا تضمن ذلك إزالة توهم النقص عن الحاكي، إذا كان بريئًا عند قصد نصح من يبلغه ذلك؛ لئلا يقع فيما وقع فيه من سبق. ٨ - (ومنها): أن الاعتناء بالسلامة من وقوع الغير في الإثم أَولى من تركه يقع في الإثم، وتحصيل الأجر للموقوع فيه. ٩ - (ومنها): استعمال التوطئة فيما يحتاج إليه من الكلام. ١٠ - (ومنها): أن الهودج يقوم مقام البيت في حجب المرأة. ١١ - (ومنها): جواز ركوب المرأة الهودج على ظهر البعير، ولو كان ذلك مما يشقّ عليه، حيث يكون مطيقًا لذلك. ١٢ - (ومنها): جواز خدمة الأجانب للمرأة من وراء الحجاب. ١٣ - (ومنها): جواز تستّر المرأة بالشيء المنفصل عن البدن. ١٤ - (ومنها): جواز توجه المرأة لقضاء حاجتها وحدها، وبغير إذن خاصّ من زوجها، بل اعتمادًا على الإذن العامّ المستند إلى العرف العامّ. ١٥ - (ومنها): صيانة المال، ولو كان قليلًا؛ للنهي عن إضاعة المال، فإن عِقد عائشة لم يكن من ذهب، ولا جوهر. ١٦ - (ومنها): بيان شؤم الحرص على المال؛ لأنها لو لم تُطِل في التفتيش لرجعت بسرعة، فلما زاد على قدر الحاجة أَثَّر ما جري، وقريب منه قصة المتخاصمين، حيث رُفع عِلم ليلة القدر بسببهما، فإنهما لم يقتصرا على ما لا بدّ منه، بل زادا في الخصام، حتى ارتفعت أصواتهما، فأثَّر ذلك بالرفع المذكور. ١٧ - (ومنها): توقف رحيل العسكر على إذن الأمير. ١٨ - (ومنها): استعمال بعض الجيش سَاقَةً، يكون أمينًا، ليحمل الضعيف، ويحفظ ما يسقط، وغير ذلك من المصالح. ١٩ - (ومنها): مشروعيّة الاسترجاع عند المصيبة. ٢٠ - (ومنها): تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي. ٢١ - (ومنها): إطلاق الظنّ على العلم، كذا قيل، وفيه نظر، تقدّم عند شرح قولها: «وظننت أنهم سيفقدونني». ٢٢ - (ومنها): إغاثة الملهوف، وعون المنقطع، وإنقاذ الضائع، وإكرام ذوي القدر، وإيثارهم بالركوب، وتجشم المشقة لأجل ذلك. ٢٣ - (ومنها): حسن الأدب مع الأجانب، خصوصًا النساء، لا سيما في الخلوة. ٢٤ - (ومنها): المشي أمام المرأة؛ ليستقر خاطرها، وتأمَن مما يَتوهم من نظره، ولما عساه ينكشف منها في حركة المشي. ٢٥ - (ومنها): ملاطفة الزوجة، وحُسن معاشرتها، والتقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي النقص، وإن لم يَتحقق، وفائدة ذلك أن تتفطن لتغيير الحال، فتعتذر، أو تعترف. ٢٦ - (ومنها): أنه لا ينبغي لأهل المريض أن يُعلموه بما يُؤدِّيَ باطنه؛ لئلا يزيد ذلك في مرضه. ٢٧ - (ومنها): مشروعيّة السؤال عن المريض. ٢٨ - (ومنها): أن فيه إشارة إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة، فإذا كان السبب محققًا، فيُترك أصلًا، كما في حال كعب وصاحبيه -﵃-، وإن كان مظنونًا، فيخفف، وإن كان مشكوكًا فيه، أو محتملًا كما في حال عائشة -﵂-؛ فيَحْسن التقليل منه، لا للعمل بما قيل، بل لئلا يظَنّ بصاحبه عدم المبالاة بما قيل في حقه؛ لأن ذلك من خوارم المروءة. ٢٩ - (ومنها): أن المرأة إذا خرجت لحاجة تستصحب من يؤنسها، أو يخدمها، ممن يُؤمَن عليها. ٣٠ - (ومنها): ذبّ المسلم عن المسلم خصوصًا من كان من أهل الفضل، وردع من يؤذيهم، ولو كان منهم بسبيل. ٣١ - (ومنها): بيان مزيد فضيلة أهل بدر -﵃-. ٣٢ - (ومنها): إطلاق السبّ على لفظ الدعاء بالسوء على الشخص. ٣٣ - (ومنها): مشروعيّة البحث عن الأمر القبيح، إذا أُشيع، وتعرُّف صحته، وفساده بالتنقيب على من قيل فيه، هل وقع منه قبل ذلك ما يشبهه، أو يقرب منه؟ واستصحاب حال من اتُّهِم بسوء، إذا كان قبل ذلك معروفًا بالخير، إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك. ٣٤ - (ومنها): بيان فضيلةٍ قويّة لأم مسطح؛ لأنها لم تُحابِ ولدها في وقوعه في حقّ عائشة -﵂-، بل تعمدت سبّه على ذلك. ٣٥ - (ومنها): أن فيه تقويةً لأحد الاحتمالين في قوله -ﷺ- عن أهل بدر: «إن اللَّه قال لهم: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم»، وأن الراجح أن المراد بذلك أن الذنوب تقع منهم، لكنها مقرونة بالمغفرة؛ تفضيلًا لهم على غيرهم، بسبب ذلك المشهد العظيم، ومرجوحية القول الآخر: أن المراد أن اللَّه تعالى عصمهم، فلا يقع منهم ذنب، نبَّه على ذلك الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة -نفع اللَّه به-. ٣٦ - (ومنها): مشروعية التسبيح عند سماع ما يَعتقد السامع أنه كذب، وتوجيهه هنا أنه -﷾- يُنَزَّه أن يحصل لقرابة رسول اللَّه -ﷺ- تدنيس، فيُشرع شكره بالتنزيه في مثل هذا، نبَّه عليه أبو بكر ابن العربيّ. ٣٧ - (ومنها): أن فيه توقفَ خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها، ولو كانت إلى بيت أبويها. ٣٨ - (ومنها): أن فيه البحثَ عن الأمر المقول ممن يُدِلّ عليه المقول فيه. ٣٩ - (ومنها): التوقف في خبر الواحد، ولو كان صادقًا، وطلب الارتقاء من مرتبة الظنّ إلى مرتبة اليقين. ٤٠ - (ومنها): أن خبر الواحد إذا جاء شيئًا بعد شيء أفاد القطع، لقول عائشة -﵂-: لأستيقن الخبر مِن قِبَلهما، وأن ذلك لا يتوقف على عدد معين. ٤١ - (ومنها): استشارة المرء أهل بطانته، ممن يلوذ به بقرابة وغيرها، وتخصيص من جُرّبت صحة رأيه منهم بذلك، ولو كان غيره أقرب. ٤٢ - (ومنها): البحث عن حال من اتُّهِم بشيء، وحكايةُ ذلك؛ للكشف عن أمره، ولا يُعَدّ ذلك غِيبة. ٤٣ - (ومنها): استعمال: «لا نعلم إلا خيرًا» في التزكية، وأن ذلك كافٍ في حقّ من سبقت عدالته، ممن يَطَّلع على خفيّ أمره. ٤٤ - (ومنها): التثبت في الشهادة، وفطنة الإمام عند الحادث المهمّ، والاستنصار بالأَخِصّاء على الأجانب. ٤٥ - (ومنها): توطئة العذر لمن يُراد إيقاع العقاب به، أو العتاب له. ٤٦ - (ومنها): استشارة الأعلى لمن هو دونه. ٤٧ - (ومنها): استخدام من ليس في الرقّ. ٤٨ - (ومنها): أن من استُفْسِر عن حال شخص، فأراد بيان ما فيه من عيب، فليقدّم ذِكر عذره في ذلك، إن كان يعلمه، كما قالت بريرة في عائشة بحيث عابتها بالنوم عن العجين، فقدّمت قبل ذلك أنها جارية حديثة السن. ٤٩ - (ومنها): بيان أن النبيّ -ﷺ- كان لا يحكم لنفسه، إلا بعد نزول الوحي؛ لأنه -ﷺ- لم يجزم في القصة بشيء قبل نزول الوحي، نبَّه عليه الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة -نفع اللَّه به-. ٥٠ - (ومنها): أن الحميّة للَّه تعالى، ورسوله -ﷺ- لا تُذَمّ. ٥١ - (ومنها): أن فيه فضائل جمّة لعائشة، ولأبويها، ولصفوان، ولعليّ بن أبي طالب، وأسامة، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير ﵃ أجمعين. ٥٢ - (ومنها): أن التعصب لأهل الباطل يُخرج عن اسم الصلاح. ٥٣ - (ومنها): جواز سبّ من يتعرض للباطل، ونسبته إلى ما يسوءه، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة فيه، لكن إذا وقع منه ما يُشبه ذلك جاز إطلاق ذلك عليه، تغليظًا له. ٥٤ - (ومنها): إطلاق الكذب على الخطأ. ٥٥ - (ومنها): جواز القسم بلفظ: «لعمر اللَّه». ٥٦ - (ومنها): أن فيه الندبَ إلى قطع الخصومة، وتسكين ثائرة الفتنة، وسدّ ذريعة ذلك. ٥٧ - (ومنها): احتمال أخفّ الضررين بزوال أغلظهما. ٥٨ - (ومنها): فضل احتمال الأذى. ٥٩ - (ومنها): مباعدة من خالف الرسول -ﷺ-، ولو كان قريبًا حميمًا. ٦٠ - (ومنها): بيان أن من آذى النبيّ -ﷺ- بقول، أو فعل يُقتل؛ لأن سعد بن معاذ أطلق ذلك، ولم ينكره النبيّ -ﷺ- عليه. ٦١ - (ومنها): مساعدة من نزلت فيه بلية بالتوجع، والبكاء، والحزن. ٦٢ - (ومنها): أن فيه تثبتَ أبي بكر الصديق -﵁- في الأمور؛ لأنه لم يُنقل عنه في هذه القصة مع تمادي الحال فيها شهرًا كلمة، فما فوقها، إلا ما ورد عنه في بعض طرق الحديث أنه قال: واللَّه ما قيل لنا هذا في الجاهلية، فكيف بعد أن أعزّنا اللَّه بالإسلام، وقع ذلك في حديث ابن عمر -﵄- عند الطبرانيّ. ٦٣ - (ومنها): أن فيه ابتداءَ الكلام في الأمر المهمّ بالتشهد، والحمد، والثناء، وقولِ: «أما بعدُ». ٦٤ - (ومنها): توقيف من نُقِل عنه ذنب على ما قيل فيه بعد البحث عنه. ٦٥ - (ومنها): أن قول: «كذا وكذا» يُكنى بها عن الأحوال، كما يكنى بها عن الأعداد، ولا يختصّ بالأعداد. ٦٦ - (ومنها): مشروعية التوبة، وأنها تُقبل من المعترف المقلع المخلص. ٦٧ - (ومنها): أن مجرد الاعتراف لا يجزئ فيها. ٦٨ - (ومنها): أن الاعتراف بما لم يقع لا يجوز، ولو عُرف أنه يصدَّق في ذلك، ولا يؤاخذ على ما يترتب على اعترافه، بل عليه أن يقول الحقّ، أو يسكت. ٦٩ - (ومنها): أن الصبر تُحمد عاقبته، ويُغبط صاحبه. ٧٠ - (ومنها): أن فيه تقديمَ الكبير في الكلام. ٧١ - (ومنها): توقف من اشتبه عليه الأمر في الكلام. ٧٢ - (ومنها): أن فيه تبشيرَ من تجددت له نعمة، أو اندفعت عنه نقمة. ٧٣ - (ومنها): مشروعيّة الضحك، والفرح، والاستبشار عند تجدد النعمة، واندفاع النقمة. ٧٤ - (ومنها): معذرة من انزعج عند وقوع الشدّة؛ لصغر سنّ ونحوه. ٧٥ - (ومنها): إدلال المرأة على زوجها، وأبويها. ٧٦ - (ومنها): تدريج من وقع في مصيبة، فزالت عنه؛ لئلا يَهْجُم على قلبه الفرح من أول وهلة، فيهلكه، يؤخذ ذلك من ابتداء النبيّ -ﷺ- بعد نزول الوحي ببراءة عائشة -﵂- بالضحك، ثم تبشيرها، ثم إعلامها ببراءتها مجملة، ثم تلاوته الآيات على وجهها، وقد نصّ الحكماء على أنَّ من اشتدّ عليه العطش لا يُمَكَّن من المبالغة في الريّ في الماء، لئلا يفضي به ذلك إلى الهلكة، بل يُجَرَّع قليلًا قليلًا. ٧٧ - (ومنها): أن الشدّة إذا اشتدت أعقبها الفرج. ٧٨ - (ومنها): فضل من يُفَوِّض الأمر لربه، وأن من قَوِيَ على ذلك خفّ عنه الهمّ والغمّ، كما وقع في حالتي عائشة -﵂- قبل استفسارها عن حالها، وبعد جوابها بقولها: «واللَّه المستعان». ٧٩ - (ومنها): أن فيه الحثّ على الإنفاق في سبيل الخير خصوصًا في صلة الرحم. ٨٠ - (ومنها): وقوع المغفرة لمن أحسن إلى من أساء إليه، أو صفح عنه. ٨١ - (ومنها): أن من حلف أن لا يفعل شيئًا من الخير، استُحِبّ له الحنث. ٨٢ - (ومنها): جواز الاستشهاد بآي القرآن في النوازله. ٨٣ - (ومنها): استحباب التأسّي بما وقع للأكابر، من الأنبياء -﵈-، وغيرهم. ٨٤ - (ومنها): مشروعيّة التسبيح عند التعجب، واستعظام الأمر. ٨٥ - (ومنها): ذمّ الغِيبة، وذم سماعها، وزجر من يتعاطاها، لا سيما إن تضمنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه. ٨٦ - (ومنها): ذمّ إشاعة الفاحشة. ٨٧ - (ومنها): تحريم الشكّ في براءة عائشة -﵂-. ٨٨ - (ومنها): جواز تأخير الحدّ عمن يُخشَى من إيقاعه به الفتنة، نبَّه على ذلك ابن بطال، مستندًا إلى أن عبد اللَّه بن أُبَيّ كان ممن قذف عائشة -﵂-، ولم يقع في الحديث أنه ممن حُدّ. وتعقبه القاضي عياض بأنه لم يثبت أنه قَذَف، بل الذي ثبت أنه كان يستخرجه، ويستوشيه. وتعقّبه الحافظ بأنه قد ورد أنه قذف صريحًا، ووقع ذلك في مرسل سعيد بن جبير، عند ابن أبي حاتم، وغيره، وفي مرسل مقاتل بن حيان، عند الحاكم في «الإكليل»، بلفظ: «فرماها عبد اللَّه بن أُبَيّ»، وفي حديث ابن عمر -﵄-، عند الطبرانيّ، بلفظٍ أشنع من ذلك، وورد أيضًا أنه ممن جُلد الحدّ، وقع ذلك في رواية أبي أويس، عن الحسن بن زيد، وعبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم، وغيرهما، مرسلًا، أخرجه الحاكم في «الإكليل»، فإن ثبتا سقط السؤال، وإن لم يثبتا فالقول ما قال عياض، فإنه لم يثبت خبر بأنه قذف صريحًا، ثم لم يُحَدّ. قال الجامع عفا اللَّه عنه: من تأمّل سياق ما في «الصحيحين» من قصّة عائشة -﵂- لا يكاد يرتاب في كون عبد اللَّه بن أُبيّ ممن صرّح بقذفها -﵂-، فتأمل القصّة حقّ التأمل يظهر لك صِدق ما قلتُه، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. وقد حَكَى الماورديّ إنكار وقوع الحدّ بالذين قذفوا عائشة -﵂- أصلًا كما تقدم، واعتل قائله بأن حدّ القذف لا يجب إلا بقيام بينة، أو إقرار، وزاد غيره: أو بطلب المقذوف، قال: ولم ينقل ذلك، قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظر. ٨٩ - (ومنها): أنه استَدَلّ به أبو عليّ الكرابيسيّ صاحب الشافعيّ في «كتاب القضاء» على منع الحكم حالة الغضب؛ لِمَا بدا من سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة من قول بعضهم لبعض حالة الغضب، حتى كادوا يقتتلون، قال: فإن الغضب يُخرج الحليم المتقي إلى ما لا يليق به، فقد أخرج الغضب قومًا من خيار هذه الأمة بحضرة رسول اللَّه -ﷺ- إلى ما لا يَشُكّ أحد من الصحابة أنها منهم زلة، إلى آخر كلامه في ذلك، قال الحافظ: وهذه مسألة نقل بعض المتأخرين فيها رواية عن أحمد، ولم تثبت. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى حُسن استنباط عدم المؤاخذة بما يصدر في حالة الغضب، فإن القصّة واضحة في ذلك، وأما الحكم في حالة الغضب فبعيد عنها، لكن ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه نهى عنه، فقد أخرج أصحاب «السنن» عن أبي بكرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا يقضي الْحَكَم بين اثنين، وهو غضبان»، وهو حديث صحيح. ٩٠ - (ومنها): أنه يؤخذ من سياق عائشة -﵂- جميعَ قصّتها المشتملة على براءتها بيانُ ما أُجْمِل في الكتاب والسُّنَّة لسياق أسباب ذلك، وتسمية من يُعرف من أصحاب القصص لِمَا في ضمن ذلك من الفوائد الأحكامية، والآدابية، وغير ذلك، وبذلك يُعرف قصور من قال: براءة عائشة -﵂- ثابتة بصريح القرآن، فأيّ فائدة لسياق قصتها؟، ذكر هذه الفوائد كلّها في «الفتح» ، وباللَّه تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٩٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كيْسَانَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، وَمَعْمَرٍ، بِإِسْنَادِهِمَا، وَفِي حَدِيثِ فُلَيْحِ: اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، كَقَوْلِ يُونُسَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ: قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنَّ أَبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ وَزَادَ أَيْضًا: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: واللَّه إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِي حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مُوعِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مُوغِرِينَ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: مَا قَوْلُهُ: مُوغِرِينَ؟ قَالَ: الْوَغْرَةُ: شِدَّةُ الْحرِّ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزَّهْرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلم فيه أحد بحجة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن أبي المغيرة الْخُزاعيّ، أو الأسلميّ، أبو يحيى المدنيّ، ويقال: فليح لقبٌ، واسمه عبد الملك، صدوقٌ كثير الخطأ [٧] (ت ١٦٨) (ع) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٥. ٣ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، تقدّم قبل بابين. ٤ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) أبو محمد الغفاريّ المدنيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لفُليح، وصالح بن كيسان. وقوله: (فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ) وفي نسخة: «ووالدتي»، وتقدّم شرح هذا البيت مع أبيات في مناقب حسّان -﵁-. وقوله: (وَزَادَ أَيْضًا)؛ أي: زاد صالح بن كيسان. وقولها: (إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ إلخ)؛ تعني: صفوان بن المعطَّل. وقولها: (مُوعِرِينَ. . . إلخ) بالعين المهملة بدل الغين المعجمة، قال الأبيّ؛ قال ابن سرّاج: ولا وجه له، ووقع عند القرطبيّ بلفظ: «موعزين»، قال الأبيّ: ولا وجه له أيضًا ، لكن قال القرطبيّ: يمكن أن يقال فيه: هو من وعزت إليه، أي: تقدّمت، قال: والرواية الأُولى أصحّ، وأَولى. انتهى . وقوله: (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) نحر كل شيء أوله؛ أي: في أول وقت شدّة الحرّ. [تنبيه]: أما رواية فُليح بن سليمان، عن الزهريّ، فقد ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٢٥١٨) - حدّثنا أبو الربيع سليمان بن داود، وأفهمني بعضه أحمد بن يونس، حدّثنا فُليح بن سليمان، عن ابن شهاب الزهريّ، عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيّب، وعلقمة بن وقّاص الليثيّ، وعُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن عائشة لزوج النبيّ -ﷺ- حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها اللَّه منه، قال الزهريّ: وكلهم حدّثني طائفة من حديثها، وبعضهم أوعى من بعض، وأثبت له اقتصاصًا، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدّثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدِّق بعضًا، زعموا أن عائشة قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غَزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعدما أُنزل الحجاب، فأنا أُحمل في هودج، وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول اللَّه -ﷺ- من غزوته تلك، وقَفَل، ودنونا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين أَذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرَّحْل، فلمست صدري، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْع أظفار، قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يَرْحَلون لي، فاحتملوا هودجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خِفافًا، لم يَثقُلن، ولم يغشهنّ اللحم، وإنما يأكلن الْعُلْقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثِقَل الهودج، فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السنّ، فبعثوا الجمل، وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمرّ الجيش، فجئت منزلهم، وليس فيه أحد، فأَمَمْتُ منزلي الذي كنت به، فظننت أنهم سيفقدونني، فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي، فنِمْتُ، وكان صَفْوان بن الْمُعَطَّل السُّلَميّ، ثم الذّكْوانيّ من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوَطِئ يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُعَرِّسين، في نَحْر الظهيرة، فهلك من هلك. وكان الذي تولى الإفك عبد اللَّه بن أُبَيّ ابن سَلُولَ، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرًا، يُفِيضون من قول أصحاب الإفك، ويُريبني في وجعي أني لا أرى من النبيّ -ﷺ- اللطف الذي كنت أرى منه حين أَمْرَض إنما يدخل، فيسلِّم، ثم يقول: «كيف تيكم؟»، لا أشعر بشيء من ذلك، حتى نَقِهت، فخرجت أنا وأم مِسطح قِبَل المناصع، متبرَّزِنا، لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمْرنا أمْر العرب الأُوَل في البريّة، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رُهْم، نمشي، فعثرت في مِرطها، فقالت: تَعِس مِسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلًا شهد بدرًا؟ فقالت: يا هنتاه، ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول اللَّه -ﷺ-، فسلّم، فقال: «كيف تيكم؟»، فقلت: ائذن لي إلى أبويّ، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر مِن قِبَلهما، فأذن لي رسول اللَّه -ﷺ-، فأتيت أبويّ، فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنية هَوِّني على نفسك الشأن، فواللَّه لقلّما كانت امرأة قط وضيئةٌ عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان اللَّه، ولقد يتحدث الناس بهذا؟ قالت: فبتّ الليلة، حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت، فدعا رسول اللَّه -ﷺ- عليّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحيُ، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الودّ لهم، فقال أسامة: أهلُك يا رسول اللَّه، ولا نعلم واللَّه إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب، فقال: يا رسول اللَّه لم يضيّق اللَّه عليك، والنساء سواها كثير، وسَلِ الجارية تصدقك، فدعا رسول اللَّه -ﷺ- بريرة، فقال: «يا بريرة هل رأيت فيها شيئًا يريبك؟» فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحقّ إن رأيت منها أمرًا أغمصه عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السنّ، تنام عن العجين، فتأتي الداجن، فتأكله. فقام رسول اللَّه -ﷺ- من يومه، فاستعذر من عبد اللَّه بن أُبَيّ ابن سلولَ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «من يَعذِرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فواللَّه ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي»، فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول اللَّه أنا واللَّه أعذِرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا، ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالِحًا، ولكن احتملته الحمية، فقال: كذبت، لعمر اللَّه لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أُسيد بن الحضير، فقال: كذبت لعمر اللَّه، واللَّه لنقتلنّه، فإنك منافق، تجادل عن المنافقين، فثار الحيان: الأوس والخزرج، حتى هَمُّوا، ورسول اللَّه -ﷺ- على المنبر، فنزل، فخفّضهم، حتى سكتوا، وسكت. وبَكَيت يومي، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي، قد بكيت ليلتين، ويومًا، حتى أظنّ أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينا هما جالسان عندي، وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك، إذ دخل رسول اللَّه -ﷺ-، فجلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد، ثم قال: «يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك اللَّه، وإن كنت ألممت بشيء، فاستغفري اللَّه، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب تاب اللَّه عليه»، فلما قضى رسول اللَّه -ﷺ- مقالته، قَلَص دمعي، حتى ما أُحسّ منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول اللَّه -ﷺ-، قال: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه -ﷺ-، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول اللَّه -ﷺ- فيما قال، قالت: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه -ﷺ-، قالت: وأنا جارية حديثة السنّ، لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إني واللَّه لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووَقَر في أنفسكم، وصدقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة، واللَّه يعلم أني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، واللَّه يعلم أني بريئة، لتصدقُنِّي، واللَّه ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف، إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ثم تحولت على فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني اللَّه، ولكن واللَّه ما ظننت أن يُنزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يُتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول اللَّه -ﷺ- في النوم رؤيا، يبرئني اللَّه، فواللَّه ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أُنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من الْبُرَحاء، حتى إنه ليتحدّر منه مثلُ الْجُمَان، من العرق، في يوم شاتٍ، فلما سُرِّي عن رسول اللَّه -ﷺ-، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها، أن قال لي: «يا عائشة احمدي اللَّه، فقد برأك اللَّه»، فقالت لي أمي: قومي إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقلت: لا، واللَّه لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا اللَّه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيات [النور: ١١]، فلما أنزل اللَّه هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق -﵁-، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه: واللَّه لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما قال لعائشة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ -إلى قوله-: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فقال أبو بكر: بلى واللَّه إني لأحب أن يغفر اللَّه لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يُجري عليه، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: «يا زينب ما علمت؟، ما رأيت؟» فقالت: يا رسول اللَّه أحمي سمعي، وبصري، واللَّه ما علمت عليها إلا خيرًا، قالت: وهي التي كانت تساميني، فعصمها اللَّه بالورع. انتهى . وأما رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ، فقد ساقها البخاريّ -﵀- أيضًا في «صحيحه»، فقال: (٣٩١٠) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدّثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيّب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن عائشة -﵂- زوج النبيّ -ﷺ- حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، وكلّهم حدّثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصًا، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدّثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدّق بعضًا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض، قالوا: قالت عائشة: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول اللَّه -ﷺ- معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول اللَّه -ﷺ- بعدما أُنزل الحجاب، فكنت أُحمل في هودجي، وأُنزل فيه، فَسِرْنا، حتى إذا فرغ رسول اللَّه -ﷺ- من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت، حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عِقد لي من جَزْع ظَفَارِ، قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يَرْحَلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا، لم يَهْبُلْنَ، ولم يغشهنّ اللحم، إنما يأكلن الْعُلْقة من الطعام. فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وحملوه، وكنت جارية حديثة السنّ، فبعثوا الجمل، فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها منهم داع، ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني، فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطَّل السُّلَميّ، ثم الذَّكْوَانيّ من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، وواللَّه ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فقمت إليها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش مُوغرين في نحر الظهيرة، وهم نزول، قالت: فهلك فيّ من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلولَ، قال عروة: أُخبرت أنه كان يشاع، وبُتحدث به عنده، فيقرّه، ويستمعه، ويستوشيه، وقال عروة أيضًا: لم يُسَمَّ من أهل الإفك أيضًا إلا حسان بن ثابت، ومِسطح بن أُثاثة، وحَمْنة بنت جحش، في ناس آخرين، لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة، كما قال اللَّه تعالى، وإن كِبْر ذلك يقال له: عبد اللَّه بن أبي ابن سلولَ، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يُسَبّ عندها حسان، وتقول إنه الذي قال: فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدُهُ وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناس يُفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يُريبني في وجعي، أني لا أعرف من رسول اللَّه -ﷺ- اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ وسول اللَّه -ﷺ-، فيسلّم، ثم يقول: «كيف تيكم؟»، ثم ينصرف، فذلك يريبني، ولا أشعر بالشرّ، حتى خرجت حين نَقِهت، فخرجت مع أم مسطح قِبَل المناصع، وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، قالت: وأمْرنا أمْر العرب الأُوَل في البريّة قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رُهْم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مِسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قِبَل بيتي، حين فرغنا من شأننا، فعَثَرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تَعِس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلًا شَهِد بدرًا؟ فقالت: أي هنتاه، أوَ لم تسمعي ما قال؟ قالت: وقلت: وما قال؛ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول اللَّه -ﷺ-، فسلّم، ثم قال: «كيف تيكم؟» فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأريد أن استيقن الخبر من قِبَلهما، قالت: فأذن لي رسول اللَّه -ﷺ-، فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هَوِّني عليك، فواللَّه لقلّما كانت امرأة قط وضيئةٌ، عند رجل يحبها، لها ضرائر، إلا أكثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان اللَّه، أوَ لقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: ودعا رسول اللَّه -ﷺ- عليّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحيُ، يسألهما، ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على رسول اللَّه -ﷺ- بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلُك، ولا نعلم إلا خيرًا، وأما عليّ: فقال: يا رسول اللَّه لم يضيّقْ اللَّه عليك، والنساء سواها كثير، وسَلِ الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول اللَّه -ﷺ- بريرة، فقال: «أي بريرةُ، هل رأيت من شيء يريبك؟» قالت له بريرة: والذي بعثك بالحقّ ما رأيت عليها أمرًا قط أغمصه، أكثر من أنها جارية حديثة السنّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول اللَّه -ﷺ- من يومه، فاستعذر من عبد اللَّه بن أُبَيّ، وهو على المنبر، فقال: «يا معشر المسلمين من يَعذِرني من رجل، قد بلغني عنه أذاه في أهلي، واللَّه ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا، ما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا معي»، قالت: فقام سعد بن معاذ، أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا يا رسول اللَّه أَعذِرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا، ففعلنا أمرك، قالت: فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنت عمه، من فخذه، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلًا صالِحًا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر اللَّه لا تقتله، ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل، فقام أُسيد بن حُضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر اللَّه لنقتلنه، فإنك منافق، تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيّان: الأوس والخزرج، حتى هَمُّوا أن يقتتلوا، ورسول اللَّه -ﷺ- قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول اللَّه -ﷺ- يخفضهم، حتى سكتوا، وسكت، قالت: فبكيت يومي ذلك كله، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين، ويومًا، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينا أبواي جالسان عندي، وأنا أبكي، فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل رسول اللَّه -ﷺ- علينا، فسلَّم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول اللَّه -ﷺ- حين جلس، ثم قال: «أما بعد، يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك اللَّه، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري اللَّه، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف، ثم تاب تاب اللَّه عليه»، قالت: فلما قضى رسول اللَّه -ﷺ- مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول اللَّه -ﷺ- عني فيه، قال، فقال أبي: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه -ﷺ-، فقلت لأمي: أجيبي رسول اللَّه -ﷺ- فيما قال، قالت أمي: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه -ﷺ-، فقلت -وأنا جارية حديثة السنّ، لا أقرأ من القرآن كثيرًا-: إني واللَّه لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث، حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، لا تصدقونني، ولئن اعترفت لكم بأمر، واللَّه يعلم أني منه بريئة، لتصدقُنِّي، فواللَّه لا أجد لي ولكم مَثَلًا إلا أبا يوسف، حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ثم تحولت، واضطجعت على فراشي، واللَّه يعلم أني حينئذ بريئة، وإن اللَّه مبرئي ببراءتي، ولكن واللَّه ما كنت أظن أن اللَّه منزل في شأني وحيًا يُتْلَى، لَشأني في نفسي، كان أحقر من أن يتكلم اللَّه فيّ بأمر، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول اللَّه -ﷺ- في النوم رؤيا، يبرئني اللَّه بها، فواللَّه ما رام رسول اللَّه -ﷺ- مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أُنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من الْبُرَحاء، حتى إنه ليتحدّر منه من العرق مثل الْجُمَان، وهو في يوم شاتٍ، من ثِقَل القول الذي أُنزل عليه، قالت: فسُرِّي عن رسول اللَّه -ﷺ-، وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: «يا عائشة، أما اللَّه فقد برأك»، قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: واللَّه لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا اللَّه -﷿-« قالت: وأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] العشر الآياتِ، ثم أنزل اللَّه هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه، وفقره: واللَّه لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ -إلى قوله-: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، قال أبو بكر الصديق: بلي، واللَّه إني لأحب أن يغفر اللَّه لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: واللَّه لا أنزعها منه أبدًا، قالت عائشة: وكان رسول اللَّه -ﷺ- سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال لزينب: »ماذا علمت؟ أو رأيت؟« فقالت: يا رسول اللَّه أحمي سمعي وبصري، واللَّه ما علمت إلا خيرًا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبيّ -ﷺ-، فعصمها اللَّه بالورع، قالت: وطفقت أختها حَمْنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك. قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط، ثم قال عروة: قالت عائشة: واللَّه إن الرجل الذي قيل له ما قيل، ليقول: سبحان اللَّه، فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط، قالت: ثم قُتل بعد ذلك في سبيل اللَّه. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٩٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِىِ شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ، وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي، وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ واللَّه مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قطُّ، وَلَا دَخَلَ بَيْتِي قَطّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفيهِ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَأَل جَارِيَتِي، فَقَالَتْ: واللَّه مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ، فَتَأْكُلَ عَجِينَهَا، أَوْ قَالَتْ: خَمِيرَهَا -شَكَّ هِشَامٌ- فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، واللَّه مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا، إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ، وَقَدْ بَلَغَ الأَمْرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، واللَّه مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ عَائِشَة: وَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الزِّيَادَةَ: وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ: مِسْطَحٌ، وَحَمْنَةُ، وَحَسَّانُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْن أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ، وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، وَحِمْنَةُ). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أبو كريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دَلَّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله سبع وثمانون سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و«أَبُو أُسَامَةَ» هو: حماد بن أسامة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله الموصول بعده، وقولها: (مِنْ شَأْنِي) بيان لقولها: (الَّذِي ذُكِرَ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: من قول أهل الإفك، (وَ) الحال أني (مَا) نافيهَ، (عَلِمْتُ بِهِ)؛ أي: بالذي ذُكر، وقولها: (قَامَ) جواب «لَمّا»، (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) حال كونه (خَطِيبًا)، ثمّ فسّرت خطبته بقولها: (فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللَّهَ) -﷾- (وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) من أوصاف الكمال، (ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَشِيرُوا عَلَيَّ) هكذا هذه الرواية بحذف الفاء من جواب»أمّا«، وهو جائز كثير إذا حُذف مع القول، وإن كان دونه كان قليلًا، كما قال في»الخلاصة«:»أَمَّا«كَـ»مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيْءٍ« وَفَا … لِتِلْوِ تِلْهَا وُجُوبًا أُلِفَا وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا … لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا وقولها: (فِي أُنَاسٍ) تقدّم قريبًا أنه بضمّ الهمزة لغة في ناس، وقيل: بل لغتان بمعنى واحد، وليس أحدهما مشتقًّا من الآخر، وهذا القول هو الراجح . (أَبَنُوا أَهْلِي) قال النوويّ -﵀-: بباء موحّدة مفتوحة، مخففة، ومشددة، رووه هنا بالوجهين: التخفيف أشهر، ومعناه: اتّهموها، والأَبْنُ بفتح الهمزة، يقال: أبنه يَابُنُه، ويَأبِنُهُ، بضم الباء، وكسرها، من بابي نصر، وضرب: إذا اتّهمه، ورماه بخَلَّة سوء، فهو مأبون، قالوا: وهو مشتقّ من الأُبَن، بضم الهمزة، وفتح الباء، وهي الْعُقَد في القسيّ، تُفسدها، وتُعاب بها. انتهى . (وَايْمُ اللَّهِ) مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا، كما قال في «الخلاصة»: . . . . . . . . . . . . … وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرّ أي: قَسَمي، (مَا) نافية، (عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ) «من» زائدة للتوكيد؛ أي: سوءًا (قَطُّ)؛ أي: فيما مضى من الوقت، (وَأَبْنُوهُمْ)؛ أي: اتهموهم (بِمَنْ)؛ أي: بالذي، أو بشخص، وقوله: (واللَّه) معترضة بين الموصول وصلته، للتأكيد، (مَا) نافية أيضًا، (عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ) وهو صفوان بن الْمُعَطَّل -﵁-، (وَلَا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَ) الحال، (أَنَا حَاضِرٌ)؛ أي: موجود في البيت، (وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلّا غَابَ مَعِي«) هذا كلّه غاية في نزاهة صفوان -﵁- عن الفواحش، وبُعده عن الرذائل القبيحة الشنيعة التي رموه بها. وقوله: (وَسَاقَ)؛ أي: هشام بن عروة (الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الماضية، وستأتي في التنبيه -إن شاء اللَّه تعالى-. (وَفِيهِ)؛ أي: في جملة ما ذُكر في الحديث قول عائشة -﵂-: (وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْتِي، فَسَأَل جَارِيَتِي) هي بريرة -﵂-، كما تقدّم بيانه. (فَقَالَتْ) معطوف على مقدّر؛ أي: فسألها عن شأني، فقالت: (واللَّه مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا)؛ أي: على عائشة -﵂- (عَيْبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ) من باب قعد؛ أي: تنام (حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ) هي الداجن التي مرّ ذكرها، (فَتَأْكُلَ) تلك الشاة (عَجِينَهَا)؛ أي: العجين الذي فيه يدها؛ لاستغراقها في نومها، وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي، هل قالت: «عجينها»، أو (قَالَتْ: خَمِيرَهَا) ثم بيّن الشاكّ في هذا، فقال: (شَكَّ هِشَامٌ)؛ أي: ابن عروة. (فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ) هو عليّ بن أبي طالب -﵁- ، ومراده أن تحدّث النبيّ -ﷺ- بالصدق، ولا تكذب عليه، لا أنه يريد إلحاق الضرر بها، ولهذا سكت عليه النبيّ -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ) ذلك البعض: (اصْدُقِي)؛ أي: حدِّثي بالصدق (رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ). قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: «أسقطوا لها به» بالباء التي هي حرف الجرّ، وبِهاء ضمير المذكر، وكذا نقله القاضي عن رواية الْجُلُوديّ، قال: وفي رواية ابن ماهان: «لهاتها» بالتاء المثناة فوقُ، قال الجمهور: هذا غلطٌ، وتصحيفٌ، والصواب الأول، ومعناه: صرحوا لها بالأمر، ولهذا قالت: «سبحان اللَّه»؛ استعظامًا لذلك، وقيل: أتوا بسقط من القول في سؤالها، وانتهارها، يقال: أسقط، وسقط في كلامه: إذا أتى فيه بساقط، وقيل: إذا أخطأ فيه، وعلى رواية ابن ماهان إن صحّت معناها: أسكتوها، وهذا ضعيف؛ لأنها لم تسكت، بل قالت: «سبحان اللَّه، واللَّه ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تِبْر الذهب»، وهي القطعة الخالصة. انتهى . (فَقَالَتْ) الجارية تعجّبًا، واستبعادًا لتشدّدهم في الأمر: (سُبْحَانَ اللَّهِ، واللَّه مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا)؛ أي: على عائشة -﵂-، (إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ) اسم فاعل من صاغ الذهب يصوغه صَوْغًا، من باب قال: جعله حَلْيًا . (عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ) «التِّبْرُ» بكسر التاء، وسكون الباء، آخره راء: هو ما كان من الذهب غير مضروب، فإن ضُرب دنانير، فهو عين، وقال ابن فارس: التبر: ما كان من الذهب، والفضة، غير مصوغ، وقال الزّجّاج: التِّبْرُ: كلُّ جوهر قبل استعماله؛ كالنحاس، والحديد، وغيرهما . و«الذهب» بفتحتين: معروفٌ، ويؤنّث، فيقال: هي الذَّهَبُ الحمراء، ويقال: إن التأنيث لغة الحجاز، وبها نزل القرآن، وقد يؤنث بالهاء، فيقال: ذَهَبَهُ، وقال الأزهريّ: الذَّهَبُ مذكّر، ولا يجوز تأنيثه، إلا أن يُجعل جمعًا لذَهَبة، والجمع أَذْهَابٌ، مثل سَبَبٍ وأسباب، وذُهْبَانٌ، مثلُ رُغفان، وأَذْهَبْتُهُ بالألف: مَوَّهته بالذهب . وقوله: «الأحمر» صفة لـ «الذهب»؛ لأن الغالب تذكيره، كما مرّ آنفًا. (وَقَدْ بَلَغَ الأَمْرُ)؛ أي: أمر الإفك، (ذَلِكَ الرَّجُلَ)؛ تعني: صفوان بن المعطَّل -﵁-، (الَّذِي قِيلَ لَهُ)؛ أي: قيل عنه، فاللام بمعنى: عن، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]؛ أي: عن الذين آمنوا، كما قاله ابن الحاجب، أو اللام بمعنى: «في»؛ أي: قيل فيه ما قيل، فهي كقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]؛ أي: في مدّة حياتي . (فَقَالَ) الرجل: (سُبْحَانَ اللَّهِ) تعجّبًا، واستغرابًا لهذا القول الشنيع، (واللَّه مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ)؛ أي: ما جامعتها، والكنف بفتحتين: الثوب الساتر، ومنه قولهم: أنت في كنف اللَّه؛ أي: في سِتره، قاله في «الفتح» . (قَالَتْ عَائِشَة) -﵂-: (وَقُتِلَ) الرجل، وهو صفوان -﵁-، حال كونه (شَهِيدًا فِي سَبيلِ اللَّهِ) قيل: في غزوة إرمينية في خلافة عمر -﵁-، وقيل غير ذلك، كما تقدّم بيانه. (وَفِيهِ)؛ أي: وفي حديث هشام بن عروة، فهو عطف على قوله المتقدّم: «وفيه ولقد دخل رسول اللَّه -ﷺ-. . . إلخ»، (أَيْضًا مِنَ الزِّيَادَةَ) قوله: (وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُو ابِهِ)؛ أي: بهذا الإفك، فالموصول خبر مقدّم لـ «كان»، واسمها: «مسطح إلخ»، ويجوز العكس. (مِسْطَحٌ) بكسر الميم، وسكون السين المهملة، ابن أُثاثة بضمّ الهمزة، (وَحَمْنَةُ) بفتح الحاء المهملة، وسكون الميم ابنة جحش أخت زينب أم المؤمنين، (وَحَسَّانُ) بن ثابت؛ أي: فهؤلاء هم الذين تكلّموا بالإفك مع المنافقين، (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ)؛ أي: يستخرجه بالبحث، والمسألةِ، ثم يُفشيه، ويُشيعه، ويُحَرِّكه، ولا يدعه يَخْمَد . (وَيَجْمَعُهُ) إلى ما عنده من البهتان، (وَهُوَ)؛ أي: عبد اللَّه بن أُبيّ، مبتدأ خبره قولها: (الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ) بضم الكاف، وكسرها لغتان، فصيحتان، مشهورتان، وذكرهما في هذا الحديث القاضي عياض، وغيره، لكنهم رَجّحوا الضم، وقرئ قول اللَّه -﷾-: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١] بكسر الكاف، وضمّها، الكسر قراءة القراء السبعة، والضم في الشواذّ، قال الإمام أبو إسحاق الثعلبيّ المفسر -﵀-: قراءة العامة بالكسر، وقراءة حميد الأعرج، ويعقوب الحضرميّ بالضم، قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ، وقال الكسائيّ: هما لغتان، ذكره النوويّ -﵀- . وقولها: (وَحِمْنَةُ) بالرفع عَطْف على فاعل تولّي، وجاز لفصله بالمفعول، كما تقدّم غير مرّة. [تنبيه]: رواية هشام بن عروة عن أبيه هذه لساقها الترمذيّ -﵀- في «جامعه»، فقال: (٣١٨٠) - حدّثنا محمود بن غيلا
مصادر المؤلف (١٦٦)

١. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٠٠.

٢. وفي نسخة: «في أنفسكم».

٣. وفي نسخة: «هذه الآيات».

٤. «شرح النوويّ» ١٧/ ١ - ٢.

٥. أي: اعتدل، وانتظم لفظه، حيث ضُبط بالوجهين.

٦. وفي نسخة:«ووالدتي».

٧. وفي نسخة: «من كنف».

٨. «الفتح» ١٠/ ٣٩٠ - ٣٩٢، «كتاب التفسير» رقم (٤٧٥٠).

٩. «المصباح» ١/ ٢٥٩.

١٠. «القاموس المحيط» ص ٥٣.

١١. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٢٨.

١٢. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٠٢ - ١٠٣.

١٣. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٢٨.

١٤. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٢٨.

١٥. «الفتح» ١٠/ ٣٩٣.

١٦. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٢٨.

١٧. «الفتح» ١٠/ ٣٩٤.

١٨. «الفتح» ١٠/ ٣٩٣.

١٩. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٢٨.

٢٠. «الفتح» ٦/ ٥٦٥ - ٥٦٦، «كتاب الشهادات» رقم (٢٦٨٦).

٢١. هذا حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه بلفظ: «قضى رسول اللَّه -ﷺ- أن لا ضرر، ولا ضِرار»، قاله الشيخ الألباني -﵀-.

٢٢. «المفهم» ٧/ ٣٦٥ - ٣٦٦.

٢٣. «الفتح» ١٠/ ٣٩٥.

٢٤. «الفتح» ٩/ ٢٤١ - ٢٤٢، «كتاب المغازي» رقم (٤١٣٨).

٢٥. «الفتح» ١٠/ ٣٩٥.

٢٦. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٢٨.

٢٧. «الفتح» ١٠/ ٣٩٥.

٢٨. «الفتح» ١٠/ ٣٩٥.

٢٩. راجع: «القاموس» ص ١٠٨٠.

٣٠. «الفتح» ١٠/ ٣٩٦.

٣١. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٢٨.

٣٢. «الفتح» ١٠/ ٣٩٦.

٣٣. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٢٨.

٣٤. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢.

٣٥. وقع في نسخة «الفتح» الْمُطلَقَة، والذي في كتب اللغة أنها المطلوقة، يقال: طُلقت المرأة بالبناء للمفعول، فهي مطلوقة وهي التي أخذها وجع الولادة.

٣٦. «الفتح» ١٠/ ٣٩٦.

٣٧. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٠٤.

٣٨. «الفتح» ١٠/ ٣٩٦ - ٣٩٧.

٣٩. «المفهم» ٧/ ٣٦٦ - ٣٦٧.

٤٠. تقدّم أن الصواب الْمَطلوقة، وهي التي أخذها الطلق، الولادة.

٤١. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩.

٤٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.

٤٣. «الفتح» ١٠/ ٣٩٧.

٤٤. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢.

٤٥. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٠٤.

٤٦. «الفتح» ١٠/ ٣٩٧ - ٣٩٨.

٤٧. «الفتح» ١٠/ ٣٩٨.

٤٨. «الفتح» ١٠/ ٣٩٨.

٤٩. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٠٤.

٥٠. «بهجة النفوس» ٣/ ٤٦.

٥١. «الأعلام» ٢/ ١٣٠٩.

٥٢. «كشف المشكل» ٤/ ٣٢٦.

٥٣. «المفهم» ٧/ ٣٦٧.

٥٤. «كشف المشكل» ٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧.

٥٥. «المفهم» ٧/ ٣٦٧.

٥٦. «الفتح» ١٠/ ٣٩٩.

٥٧. «الفتح» ١٠/ ٣٩٩.

٥٨. راجع: «القاموس».

٥٩. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٢٩.

٦٠. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٨.

٦١. «تاج العروس» ص ٢١٧٥.

٦٢. «الكافية الشافية» لابن مالك -﵀- ١/ ٢٠٧ بنسخة الشرح.

٦٣. «الفتح» ١٠/ ٤٠٠ - ٤٠١.

٦٤. «الفتح» ١٠/ ٤٠١.

٦٥. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٣/ ٤٤٠.

٦٦. «الفتح» ١٠/ ٤٠١ - ٤٠٣.

٦٧. «الفتح» ١٠/ ٤٠٣.

٦٨. «المصباح المنير» ١/ ١٠٤.

٦٩. «الفتح» ١٠/ ٤٠٤ - ٤٠٥.

٧٠. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٣٠.

٧١. راجع: شرح «الخلاصة» ٢/ ٧٤.

٧٢. «عمدة القاري»١٣/ ٢٣٠.

٧٣. «المصباح المنير»١/ ٣١٥.

٧٤. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٣٠.

٧٥. «المفهم» ٧/ ٣٦٩.

٧٦. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٠٦.

٧٧. «الفتح» ١٠/ ٤٠٧.

٧٨. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٣١.

٧٩. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٣١.

٨٠. «الفتح» ١٠/ ٤٠٧.

٨١. راجع: شرح الشيخ الهرريّ ٢٥/ ٣٠٧.

٨٢. «الفتح» ١٠/ ٤٠٧، و«عمدة القاري» ١٣/ ٢٣١.

٨٣. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٨/ ٣٠٢.

٨٤. «الفتح» ١٠/ ٤٠٧.

٨٥. «الفتح» ١٠/ ٤٠٨.

٨٦. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٣١.

٨٧. «الفتح» ١٠/ ٤٠٨.

٨٨. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٠٧.

٨٩. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٣١.

٩٠. «بهجة النفوس» ٣/ ٥٤.

٩١. «النهاية في غريب الأثر» ص ١٠١٤، و«شرح النوويّ» ١٧/ ١٠٧.

٩٢. «الفتح» ١٠/ ٤٠٨.

٩٣. «مغني اللبيب» ٢/ ٧ - ٨ بنسخة «حاشية الأمير».

٩٤. المصدر السابق.

٩٥. «الفتح»١٠/ ٤١٠.

٩٦. «الفتح» ١٠/ ٤١١ - ٤١٢.

٩٧. هكذا نسخة «الفتح»، ولعله: «الحسن العرنيّ»، فليُحرّر.

٩٨. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٣٢.

٩٩. «الفتح» ١٠/ ٤١٢.

١٠٠. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٧.

١٠١. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٣٢.

١٠٢. «الفتح» ١٠/ ٤١٢.

١٠٣. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٠٧.

١٠٤. «بهجة النفوس» ٣/ ٥٨.

١٠٥. هو: ما أخرجه البخاريّ في «المغازي» ٤/ ١٥٢٢ فقال:

١٠٦. «الفتح» ١٠/ ٤١٣.

١٠٧. «الفتح» ١٠/ ٤١٤.

١٠٨. «كشف المشكل» ٤/ ٣٢٥.

١٠٩. «شرح البخاريّ» لابن بطال ٨/ ٤٥.

١١٠. «الفتح» ١٠/ ٤١٥.

١١١. «القاموس المحيط» ص ٩٦١.

١١٢. «المصباح المنير»٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩.

١١٣. «المفهم»٧/ ٣٧٢.

١١٤. «المفهم» ٧/ ٣٨٨.

١١٥. «الفتح» ١٠/ ٤١٨ - ٤١٩.

١١٦. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٣٢.

١١٧. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٣٢.

١١٨. «شرح»النوويّ«١٧/ ١١٠.

١١٩. «الفتح»١٠/ ٤١٩.

١٢٠. «عمدة القاري» ١٣/ ٢٣٣.

١٢١. «المصباح المنير»٢/ ٥٢٣.

١٢٢. «القاموس»ص ١١١٠.

١٢٣. «المفهم»٧/ ٣٧٣.

١٢٤. «المفهم» ٧/ ٣٧٣.

١٢٥. «شرح النوويّ» ١٧/ ١١١.

١٢٦. «شرح النوويّ» ١٧/ ١١١.

١٢٧. «المفهم» ٧/ ٣٧٤.

١٢٨. «شرح النوويّ» ١٧/ ١١١.

١٢٩. «فتح القدير» للشوكانيّ ٤/ ١١.

١٣٠. «الفتح» ١٠/ ٤٢٥.

١٣١. أخرجه النسائيّ في «الكبرى» بسند صحيح ٦/ ٤١٣.

١٣٢. أخرجه مسلم في «صحيحه» رقم (٢٩٣٧) ترقيم الأستاذ محمد فؤاد -﵀-.

١٣٣. راجع: «حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة» ١/ ٦٠ في «باب النكرة والمعرفة».

١٣٤. «المفهم» ٧/ ٣٧٤ - ٣٧٥.

١٣٥. «تاج العروس» ص ٦٤٧٣.

١٣٦. «المصباح المنير» ١/ ٣٠٥.

١٣٧. «شرح النوويّ» ١٧/ ١١٢ - ١١٣.

١٣٨. «فتح القدير» ٥/ ١٩٣.

١٣٩. «الفتح» ١٠/ ٤٢٧ - ٤٢٨.

١٤٠. «الفتح» ١٠/ ٤٤٤.

١٤١. «فتح القدير» ٥/ ١٩٩.

١٤٢. «الْحُشاشة» بالضمّ: بقيّة الروح من المريض.

١٤٣. «حاشية الجمل على الجلالين» ٣/ ٢١٤.

١٤٤. «حاشية الجمل على الجلالين» ٣/ ٢١٤.

١٤٥. «فتح القدير» ٥/ ١٩٩.

١٤٦. «حاشية الجمل على الجلالين» ٣/ ٢١٥.

١٤٧. متّفقٌ عليه.

١٤٨. «تفسير القرطبيّ» ١٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩.

١٤٩. «المفهم» ٧/ ٣٧٧.

١٥٠. يعني: ابن القيّم.

١٥١. «الفتح» ١٠/ ٤٣٠ - ٤٣٥، «كتاب التفسير» رقم (٤٧٥٠).

١٥٢. وفي نسخة: «ووالدتي».

١٥٣. وفي نسخة: «من كنف».

١٥٤. «شرح الأبيّ» ٧/ ١٧٧.

١٥٥. «المفهم» ٧/ ٣٦٨.

١٥٦. «صحيح البخاريّ» ٢/ ٩٤٣ - ٩٤٦.

١٥٧. «صحيح البخاريّ» ٤/ ١٥١٧ - ١٥١٨.

١٥٨. راجع:«المصباح المنير»١/ ٢٦.

١٥٩. «شرح النوويّ» ١٧/ ١١٤ - ١١٥.

١٦٠. «الديباج على مسلم» للسيوطيّ ٦/ ١٣٢.

١٦١. «شرح النوويّ» ١٧/ ١١٥.

١٦٢. راجع: «المصباح» ١/ ٣٥٢.

١٦٣. راجع: «المصباح» ١/ ٧٢.

١٦٤. راجع: «المصباح» ١/ ٢١٠.

١٦٥. راجع: «شرح الشيخ الهرريّ» ٢٥/ ٣٣١.

١٦٦. «الفتح» ٨/ ٤٦٢.