HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٧٥

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أبي عمر المكي. حدثنا سفيان عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر. قرشيان وثقفي. أو ثقفيان وقرشي. قليل فقه قلوبهم. كثير شحم بطونهم. فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع، إن جهرنا. ولا يسمع، إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع، إذا جهرنا، فهو يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله ﷿: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾ [٤١ /فصلت] الآية.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص121
ج ٤ ص ٢١٤١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٢٣٨
رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه أعطني قميصك، أكفنه فيه، وصَلِّ عليه، واستغفِر له، فأعطاه قميصه، وقال: «إذا فرغت منه، فآذنّا»، فلما فرغ آذنه به، فجاء ليصلي عليه، فجذبه عمر، فقال: أليس قد نهاك اللَّه أن تصلي على المنافقين؟ فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، فترك الصلاة عليهم. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٣] (٢٧٧٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ. قُرَشِيَّانِ، وَثَقَفِيٌّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ، وَقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ وَقَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٢]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، نُسب لجدّه، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صنّف «المسند» وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد الإمام الشهير، تقدم قبل ثلاثة أحاديث. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السّلميّ، أبو عَتّاب -بمثناة ثقيلة، ثم موحّدة- الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان لا يدلِّس [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. ٤ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر -بفتح الجيم، وسكون الموحّدة- أبو الحجاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ إمام في التفسير، وفي الفقه [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) وله ثلاث وثمانون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٥ - (أَبُو مَعْمَرٍ) عبد اللَّه بن سَخْبرة -بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموَحّدة- الأزديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات في إمارة عبيد اللَّه بن زياد (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٧٠. ٦ - (ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد اللَّه الصحابيّ الشهير، تقدّم -﵁- قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فعدنيّ، ثم مكيّ، وسفيان، وإن كان مكيًّا، إلا أنه كوفي الأصل، وأن فيه رواية ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول من قال: إن منصورًا من صغار التابعين، وإلا ففيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه -﵁- من مشاهير علماء الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) -﵁-، أنه (قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ)؛ أي: عند الكعبة؛ لأنه المراد عند الإطلاق؛ إذ صار عَلَمًا بالغلبة، كما قال في «الخلاصة»: وَقَدَ يَصِيرُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضافٌ أَوْ مَصْحُوبُ «أَلْ» كَـ «الْعَقَبَهْ» وفي رواية ابن حبّان في «صحيحه»: من طريق وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود قال: إني لمستتر بأستار الكعبة، إذ جاء ثلاثة نفر: ثقفيّ، وختناه قرشيان، كثير شحم بطونهم، قليل فقههم، فتحدثوا الحديث بينهم، فقال أحدهم: أترى اللَّه يسمع ما قلنا؟ وقال الآخر: إذا رفعنا سمع، وإذا خفضنا لم يسمع، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا، فإنه يسمع إذا خفضنا، فأتيت النبيّ -ﷺ-، فذكرت ذلك له، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ الآية [فصلت: ٢٢] . (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيَّانِ، وَثَقَفِيٌّ) وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (ثَقَفِيَّانِ، وَقُرَشِيٌّ) قال في «الفتح»: هذا الشكّ من أبي معمر راويه عن ابن مسعود، وهو عبد اللَّه بن سَخْبرة، وقد أخرجه عبد الرزاق من طريق وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود بلفظ: «ثقفيّ، وختناه، قرشيان»، ولم يشكّ، وأخرج مسلم من طريق وهب هذه، ولم يَسُق لفظها، وأخرجه الترمذيّ من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود: «قال: ثلاثة نفر»، ولم ينسبهم. وذكر ابن بشكوال في «المبهمات» من طريق تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفيّ، أحد الضعفاء، بإسناده، عن ابن عباس، قال: القرشي: الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، والثقفيان: الأخنس بن شَرِيق، والآخر لم يُسَمَّ، قال الحافظ: وراجعت التفسير المذكور، فوجدته قال في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]، قال: جلس رجلان عند الكعبة، أحدهما من ثقيف، وهو الأخنس بن شريق، والآخر من قريش، وهو الأسود بن عبد يغوث، فذكر الحديث، وفي تنزيل هذا على هذا ما لا يخفى. وذكر الثعلبيّ، وتبعه البغويّ أن الثقفيّ: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، والقرشيان: صفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف، وذكر إسماعيل بن محمد التيميّ في «تفسيره» أن القرشيّ: صفوان بن أمية، والثقفيان: ربيعة وحبيب ابنا عمرو، فاللَّه أعلم. انتهى . (قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ) قال في «الفتح»: كذا للأكثر بإضافة «بطون» لـ «شحم»، وإضافة «قلوب» لـ «فقه»، وتنوين «كثيرةٌ»، و«قليلةٌ»، وفي رواية سعيد بن منصور، والترمذيّ من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود: «كثيرٌ شحم بطونهم، قليلٌ فقه قلوبهم»، وذكره بعض الشراح بلفظ إضافة شحم إلى كثيرة، وبطونهم بالرفع، على أنه المبتدأ؛ أي: بطونُهم كثيرة المشحم، والآخر مثله، وهو مُحْتَمِلٌ، وقد أخرجه ابن مردويه من وجه آخر بلفظ: «عظيمةٌ بطونهم، قليل فقههم»، وفيه إشارة إلى أن الفطنة قلما تكون مع الْبِطْنة، قال الشافعيّ: ما رأيت سمينًا عاقلًا إلا محمد بن الحسن. انتهى. وقال في «العمدة»: قوله: «كثيرة شحم بطونهم» بإضافة بطونهم إلى شحم، وكذا إضافة قلوبهم إلى قوله: فقه، وكثيرة وقليلة منوّنتان، هكذا عند الأكثرين، ويروى: كثير، وقليل، بدون التاء، وقال الكرمانيّ: وجه التأنيث إما أن يكون الشحم مبتدأ، واكتسب التأنيث من المضاف إليه، و«كثيرة» خبره، وإما أن تكون التاء للمبالغة، نحو: رجل علّامة. انتهى . وقال في موضع آخر: قوله: «كثيرة شحم بطونهم» إشارة إلى وَصْفهم، فقوله: «بطونهم» مبتدأ، و«كثيرةُ شحمٍ» خبره، و«كثيرة» مضافة إلى «شحم»، هذا إذا كان «بطونهم» مرفوعًا، وإذا كان مجرورًا بالإضافة يكون «شحم» الذي هو مضاف مرفوعًا بالابتداء، و«كثيرة» خبره مقدمًا، واكتسب «شحم» التأنيث من المضاف إليه، إن كانت «كثيرة» غير مضافة، وكذلك الكلام في «قليلة فقه قلوبهم». انتهى . (فَقَالَ أَحَدُهُمْ)؛ أي: أحد الثلاثة المجتمعين عند البيت، (أَتَرَوْنَ) بضمّ حرف المضارعة، ويجوز فتحها؛ أي: أتظنّون، وقوله: (اللَّهَ) هو المفعول الأول، وقوله: (يَسْمَعُ) هو المفعول الثاني، (مَا نَقُولُ) «ما» موصولة مفعول «يسمع»، والعائد محذوف؛ لكونه فضلة، قال في «الخلاصة»: . . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَمَـ «نَرْجُو يَهَبْ» أي: الذي نقوله. (وَقَالَ الآخَرُ:) هكذا نُسخ مسلم: «وقال» بالواو، وهذا وقع في «صحيح ابن حبّان»، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «قال الآخر»، بدون واو، وهو الظاهر؛ لأنه جواب لِمَا قبله، فلا حاجة إلى الواو، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (يَسْمَعُ) اللَّه تعالى ما نقوله (إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا) ويُروى: «إن خافتنا»، وهو نحوه؛ لأن المخافتة، والْخَفْت: إسرار النطق. (وَقَالَ الآخَرُ)؛ أي: الثالث: (إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا) ووجه الملازمة فيما قال: «إن كان يسمع» هو أن نسبة جميع المسموعات إلى اللَّه تعالى على السواء، قاله في «العمدة». وفي رواية البخاريّ: «فقال بعضهم لبعض: أترون أن اللَّه يسمع حديثنا، قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه، لقد يسمع كلّه»، قال في «الفتح»؛ أي: لأن نسبة جميع المسموعات إليه واحدة، فالتخصيص تَحَكّم، وهذا يُشعر بأن قائل ذلك كان أفطن أصحابه، وأَخْلِق به أن يكون الأخنس بن شَرِيق؛ لأنه أسلم بعد ذلك، وكذا صفوان بن أمية. انتهى . (فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]) هذا تقريع لهم، وتوبيخ من جهة اللَّه ﷾، أو من كلام الجلود؛ أي: ما كنتم تستخفون عند الأعمال القبيحة حذرًا من شهادة الجوارح عليكم، ولمّا كان الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية كان معنى الاستخفاء هنا: تَرْك المعصية. وقيل: معنى الاستتار: الاتقاء؛ أي: ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة، فتتركوا المعاصي خوفًا من هذه الشهادة. وقوله: (﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾) في محل نصب على العلّة؛ أي: لأجل أن تشهد، أو مخافةَ أن تشهد، وقيل: منصوب بنزع الخافض، وهو الباء، أو عن، أو من، وقيل: إن الاستتار مُضَمَّن معنى الظنّ؛ أي: وما كنتم تظنون أن تشهد، وهو: بعيد. (﴿عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ الآيَةَ). وتمام القراءة: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] من المعاصي، فاجترأتم على فعلها. قيل: كان الكفار يقولون: إن اللَّه لا يعلم ما في أنفسنا، ولكن يعلم ما نُظهر دون ما نُسرّ. قال قتادة: الظنّ هنا بمعنى: العلم، وقيل: أريد بالظنّ معنى مجازّيًا يعمّ معناه الحقيقي، وما هو فوقه من العلم، والإشارة بقوله: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] إلى ما ذُكر من ظنهم، وهو مبتدأ وخبره قوله: ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]، وقوله: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] خبر آخر للمبتدأ. وقيل: إن «أرداكم» في محل نصب على الحال المقدّرة. وقيل: إن ﴿ظَنُّكُمُ﴾ [فصلت: ٢٣] بدل من ﴿وَذَلِكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] خبره، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر آخر، أو حال، وقيل: إن ﴿ظَنُّكُمُ﴾ [فصلت: ٢٣] خبر أوّل، والموصول وَصِلته خبر ثان، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثالث، والمعنى: أن ظنكم بأن اللَّه لا يعلم كثيرًا مما تعملون أهلككم، وطرحكم في النار ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: الكاملين في الخسران، قاله الشوكانيّ -﵀- . وقال الإمام ابن جرير الطبريّ -﵀-: اختَلَف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾، فقال بعضهم: معناه: وما كنتم تستخفون. وقال آخرون: معناه: وما كنتم تتقون. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنون. ثم قال ابن جرير: وأَولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وما كنتم تَستَخْفُون، فتتركوا ركوب محارم اللَّه في الدنيا حَذَرًا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم. وإنما قلنا: ذلك أَولى الأقوال في ذلك بالصواب؛ لأن المعروف من معاني الاستتار: الاستخفاء. فإن قال قائل: وكيف يستخفي الإنسان عن نفسه مما يأتي؟. قيل: قد بيَّنا أن معنى ذلك إنما هو الأماني، وفي تركه إتيانه إخفاؤه عن نفسه. وقوله: (﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾) يقول جلّ ثناؤه: ولكن حسبتم حين ركبتم في الدنيا من معاصي اللَّه أن اللَّه لا يعلم كثيرًا مما تعملون من أعمالكم الخبيثة، فلذلك لم تستتروا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم وجلودكم، فتتركوا ركوب ما حرّم اللَّه عليكم. انتهى . وقال الحافظ ابن كثير -﵀-: قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾؛ أي: تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم: ما كنتم تكتمون منا الذي كنتم تفعلونه، بل كنتم تجاهرون اللَّه بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم؛ لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم؛ ولهذا قال: ﴿. . . وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾؛ أي: هذا الظن الفاسد -وهو اعتقادكم أن اللَّه لا يعلم كثيرًا مما تعملون- هو الذي أتلفكم، وأرداكم عند ربكم، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم، وأهليكم. انتهى . [تنبيه]: وجه إدراج مسلم هذا الحديث في «كتاب صفات المنافقين»، وإن كانت الآية نزلت في المشركين المجاهرين، لا في المنافقين المضمرين: الإشارة إلى أن ما يُضمره المنافقون في صدورهم من النفاق سببه أنهم يظنّون أن اللَّه لا يعلم ذلك منهم؛ ولذلك يصرّون عليه، ولا يتوبون منه، كما يفعل هؤلاء المشركون سواءً ، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٠٠٣ و٧٠٠٤] (٢٧٧٥)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٨١٦ و٤٨١٧) و«التوحيد» (٧٥٢١) وفي «خلق أفعال العباد» (١/ ٦٤،)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٢٤٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٨٧)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٨١ و٤٠٨ و٤٢٦ و٤٤٣ و٤٤٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٩٠ و٣٩١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠/ ١١٢ و١١٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦/ ١٣٠)، و(البيهقيّ) في «الأسماء والصفات» (ص ١٧٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه أهل الشرك من الجهل والضلال، حيث إنهم لا يعلمون أن اللَّه -﷿- يعلم سرّهم، كما يعلم جهرهم سواء. ٣ - (ومنها): ما قيل: في الحديث من الفقه إثبات القياس الصحيح، وإبطال الفاسد، فالذي قال: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، قد أخطأ في قياسه؛ لأنه شبّه اللَّه تعالى بخلقه الذين يسمعون الجهر، ولا يسمعون السرّ، والذي قال: إن كان يسمع إن جهرنا، فإنه يسمع إذا أخفينا، أصاب في قياسه، حيث لم يشبّه اللَّه بالمخلوقين، ونزّهه عن مماثلتهم. [فإن قلت]: الذي أصاب في قياسه كيف وُصِف بقلة الفقه؟. [قلت]: «لأنه لم يعتقد حقيقة ما قال، ولم يقطع به، بل قال: إن كان» ، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (ح)، وَقَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الإمام الثوريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، وقيل: قبلها بسنتين (ع) تقدم في «الصلاة» ٢٩/ ٩٧٧. ٥ - (وَهْبُ بْنُ رَبِيعَةَ) الكوفيّ، مقبول [٣]. رَوَى عن ابن مسعود حديث الباب فقط، وروى عنه عُمارة بن عُمير، ذكره ابن حبان في «الثقات». تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبله، و«يحيى بن سعيد» هو: القطّان. وقوله بعد التحويل: (وَقَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) فاعل «قال» ضمير أبي بكر بن خلّاد شيخ المصنّف، ووقع في بعض النسخ ما نصّه: «وقال: حدّثنا؛ يعني: أبا بكر بن خلاد الباهليّ». و«يحيى» هو ابن سعيد القطان المذكور قبله، و«سفيان» هو: الثوريّ. [تنبيه]: انتقد الدارقطنيّ رواية الأعمش هذه، ودونك نصّه في «العلل» (٨٨١) - وسئل عن حديث وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود قال: «إني لمستتر بأستار الكعبة في ثلاثة نفر، ثقفيّ، وختناه قرشيان، كثير شحوم بطونهم، قليل فقه قلوبهم. . .» الحديث، وفيه فأنزل اللَّه -﷿-: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾. . . الحديث. فقال: يرويه الأعمش، واختُلف عنه، فرواه الثوريّ عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبد اللَّه، وتابعه عبد اللَّه بن بشر الرّقّيّ، عن الأعمش. ورواه أبو معاوية الضرير، وقطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد اللَّه، قال قطبة: قلت للأعمش: إن سفيان الثوريّ يقول: هو وهب بن ربيعة، قال: فأطرق، ثم هَمْهَم ساعةً، ثم رفع رأسه، فقال: صدق سفيان، هو وهب بن ربيعة. وخالفهم أبو مريم عبد الغفار، فرواه عن الأعمش، عن عمارة، عن زيد بن وهب الجهنيّ، عن عبد اللَّه. ورواه الحسن بن عُمارة، والمسعوديّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، ووَهِمَا فيه. ورواه شعبة عن الأعمش، عن رجل، عن عبد اللَّه. والقول قول سفيان الثوريّ، وعبد اللَّه بن بشر. ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد اللَّه. انتهى كلام الدارقطنيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة ما أشار إليه الدارقطنيّ -﵀- أنه يرى ترجيح رواية الأعمش عن عمارة بن عُمير، عن وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود -﵁-، وهي التي اختارها مسلم -﵀- في هذا الباب، وكذا رجح أبو زرعة الرازيّ، فقد نقل ذلك عنه ابن أبي حاتم في «العلل»، وعبارته فيها: (١٧٩١) - سئل عن الأعمش، عن عمارة عبد اللَّه بن مسعود قال: إني لمستتر إلخ، ثم قال: ورواه أبو معاوية، وعليّ بن مسهر، وابن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد اللَّه، وذكر الحديث. قال أبو زرعة: كان الأعمش قديمًا قال: عن وهب بن ربيعة، والثوريّ أحفظهم كلّهم. انتهى . والحاصل: أن رواية مسلم من طريق الأعمش صحيحة . [فإن قيل]: كيف أخرج مسلم لوهب بن ربيعة، وهو مجهول العين، إذ لم يرو عنه إلا عمارة بن عمير، ولم يوثّقه إلا ابن حبّان؟. [قلت]: إنما أخرج له مسلم متابعةً لرواية أبي معمر السابقة، ومعلوم أن المتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أما رواية وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود -﵁- هذه فقد ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٣٩١) - أخبرنا أبو خليفة، قال: حدّثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن عُمارة بن عمير، عن وهب هو ابن ربيعة، عن ابن مسعود، قال: إني لمستتر بأستار الكعبة، إذ جاء ثلاثة نفر: ثقفيّ، وخَتَناه، قرشيان، كثير شحم بطونهم، قليل فقههم، فتحدثوا الحديث بينهم، فقال أحدهم: أترى اللَّه يسمع ما قلنا؟ وقال الآخر: إذا رفعنا سمع، وإذا خفضنا لم يسمع، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا، فإنه يسمع إذا خفضنا، فأتيت النبيّ -ﷺ-، فذكرت ذلك له، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ
مصادر المؤلف (١٥)

١. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢١٨٤.

٢. «صحيح ابن حبان» ٢/ ١١٧.

٣. «الفتح» ١٠/ ٥٦٥، «كتاب التفسير» رقم (٤٨١٦).

٤. »عمدة القاري«١٩/ ١٥٥.

٥. »عمدة القاري«٢٥/ ١٧٨.

٦. «الفتح» ١٠/ ٥٦٥.

٧. «فتح القدير» ٦/ ٣٥١.

٨. «تفسير الطبريّ» ٢١/ ٤٥٤ - ٤٥٥.

٩. «تفسير ابن كثير» ٧/ ١٧٢.

١٠. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٩٧.

١١. «عمدة القاري» ٢٥/ ١٧٩.

١٢. قوله: «وقال: حدّثنا»؛ يعني: أبا بكر بن خلاد الباهليّ.

١٣. «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» ٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩.

١٤. «علل الحديث» لابن أبي حاتم ٢/ ٩٩.

١٥. وقد أجاد الشيخ ربيع المدخلي في دراسته: «بين الإمامين» فراجعه ص ٤١٩ - ٤٢٢.