HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٧٩

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا أسود بن عامر. حدثنا شعبة بن الحجاج عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي، أرأيا رأيتموه أو شيئا عهده إليكم رسول الله ﷺ؟ فقال: ما عهد إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة. ولكن حذيفة أخبرني عن النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ «في أصحابي اثنا عشر منافقا. فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة وأربعة» لم أحفظ ما قال شعبة فيهم.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص122
ج ٤ ص ٢١٤٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٤٥
[٨٨٣] وقوله: (ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ) ؛ الدُّبَيلَة: طاعون وخراج يخرج بالإنسان، وهو في هذا الحديث عقوبة للمنافقين، و(نَارٍ يَظْهَرُ فِي أَكتافِهِم حَتَّى يَنجُمَ مِنْ صُدُورِهِم)؛ أي: يبدو ويظهر، والكلمة مأخوذة من قولهم: دَبَلْت الشيء جمعته، ودَبَلْتُ اللقمة بأصابعي، ودَبَلَهُم أمر شديد وشر، ودَبِلَ البعير دَبلًا: إذا امتلأ لحما، ويقولون: دبلًا ديبلًا؛ أي: داهية وشدة، قال: طِعَانَ الْكُمَاةِ وَرَكْضَ الْجِيَادِ … وَقَوْلَ الْحَوَاضِنِ دِبْلًا دَبِيلًا وهو دعاء عليهم، وقوله: (كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ)، كأن هذا العدد يختص رؤساءهم.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٢٦٦
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٩] (٢٧٧٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتُمْ صَنِيعَكُمْ هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ فِي أَمْرِ عَلِيٍّ، أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ، أَوْ شَيْئًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَلَكِنْ حُذَيفَةُ أَخْبَرَنِي عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ، وَأَرْبَعَةٌ» لَمْ أَحْفَظْ مَا قَالَ شُعْبَةُ فِيهِمْ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الشاميّ، نرْيل بغداد، يكنى أبا عبد الرحمن، ويُلَقّب شاذان، ثقةٌ [٩] مات في أول سنة ثمان ومائتين (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٦/ ١٥٥٢. ٢ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة -بضم القاف، وفتح المهملة- العبديّ الْعَوَقيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. ٤ - (قَيْسُ) بن عُبَاد -بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة- الضبعيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، مخضرم، ثقة [٢] مات بعد الثمانين، ووهم مَن عدّه في الصحابة (خ م د س ق) تقدم في «فضائل الصحابة» ٣٣/ ٦٣٦١. ٥ - (عَمَّارُ) بن ياسر بن عامر بن مالك الْعَنْسيّ -بنون ساكنة، ومهملة- أبو الْيَقْظَان، مولى بني مخزوم الصحابيّ الجليل المشهور، من السابقين الأولين، بَدريّ، قُتل مع عليّ -﵄- بصِفِّين سنة سبع وثلاثين (ع) تقدم في «الحيض» ٢٧/ ٨٢٤. ٦ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل -بمهملتين، مصغّرًا- ويقال: حِسْل -بكسر، ثم سكون- الْعَبسيّ -بالموحّدة- حليف الأنصار، الصحابي الجليل، من السابقين، صحّ في مسلم عنه أن رسول اللَّه -ﷺ- أعلمه بما كان، وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابيّ أيضًا، استُشهِد بأُحُد، ومات حذيفة في أول خلافة عليّ -﵃- سنة ست وثلاثين (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٥٧. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من ثُمانيّات المصنّف -﵀-، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وكلاهما من السابقين إلى الإسلام، وفضلاء الصحابة -﵃-. شرح الحديث: (عَنْ قَيْس) بن عُبَاد بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، كما قال في «ألفيّة الأثر»: وَافْتَحْ عَبَادَة أَبَا مُحَمَّدِ … وَاضْمُمْ أَبَا قَيْسٍ عُبَادًا تُرْشَدِ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّار) بن ياسر -﵄-: (أَرَأَيْتُمْ)؛ أي: أخبروني (صَنِيعَكُمْ هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ فِي أَمْرِ عَلِيٍّ) -﵁- من مناصرته، والقتال معه في صفّين وغيره، (أَرَأْيًا)؛ أي: اجتهادًا منكم، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق لـ (رَأَيْتُمُوهُ)؛ أي: اجتهدتموه، زاد في الرواية التالية: «فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ»، وقوله: (أَوْ شَيْئًا) منصوب على الاشتغال؛ أي: عهد إليكم -ﷺ- شيئًا، (عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-)؛ أي: أوصاكم، وأمركم به أن تفعلوه معه، يقال: عهِد إليه يَعْهَد، من باب تَعِبَ: أوصاه. (فَقَالَ) عمّار -﵁-: (مَا) نافية، (عَهِدَ إِلَيْنَا) معاشر المقاتلين معه، (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ)؛ أي: لم يوص به، (كَافَّةً)؛ أي: جميعًا، قال الفيّوميّ -﵀-: وجاء الناس كَافَّةً، قيل: منصوب على الحال، نصبًا لازمًا، لا يُستعمل إلا كذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]؛ أي: إلا للناس جميعًا، وقال الفراء في «كتاب معاني القرآن»: نُصبت؛ لأنها في مذهب المصدر، ولذلك لم تُدخل العرب فيها الألف واللام؛ لأنها آخر الكلام، مع معنى المصدر، وهي في مذهب قولك: قاموا معًا، وقاموا جميعًا، فلا يُدخلون الألف واللام على معًا، وجميعًا، إذا كانت بمعناها أيضًا، وقال الأزهريّ أيضًا: كَافّةً منصوب على الحال، وهو مصدر على فاعلة؛ كالعافية، والعاقبة، ولا يُجمع، كما لو قلت: قاتلوا المشركين عامّةً، أو خاصّةً، لا يُثَنَّى ذلك، ولا يُجمع. انتهى . (وَلَكِنْ حُذَيْفَةُ) بن اليمان -﵄- (أَخْبَرَنِي عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) وقوله: (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-) تفسير لمعنى «أخبرني»، («فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا)؛ يعني: من جملة من يُنسب إلى صحبتي في الظاهر، وإلا فالمنافق لا يُسمّى صحابيًّا، وفي الرواية التالية:»إن في أمتي اثنا عشر منافقًا«، وإنما خصّ اثني عشر في هذا الحديث مع أن المنافقين كانوا أكثر من ذلك لسبب يتعلّق بقصّة مخصوصة، أخرجها الطبرانيّ في»الأوسط«، عن حذيفة بن اليمان قال: إني لآخذ بزمام ناقة رسول اللَّه -ﷺ- أقوده، وعمار يسوق به، أو عمار يقوده، وأنا أسوق به، إذ استقبلنا اثنا عشر رجلًا متلثمين، قال:»هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة«، قلنا: يا رسول اللَّه ألا تبعث إلى كل رجل منهم، فتقتله؟، فقال:»أكره أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وعسى اللَّه أن يَكفيهم بالدبيلة«. قلنا: وما الدبيلة؟ قال:»شهاب من نار، يوضع على نياط قلب أحدهم، فيقتله«. انتهى ، وفي سنده عبد اللَّه بن سَلِمة، وثقه جماعة، وقال البخاريّ: لا يتابع على حديثه، قاله الهيثميّ -﵀- . وأخرج الطبرانيّ أيضًا في«الكبير»، عن صِلَة بن زُفَر، قال: قلنا لحذيفة: كيف عرفت أمر المنافقين، ولم يعرفه أحد من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، ولا أبو بكر، ولا عمر -﵃-؟ قال: إني كنت أسير خلف رسول اللَّه -ﷺ-، فنام على راحلته، فسمعت ناسًا منهم يقولون: لو طرحناه عن راحلته، فاندقت عنقه، فاسترحنا منه، فسِرت بينهم وبينه، وجعلت أقرأ، وأرفع صوتي، فانتبه رسول اللَّه -ﷺ-، فقال:«من هذا؟ »فقلت: حذيفة، قال:«من هؤلاء؟ »قلت: فلان، وفلان، حتى عددتهم، قال:«وسمعت ما قالوا؟ »قلت: نعم، ولذلك سِررت بينك وبينهم، قال:«فإن هؤلاء فلانًا وفلانًا حتى عدّ أسماءهم منافقون، لا تخبرنّ أحدًا»، وفي إسناده مجالد بن سعيد، وقد اختلط، وضعّفه جماعة، قاله الهيثميّ -﵀- . (فِيهِمْ)؛ أي: في جملة الاثني عشر منافقًا، (ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، حَتَّى يَلِجَ)؛ أي: يدخل (الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)؛ أي: في ثُقب الإبرة، وهو تعليق بالمحال، والمراد أنهم لا يدخلون الجتة أبدًا، و«الخياط»بكسر الخاء المعجمة: ما يُخاط به؛ كالْمِخيط، وزانُ لِحَاف، ومِلْحف، وإزار، ومِئزر . و«السمّ»مثلّث السين: ثُقب الإبرة، جمعه سِمَام . (ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ) يا حذيفة، أو يا أيها المخاطب، (الدُّبَيْلَةُ») بضمّ الدال المهملة: تصغير دَبْلة بفتح الدال، بمعنى الطاعون، والداهية، وداء في الجوف، كما في «القاموس»، وقال ابن الأثير: الدُّبيلة: هي خُراج ودُمَّل كبير تظهر في الجوف، فتقتل صاحبها غالبًا، وهي تصغير دَبْلة، وكل شيء جُمِع فقد دُبِلَ. انتهى . والمعنى: أن ثمانية من هؤلاء المنافقين يموتون بمرض الدُّبيلة، فكأن الدُّبيلة تكفي المسلمين عن شرّهم. وحاصل جواب عمّار -﵁- أن النبيّ -ﷺ- أخبر بأن بعض المنافقين يبقون بعده -ﷺ-، فيُثيرون الفتن فيما بين أصحاب النبيّ -ﷺ-، فكأن عمّارًا -﵁- أشار إلى أن من قام حربًا على عليّ -﵁- إنما فعل ذلك بتدسيس من هؤلاء المنافقين، وكان عليّ -﵁- على الحقّ، فوجب علينا نصره، ومؤازرته، واللَّه تعالى أعلم . وقال النوويّ -﵀-: أما قوله -ﷺ-: «في أصحابي»، فمعناه: الذين يُنسبون إلى صحبتي، كما قال في الرواية الثانية: «في أمتي»، و«سمّ الخياط» بفتح السين، وضمّها، وكسرها، والفتح أشهر، وبه قرأ القراء السبعة، وهو ثُقب الابرة، ومعناه: لا يدخلون الجنة أبدًا، كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة أبدًا، وأما «الدُّبيلة» فبدال مهملة، ثم الجيم، ورُوي: «تكفيهم الدبيلة» بحذف الكاف الثانية، ورُوي: «تَكْفِتُهُم» بتاء مثناة فوقُ بعد الفاء، من الْكَفْت، وهو الجمع، والستر؛ أي: تجمعهم في قبورهم، وتسترهم. انتهى . وقوله: (وَأَرْبَعَةٌ)؛ أي: من الاثني عشر (لَمْ أَحْفَظْ مَا قَالَ شُعْبَةُ فِيهِمْ) هذا كلام الأسود بن عامر، يقول: أما الثمانية فقد حفظت من شعبة ما يُعاقبون به، وهي الدُّبيلة، وأما الأربعة فلم أحفظ ما ذكره من نوع عقوبتهم، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٠٠٩ و٧٠١٠ و٧٠١١] (٢٧٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣١٩)، و(ابن أبي عاصم) في «الآحاد والمثاني» (٢/ ٤٦٥)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٨/ ١٠٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ١٩٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان اللَّه تعالى يُطلع نبيّه -ﷺ- على أعيان المنافقين، فقد أعلمه اللَّه -﷿- أعيان اثني عشر منهم، وأعلمه ما يكون إليه عاقبة أمرهم. ٢ - (ومنها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حُذيفة بن اليمان -﵄-، حيث كان -ﷺ- خصّه بمعرفة أعيان بعض المنافقين، وأمره أن يخبر بهم أحدًا، فكان لا يُخبر بهم، حتى إن عمر -﵁- كان إذا مات شخص تبع حذيفة، فإن صلى عليه صلى عليه، وإلا تركه، وكان -﵁- صاحب سرّ رسول اللَّه -ﷺ-، ففي «صحيح مسلم» أنه -ﷺ- أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة. وأخرج ابن جرير عن قتادة موقوفًا عليه، في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة ١٠١] عذاب الدنيا، وعذاب القبر، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] ذُكر لنا أن نبيّ اللَّه -ﷺ- أسرّ إلى حذيفة باثني عشر رجلًا من المنافقين، فقال: ستة منهم تكفيكهم الدُّبيلة سراج من نار جهنم، يأخذ في كتف أحدهم، حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتًا، ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب -﵁- كان إذا مات رجل يُرَى أنه منهم نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه صلى عليه، وإلا تركه، وذُكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك اللَّه أَمِنهم أنا؟ قال: لا، واللَّه، ولا أُؤَمِّن منها أحدًا بعدك. وأخرج عن ابن عبّاس -﵄- في قول اللَّه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ -إلى قوله- ﴿عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] قال: قام رسول اللَّه -ﷺ- خطيبًا يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق، اخرج يا فلان، فإنك منافق، فأخرج من المسجد ناسًا منهم فضحهم، فلقيهم عمر، وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم حياءً أنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبأوا هم من عمر، ظنوا أنه قد عَلِم بأمرهم، فجاء عمر، فدخل المسجد، فإذا الناس لم يصلّوا، فقال له رجل من المسلمين: أبْشر يا عمر، فقد فضح اللَّه المنافقين اليوم، فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر. انتهى . ٣ - (ومنها): أن فيه بيان أن الحروب التي جرت بين الصحابة -﵃- كانت من الأمور الاجتهاديّة، فكان بعضهم فيها مصيبًا، وبعضهم مجتهدًا مخطئًا، مغفورًا له خطؤه، وكان عليّ -﵁- هو الإمام الحقّ. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف في تتبّع الأمور، وسؤال الصحابة -﵃- عن حقيقتها، حتى يتوصّلوا إلى الحقيقة، فيُعطوا كل ذي حقّ حقّه، ويعذروا، ويستغفروا لمن أخطأ في اجتهاده، وهكذا ينبغي للمسلمين أن يسلكوا مسلكهم، ولا يقعوا في بعض الصحابة -﵃- بأهوائهم، فيجرحوهم، فيقعوا في خطر عظيم، فقد أخرج البخاريّ عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: قال النبيّ -ﷺ-: «لا تسبّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا، ما بلغ مدّ أحدهم، ولا نصيفه». وأخرج مسلم عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا تسبّوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا، ما أدرك مدّ أحدهم، ولا نصيفه». وأخرج الترمذيّ عن عبد اللَّه بن مغفل -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «اللَّهَ اللَّهَ في أصحابي، اللَّهَ اللَّهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غَرَضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه» . اللَّهُمَّ ارزقنا التأدّب مع أصحاب رسولك -ﷺ-، واحفظنا من عثرات اللسان، ومن سوء اعتقاد الجَنان في أولياء الرحمن، آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠١٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: قُلْنَا لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ، فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، أَوْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ فِي أُمَّتِي»، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ، وَقَالَ غُنْدَرٌ: أُرَاهُ قَالَ: «فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا، حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ، سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ ، يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ، حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُندار، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ)؛ أي: أظن قتادة، (قَالَ) عمّار: (حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ) -﵁-. وقوله: (وَقَالَ غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر: (أُرَاهُ)؛ أي: أظنّ شعبة (قَالَ) في روايته لهذا الحديث («فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا) بدل قوله في الرواية السابقة:»في أصحابي اثنا عشر منافقًا«، وهؤلاء المنافقون هم الذين قصدوا الفتك بالنبيّ -ﷺ- ليلة العقبة مرجعه من تبوك، حين أخذ النبيّ -ﷺ- مع عمّار وحذيفة طريق الثنيّة، والقوم بطن الوادي، فطمِع اثنا عشر رجلًا في المكر به -ﷺ-، فاتّبعوه ساترين وجوههم، غير أعينهم، فلما سمع النبيّ -ﷺ- خشفة القوم من ورائه أمر حذيفة أن يردّهم، فخوّفهم اللَّه تعالى حين أبصروا حذيفة، فرجعوا مسرعين على أعقابهم حتى خالطوا الناس، فأدرك حذيفة النبيّ -ﷺ-، فقال لحذيفة:«هل عرفت أحدًا منهم؟ »قال: لا، فإنهم كانوا متلثّمين، ولكن أعرف رواحلهم، فقال النبيّ -ﷺ-:«إن اللَّه أخبرني بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وسأخبرك بهم -إن شاء اللَّه تعالى- عند الصباح»، فمن ثمّ كان الناس يراجعون حذيفة في أمر المنافقين، قيل: أسرّ النبيّ -ﷺ- أمر هذه الفئة المشؤومة؛ لئلا تهيج الفتنة من تشهيرهم، ذكره في«المبارق». وقوله: (وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا)؛ أي: يشمّونها، وهو كناية عن شدّة بُعدهم، وعدم قربهم من الجنّة، فهم محرومون منها أبدًا. وقوله: (سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ) وفي بعض النسخ:«سراج من نار»؛ أي: التهاب من نار، وهو تفسير للدُّبيلة؛ يعني: أن دُمّلًا يظهر في أكتافهم، وفيه حمرة، وحرارة كأنها سِراج من نار، وفي رواية للطبرانيّ:«شهاب من نار». وقوله: (يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ) بفتح الهمزة: جمع كَتِفٍ، بفتح الكاف، وكسر التاء، وبتسكينها مع فتح الكاف، وكسرها، وإنما جَمَعه نظرًا إلى أفرادهم، وإلا فلكل إنسان كتفان، والكتفان هما: العظمان الناتئان في أعلى الظهر، بينه وبين الرقبة؛ يعني: أن الدّبيلة سراج من نار؛ أي: دُمّل يظهر في أكتافهم، وفيه حمرة وحرارة، كأنها سراج، وشُعلة من نار يدخل في جوفهم. وقوله: (حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ) بضمّ الجيم، من باب نصر؛ أي: حتى يطلع، ويخرج من صدروهم؛ يعني: يحدث في أكتافهم جراح تظهر حرارتها من صدورهم، فتقتلهم، وهذا تفسير من النبيّ -ﷺ- للدُّبيلة، عبّر عنها بالسراج، وهو شُعلة المصباح للمبالغة، قاله في «المبارق» . والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، وللَّه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠١١] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ، وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ ، كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: أَخْبِرْهُ إِذْ سَأَلَكَ، قَالَ: كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ، فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ للَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً، قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، وَقَدْ كَانَ فِي حَرَّةٍ، فَمَشَى، فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ قَلِيلٌ، فَلَا يَسْبِقُنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ»، فَوَجَدَ قَوْمًا قَدْ سَبَقُوهُ، فَلَعَنَهُمْ يَوْمَئِذٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن الزبير بن عُمر بن درهم الأسديّ الزبيريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٤. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ) هو: الوليد بن عبد اللَّه بن جُميع الزهريّ المكيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ، يَهِمُ، ورُمي بالتشيع [٥] (بخ م د ت س) تقدم في «الجهاد والسير» ٣٣/ ٤٦٣٠. ٣ - (أَبُو الطُّفَيْلِ) عامر بن واثلة بن عبد اللَّه بن عمرو بن جَحْش الليثيّ، وربما سُمّي عمرًا، وُلد عام أُحُد، ورأى النبيّ -ﷺ-، وروى عن أبي بكر، فمن بعده وعُمِّر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٧/ ١٦٣١. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسل بالتحديث، وأن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وأن أبا الطفيل آخر من مات من الصحابة -﵃- على الإطلاق، كما أسلفته آنفًا. شرح الحديث: عن أبي الطُّفَيْلِ عامر بن واثلة -﵁-؛ أنه (قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ) اسمه وديعة بن ثابت، كما بُيّن في رواية الطبرانيّ في «الكبير»، لكنه جعل الكلام بينه وبين عمّار -﵁-، ويمكن أن يتكرّر، واللَّه تعالى أعلم. قال النوويّ -﵀-: هذه العقبة ليست العقبة المشهورة بمنى التي كانت بها بيعة الأنصار -﵃-، وإنما هذه عَقبة على طريق تبوك، اجتمع المنافقون فيها للغدر برسول اللَّه -ﷺ-، في غزوة تبوك، فعصمه اللَّه تعالى منهم. انتهى . وقال ابن الجوزيّ -﵀-: هذا الحديث يُشكل على المبتدئين؛ لأن أهل العقبة إذا أُطلقوا، فإنما يشار بهم إلى الأنصار المبايعين له -ﷺ-، وليس هذا من ذاك، وإنما هذه عَقبة في طريق تبوك، وقف فيها قوم من المنافقين؛ لِيَفتكوا به -ﷺ-، ثم أخرج بسنده عن أبي الطفيل قال: لَمّا أقبل رسول اللَّه -ﷺ- من غزوة تبوك، أمر مناديًا فنادى: إن رسول اللَّه -ﷺ- آخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول اللَّه -ﷺ- يقوده حذيفة، ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، غَشُوا عمّارًا، وهو يسوق برسول اللَّه -ﷺ-، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول اللَّه -ﷺ- لحذيفة: «قُدْ قُدْ»، حتى هبط رسول اللَّه -ﷺ-، فلما هبط رسول اللَّه -ﷺ- نزل، ورجع عمار، فقال: «يا عمار هل عرفت القوم؟» فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: «هل تدري ما أرادوا؟» قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: «أرادوا أن يُنَفِّروا برسول اللَّه -ﷺ-، فيطرحوه. . .» الحديث . وقال الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»: (٢٣٨٤٣) - حدثنا يزيد أنا الوليد -يعني: ابن عبد اللَّه بن جُميع- عن أبي الطفيل، قال: لمّا أقبل رسول اللَّه -ﷺ- من غزوة تبوك أمر مناديًا، فنادى أن رسول اللَّه -ﷺ- أَخَذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول اللَّه -ﷺ- يقوده حذيفة، ويسوق به عمّارٌ، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، غَشُوا عمارًا، وهو يسوق برسول اللَّه -ﷺ-، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول اللَّه -ﷺ- لحذيفة: «قُدْ قُدْ» حتى هبط رسول اللَّه -ﷺ-، فلما هبط رسول اللَّه -ﷺ- نزل، ورجع عمّارٌ، فقال: «يا عمار هل عرفت القوم؟» فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: «هل تدري ما أرادوا؟» قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: «أرادوا أن يُنَفِّروا برسول اللَّه -ﷺ-، فيطرحوه». قال: فسأل عمار رجلًا من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: نشدتك باللَّه، كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ فقال: أربعة عشر، فقال: إن كنت فيهم، فقد كانوا خمسة عشر، فعَذَر رسول اللَّه -ﷺ- منهم ثلاثةً، قالوا: واللَّه ما سمعنا منادي رسول اللَّه -ﷺ-، وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب للَّه ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد. قال الوليد: وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال للناس، وذكر له أن في الماء قلةً، فأمر رسول اللَّه -ﷺ- مناديًا، فنادى أن لا يَرِدَ الماء أحد قَبْل رسول اللَّه -ﷺ-، فوَرَده رسول اللَّه -ﷺ-، فوجد رهطًا قد ورَدُوه قبله، فلعنهم رسول اللَّه -ﷺ- يومئذ. انتهى . وقال الطبرانيّ في «الكبير»: (٣٠١٦) - حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا مصعب بن عبد اللَّه الزبيريّ، حدّثنا محمد بن عمر الواقديّ، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: كان بين عمار بن ياسر ووديعة بن ثابت كلام، فقال وديعة لعمار: إنما أنت عبد أبي حذيفة بن المغيرة ما أعتقك بعدُ، قال عمار: كم كان أصحاب العقبة؟ فقال: اللَّه أعلم، قال: أخبرني عن علمك، فسكت وديعة، فقال من حضره: أخبره عما سألك، وإنما أراد عمار أن يُخبره أنه كان فيهم، فقال: كنا نتحدث أنهم أربعة عشر رجلًا، فقال عمار: فإن كنت فيهم، فإنهم خمسة عشر، فقال وديعة: مهلًا يا أبا اليقظان، أنشدك اللَّه أن تفضحني، فقال عمار: واللَّه ما سميت أحدًا، ولا أسميه أبدًا، ولكني أشهد أن الخمسة عشر رجلًا اثنا عشر منهم حرب للَّه، ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد. انتهى . [تنبيه]: رواية مسلم واضحة في أن الكلام جرى بين حذيفة ورجل من أهل العقبة، ولكن روايات أحمد والطبرانيّ متّفقة على أنه جرى بين عمار وبين الرجل، ويُمكن أن يجاب بأن القصّتين وقعتا، أو يقال: ما في «الصحيح» أصحِّ، واللَّه تعالى أعلم. (وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان -﵄- (بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ)؛ أي: من المنازعة، والمشاغبة، وقال القرطبيّ -﵀-: وعنى أبو الطفيل بقوله: «بعض ما يكون بين القوم»: الملاحاة، والمعاتبة التي تكون غالبًا بين الناس. انتهى. (فَقَالَ) الرجل الذي نازع حذيفة لحذيفة -﵁-: (أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ) وفي نسخة: «أنشدك اللَّه»؛ أي: أسألك رافعًا نشيدتي؛ أي: صوتي، (كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟)؛ أي: العقبة التي في طريق تبوك. (قَالَ) أبو الطفيل (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لحذيفة، (الْقَوْمُ) الحاضرون تلك المنازعة لحذيفة: (أَخْبِرْهُ)؛ أي: أخبر الرجل بما سألك عنه، وقوله: (إِذْ سَأَلَكَ) «إذ» تعليليّة؛ أي: لأنه سألك، وناشدك باللَّه، ومن سأل باللَّه له حقّ في الجواب، فقد أخرج ابن حبّان في «صحيحه»، والحاكم، وصححه عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من سألكم باللَّه فأعطوه، ومن استعاذكم باللَّه فأعيذوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أهدى إليكم فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى ترون أن قد كافأتموه». (قَالَ) حذيفة -﵁-: (كُنَّا نُخْبَرُ) بالبناء للمفعول، وعبّر بالمجهول؛ طلبًا للسَّتر، وإلا فحذيفة -﵁- يعلمهم يقينًا؛ لأن النبيّ -ﷺ- أخبره بأسمائهم وأعيانهم (أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) رجلًا، وهمزة «أنّ» مفتوحة؛ لوقوعها في موضع المصدر، كما قال في «الخلاصة»: وَهَمْزَ «إِنَّ» افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ … مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ وهي في تأويل المصدر نائب الفاعل لـ «نُخْبَرُ»، (فَإِنْ كُنْتَ) أيها المناشد، وهذا الكلام لحذيفة -﵁-، (مِنْهُمْ)؛ أي: من أصحاب العقبة، (فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ) أصحاب العقبة (خَمْسَةَ عَشَرَ)؛ أي: بزيادتك علمهم، (وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ)؛ أي: محارب (للَّهِ) -﷿- (وَلِرَسُولِهِ) -ﷺ- (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) حيث أراداوا الفتك به في تلك الليلة، (وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) حيث ينادى بهم على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. (وَعَذَرَ ثَلَاثَةً)؛ أي: قَبِل النبيّ -ﷺ- عُذرهم، ورفع عنهم اللوم، يقال: عذرته فيما صَنَع عَذْرًا، من باب ضَرَبَ: إذا رفعت عنه اللوم ، وإنما عَذَرهم لأنهم لم يريدوا شرًّا، وإنما تبعوا القوم جهلًا، فإنهم (قَالُوا) معتذرين: (مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) الذي نادى بأنه -ﷺ- أخذ طريق العقبة، فلا يأخذها أحد، (وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ)؛ أي: المنافقون الذي سلكوا طريق العقبة مخالفين أمره -ﷺ-، ومريدين الفتك به، وغَرضُهم بذلك الاعتذار بأنهم لم يريدوا شرًّا، وإنما اتّبعوا القوم لعدم عِلمهم بكيدهم. (وَقَدْ كَانَ) -ﷺ- في مرجعه من تبوك (فِي حَرَّةٍ)؛ أي: في أرض ذات حجارة سُود، وتُجمع على حِرَار بالكسر، مثل كلبة وكلاب . (فَمَشَى) -ﷺ- (فَقَالَ) للناس: («إِنَّ الْمَاءَ) الذي سنأتيه (قَلِيلٌ)؛ أي: لا يكفي لجماعتنا، (فَلَا) ناهية، (يَسْبِقُنِي إِليْهِ أَحَدٌ») أراد أن لا يمسّ ذلك الماء أحد حتى يمسّه -ﷺ- بيده المباركة، فيفيض الماء، ويكفي الجيش كلّه. (فَوَجَدَ قَوْمًا) من المنافقين (قَدْ سَبَقُوهُ) إلى ذلك الماء، ومسّوه، واغترفوا منه مخالفة له -ﷺ-؛ لشدّة نفاقهم (فَلَعَنَهُمْ)؛ أي: دعا على هؤلاء المنافقين الذي سبقوه إلى الماء (يَوْمَئِذٍ)؛ أي: يوم إذ وقعت تلك الواقعة، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: يستفاد من مجموع الروايات أن هذه القصّة وقعت مرّتين، مرّة في سفر النبيّ -ﷺ- إلى تبوك، وقد مرّت القصّة في هذا الكتاب، في «باب معجزات النبيّ -ﷺ-» من «كتاب الفضائل» من حديث معاذ بن جبل -﵁-، قال: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- عام غزوة تبوك إلى أن قال: ثم قال: «إنكم ستأتون غدًا إن شاء اللَّه عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يُضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمسّ من مائها شيئًا، حتى آتي»، فجئناها، وقد سبَقَنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك، تَبِضّ بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول اللَّه -ﷺ-: «هل مسستما من مائها شيئًا؟» قالا: نعم، فسبّهما النبيّ -ﷺ-، وقال لهما ما شاء اللَّه أن يقول. . . الحديث. والقصّة الأخرى وقعت عند رجوعه -ﷺ- من تبوك فيما ذكر الواقديّ في «مغازيه»: قال: وأقبل رسول اللَّه -ﷺ- قافلًا، حتى إذا كان بين تبوك وواد يقال له: وادي الناقة، وكان فيه وشل -أي: ماء قليل- يخرج منه في أسفله قدر ما يُري الراكبين، أو الثلاثة، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «من سبقنا إلى ذلك الوشل، فلا يستقينّ منه شيئًا حتى نأتي»، فسبق إليه أربعة من المنافقين: معتب بن قُشير، والحارث بن يزيد الطائيّ، حليف في بني عمرو بن عوف، ووديعة بن ثابت، وزيد بن الليث، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «ألم أنهكم»، ولعنهم، ودعا عليهم، ثم نزل، فوضع يده في الوَشْل، ثم مسحه بإصبعه حتى اجتمع في كفّه منه ماء قليل، ثم نضحه، ثم مسحه بيده، ثم دعا بما شاء اللَّه أن يدعو به، فانخرق الماء. انتهى . [تنبيه آخر]: ذكر الطبراني في «الكبير» أسماء أصحاب العقبة، فقال: (٣٠١٧) - حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا الزبير بن بكار، قال: «تسمية أصحاب العقبة»: معتب بن قشير بن مُليل، من بني عمرو بن عوف، شهد بدرًا، وهو الذي قال: يَعِدنا محمد كنوز كسرى، وقيصر، وأحدنا لا يأمن على خلائه، وهو الذي قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا ها هنا، قال الزبير: وهو الذي شَهِد عليه الزبير بهذا الكلام. وَدِيعة بن ثابت بن عمرو بن عوف، وهو الذي قال: إنما كنا نخوض
مصادر المؤلف (٢٥)

١. «المصباح المنير»٢/ ٥٣٦.

٢. «المعجم الأوسط»٨/ ١٠٢.

٣. «مجمع الزوائد»١/ ١٠٩.

٤. «مجمع الزوائد»١/ ١٠٩.

٥. «المصباح المنير» ١/ ١٨٦.

٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٩.

٧. «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ٩٩.

٨. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٦/ ١٠١ - ١٠٢.

٩. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٢٥.

١٠. «تفسير الطبري» ١١/ ١٠.

١١. رواه الترمذيّ، وفي سنده مجهول.

١٢. وفي نسخة:«من نار».

١٣. راجع: هامش النسخة التركيّة ٨/ ١٢٣.

١٤. راجع: هامش النسخة التركيّة ٨/ ١٢٣.

١٥. وفي نسخة: «أنشدك اللَّه».

١٦. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٢٥ - ١٢٦.

١٧. «كشف المشكل من حديث الصحيحين» ص ٢٥٧.

١٨. هو: ابن هارون.

١٩. وقع في النسخة: «فعدد» وهو غلط.

٢٠. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٥/ ٤٥٣، ورجال إسناده رجال الصحيح، وأخرجه أيضًا الطبرانيّ في «المعجم الكبير»، وقال الهيثميّ: رجاله ثقات.

٢١. «المعجم الكبير» ٣/ ١٦٥، وفي إسناده الواقديّ: ضعيف.

٢٢. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٨.

٢٣. راجع: «المصباح المنير» ١/ ١٢٩.

٢٤. «الوَشل»: الماء القليل يُتحلّب من جبل أو صخرة. «ق».

٢٥. «مغازي الواقديّ» ٣/ ١٠٣٩.