HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٦٥

حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ومحمد بن بشار بن عثمان (واللفظ لأبي غسان وابن الْمُثَنَّى). قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن الشخير، عن عياض بن جمار المجاشعي؛ إن رسول الله ﷺ قال، ذات يوم في خطبته «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني، يومي هذا. كل مال نحلته عبدا، حلال. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم. وإنهم أتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم. وحرمت عليهم ما أحللت لهم. وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك. وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء. تقرؤه نائما ويقظان. وإن الله أمرني أن أحرق قريشا. فقلت: رب! إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك. واغزهم نغزك. وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق. ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم. وعفيف متعفف ذو عيال. قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعا لا يتبعون أهلا ولا مالا. والخائن الذي لا يخفى له طمع، وإن دق إلا خانه. ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك». وذكر البخل أو الكذب«والشنظير الفحاش»ولم يذكر أبو غسان في حديثه«وأنفق فسننفق عليك».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص158
ج ٤ ص ٢١٩٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٥٥
[٩٢٠] وفي حديث عياض بن حمار: (وَأَنزَلتُ عَلَيكَ كِتَابًا لَا يَغسِلُهُ المَاءُ) ؛ يعني: إذا محي في موضع؛ تَعَذَّر ذلك في كل موضعٍ، فلا سبيل إلى محوه، أي: هو محفوظ في صدور الرجال، فإن محي لم يذهب كما ذهب كثير من كتب الله ﷿، و(الشِّنظِيرُ): الفاحش، قال الشاعر: يُشَنْظِر بالقَوْمِ الكِرام ويَعْتَزِي … إِلَى شَرِّ حافٍ فِي البِلاد وناعِلِ يشنظر بهم: يُفْحِش القولَ فيهم، وقوله: (إِنَّ كُلَّ مَالٍ نَحَلْتُه عَبْدِي فَهُوَ حَلَالٌ لَه) ، أراد أنهم حرموا على أنفسهم البحائر؛ والسُّيَّب؛ والحامي؛ ولم تحرم بتحريمهم، وقوله: (خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ)؛ أي: مسلمين، وهذا كقوله: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) ، وقيل: هذا فيمن يكون كذلك، ويكون معناه الخصوص. وقوله: (فَاجتَالَتهُم عَن دِينِهِم)؛ أي: أزالتهم عن دينهم بتزيينه ووسوسته، وقوله: (يَثلَغُوا رَأْسِي)؛ أي: يشدخوا، وروي: (يَفْلَغُوا) بالفاء، ولا معنى له، وقوله: (فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً)، أي: كالخبزة المتهشمة، وقوله: (لَا زَبْرَ لَهُ)؛ أي: لا؛ رأي، يقال: ما له زَبْرٌ، أي: ما له عقل. ومن باب عذاب القبر
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٥٥
(١٧) - (بَابُ الصِّفَاتِ الَّتي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأهْلُ النَّارِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٧٩] (٢٨٦٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ -وَاللَّفْظُ لأَبِي غَسَّانَ، وَابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: «أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أتتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ، وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ، وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأنزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا، لَا يَغْسِلُهُ الْماءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا، وَيَقْظَانَ ، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي، فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كمَا اسْتَخْرَجُوكَ ، وَاغْزُهُمْ نُغزِكَ، وَأَنْفِقْ، فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، قَالَ: وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةً: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ، مُتَصَدِّقٌ، مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ، رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى، وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ، مُتَعَفِّفٌ، ذُو عِيَالٍ، قَالَ: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تبعًا لَا يَتْبَعُونَ أَهْلًا، وَلَا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ، وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ، وَمَالِكَ»، وَذَكَرَ الْبُخْلَ، أَوِ الْكَذِبَ،«وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ»، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ:«وَأَنْفِقْ، فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في«الإيمان»٨/ ١٣٧. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ رُبَّما وَهِم [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تَقدم في«الإيمان»١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سنبر، بوزن جعفر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في«الإيمان»١٢/ ١٥٦. ٤ - (مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) -بكسر الشين المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة المكسورة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم راء- العامريّ الْحَرَشيّ -بمهملتين مفتوحتين، ثم معجمة- أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت ٩٥) (ع) تقدم في«الطهارة» ٢٧/ ٦٥٩. ٥ - (عِيَاضُ بْنُ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيُّ) هو: عياض -بكسر أوله، وتخفيف التحتانية، وآخره معجمة- ابن حمار -بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم- ابن أبي حمار بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، نسبه خليفة وغيره، التميميّ الصحابيّ، سكن البصرة، وعاش إلى حدود الخمسين. رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وروى عنه مطرّف ويزيد ابنا عبد الله بن الشخير، والعلاء بن زياد، والحسن البصريّ، وعقبة بن صُهبان، وغيرهم. ذَكَر عمرو بن شَبّة أن الزبير بن العوام لمّا دخل البصرة في وقعة الجمل، وقف على مسجد بني مجاشع، فسأل عن عياض بن حمار، فقال له النعمان بن زمام: هو بوادي السباع، فمضى يريده، فيؤخذ منه أن عياضًا كان في خلافة عليّ -﵄-. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وعند أبي داود، والترمذيّ عنه حديث آخر، أنها أهدى إلى النبيّ -ﷺ- قبل أن يُسلم، فلم يَقبل منه. والباقون ذُكروا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن له فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصل؛ لِمَا أسلفنا غير مرّة، وأن شيخيه ابن المثنّى، وابن بشّار من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه -﵁- من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا أربعة أحاديث : هذا الحديث عند مسلم، والنسائيّ، وحديث: «من وجد لقطة، فليُشهد. . .»، عند أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وحديث: «أهديتُ للنبيّ -ﷺ- ناقة، فقال: أسلمت؟. . .»، عند أبي داود، والترمذيّ، وحديث: «إن الله أوحى إليّ أنْ تواضعوا. . .»، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) وفي رواية شعبة الآتية: «عن قتادة، قال: سمعت مطرّفًا»، فصرّح قتادة بالسماع، فانتفت عنه تهمة التدليس. (عَنْ عِيَاضِ) بكسر العين المهملة، وتخفيف التحتانيّة، (ابْنِ حِمَارٍ) بلفظ الحيوان المعروف، وقد صحّفه بعض المتنطعين من الفقهاء؛ لظنه أن أحدًا لا يسمى بذلك، قاله في «التهذيب» ، وقوله: (الْمُجَاشِعِيِّ) بضمّ الميم، وتخفيف الجيم، بعدها ألف، ثم شين معجمة: نسبة إلى مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، من تميم، قاله في «اللباب» . (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ)؛ أي: يومًا من الأيام، فـ «ذات» مقحمة، وقيل: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، على رأي من يجيزه. (فِي خُطْبَتِهِ: «أَلَا) بالتخفيف: أداة تحضيض، (إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ)؛ أي: الذي جهلتموه، (مِمَّا عَلَّمَنِي) قال القاري: يَحْتَمِل أن تكون»مِنْ«بيانًا لـ»ما«، أو تبعيضية على أنه منقطع عما قبله، خبر لِمَا بعده، مستأنف؛ أي: من جملة ما علّمني، (يَوْمِي هَذَا)؛ أي: في اليوم الحاضر؛ أي: بما أوحى الله إليّ في هذا اليوم بخصوصه. (كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ)؛ أي: أعطيته (عَبْدًا) من عبادي، وملكته إياه، فلا يدخل الحرام، (حَلَالٌ)؛ أي: فلا يستطيع أحد أن يحرّمه من تلقاء نفسه، ويمنعه من التصرف فيه تصرّف المُلّاك في أملاكهم، وهذا من مقول الله تعالى كما يدل عليه قوله:«وإني خلقت عبادي إلخ»، قاله القاري -﵀- . وقال النوويّ -﵀-: معنى«نحلته»: أعطيته، وفي الكلام حذف؛ أي: قال الله تعالى: كلّ مال أعطيته عبدًا من عبادي، فهو له حلال، والمراد: إنكار ما حرّموا على أنفسهم من السائبة، والوصيلة، والبحيرة، والحامي، وغير ذلك، وأنها لم تَصِرْ حرامًا بتحريمهم، وكل مال ملكه العبد، فهو له حلال، حتى يتعلق به حقّ. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: معنى«نحلته»: أعطيته، والنِّحلة: العطية -كما تقدَّم- ويعني بها هنا: العطية بطريق شرعيّ، فكأنه قال: كل من ملّكته شيئًا بطريق شرعيّ قليلًا كان أو كثيرًا، خطيرًا كان أو حقيرًا، فالانتفاع له به مباح مطلقًا، لا يُمنَع من شيء منه، ولا يزاحَم عليه، والمال هنا: كل ما يُتَمَوَّل، ويُتَمَلَّك من سائر الأشياء، وفائدة هذه القضية الكلية رَفْع توهّم من يتوهم أن ما يُستلذّ، ويُستطاب من رفيع الأطعمة، والملابس، والمناكح، والمساكن محرّم، أو مكروه، وإن كان ذلك من الكسب الجائز، كما قد ذهب إليه بعض غلاة المتزهدة. انتهى . (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ) جمع حَنيف، وهو: المائل عن الأديان كلّها إلى فطرة الإسلام، وهذا نحو قوله -ﷺ-: «كل مولود يولد على الفطرة»، وقد تقدَّم في «كتاب القدر»، قاله القرطبيّ -﵀- . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «حنفاء»؛ أي: مسلمين، وقيل: طاهرين من المعاصي، وقيل: مستقيمين، منيبين لقبول الهداية، وقيل: المراد: حين أَخَذ عليهم العهد في الذرّ، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقوله: (كُلَّهُمْ) بالجرّ توكيد؛ أي: جميعهم، فهو توكيد لـ«عبادي»، وهذا معنى قوله في الحديث الآخر: «كل مولود يولد على الفطرة»، وهي التوحيد المطلق، وما به يتعلق؛ لقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]؛ أي: لا تُبَدِّلوا مخلوقاته باليهودية، والنصرانية، والمجوسية، ونحوها، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦، يوسف: ٤٠، الروم: ٣٠]؛ أي: المستقيم، فلا تعدلوا عن الجادّة إلى الطرق الزايغة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ أي: عن الطريق الحقيقي الواصل إليه، المقبول لديه، لمن أراد المنة عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾ [النحل: ٩]، قاله القاري -﵀- . ثم بيَّن الله -﷾- سبب ضلالة الخلق، وغوايتهم عن الحقّ بقوله: (وَإِنَّهُمْ)؛ أي: العبَاد الحنفاء، (أتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ)؛ أي: جاءتهم بالوسوسة (فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ)؛ أي: صَرَفتهم، وساقتهم، من اجتاله؛ أي: ساقه، وذهب به، وقيل: الافتعال هنا للحمل على الفعل، كاختطب زيد عمرًا؛ أي: حَمَله على الخطبة؛ أي: حملتهم الشياطين على جولانهم، ومَيَلانهم عن دينهم، قاله القاري -﵀-. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «فاجتالتهم عن دينهم» هكذا هو في نُسخ بلادنا: «فاجتالتهم» بالجيم، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، وعن رواية الحافظ أبى عليّ الغسانيّ: «فاختالتهم» بالخاء المعجمة، قال: والأول أصحّ، وأوضح؛ أي: استخفّوهم، فذهبوا بهم، وأزالوهم عما كانوا عليه، وجالوا معهم في الباطل، كذا فسّره الهرويّ، وآخرون، وقال شَمِر: اجتال الرجل الشيءَ: ذهب به، واجتالَ أموالهم: ساقها، وذهب بها، قال القاضي: ومعنى «فاختالوهم» بالخاء على رواية من رواه؛ أي: يحبسونهم عن دينهم، ويصدونهم عنه. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «وإنهم أتتهم الشياطين إلخ»؛ يعني: شياطين الإنس، من الآباء، والمهتمين بتعليمهم، وتدريبهم، وشياطين الجنّ بوساوسهم، ومعنى اجتالتهم: أجالتهم؛ أي: صرفتهم عن مقتضى الفطرة الأصلية، كما قال -ﷺ-: «حتى يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجسانه»، وفي الرواية الأخرى: «حتى يُعبّر عنه لسانه»؛ يعني: بما يُلقي إليه الشيطان من الباطل، والفساد المناقض لفطرة الإسلام. انتهى . (وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ)؛ أي: من البحيرة، والسائبة، وغيرهما، وتوضيحه ما حققه القاضي، حيث قال: قوله: «كل مال نحلته» حكاية ما أعلمه الله تعالى، وأوحى إليه في يومه هذا، والمعنى: ما أعطيت عبدًا من مال، فهو حلال له، ليس لأحد أن يحرِّم عليه، وليس لقائل أن يقول: هذا يقتضي أن لا يكون الحرام رزقًا؛ لأن كل رزق ساقه الله تعالى إلى عبد نَحَله، وأعطاه، وكل ما نحله، وأعطاه فهو حلال، فيكون كل رزق رزقه الله إياه فهو حلال، وذلك يستلزم أن يكون كل ما ليس بحلال ليس برزق؛ لأنا نقول: الرزق أعمّ من الإعطاء، فإنه يتضمن التمليك، ولذا قال الفقهاء: لو قال لامرأته: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق، فأعطته ألفًا بانت، ودخل الألف في ملكه، ولا كذلك الرزق. انتهى . (وَأَمَرَتْهُمْ)؛ أي: أمرت الشياطين العباد الحنفاء (أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا)؛ أي: إشراكًا، أو شيئًا (لَمْ أُنْزِلْ) من الإنزال، (به)؛ أي: بوجوده (سُلْطَانًا)؛ أي: حجةً وبرهانًا، سُمي به؛ لتسلطه على القلوب عند هجوم الخواطر عليها بالقهر والغلبة، والمعنى: ما ليس على إشراكه دليل عقليّ، ولا نقليّ، إذ لو كان أحدهما لبيَّنه -﷾-، بل أمر بخلافه، حيث قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والقرآن الكريم مشحون بالأدلة على بطلان الإشراك بالله تعالى، قال القاضي: «ما» مفعول «يشركوا»، يريد به الأصنام، وسائر ما عُبد من دون الله تعالى؛ أي: أمَرَتهم بالإشراك بالله بعبادة ما لم يأمر الله بعبادته، ولم ينصب دليلًا على استحقاقه للعبادة، وقال الطيبيّ -﵀-: «ما لم أنزل به سلطانًا»؛ أي: لا إنزال سلطان ولا شريك على أسلوب قوله: عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ أي: لا منار، ولا اهتداء به، وقولِه: وَلَا يُرَى الضَّبُّ بِهَا يَنْحَجِرْ أي: لا ضبّ، ولا انحجار؛ نفيًا للأصل والفرع؛ أي: القيد والمقيّد، وقيل: هذا على سبيل التهكم؛ إذ لا يجوز على الله تعالى أن ينزل برهانًا أن يشرك به غيره. انتهى . (وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ)؛ أي: رآهم، ووجدهم متفقين على الشرك، منهمكين في الضلالة (فَمَقَتَهُمْ)؛ أي: أبغضهم، وكرههم، وقوله: (عَرَبَهُمْ، وَعَجَمَهُمْ) بدل من الضمير في «مقتهم»، والمراد بالعجم: غير العرب، والمعنى: أنه أبغضهم بسوء صنيعهم، وخُبْث عقيدتهم، واتفاقهم قبل بعثة محمد -ﷺ- على الشرك، وانغماسهم في الكفر، قوم موسى -﵇- كفروا بعيسى -﵇-، وعبدوا عزيرًا، وذهبوا إلى أنه ابن الله، وقوم عيسى -﵇- ذهبوا إلى التثليث، أو إلى أنه ابن الله، وغير ذلك، قاله القاري . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «فمَقَتهم عربهم وعجمهم إلخ»: المقت: أشدّ البغض، والمراد بهذا المقت والنظر: ما قبل بعثة رسول الله -ﷺ-، والمراد ببقايا أهل الكتاب: الباقون على التمسك بدينهم الحقّ من غير تبديل. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم. . . إلخ»: «نظر»: بمعنى أبصر، والمقت: أشد البغض، وأراد بالعجم هنا: كل من لا يتكلم بكلام العرب، ويعني بذلك قبل بعث النبيّ -ﷺ-، وذلك أن كِلا الفريقين كان يعبد غير الله، أو يُشرك معه غيره، فكان الكل ضُلّالًا عن الحقّ، خارجين عن مقتضى العقول والشرائع، فأبغضهم الله لذلك أشدّ البغض، لكن لم يعاجلهم بالانتقام منهم، حتى أعذر إليهم بأن أرسل إليهم رسولًا، وأنزل عليهم كتابًا قطعًا لمعاذيرهم، وإظهارًا للحجة عليهم. وإنما استثنى البقايا من أهل الكتاب؛ لأنَّهم كانوا متمسكين بالحقّ الذي جاءهم به نبيّهم، ويعني بذلك -والله أعلم- من كان في ذلك الزمان متمسِّكًا بدين المسيح -﵇-؛ لأنَّ من كفر من اليهود بالمسيح لم يبق على دين موسى -﵇-، ولا متمسّكًا بما في التوراة، ولا دخل في دين عيسى، فلم يبق أحد من اليهود متمسِّكًا بدينٍ حقّ إلا من آمن بالمسيح، واتبع الحق الذي كان عليه، وأما من لم يؤمن به، فلا تنفعه يهوديته، ولا تمسكه بها؛ لأنَّه قد ترك أصلًا عظيمًا مِمَّا فيها، وهو العهد الذي أُخذ عليهم في الإيمان بعيسى -﵇-، وكذلك نقول: كل نصرانيّ بلغه أمر نبيّنا -ﷺ-، وشَرْعنا، فلم يؤمن به لم تنفعه نصرانيته؛ لأنَّه قد ترك ما أُخذ عليه من العهد في شرعه، ولذلك قال -ﷺ-: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة: يهوديّ، ولا نصرانيّ، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أُرسلت إلا كان من أصحاب النار»، رواه مسلم. انتهى . (إِلَّا بَقَايَا) جمع بقيّة، يقال: بقي من الدين كذا: إذا فضل، وتأخّر، وتبقّى مثله، والاسم: البقيّة، وجمعها بقايا، وبقيّات، مثلُ عطيّة، وعطايا، وعطيّات، قاله الفيّوميّ -﵀- . (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)؛ أي: من اليهود، والنصارى، تبرؤوا عن الشرك، كذا قاله بعضهم، والأظهر أن المراد بهم: جماعة من قوم عيسى -﵇- أبقوا متابعته؛ إلى أن آمنوا بنبينا -ﷺ-. (وَقَالَ) الله -﷿-: (إِنَّمَا بَعَثْتُكَ)؛ أي: أرسلتك يا محمد (لأَبْتَلِيَكَ)؛ أي: لأمتحنك كيف تصبر على إيذاء قومك إياك، (وَأَبْتَلِيَ بِكَ)؛ أي: أمتحن قومك، هل يؤمنون بك، أم يكفرون؟. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك» معناه: لأمتحنك بما يَظهر منك من قيامك بما أمرتك به، من تبليغ الرسالة، وغير ذلك، من الجهاد في الله حق جهاده، والصبر في الله تعالى، وغير ذلك، وأبتلي بك من أرسلتك إليهم، فمنهم من يُظهر إيمانه، ويخلص في طاعاته، ومن يتخلف، ويتمرّد بالعداوة والكفر، ومن ينافق، والمراد أن يمتحنه؛ ليصير ذلك واقعًا بارزًا، فإن الله تعالى إنما يعاقب العباد على ما وقع منهم، لا على ما يعلمه قبل وقوعه، وإلا فهو -﷾- عالم بجميع الأشياء قبل وقوعها، وهذا نحو قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]؛ أي: نعلمهم فاعلين ذلك، متصفين به. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك»؛ أي: لأمتحنك بتبليغ الرسالة، والصبر على معاناة أهل الجاهلية، وأمتحن بك؛ أي: من آمن بك، واتبعك أثبْته، ومن كذّبك، وخالفك انتقمت منه، وعاقبته. انتهى . (وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا)؛ أي: عظيمًا، فالتنوين للتعظيم، (لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ)؛ أي: لم نَكْتَفِ بإيداعه الكتب، فيغسله الماء، بل جعلناه قرآنًا محفوظًا في صدور المؤمنين، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، أو المراد بالغسل: النسخ، والماء مثل؛ أي: لا ينزل بعده كتاب ينسخه، ولا نزل قبله كتاب يبطله، كما قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢]. وقال النوويّ -﵀-: أما قوله تعالى: «لا يغسله الماء» فمعناه: محفوظ في الصدور، لا يتطرق إليه الذهاب، بل يبقى على مر الأزمان، وأما قوله تعالى: «تقرأه نائمًا ويقظان» فقال العلماء: معناه: يكون محفوظًا لك في حالتَي النوم واليقظة، وقيل: تقرأه في يُسر وسهولة. انتهى . وقال الطيبيّ -﵀-: أي: كتابًا محفوظًا في القلوب، لا يضمحلّ بغسل القراطيس، أو كتابًا مستمرًّا متداوَلًا بين الناس، ما دامت السموات والأرض، لا يُنسخ، ولا يُنسَى بالكلية، وعبّر عن إبطال حكمه، وترك قراءته، والإعراض عنه بغسل أوراقه بالماء، على سبيل الاستعارة، أو كتابًا واضحًا آياته، بَيِّنًا معجزاته، لا يبطله جَوْر جائر، ولا يُدحضه شبهة مناظر، فمثّل إبطال المعنى بإبطال الصورة، وقيل: كنى به عن غزارة معناه، وكثرة جدواه، من قولهم: مال فلان لا يفنيه الماء، أو النار. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء»؛ أي: يسّرت تلاوته، وحفظه، فخَفّ على الألسنة، ووَعَتْه القلوب، فلو غُسلت المصاحف لَمَا انغسل من الصدور، ولَمَا ذهب من الوجود، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]، وفي الإسرائيليات: أن موسى -﵇- قال: يا رب إني أجد أمة تكون أناجيلها في صدورها، فاجعلهم أمتي،، قال: تلك أمة محمد -ﷺ- . (تَقْرَؤُهُ)؛ أي: أنت، حال كونك (نَائِمًا، وَيَقْظَانَ) بسكون القاف، والمعنى: يصير لك مَلَكة، بحيث يحضر في ذهنك، وتلتفت إليه نفسك في أغلب الأحوال، فلا تغفل عنه نائمًا ويقظان، وقد يقال للقادر على الشيء الماهر به: هو يفعله نائمًا. قال القاري: كذا ذكره الطيبيّ -﵀- وخلاصته: أنه في قلبك، وأنت نائم، وأقول: لا احتياج إلى التأويل بالنسبة إلى قلبه -ﷺ-؛ لأنه تنام عيناه، ولا ينام قلبه، وقد شوهد كثير من الناس صغيرًا وكبيرًا أنهم يقرؤون، وهم نائمون. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «تقرؤه نائمًا ويقظان» يَحْتَمِل أن يريد بذلك أنه يوحى إليه القرآن في اليقظة والمنام، وقد تقدَّم أن رؤيا الأنبياء وحي. ويَحْتَمِل أن يكون معنى نائم هنا: مضطجعًا؛ يعني: في صلاة المريض، قالهما القاضي، وفيهما بُعْدٌ، وأشبه منهما -إن شاء الله تعالى- أن الله يسّره على لسان نبيّه -ﷺ-، وذكره، بحيث كان يقرؤه نائمًا، كما كان يقرؤه منتبهًا، لا يُخِلّ منه بحرف، لا سيما وقد كان -ﷺ- تنام عيناه ولا ينام قلبه. وقد شاهدنا المديمين على تكرار القران يقرؤون منه الكثير وهم نيام، وذلك قبل استحكام غلبة النوم عليهم. انتهى . (وَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ) من التحريق، أو الإحراق؛ أي: أُهلك (قُرَيْشًا)؛ أي: مشركهم. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «أن أحرّق قريشًا»؛ أي: أُغيظهم بما أُسمعهم من الحقّ الذي يخالف أهواءهم، ويؤلم قلوبهم بعيب آلهتهم، وتسفيه أحلام آبائهم، وقتالهم، ومغالبتهم حتى كأني أحرق قلوبهم بالنار، ولا يصحّ أن يُحمَل ذلك على حقيقته؛ لأنَّ النبيّ -ﷺ- لم يصحّ عنه أنه حرّق أحدًا من قريش بالنار، بل قد نهى عن التعذيب بالنار، وقال: «لا يعذب بالنار إلا الله» . (فَقُلْتُ: رَبِّ) بحذف حذف النداء؛ أي: يا ربّ (إِذًا) منوّنًا بتنوين العوض، إذ أصله: إذا حرّقتهم، (يَثْلَغُوا) بفتح أوله، وثالثه، وبالثاء المثلثة؛ أي: يشدخوه، ويشجّوه، كما يُشدخ الخبز؛ أي: يكسر، والمعنى: أنهم يَشدخون، ويكسرون (رَأْسِي، فَيَدَعُوهُ) بفتح حرف المضارعة، والدال؛ أي: يصيّروا رأسي (خُبْزَةً)؛ أي: فيتركوه بالشدخ بعد الشكل الكرويّ مصَفّحًا مثل خبزة. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «إذًا يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزةً» الرواية الصحيحة المشهورة بالثاء المثلثة، والغين المعجمة، ومعناه: يشدخوا، قاله الهرويّ، وقال شَمِر: الثلغ: فَضْخَك الشيءَ الرطب باليابس، وقد رواه العذريّ: «فقلعوا» -بالقاف، والعين المهملة- ولا يصحّ مع قوله: «فيدعوه خبزة»، ومعنى هذا أنه شبّه الرأس إذا شُدخ بالخبزة، إذا شُدخت لتُثْرَد. قلت : وهذا الذي قاله النبيّ -ﷺ- من نحو ما قاله موسى -﵇- حين أُمر بتبليغ الرسالة إلى فرعون فـ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ [الشعراء: ١٢ - ١٤]، فهذا صريحٌ في أنهما خافا غير الله، وحينئذ يعارضه قوله تعالى في صفة الرسل: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]، وهذا نصّ في أن الرسل لا تخشى إلا الله، وهذا هو المناسب لمعرفتهم بالله، وأنه ليس في الوجود فاعل، ولا خالق إلا هو، وخصوصًا لأولي العزم من الرسل، وخصوصًا لمحمد، وموسى -صلى الله عليهما-. ويرتفع التعارض من وجهين: أحدهما: أن ذلك الخوف كان منهما في بدايتهم قبل تمكّنهم، وإعلامهم بحميد عواقب أحوالهم، وقبل تأمينهم، فلما مُكّنوا، وأُمِّنوا لم يخشوا إلا الله، ولذلك كان النبيّ -ﷺ- في أول أمره يُحرَس، وهو في منزله، فلما أنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] أخرج رأسه إليهم، فقال: «اذهبوا فقد عصمني ربي» . وثانيهما: على تسليم أن يكون ذلك منهم في غير بدايتهم، لكن ذلك الخوف هو الذي لا ينفك البشر عن فَجْأته، ووقوع بادرته، حتى إذا راجع الإنسان عقله، وتدبّر أمره اضمحلّ ذلك الخوف أيَّ اضمحلال، وحصل له من معرفة الله وخشيته ما يستحقر معه رسوخ الجبال، والله تعالى أعلم. انتهى . (قَالَ) الله تعالى لنبيّه -ﷺ-: (اسْتَخْرِجْهُمْ)؛ أي: أَخْرج كفّار قريش من بلدهم مكة، قال القرطبيّ: والسين والتاء زائدتان، كما يقال: استجاب بمعنى أجاب. (كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ) وفي رواية العذريّ: «كما أخرجوك»؛ أي: مثل ما أخرجوك منها؛ جزاءً وفاقًا، وإن كان بين الإخراجين بَوْن بَعيد، فإن إخراجهم إياه بالباطل، وإخراجه -ﷺ- إياهم بالحقّ. وقال القرطبيّ: وهذا يدلّ على أن هذا القول صدر عن النبيّ -ﷺ- بالمدينة بعد الهجرة؛ فإنَّ أهل مكة هم الذين أخرجوه من مكة حتى هاجر إلى المدينة . (وَاغْزُهُمْ)؛ أي: وجاهدهم، فالواو لمطلق الجمع، فإن القتال مقدّم على الإخراج. (نُغْزِكَ) بضم النون، من أغزيته: إذا جهّزته للغزو، وهيأت له أسبابه؛ أي: نيسّر لك أسباب الغزو. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «واغزُهم نُغزك»؛ أي: اعزم على غزوهم، واشرع فيه نُعِنْك على غزوهم، وننصرك عليهم. (وَأَنْفِقْ)؛ أي: ما في جُهدك في سبيل الله، (فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ)؛ أي: نُخلف عليك بَدَله في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وفيه وعد، وتسلية له -ﷺ-، ولأصحابه، وكذا لأمته بعده. (وَابْعَثْ)؛ أي: أرسل أنت (جَيْشًا)؛ أي: كبيرًا، أو صغيرًا، (نَبْعَثْ)؛ أي: نرسل من جندنا (خَمْسَةً)؛ أي: مقدار خمسة (مِثْلَهُ) بالنصب؛ أي: مثل الجيش الذي بعثته، والمعنى: نبعث من الملائكة خمسة أمثال تُعينهم، كما فعل الله ذلك ببدر، قال تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٥]، وكان المشركون يومئذ ألفًا، والمسلمون ثلثمائة. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «نبعث خمسة مثله»: هذا يدلّ على أن هذا كان قبل غزوة بدر؛ لأنَّ النبيّ -ﷺ- كان يوم بدر في ثلاثمائة من أصحابه، ونيّف، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: سبعة عشر، فأمدّه الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة، كما نطق القرآن به. انتهى (وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ)؛ أي: بمعونته، أو معه، (مَنْ عَصَاكَ)؛ أي: بعدم الإيمان بك. (قَالَ) النبيّ -ﷺ-: (وَأَهْلُ الْجَنَّةِ)؛ أي: المتأهّلون لدخولها، والصالحون له، (ثَلَاثَةٌ)؛ أي: ثلاثة أجناس، من الأشخاص. ثم أشار إلى الأول بقوله: (ذُو سُلْطَانٍ)؛ أيّ صاحب حكم، وولاية عامّة، أو خاصّة، كالولاية على أهل بيته، لحديث: «كلكم راع. . .». وقال الطيبيّ: قوله: «ذو سلطان»؛ أي: سلطان؛ لأنه ذو قهر، وغلبة، من السلاطة، وهي التمكن من القهر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٩٠]، ومنه سُمي السلطان، وقيل: ذو حجة؛ لأنه تقام الحجج به. انتهى . (مُقْسِطٌ) بالرفع، صفة المضاف؛ أي: عادل، يقال: أقسط، فهو مقسط: إذا عدل، وقسط فهو قاسط: إذا جار، فالهمزة فيه للسلب، كما يقال: شكا إليه، فأشكاه، قاله القاري . والمعنى: أنه عادل في رعيّته، يقيم فيهم العدل والحقّ، قال الأبيّ -﵀-: ويدخل فيه الرجل في أهله؛ لحديث: «كلّكم راع، ومسؤول عن رعيّته». وقال القرطبيّ -﵀-: «مقسط» وما بعده مرفوع على أنها صفات لـ«ذو»، وهي بمعنى صاحب، والمقسط: العادل، والمتصدّق: المعطي للصدقات، والموفق: المسدَّد لفعل الخيرات. انتهى . (مُتَصَدِّقٌ)؛ أي: محسن إلى الناس؛ أي: يُنفق ماله في الفقراء والمساكين، ووجوه الخير. (مُوَفَّقٌ) بصيغة اسم المفعول؛ أي: مهيَّأ له أسباب الخيرات، ومفتّح له أبواب البرّ والطاعات. ثم أشار إلى الثاني بقوله: (وَرَجُلٌ رَحِيمٌ)؛ أي: على الصغير والكبير، كثير الرحمة والإحسان إليهم، (رَقِيقُ الْقَلْبِ)؛ أي: ليّنه عند التذكير، والموعظة، أو معناه: الشفيق، فيكون بمعنى الرحيم. وقوله: (لِكُلِّ ذِي قُرْبَى) تنازعاه «رحيم»، و«رقيق القلب»، وقوله: (وَمُسْلِمٍ) بالجرّ عطفًا على «ذي قربى»، والمعنى: أنه رحيم لكل أصحاب القرابة خصوصًا، ولكلّ مسلم عمومًا. وقال القرطبيّ -﵀-: «رحيم»: كثير الرحمة، والقربى: القرابة، ورقيق القدب: ليّنه عند التذكير والموعظة، ويصحّ أن يكون بمعنى الشفيق. وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «رقيق القلب» مفسِّر لقوله: «رحيم»؛ أي: يَرِقّ قلبه، ويرحم كلَّ من بينه وبينه لحمة القرابة، أو صلة الإسلام. انتهى . قال القاري -﵀-: والظاهر أن يراد بالرحيم صفة فِعْلية، يظهر وجودها في الخارج، وبالرقيق صفة قلبية، سواء ظهر أثرها أم لا، والثاني أظهر، فيكون باعتبار القوّة، والأول باعتبار الفعل، ويمكن أن تتعلق رحمة الرحيم إلى المعنى الأعم من الإنسان، والحيوان، الشامل للمؤمن والكافر، والدوابّ، فيكون الثاني أخصّ، والحاصل أن التأسيس أَولى من التأكيد. انتهى . ثمّ أشار إلى الثالث بقوله: (وَ) رجلٌ (عَفِيفٌ)؛ أي: متّصف بالعفّة، يقال: عَفّ عفًّا، وعَفافًا، وعَفافةً بفتحهنّ، وعِفّةً بالكسر، فهو عَفٌّ، وعَفِيف: إذا كَفّ عما لا يحلّ، ولا يَجْمُلُ، كاستعفّ، وتعفّف، قاله المجد -﵀- . وقوله: (مُتَعَفِّفٌ)؛ أي: متكلّف للعفّة، فالعفيف من كانت العفّة راسخة فيه، والمتعفّف من يتكلّف العفّة، ويكتسبها؛ يعني: متّصف بالعفّة الطبيعيّة، والمكتسبة، وقوله: (ذُو عِيَالٍ) أتي به؛ إشارة إلى أن العيال كثيرًا ما يحملون العبد على التكسّب بغير وجه شرعيّ لأجلهم، فهذا الرجل بعيد عن هذا، فهو عفيف متعفّف. وقال القاري: «عفيف» بالرفع على أنه الثالث من الثلاثة؛ أي: مجتنب لِمَا لا يحلّ «متعفف»؛ أي: عن السؤال، متوكل على الله -﷿-، في أمره، وأمْر عياله، مع فرض وجودهم، فإنه أصعب، ولهذا قال: «ذو عيال»: أي: لا يحمله حب العيال، ولا خوف رزقهم على ترك التوكل بارتكاب سؤال الخلق، وتحصيل المال الحرام، والاشتغال بهم عن العلم والعمل، مما يجب عليه. ويَحْتَمِل أنه أشار بالعفيف إلى ما في نفسه من القوّة المانعة عن الفواحش، وبالمتعفف إلى إبراز ذلك بالفعل، واستعمال تلك القوّة، وإظهار العفة عن نفسه. قال الطيبيّ -﵀-: وإذا استَقرأتَ أحوالَ العباد على اختلافها، فلعلّك لم تجد أحدًا يستأهل أن يدخل الجنة، ويحقّ له أن يكون من أهلها، إلا وهو مندرج تحت هذه الأقسام، غير خارج عنها. انتهى . (قالَ) النبيّ -ﷺ-: (وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ): أي: خمسة أجناس، وفيه إشارة إلى كثرتهم. ثم أشار إلى الأول بقوله: (الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ) -بفتح الزاي، وسكون الموحّدة-؛ أي: لا رأي له، ولا عقل كاملًا يَعقِله، ويمنعه عن ارتكاب ما لا ينبغي، وقيل: هو الذي لا مال له، وقيل: الذي ليس عنده ما يعتمده، وقد ورد: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» ، وفي «القاموس»: الزبر: العقل، والكمال، والصبر، والانتهار، والمنع، والنهي. انتهى، ولكلِّ وجه في المعنى. وفى «شرح السُّنَّة»؛ أي: لا عقل له، وفي «الغريبين»: يقال: ما له زبر؛ أي: عقل. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «الذي لا زبر له» والزبر هنا: العقل، قاله الهراويّ، وفي «الصحاح»: يقال: ما له زبر؛ أي: عقل، وتماسك. قال القرطبيّ: وسمّي العقل زبرًا؛ لأنَّ الزبر في أصله هو المنع والزجر، يقال: زبره يزبُره بالضم زبرًا: إذا انتهره، ومنعه، ولمّا كان العقل هو المانع لمن اتّصف به من المفاسد، والزاجر عنها سمّي بذلك، وقد قيل في الزبر في هذا الحديث: إنه المال، وليس بشيء. انتهى . وقال التوربشتيّ: المعنى لا يستقيم على تفسير الزبر بالعقل؛ لأن من لا عقل له لا تكليف عليه، فكيف يُحكم بأنه من أهل النار؟ وأرى الوجه فيه أن يُفَسَّر بالتماسك، فإن أهل اللغة يقولون: لا زبر له؛ أي: لا تماسك له، وهو في الأصل مصدر، والمعنى: لا تماسك له عند مجيء الشهوات، فلا يرتدع عن فاحشة، ولا يتورع عن حرام. وقال المنذريّ -﵀- في «الترغيب والترهيب»: ٤/ ٨٦: رواه أحمد، والبيهقيّ، وزاد: «ومال من لا مال له». قال القاري: التماسك إنما هو من كمال العقل، وحاصل بالصبر، فيُحمل على أحدهما، وأغرب الطيبيّ في قوله: لعل الشيخ ذهب إلى أن قوله: «الذين هم فيكم تبع» قسم آخر من الأقسام الخمسة، ولذلك فسره بقوله: يعني به: الخدّام الذين يكتفون بالشبهات، والمحرمات، وعليه كلام القاضي، حيث قال: «الذين هم فيكم تبع» يريد به الخدام الذين لا مطمح لهم، ولا مطمع إلا ما يملؤون به بطونهم، من أي وجه كان، ولا تتخطى هممهم إلى ما وراء ذلك، من أمر دينيّ، أو دنيويّ. قال القاري: أقول: والظاهر أن الضعيف وُصِف باعتبار لفظه تارةً بالمفرد، وباعتبار الجنس أخرى بالجمع، أو الموصول الثاني بيان، أو بدل مما قبله؛ لعدم العاطف، كما في الأصول المشهورة، وعليه كلام الأشرف، حيث قال: «الذي» في قوله: «الذي لا زبر له» بمعنى الذين للجمع، قال الشاعر [من الطويل]: وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ … هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ وهو الذي جوّز جعل قوله: «الذين هم فيكم تبع» بدلًا من قوله: «الذي لا زبر له». انتهى كلامه. وعلى هذا لا يتوجه الإشكال الذي أورده الشيخ التوربشتيّ، ويتعين تقسيم الأقسام الخمسة: أحدها: الضعيف، وثانيها: الخائن، وثالثها رجل، ورابعها: البخيل، وخامسها: الشنظير. انتهى كلام الطيبيّ . ووجه غرابته أنه ليس في كلام الشيخ والقاضي ما يدل على جعله قسمًا آخر، وهما أعقل من أن يخالفا النصّ على الخمس بالزيادة عليه، لا سيما عند عدم وجود العاطف، على ما في الأصول المشهورة، ولا دلالة لتفسيرهما على ما توهّم الفاضل؛ إذ لا منافاة بين الوصف السابق واللاحق، بل الثاني مميز للأول. وحاصله: أن القسم الأول هو جنس الضعيف في أمر دينه، الناقصون في عقولهم، الذين هم فيكم تبع، لا يبغون أهلًا؛ أي: لا يطلبون زوجة، ولا سُرّيّةً، فأعرضوا عن الحلال، وارتكبوا الحرام، ولا مالًا؛ أي: ولا يطلبون مالًا حلالًا، من طريق الكدّ والكسب الطيب، فقيل: هم الخدم الذين يكتفون بالشبهات، والمحرمات التي سَهُل عليهم مأخذها عما أبيح لهم، وليس لهم داعية إلى ما وراء ذلك، من أهل، ومال. وقيل: هم الذين يدورون حول الأمراء، ويخدمونهم، ولا يبالون من أيّ وجه يأكلون، ويلبسون، أمِنَ الحلال، أم من الحرام؟ ليس لهم مَيْل إلى أهل، ولا إلى مال، بل قَصَروا أنفسهم على المأكل، والمشرب، ثم الإشكال الذي أورده الشيخ على معنى «لا زبر له» لا تعلّق له بأن يكون ما بعده قسمًا آخر، أو لا، والله أعلم. انتهى . (الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا) قال صاحب «التكملة»: كذا وقع منصوبًا في نُسخ «صحيح مسلم»، وفي رواية الطبرانيّ: «هم فيكم تبعٌ»، وهو أوفق بالقياس، وأما كونه منصوبًا، فيمكن تأويله على أنه حال من فعل محذوف، كأنه قال: هم يعيشون فيكم تبعًا، وفي رواية أحمد: «هم فيكم تبعًا، أو تُبعاء» شكّ يحيى، وعلى الوجه الأخير هو جمع تابع، كفُضَلاء جمع فاضل، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال القاري: قوله: «تبع» بفتحتين: جمع تابع، كخَدَم جمع خادم، قال الطيبيّ: «تبع» وقع في بعض نُسخ «المصابيح» مرفوعًا، كما في «صحيح مسلم»، على أنه فاعل الظرف، أو مبتدأ خبره الظرف، والجملة خبر «هم»، وفي بعضها منصوبًا، كما في الحميديّ و«جامع الأصول»، وهو حال من الضمير المستتر في الخبر. انتهى . (لَا يَتْبَعُونَ أَهْلًا، وَلَا مَالًا) روي بتشديد التاء، وتخفيفها، فعلى الأول هو مضارع من الاتباع، وعلي الثاني مضارع من تَبِع، ووقع في بعض النسخ: «يبتغون» بالموحّدة، والغين المعجمة؛ أي: لا يطلبون. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لا يتبعون أهلًا ولا مالًا» هذا تفسير من النبيّ -ﷺ- لقوله أولًا: «الضيف الذي لا زبر له»، فيعني بذلك أن هؤلاء القوم ضعفاء العقول، فلا يسعون في تحصيل مصلحة دنيوية، ولا فضيلة نفسية، ولا دينية، بل يُهملون أنفسهم إهمال الأنعام، ولا يبالون بما يثبون عليه من الحلال والحرام، وهذه الأوصاف الخبيثة الدنيئة هي أوصاف هذه الطائفة المسمّاة بالقلندرية . انتهى . وقال القاري -﵀-: قوله: «لا يبغون» بفتح الياء، وتسكين الموحّدة، وضم الغين المعجمة، في النسخ المصححة المعتمدة ، وفي بعضها بفتح الياء، وتشديد الفوقية، وكسر الموحدة، والعين المهملة، من الاتّباع، وفي نسخة بضم الياء، وسكون الفوقية، وكسر الموحدة، والعين المهملة، قال النوويّ: «لا يتبعون» بالعين المهملة، يخفف، ويشدد، من الإتباع، وفي بعض النسخ: «يبغون» بِالغين المعجمة. انتهى . وقال صاحب «التكملة»: هذه الجملة تفسير لـ«الضعيف الذي لا زبر له»، والمعنى: أنهم لا يسعون في تحصيل منفعة دينيّة، ولا دنيويّة، بل يُهملون أنفسهم إهمال الأنعام، فلا يطلبون أهلًا ولا مالًا بطريقة معروفة، بل هم تبع لقادتهم يسيرون معهم حيث ساروا، وإنما استحقّوا النار؛ لأنهم لم يستعملوا ما وهبهم الله تعالى من العقل والفكر لتمييز الكفر من الإيمان، فوقعوا في الكفر تبعًا لقادتهم . ثم أشار إلى الثاني من الخمسة بقوله: (وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ) مصدر بمعنى المفعول، قال القاضي: أي: لا يخفى عليه شيء مما يمكن أن يُطمع فيه، (وَإِنْ دَقَّ) بحيث لا يكاد يُدرَك، (إِلَّا خَانَهُ)؛ أي: إلا وهو يسعى في التفحص عنه، والتطلع عليه حتى يجده، فيخونه، وهذا هو الإغراق في الوصف بالخيانة، قال القاري: بل هو إغراق في وصف الطمع، والخيانة تابعة له، والمعنى: أنه لا يتعدى عن الطمع، ولو احتاج إلى الخيانة، ولهذا قال الحسن البصريّ: الطمع فساد الدين، والورع صلاحه، قال القاضي: ويَحْتَمِل أن يكون خَفِي من الأضداد، والمعنى: لا يَظهر له شيء يُطمع فيه إلا خانه، وإن كان شيئًا يسيرًا. قال القاري: لا خفاء في أن المعنى الأسبق أبلغ، وأنسب بقوله: «وإن دقّ» فهو بالاعتبار أَولى وأحقّ، وإن كان تعدية «خَفِيَ» باللام في معنى الظهور أظهر، فإنه يقال: خفي له؛ أي: ظهر، وخَفِي عليه الأمر؛ أي: استتر على ما ذكره بعض الشراح، لكن في «القاموس»: خفاه يَخفيه: أظهره، وخِفِي كرضي: لم يظهر. انتهى. فالمعنى الأول هو المعوّل بفتح الفاء في «لا يخفى»، إلا إن ثبت الرواية بكسرها، كما لا يخفى، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: قد حقّق لغة «خفي» بمعنى استتر، وبمعنى ظهر، العلامة الفيّوميّ -﵀- فقال: خَفِيَ الشيءُ يَخْفَى خَفَاءً بالفتح، والمدّ: استتر، أو ظهر، فهو من الأضداد، وبعضهم يجعل حرف الصلة فارقًا، فيقول: خَفِيَ عليه: إذا استتر، وخَفِيَ له: إذا ظهر، فهو خَافٍ، وخَفِيٌّ أيضًا، ويتعدى بالحركة، فيقال: خَفَيْتُه أَخْفِيهِ، من باب رَمَى: إذا سترته، وأظهرته، وفعلته خِفْيَةً بضم الخاء، وكسرها، ويتعدى بالهمزة أيضًا، فيقال: أَخْفَيْتُهُ، وبعضهم يجعل الرباعيّ للكتمان، والثلاثي للإظهار، وبعضهم يَعْكِس، واسْتَخْفَى من الناس: استتر، واخْتَفَيْتُ الشيءَ: استخرجته، ومنه قيل لنباش القبور: المُخْتَفِي؛ لأنه يستخرج الأكفان، قال ابن قتيبة، وتبعه الجوهريّ: ولا يقال: اخْتَفَى بمعنى توارى، بل يقال: اسْتَخْفَى، وكذلك قال ثعلب: اسْتَخْفَيْتُ منك؛ أي: تواريت، ولا تقل: اخْتَفَيْتُ، وفيه لغة حكاها الأزهريّ، قال: أَخْفَيْتُهُ بالألف: إذا سترته، فَخَفِيَ، ثم قال: وأما اخْتَفَى بمعنى خَفِيَ، فهي لغة ليست بالعالية، ولا بالمنكرة، وقال الفارابيّ أيضًا: اخْتَفَى الرجلُ البئرَ: إذا احتفرها، واخْتَفَى: استتر. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا لِلُغة «خَفِي» بمعنى استتر، وبمعنى ظهر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «والخائن الذي لا يخفى له طمع. . . إلخ» الخائن: هو الذي يأخذ مما اؤتمن عليه بغير إذن مالكه، و«يخفى له» -هنا- بمعنى يَظهر، كما قال الشاعر [من الطويل]: خَفَاهُنّ مِنْ أَنْفَاقِهِنَّ كَأَنَّمَا … خَفَاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عَشيٍّ مُجَلِّبِ أي: أظهرهن، وخفي من الأضداد، يقال: خفيت الشيءَ؛ أي: أظهرته، وسترته، قاله أبو عبيد. انتهى . ثم أشار إلى ثالث الخمسة بقوله: (وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ، وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ، وَمَالِكَ»)؛ أي: بسببهما، فـ«عن»بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣]، وقال في«الكشاف»في قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]؛ أي: حَمَلهما الشيطان على الزلة بسببها، والمعنى: يخادعك بسبب أهلك ومالك؛ أي: يطمع في مالك وأهلك، فيُظهر عندك الأمانة والعفّة، ويخون فيهما . (وَذَكَرَ)؛ أي: النبيّ -ﷺ- في القسم الرابع من الخمسة (الْبُخْلَ، أَوِ الْكَذِبَ،«والشنظير الفحاش») قال التوربشتيّ: أي: البخيل والكذاب، أقام المصدر مقام الفاعل، وقال الطيبيّ: ولعل الراوي نسي ألفاظًا ذكرها في شأن البخيل، أو الكذاب، فعبّر بهذه الصيغة، وإلا كان يقول: والبخيل، أو الكذاب. وقال النوويّ -﵀-: هي في أكثر النسخ:«أو الكذب»بـ«أو»، وفي بعضها بالواو، والأول هو المشهور في نُسخ بلادنا، وقال القاضي عياض: روايتنا عن جميع شيوخنا بالواو، إلا ابن أبي جعفر، عن الطبريّ، وقال بعض الشيوخ: ولعله الصواب، وبه تكون المذكورات خمسة، قال الطيبيّ: فعلى هذا قوله:«وَالشِّنْظِيرُ»مرفوع فيكون عطفًا على«رجل»، كما سبق، وعلى تأويل الواو ينبغي أن يكون منصوبًا من تتمة الكذب، أو البخل؛ أي: البخيل السيئ الخلُق، و«الْفَحَّاشُ»نعت لـ«الشنظير»، وليس بمعنى له؛ أي: يكون مع سوء خلقه فحّاشًا. انتهى . قال القاري: المعنى كما قال الشيخ، سواء كان هناك صفة أخرى لهما أم لا، ورُوي بالواو، وحينئذ إما أن يجعل اثنين من الخمسة، فيكون قوله:«والشنظير»منصوبًا عطفًا على الكذب تتمة له، وإمّا أن يُجعلا واحدًا فيكون الشنظير مرفوعًا، كذا قاله شارح، لكن قوله:«تتمة له»غير صحيح؛ لأن التعدد المفهوم من الواو، وهو الذي فرّ منه واقع فيه، ولا يصح أن يكون الشنظير عطف تفسير للكذب؛ لِمَا بينهما من التباين، فالصواب: أن الواو بمعنى«أو»، كما يدلّ عليه الأصول المعتمَدة، والنسخ المصححة. ثم الشنظير بكسر الشين والظاء المعجمتين بينهما نون ساكنة: السيئ الخُلُق، وهو مرفوع على الصحيح كما سبق. وقوله:«الفحاش»نعت له، وليس بمعنى له؛ أي: المكثر للفحش، والمعنى أنه مع سوء خلقه فحّاش في كلامه؛ لِمَا بينهما من التلازم الغالبي. انتهى كلام القاري . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«وذكر البخل والكذب»هكذا الرواية المشهورة فيه بالواو الجامعة، وقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبريّ بـ«أو»التي للشك، قال القاضي: ولعله الصواب، وبه تصحّ القسمة؛ لأنَّه ذكر أن أصحاب النار خمسة: الضيف الذي وُصف، والخائن الذي وُصف، والرجل المخادع الذي وُصف، قال: وذكر البخل والكذب، ثم ذكر الشنظير الفحّاش، فرأى هذا القائل أن الرابع هو صاحب أحد الوصفين، وقد يَحْتَمِل أن يكون الرابع مَن جَمَعهما على رواية واو العطف، كما جمعهما في الشنظير الفحّاش. وكذلك قوله:«أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال»، قال: كذا قيّدناه بخفض«مسلم»عطفًا على ما قبله، وفي رواية أخرى:«ومسلم عفيف»بالرفع، وحذف الواو. قال القرطبيّ: العفيف: الكثير العفة، وهي الانكفاف عن الفواحش، وعما لا يليق. والمتعفف: المتكلّف للعفة، والشنظير: السيّئ الخلُق، وفي«الصحاح»: رجل شنظير، وشنظيرة؛ أي: سيئ الْخُلُق، قالت امرأة من العرب: شِنْظِيرَةٌ زَوَّجَنِيهِ أَهْلي … مِنْ حُمْقِهِ يَحْسَبُ رَأسِي رِجْلِي كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ أُنْثَى قَبْلِي وربما قالوا: شنذيرة -بالذال المعجمة- لقربها من الظاء لغة، أو لثغة. والفحَّاش: الكثير الفحش، وقيل: الشنظير: هو الفحاش، قال صاحب«العين»: يقال: شنظر بالقوم: شَتَم أعراضهم. والشنظير: الفحّاش من الرجال الغلق، وكذلك من الإبل. انتهى . وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ:«وَأَنْفِقْ، فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ») بيّن به الاختلاف بين شيوخه الثلاثة: أبو غسّان، وابن المثنّى، وابن بشّار، فلم يذكر أبو غسّان في روايته جملة:«وَأَنْفِقْ، فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ»، وذكره الآخران، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عياض بن حمار -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٧١٧٩ و٧١٨٠ و٧١٨١ و٧١٨٢] (٢٨٦٥)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٥/ ٢٦)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٢٠٠٨٨)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(١٠٧٩)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ٢٦٦)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(١٧/ ٩٩٢ و٩٩٣ و٩٩٤ و٩٩٥ و٩٩٧)، و(ابن خزيمة) في«التوحيد»(ص ٣٠)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٥٣ و٦٥٤ و٧٤٥٣)، و(الحاكم) في«المستدرك»(٤/ ٩٩)، و(أبو نعيم) في«الحلية»(٢/ ١٦)، و(الخطيب) في«تاريخ بغداد»(٨/ ٤٥٧)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٩/ ٦٠) وفي«شعب الإيمان»(٧/ ٤٥٧)، و(ابن عساكر) في«تاريخ دمشق» (٥٤/ ١٨٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان اهتمام النبيّ -ﷺ- في تعليم أمته ما لا يعلمونه، مما علّمه الله -﷿- بالوحي. ٢ - (ومنها): بيان أن ما يملكه الإنسان حلال لا يحرم منه شيء، كما كان الجاهليّة يعتقدون تحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فإن هذا مما افتروه من عند أنفسهم، كما بيّن الله -﷿- ذلك بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣]. ٣ - (ومنها): بيان أن الله -﷾- خلق عباده حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، فأغوتهم، وأضلّتهم، وهذا معنى الحديث الآخر: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، كما تُنتَج البهيمة بهيمةً جمعاءَ، هل تُحِسّون فيها من جدعاء. . .» الحديث متّفقٌ عليه. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه أهل الجاهليّة قبل مبعث النبيّ -ﷺ-، من انحرافهم عن الدين، حتى مقتهم الله -﷿- إلا طائفة من أهل الكتاب استمرّوا على منهج أنبيائهم -﵈-. ٥ - (ومنها): بيان أنه لم ينقطع أهل الحقّ من الأرض خلال فترات الأنبياء، وإن قلّوا، كما قال الله -﷿-: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: ١٥٩]. ٦ - (ومنها): أن بعثة النبيّ -ﷺ- ابتلاء له، هل يقوم بالتبليغ، ويصبر على أذى قومه، وقد بلّغ، وصبر، وكذلك ابتلاء لقومه به، هل يؤمنون، أم لا؟. ٧ - (ومنها): بيان تيسير الله تعالى القرآن، وتسهيله على النبيّ -ﷺ-، وعلى أمته، كما قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]، وهو محفوظ بحفظه تعالى، لا يضيع، ولا يغسله الماء، فقد قيّض الله تعالى له حفظة بررة، كما وعد بذلك، حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. ٨ - (ومنها): أن الله -﷾- أمر النبيّ -ﷺ- بجهاد قريش، وإخراجهم من دارهم، وغزوهم، والإنفاق في سبيل قتالهم، وبعث الجيش، وأنه يُمدّهم بخمسة أمثالهم من الملائكة، وقد حصل كلّ ذلك، كما في غزوة بدر، وغيرها. ٩ - (ومنها): بيان أن أهل الجنّة قليلون، فهم ثلاثة أنواع، بينما أهل النار خمسة، وإلى هذا يشير في آيات كثيرة من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]، وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]، وغير ذلك من الآيات، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٨٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: «كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى الزَّمِن، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مهران البصريّ، تقدّم قبل بابين. و«قتادة» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٨١] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ يَحْيَى: قَالَ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) هو: عبد الرحمن بن بِشْر بن الحكم، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) وقيل: بعدها (خ م د ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٩. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و«يحيى بن سعيد» هو: القطّان. وقوله: (وَسَاقَ الحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير عبد الرحمن بن بشر، ويَحتَمل أن يكون ضمير يحيى، والأول أظهر بدليل ما بعده، فتنبّه. وقوله: (وَقَالَ فِي آخِرِهِ)؛ أي: قال عبد الرحمن في آخر الحديث. وقوله: (قَالَ يَحْيى. . . إلخ) غرضه بيان تصريح قتادة بالسماع عن مطرّف، فانتفت به تهمة التدليس؛ لأنه معروف به. وقوله: (فِي هَذَا الْحَدِيثِ) متعلّق بـ «سمعت». [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ -﵀- في «التقييد» بعد أن ساق رواية مسلم هذه ما نصّه: هكذا يُروى عن الجلوديّ، والكسائيّ، وفي نسخة ابن ماهان: «قال يحيى: قال سعيد عن قتادة: سمعت مطرّفًا بهذا الحديث، جعل سعيد بن أبي عروبة بدل شعبة . قال القاضي عياض -﵀- في«الإكمال»(٨/ ٣٩٨): وسعيد هذا هو ابن أبي عروبة، وهو الذي رواه عند مسلم، فقيل من طريق ابن أبي عديّ، فيَحْتَمل أن يحيى سمعه من شعبة، ومن سعيد، فكلاهما يروي عن قتادة، لكن في قول يحيى عمن قال منهما: عن قتادة: سمعت مطرّفًا حجة قويّة لمسلم، وذلك أن الحديث له علّة، ولذلك -والله أعلم- لم يُخرجه البخاريّ، فإن همّامًا رواه عن قتادة قال: حدّثني أربعة عن مطرّف بن عبد الله، منهم: يزيد بن عبد الله أخو مطرّف، والعلاء بن زياد، ورواه عنهما عن همّام بنُ أبي خيثمة، وابن أبي شيبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، ويزيد أخي مطرّف، وعقبة بن عبد الغافر عن مطرّف؛ إذ هما أعلى وأحفظ، ولم يبال بمن خالفهم، واستشهد بما حكاه يحيى عن شعبة، أو سعيد من قول قتادة: سمعت مطرّفًا، فأزال إشكال العنعنة. انتهى . [تنبيه آخر]: رواية يحيى القطان، عن هشام الدستوائيّ، عن قتادة هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٧٥١٩) - حدّثنا يحيى بن سعيد، ثنا هشام، ثنا قتادة، عن مطرّف، عن عياض بن حمار، أن النبيّ -ﷺ- خطب ذات يوم، فقال في خطبته: «إن ربي -﷿- أمرني أن أعلّمكم ما جَهِلتم، مما علّمني في يومي هذا، كلُّ مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فأضلتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرَتهم أن يشركوا بي ما لم أُنزل به سلطانًا، ثم إن الله -﷿- نظر إلى أهل الأرض، فمقَتَهم عجميّهم وعربيّهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا، ويقظانًا، ثم إن الله -﷿- أمرني أن أحرق قريشًا، فقلت: يا رب إذًا يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزةً، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، فاغزهم نُغزك، وأنفق عليهم، فسننفق عليك، وابعث جندًا نبعث خمسةً مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقسط متصدق موفّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلمٍ، ورجل فقير عفيف متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْر له الذين هم فيكم تبعًا، أو تُبَعاء -شك يحيى- لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى عليه طمع، وإن دقّ إلا خانه، ورجل لا يصبح، ولا يمسي، إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك»، وذكر البخل، والكذب، والشنظير الفاحش. انتهى . وساقها أيضًا بن عساكر -﵀- في«تاريخه»(٥٤/ ١٨٥) بسند المصنّف، تامًّا، فقال: أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن، أنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق، أنبأنا جدّي أبو بكر، حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن هشام الدستوائيّ، حدّثنا قتادة، عن مطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن عياض بن حمار المجاشعيّ، أن رسول الله -ﷺ- قال ذات يوم في خطبته:«ألا وإن ربي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم، مما علّمني يومي هذا، كلُّ مال نحلته عبدي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرَتهم أن يشركوا بي ما لم أُنزل به سلطانًا، ثم إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقَتَهم عجمهم وعربهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرأه نائمًا ويقظانًا، وإن الله أمرني أن أُحرق قريشًا، فقلت: يا رب، إذًا يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزةً، فقال: استخرجهم كما أخرجوك، واغزهم نُغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشًا، فنبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط مصدق ومؤمن، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلمٍ، ورجل ضعيف فقير متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْر له الَّذين هم فيكم تبعٌ أو تُبَعَاء -شك يحيى- لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يَخفى له طمع، وإن دقّ إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك»، وذكر البخل، أو الكذب، والشنظير الفحاش. (ح) قال: وحدّثنا عبد الرحمن بن بشر في عقبه: ثنا يحيى، قال: وسمعت عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت مطرفًا في هذا الحديث. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٨٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مَطَرٍ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامٍ، عَن قَتَادَةَ، وَزَادَ فِيهِ: «وَإنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «وَهُمْ فِيكُمْ تبَعًا لَا يَبْغُونَ أَهْلًا، وَلَا مَالًا»، فَقُلْتُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ قالَ: نَعَمْ وَاللهِ، لَقَدْ أَدْرَكتُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَى عَلَى الْحَيِّ، مَا بِهِ إِلَّا وَليدَتُهُمْ يَطَؤُهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو عَمَّارٍ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) الْخُزاعيّ مولاهم المروزيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (خ م د ت س) تقدم في «الصيام» ١٧/ ٢٦١٩. ٢ - (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ -بسين مهملة مكسورة، ونونين- أبو عبد الله المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وربما أغرب، من كبار [٩] (ت ١٩٢) في ربيع الأول (ع) تقدم في «الجنائز» ٢٦/ ٢٢٣٦. ٣ - (الْحُسَيْنُ) بن واقد المروزيّ، أبو عبد الله القاضي، ثقةٌ، له أوهام [٧] (ت ٧ أو ١٥٩) (خت م ٤) تقدم في «الجهاد والسِّير» ٤٧/ ٤٦٨٧. ٤ - (مَطَرٌ) بفتحتين ابن طَهْمان الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم الْخُرَاسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] (ت ٥ أو ١٢٩) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير مطر، وكذلك فاعل «وزاد فيه» الآتي بعده. وقوله: (وَإِنَّ اللهَ) تعالى (أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا) «أَنْ» هذه مفسِّرة؛ لِمَا في الإيحاء من معنى القول، و«تواضعوا» أمْر من التواضع، تفاعل من الضِّعَة بالكسر، وهي الذلّ، والهوان، والدناءة. (حَتَّى لَا يَفْخَرَ) متعلِّق بـ «أوحى»، وهو بفتح الخاء، من الفخر، وهو ادّعاء العظمة، والكبرياء والشرف؛ أي: كي لا يتعاظم (أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ) بكسر الغين المعجمة؛ أي: ولا يظلم (أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) وفي الجمع بينهما إشعار بأن الفخر والبغي نتيجتا الكبر؛ لأن المتكبر هو الذي يرفع نفسه فوق كل أحد، ولا ينقاد لأحد، قاله القاري . وقال المناويّ -﵀-: «إن الله أوحى إليّ»؛ أي: وحيَ إرسال، والوحي إعلام في خفاء، «أن تواضعوا» بخفض الجناح، وليْن الجانب، و«أن» مفسرة «حتى لا يفخر أحد منكم على أحد» بتعداد محاسنه كِبْرًا، ورَفْع قَدْر نفسه على الناس تَيْهًا، وعُجْبًا، قال ابن القيم -﵀-: والتواضع انكسار القلب لله، وخَفْض جناح الذلّ والرحمة للخلق، حتى لا يرى له على أحد فضلًا، ولا يرى له عند أحد حقًّا، والفخر ادعاء العظمة. وقال الطيبيّ -﵀-: و«حتى» هنا بمعنى «كي»، و«لا يبغي» بالنصب عطفًا على «تواضعوا»؛ أي: لا يجور، ولا يتعدى أحد منكم على أحد، ولو ذميًّا، أو معاهَدًا، أو مؤمنًا، والبغي: مجاوزة الحدّ في الظلم. قال الطيبيّ: المراد أن الفخر والبغي شحناء الكبير؛ لأن المتكبر هو الذي يرفع نفسه فوق منزلته، فلا ينقاد لأحد. وقال المجد ابن تيمية -﵀-: نهى الله على لسان نبيّه -ﷺ- عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهي الفخر، والبغي؛ لأن المستطيل إن استطال بحقّ فقد افتخر، أو بغير حق فقد بغى، فلا يحل هذا ولا هذا، فإن كان الإنسان من طائفة فاضلة، كبني هاشم، أو غيرهم، فلا يكن حظه استشعار فضل نفسه، والنظر إليها، فإنه مخطئ؛ إذ فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فَرُبَّ حبشيّ أفضل عند الله من جمهور قريش، ثم هذا النظر يوجب نقصه، وخروجه عن الفضل، فضلًا عن استعلائه بهذا، واستطالته به. وأُخذ منه أنه يتأكد للشيخ التواضع مع طَلَبته، ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وإذا طُلب التواضع لمطلق الناس، فكيف لمن له حقّ الصحبة، وحرمة التودد، وصدق المحبة؟ لكن لا يتواضع معهم مع اعتقاد أنهم دونه، فقد قال ابن عطاء الله: من أثبت لنفسه تواضعًا فهو المتكبر حقًّا، فالتواضع لا يكون إلا عن رفعة مع عظمة، واقتدار، وليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع، بل الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع. انتهى . وقوله: (وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ) فاعل «قال» ضمير مطر أيضًا. وقوله: (فَقُلْتُ) هذا من كلام قتادة، يقول: فقلت لمطرّف بن عبد الله (فَيَكُونُ ذَلِكَ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أفيكون، ويحصل، ويقع هذا الأمر (يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟) كنية مطرّف، (قَالَ) مطرّف: (نَعَمْ) يوجد هؤلاء الضعفاء الذين لا زَبْر لهم، ويكتفون بالمحرّمات، ولا يطلبون لأنفسهم حلالًا، ثم أكّد ذلك بقوله: (واللهِ، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ)؛ أي: في أواخر أيام الجاهلية، والجاهليّة ما قبل الإسلام، (وَإِنَّ الرَّجُلَ) من أولئك الضعفاء (لَيَرْعَى) المواشي (عَلَى الْحَيِّ)؛ أي: القبيلة؛ سمُّوا بذلك؛ لأن بعضهم يحيا ببعض؛ أي: يتناصرون، ويتعاضدون. (مَا) نافية؛ أي: ليس (بِهِ) رغبة، وليس له أجر، (إِلَّا، وَليدَتُهُمْ)؛ أي: جاريتهم (يَطَؤُهَا)؛ أي: مقابل رعيه لهم. وقال النوويّ -﵀-: أبو عبد الله -يعني: في قوله: يا أبا عبد الله- هو مطرّف بن عبد الله، والقائل له قتادة، وقوله: «لقد أدركتهم في الجاهلية» لعله يريد أواخر أمر الجاهلية، وآثارهم، وإلا فمطرّف صغير عن إدراك زمن الجاهلية حقيقةً، وهو يعقل. انتهى . وقال القاضي عياض -﵀-: قوله: «لقد أدركتهم في الجاهليّة» دلّ على صحّة صحبة مطرّف؛ لإدراكه الجاهليّة، وإن
مصادر المؤلف (٦٣)

١. وفي نسخة:«ويقظانًا».

٢. وفي نسخة:«كما أخرجوك».

٣. راجع:«تحفة الأشراف»٨/ ٢٥٠ - ٢٥٢.

٤. «تهذيب التهذيب»٨/ ١٧٩.

٥. «اللباب في تهذيب الأنساب»٣/ ١٦٤ - ١٦٥.

٦. «مرقاة المفاتيح» ٩/ ٥٥٣.

٧. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٩٧.

٨. «المفهم» ٦/ ٧١١ - ٧١٢.

٩. «المفهم» ٦/ ٧١٢.

١٠. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٩٧.

١١. «مرقاة المفاتيح» ٩/ ٥٥٤.

١٢. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٩٧.

١٣. «المفهم» ٦/ ٧١٢.

١٤. «مرقاة المفاتيح» ٩/ ٥٥٤.

١٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٣٩٦.

١٦. «مرقاة المفاتيح» ٩/ ٥٥٥.

١٧. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٩٧ - ١٩٨.

١٨. «المفهم» ٧/ ١٦٢.

١٩. «المصباح المنير» ١/ ٥٨.

٢٠. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٩٨.

٢١. «المفهم» ٧/ ١٦٣.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٩٨.

٢٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٣٩٦.

٢٤. «المفهم» ٧/ ١٦٣.

٢٥. «مرقاة المفاتيح» ٩/ ٥٥٥.

٢٦. «المفهم» ٧/ ١٦٣.

٢٧. رواه البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ.

٢٨. القائل هو القرطبيّ -﵀-.

٢٩. رواه الترمذيّ.

٣٠. «المفهم» ٧/ ١٦٤ - ١٦٥.

٣١. «المفهم» ٧/ ١٦٥.

٣٢. «المفهم» ٧/ ١٦٥.

٣٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٧٩.

٣٤. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢٤٣.

٣٥. «المفهم» ٧/ ١٦٥.

٣٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٧٩.

٣٧. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢٤٣.

٣٨. «القاموس المحيط» ص ٨٩٠.

٣٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٧٩.

٤٠. رواه أحمد في «مسنده» بلفظ: قال رسول الله -ﷺ-: «الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له»، قال الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد» ١٠/ ٢٨٨: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير دويد، وهو ثقة. انتهى.

٤١. «المفهم» ٧/ ١٦٥.

٤٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٨٠.

٤٣. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢٤٤.

٤٤. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٢٣٠.

٤٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٧٩.

٤٦. طريقة صوفيّة أسسها قلندر يوسف العربي الإسبانيّ.

٤٧. «المفهم» ٧/ ١٦٦.

٤٨. أي: لكتاب «المصابيح»، لا لـ«صحيح مسلم»، فتنبّه.

٤٩. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢٤٤.

٥٠. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٢٣٠.

٥١. «المصباح المنير»١/ ١٧٦.

٥٢. «المفهم»٧/ ١٦٧.

٥٣. «الكاشف عن حقائق السنن»١٠/ ٣١٨١.

٥٤. «الكاشف عن حقائق السنن»١٠/ ٣١٨١.

٥٥. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»١٤/ ٢٤٩.

٥٦. «المفهم»٧/ ١٦٨.

٥٧. «تقييد المهمل» ٣/ ٩٢٨.

٥٨. «إكمال المعلم» ٨/ ٣٩٨.

٥٩. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٤/ ١٦٢.

٦٠. «تاريخ مدينة دمشق» ٥٤/ ١٨٥ - ١٧٦.

٦١. «مرقاة المفاتيح» ٩/ ١٢١.

٦٢. «فيض القدير» ٢/ ٢١٧.

٦٣. «شرح النوويّ» ١٧/ ٢٠٠.