HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٨٧

حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ. حَدَّثَنَا حماد بن زيد. حدثنا عثمان الشحام قال: انطلقت أنا وفرقد السبخي إلى مسلم بن أبي بكرة، وهو في أرضه. فدخلنا عليه فقلنا: هل سمعت أباك يحدث في الفتن حديثا؟ قال: نعم. سمعت أبا بكرة يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنها ستكون فتن. ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها. والماشي فيها خير من الساعي إليها. ألا، فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله. ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه. ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه» قال فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال «يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر. ثم لينج إن استطاع النجاء. اللهم! هل بلغت؟ اللهم! هل بلغت؟ اللهم! هل بلغت؟» قال فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجئ سهم فيقتلني؟ قال «يبوء بإثمه وإثمك. ويكون من أصحاب النار».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص169
ج ٤ ص ٢٢١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٢٢٠
فيه من الاختلاف في سنده، في «شرح النسائيّ»، فارجع إليه تستفد علمًا، وباللَّه تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٢١] (. . .) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «تَكُونُ فِتْنَةٌ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، وَالْيَقْظَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً، أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ) سليمان بن داود بن الجارود البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) هو المذكور في السند الماضي. ٤ - (أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ولي قضاء المدينة، وكان ثقةً، فاضلًا، عابدًا [٥] (ت ١٢٥) وقيل: بعدها وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. والباقيان ذُكرا قبل حديث. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، وللَّه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٢٢] (٢٨٨٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ الشَّحَّامُ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَفَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ فِي أَرْضِهِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: هَلْ سَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ فِي الْفِتَنِ حَدِيثًا؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتَنٌ ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ، أَوْ وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ»، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ، وَلَا غَنَمٌ، وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: «يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ، فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لْيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ كرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ؟ أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ؟ فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ، أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ: «يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) البصريّ، تقدّم ثلاثة أبواب. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عُثْمَانُ الشَّحَّامُ) العدويّ، أبو سلمة البصريّ، يقال: اسم أبيه ميمون، أو عبد اللَّه، لا بأس به [٦]. روى عن عكرمة مولى ابن عباس، ومسلم بن أبي بكر الثقفيّ، وأبي رجاء العطارديّ. وروى عنه إسرائيل، ووكيع، والأصمعيّ، وعبد الرحمن بن مرزوق، وابن أبي عديّ، والقطان، وأبو عاصم، وآخرون. قال علي ابن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد القطان، وذكر عثمان الشحام، فقال: يعرف وينكر، ولم يكن عندي بذاك، وقال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو زرعة، وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، أو قال: ليس به بأس، قد أعيى القرون؛ يعني: اسم أبيه، فقلت: إنه وُجد بخط ابن معين اسم أبيه: ميمون، فأعجبه ذلك، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال مرةً: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وجزم النسائيّ في «الكنى» بأنه عثمان بن مسلم، وكذا أبو أحمد، وقال: ليس بالمتين عندهم، وأسند عن وكيع أنه وثقه، وقال الدارقطنيّ: بصريّ يُعتبَر به، وقال ابن عديّ: ليس له كثير حديث، ولا أرى به بأسًا. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (مُسْلِمُ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ) نفيع بن الحارث الثقفيّ البصريّ، صدوقٌ [٣] مات في حدود سنة تسعين. روى عن أبيه، وعنه عثمان الشحّام، وسعيد بن جُمْهان، وأبو الفضل بن خلف الأنصاريّ، وأبو حفص سعيد بن سلمة، قال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال خليفة بن خياط: مات بعد الثمانين وقبل التسعين. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (أَبُو بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث بن كَلَدة -بفتحتين- ابن عمرو الثقفيّ الصحابيّ مشهور بكنيته، وقيل: اسمه مسروح -بمهملات- أسلم بالطائف، ثم نزوا البصرة، ومات بها سنة إحدى، أو اثنتين وخمسين (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٨١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالتحديث، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-، قيل له: أبو بكرة؛ لأنه تدلّى من حصن الطائف ببكرة البئر إلى النبيّ -ﷺ-، فأسلم، فأعتقه، فلُقب لذلك، فهو لقب بصورة الكنية. شرح الحديث: (عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامُ) -بفتح الشين المعجمة، وتشديد الحاء المهملة، آخره ميم-: نسبة إلى بيع الشحم، قاله في «اللباب» . (قَالَ) عثمان: (انْطَلَقْتُ أَنَا) أتى به ليمكنه عَطْف ما بعده على الضمير المتّصل من غير ضعف، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَفَرْقَدٌ) هو: فرقد بن يعقوب، أبو يعقوب البصريّ، صدوقٌ، عابدٌ، لكنه لَيِّن الحديث، كثير الخطأ من الطبقة الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، من رجال الترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا ذكر هنا، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (السَّبَخِيُّ) -بفتح السين المهملة، والموحّدة، وبخاء معجمة-: قال في «اللباب»: نسبة إلى السّبخة، وهي معروفة، والمشهور بهذه النسبة: أبو يعقوب فرقد بن يعقوب العابد، من أهل أرمينية، وانتقل إلى البصرة، وكان يأوي إلى السبخة بها، فنُسب إليها. انتهى . (إِلَى مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) الثقفيّ (وَهُوَ)؛ أي: والحال أن مسلمًا (فِي أَرْضِهِ) ومزرعته، (فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا) له (هَلْ سَمِعْتَ أَبَاكَ) أبا بكرة -﵁- (يُحَدِّثُ فِي الْفِتَنِ) التي تكون في الأمة (حَدِيثًا؟ قَالَ) مسلم: (نَعَمْ، سَمِعْتُ) والدي (أَبَا بَكْرَةَ) نفيع بن الحارث الثقفيّ -﵁- (يُحَدِّثُ) فيها حديثًا، ثم بيّن الحديث بقوله: (قَالَ) أبو بكرة -﵁-: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّهَا) الضمير للقصّة، وضمير القصّة هو ضمير الشأن، إلا أنه إذا كان للمؤنّث يقال له: ضمير القصّة، (سَتَكُونُ)؛ أي: ستوجد، وتحدُث، وتقع (فِتَنٌ) جمع فتنة؛ أي: فتن كثيرة مهلكة، (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، (ثُمَّ تَكُونُ فِتَنٌ) بصيغة الجمع، وفي بعض النسخ:»فتنة«بالإفراد، قال الطيبيّ -﵀-: فيه ثلاث مبالغات: أقحم حرف التنبيه بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لمزيد التنبيه لها، وعطف بـ»ثُمّ«؛ لتراخي مرتبة هذه الفتنة الخاصة تنبيهًا على عِظَمها، وهَوْلِها، على أنه من عطف الخاصّ على العامّ؛ لاختصاصها بما يفارقها من سائر أشكالها، وأنها كالداهية الدهياء، نسأل اللَّه العافية منها بفضله، وعميم طَوْله. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«إنها ستكون فتنٌ إلخ»هذا كله تضمّن الإخبار عن وقوع فتن هائلة عظيمة بعده -ﷺ-، والأمر بالكفّ عنها، والفرار منها. انتهى . (الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا)؛ أي: يجعلها غاية سعيه، ومنتهى غرضه، لا يَرَى مَطلبًا غيرها، ولام الغرض و«إلى»الغاية متقاربان معنى، فحينئذ يستقيم التدرج والترقي من الماشي فيها إلى الساعي إليها. (أَلَا) أداة تنبيه، أعادها لمزيد التوكيد، (فَإِذَا نَزَلَتْ)؛ أي: الفتن، أو تلك الفتنة، وقوله: (أَوْ وَقَعَتْ)«أو»للشكّ من الراوي، هل قال:«نزلت»، أو قال:«وقعت»، (فَمَنْ كَانَ لَهُ)؛ أي: في البرية (إِبِلٌ، فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ)؛ أي: عَقار، أو مزرعة بعيدة عن الناس، (فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ«) فإن الاعتزال، والاشتغال بخُويصة نفسه حينئذ واجب؛ لوقوع عموم الفتنة العمياء بين الرجال، كما قال الشاعر [من البسيط]: إِنَّ السَّلَامَةَ مِنْ لَيْلَى وَجَارَتِهَا … أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَى حَالٍ بوَادِيهَا (قَالَ) أبو بكرة (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسمّ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني (مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ، وَلَا غَنَمٌ، وَلَا أَرْضٌ؟)؛ أي: فأين يذهب؟ أو كيف يفعل؟ (قَالَ) -ﷺ-: («يَعْمِدُ) بكسر الميم؛ أي: يقصد (إِلَى سَيْفِهِ)؛ أي: إن كان له سيف، (فَيَدُقُّ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر؛ أي: يضرب (عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ) المعنى: فليكسر سلاحه، كيلا يذهب به إلى الحرب؛ لأن تلك الحروب بين المسلمين، فلا يجوز حضورها. قال النوويّ -﵀-: قيل: المراد: كسر السيف حقيقةً على ظاهر الحديث؛ ليسدّ على نفسه باب هذا القتال، وقيل: هو مجاز، والمراد: ترك القتال، والأول أصح. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«فيدقّ عليه بحجر» هذا محمول على ظاهره، وذلك أنه إن فعل ذلك لم يكن له شيء يستعين به على الدخول فيها، فيفرّ منها، فيسلم. انتهى . (ثُمَّ لْيَنْجُ) بكسر اللام، ويسكن، وبفتح الياء، وسكون النون، وضم الجيم؛ أي: ليفرّ، ويسرع هَرَبًا، حتى لا تصيبه الفتن، وينجو بنفسه (إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ) بفتح النون، والمدّ؛ أي: الخلوص منها، يقال: نجا من الهلاك ينجو نجاةً: خَلَص، والاسم: النجاء بالمدّ، وقد يُقصر، قاله الفيّوميّ -﵀- . قال الطيبيّ -﵀-: قوله: «يعمد إلخ» عبارة عن تجرده تجردًا تامًّا، كأنه قيل: من لم يكن له ما يشتغل به من مهامه، فلينج برأسه. انتهى . قال النبيّ -ﷺ- بعد ذكر هذه الفتن، والتحذير عن الوقوع في محن ذلك الزمن: (اللَّهُمَّ)؛ أي: يا اللَّه (هَلْ بَلَّغْتُ)؛ أي: قد بلّغت إلى عبادك ما أمرتني به أن أبلغه إياهم، (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ») كرّره ثلاث مرّات مبالغةً. (قَالَ) أبو بكرة: (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُعرف: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني (إِنْ أُكْرِهْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: أكرهني الناس (حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: حتى يُذهب بي (إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ) المتحاربين (أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ)«أو»هنا للشكّ من الراوي؛ أي: إحدى الجماعتين، (فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ) وقوله: (أَوْ) هنا للتنويع، (يَجِيءُ سَهْمٌ) بصيغة المضارع عطفًا على الماضي، (فَيَقْتُلُنِي؟) قال القاري: الظاهر أنه تفريع على الأخير، والإسناد مجازيّ، ويَحْتَمِل أن يشمل أيضًا الأول، والمعنى: فما حكم القاتل والمقتول؟ (قَالَ) -ﷺ-: («يَبُوءُ)؛ أي: يرجع القاتل، وقيل: الْمُكْرِهُ، (بِإِثْمِهِ)؛ أي: بعقوبة ما فعله من قبلُ عمومًا، (وَإِثْمِكَ)؛ أي: وبعقوبة قتْلك إياه خصوصًا، أو المراد بإثمه: قَصْده القتل، وبإثمك: لو مددت يدك إليه، أو المراد بإثمك: سيئاتك التي فعلتها بأن توضع في رقبة القاتل بعد فَقْد حسناته، على ما ورد. وقال النوويّ -﵀-: معنى يبوء به: يَلزمه، ويرجع، ويَحتَمِله؛ أي: يبوء الذي أكرهك بإثمه في إكراهك، وفي دخوله في الفتنة، وبإثمك في قتلئا غيره، ويكون من أصحاب النار؛ أي: مستحقًّا لها. انتهى . (وَيَكُونُ) هو (مِنْ أَصْحَاب النَّارِ») قال اللَّه تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾ [الحشر: ١٧]، وإنما لم يقل: وأنت من أصحاب الجنة، وإن كان هذا هو المفهوم منه؛ للاكتفاء؛ احتياطًا لتبادر الفهم إلى الخطاب المعيَّن، لا المفروض المقدّر المراد به الخطاب العام على طريق الإبهام، ثم الحكم مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ الآية [المائدة: ٢٧]، وقد قال -ﷺ-: «كُنْ خير ابْنَي آدم»، وفي رواية: «كُنْ عبد اللَّه المقتول، ولا تكن عبد اللَّه القاتل». قال الطيبيّ -﵀-: قوله: «يبوء إلخ» فيه وجهان: أحدهما: أراد: بمثل إثمك على الاتساع؛ أي: يرجع بإثمه، ومثل إثمك المقدَّر لو قتلته. وثانيهما: أراد: بمثل قَتْلك على حذف المضاف، وإثمه السابق على القتل. انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٧٢٢٢ و٧٢٢٣] (٢٨٨٧)، و(أبو داود) في «الفتن» (٤٢٥٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٩ - ٤٠ و٤٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٥/ ٧)، و(البزّار) في «مسنده» (٩/ ١٢٧)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٤٤٠ - ٤٤١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٩٦٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٩٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ -ﷺ- حيث أخبر بما يكون بعده في أمته من الفتن، فكان كما أخبر -ﷺ-. ٢ - (ومنها): الأمر بالبعد عن الفتن قدر المستطاع، فلا ينبغي لمسلم أن يُعرّض نفسه للفتن، بل يهرب منها، وليتجنّب مواقعها، ويدعو اللَّه -﷾- أن يجنّبه منها. ٣ - (ومنها): بيان أن من أُكره على الدخول في الفتن ليس عليه إثم، وإنما الإثم على من أكرهه، قال القرطبيّ -﵀-: وفيه رفع الحرج عن المكره على مثل هذا، والمكره هنا هو الذي لا يملك من نفسه شيئًا؛ لقوله: «أرأيت إن أكرهت حتى يُنطلق بي»، ولم يقل: إنه أطلق من قِبَل نفسه. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: في هذا الحديث رفع الإثم عن الْمُكْرَه على الحضور هناك، وأما القتل فلا يباح بالإكراه، بل يأثم المكرَه على المأمور به بالإجماع، وقد نقل القاضي وغيره فيه الإجماع، قال أصحابنا: وكذا الإكراه على الزنى، لا يرفع الإثم فيه، هذا إذا أُكرهت المرأة حتى مكّنت من نفسها، فأما إذا رُبطت، ولم يمكنها مدافعته، فلا إثم، واللَّه أعلم. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: قد قال بظاهر هذه الأحاديث جماعة من السلف، فاجتنبوا جميع ما وقع بين الصحابة -﵃- من الخلاف والقتال، منهم: أبو بكرة، وعبد اللَّه بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد -﵃-. فأما عبد اللَّه بن عمر -﵄- فندم على تخلّفه عن نصر عليّ بن أبي طالب -﵁-، وقال عند موته: ما آسى على شيء ما آسى على تركي قتال الفئة الباغية؛ يعني: فئة معاوية. وأما محمد بن مسلمة فاتخذ سيفًا من خشب، وقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- أمره بذلك، وأقام بالربذة. فمن هؤلاء من تمسّك بمثل هذه الأحاديث، فانكفّ، ومنهم من أشكل عليه الأمر، فانكفّ لذلك، كعبد اللَّه بن عمر -﵄- إلى أن اتّضح له الحقّ، فندم. قال القاضي: ويتوجّه في هذا الحديث الكلام في دماء الصحابة -﵃-، وقت، لهم، وللناس في ذلك غُلُوّ، وإسراف، واضطرابٌ من المقالات، واختلاف، والذي عليه جماعة أهل السنّة والحقّ حُسْن الظنّ بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وطلبُ أحسن التأويل لفعلهم، وأنهم مجتهدون غير قاصدين للصمصية، والمجاهرة بذلك، وطلبِ حبّ الدنيا، بل كلٌّ عَمِلَ على شاكلته، وبحَسَب ما أدّاه إليه اجتهاده، لكن منهم المخطئ في اجتهاده، ومنهم المصيب، وقد رفع اللَّه تعالى الحرج عن المجتهد المخطئ في فروع الدين ، وضعّف الأجر للمصيب. وقد توقّف الطبريّ وغيره عن تعيين المحقّ منهم، وعند الجمهور أن عليًّا وأشياعه مصيبون في ذبّهم عن الإمامة، وقتالهم من نازعهم فيها؛ إذ كان أحقّ الناس بها، وأفضلِ مَنْ على الأرض حينئذ، وغيّره تأول وجوب القيام بتغيير المنكر في طلب قَتَلَة عثمان -﵁- الذين في عسكر عليّ -﵁-، وأنهم لا يُعطون بيعةً، ولا يعقدون إمامة حتى يقضوا ذلك، ولم يطلبوا سوى ذلك، ولم يَرَ هو دفعهم؛ إذ الحكم فيهم إلى الإمام، وكافت الأمور لم تستقرّ استقرارها، ولا اجتمعت الكلمة بعدُ، وفيهم عدد، ولهم شوكة ومَنَعَةٌ، ولو أظهر تسليمهم أوّلًا، أو القصاص لاضطرب الأمر، وانبتّ الحبل. ومنهم جماعة لم يروا الدخول في شيء من ذلك، محتجّين بنهي النبيّ -ﷺ- عن التلبّس بالفتن، والنهي عن قتال أهل الدعوة، كما احتجّ أبو بكرة -﵁- في هذا الحديث على الأحنف بن قيس، وعَذَروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية، فيقاتلوها . وقال النوويّ: هذا الحديث والأحاديث قبله وبعده، مما يَحتج به من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال، وقد اختَلَف العلماء في قتال الفتنة، فقالت طائفة: لا يقاتِل في فِتَن المسلمين، وإن دخلوا عليه بيته، وطلبوا قتله، فلا يجوز له المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأوّل، وهذا مذهب أبي بكرة الصحابيّ -﵁- وغيره، وقال ابن عمر، وعمران بن الحصين -﵃- وغيرهما: لا يدخل فيها، لكن إن قُصِدَ دَفَعَ عن نفسه، فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام، وقال معظم الصحابة، والتابعين، وعامة علماء الإسلام: يجب نصر المحقّ في الفتن، والقيام معه بمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ الآية [الحجرات: ٩]، وهذا هو الصحيح، وتُتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحقّ، أو على طائفتين ظالمتين، لا تأويل لواحدة منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد، واستطال أهل البغي والمبطلون. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٢٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، حَدِيثُ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادٍ إِلَى آخِرِهِ، وَانْتَهَى حَدِيثُ وَكِيعٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: «إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا قريبًا. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ) ضمير التثنية لوكيع، وابن أبي عديّ. وقوله: (حَدِيثُ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ) برفع «حديثُ» على الابتداء، وقوله: (نَحْوُ حَدِيثِ حَمَّادٍ) برفع «نحوُ» على أنه خبر المبتدأ، فما وقع في النُّسخ من ضبط «نحو» بالنصب ضَبْط قلم، فغلط، وما أَوّل به بعضهم من أنه منصوب بنزع الخافض، فبعيد، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أما رواية وكيع بن الجرّاح عن عثمان الشّحّام فقد ساقها أبو داود -﵀- في «سننه»، فقال: (٤٢٥٦) - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن عثمان الشحّام، قال: حدّثني مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إنها ستكون فتنةٌ، يكون المضطجع فيها خيرًا من الجالس، والجالس خيرًا من الف ائم، والقائم خيرًا من الماشي، والماشي خيرًا من الساعي». قال: يا رسول اللَّه ما تأمرني؟ قال: «من كانت له إبلٌ فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه». قال: فمن لم يكن له شيء من ذلك؟ قال: «فليَعمِد إلى سيفه، فليضرب بحدّه على حرّة، ثم لينجو ما استطاع النجاء». انتهى . وأما رواية ابن أبي عديّ -وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ- عن عثمان الشحّام، فقد ساقها البزّار -﵀- في «مسنده»، فقال: (٣٦٧٧) - حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: أنا ابن أبي عديّ، عن عثمان، قال: سألنا مسلم بن أبي بكرة عن الفتن، فقال: حدّثني أبي أبو بكرة، عن النبيّ -ﷺ-: «أنه ستكون فتنٌ، ثم تكون فتنةٌ، الماشي فيها خير من الساعي إليها، والقائم فيها خير من الماشي إليها، والمضطجع خير من القاعد فيها، فإذا نزلت، فمن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، ومن كانت له إبل فليلحق بإبله»، قال: فقال رجل من القوم: يا نبي اللَّه جعلني اللَّه فداء، رأيت من ليست له غنم، ولا أرض، ولا إبل؟، قال: «يأخذ سيفه، ثم يعمد به إلى الصخرة، ثم ليدُقّ على حدّه، حتى يتلثم، اللَّهُمَّ هل بلغت» قالها ثلاثًا. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٩)

١. «ذخيرة العقبى» ٦/ ٣٢١ - ٣٢٦ رقم (١٧/ ٤٧٨).

٢. وفي بعض النسخ: «فتنة».

٣. «اللباب في تهذيب الأنساب»٢/ ١٨٧.

٤. «اللباب في تهذيب الأنساب»٢/ ٩٩.

٥. «الكاشف عن حقائق السنن»١١/ ٣٤٠٧.

٦. «المفهم»٧/ ٢١١.

٧. شرح النوويّ«١٨/ ٩ - ١٠.

٨. «المفهم»٧/ ٢١٢.

٩. «المصباح المنير»٢/ ٥٩٥.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن»١١/ ٣٤٠٧.

١١. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٢.

١٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٠٧.

١٣. «المفهم» ٧/ ٢١٣.

١٤. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٢٣.

١٥. هذا ليس شرطًا، بل الخطأ في أصول الدين مثله، فتنبّه.

١٦. «المفهم» ٧/ ٢١٢ - ٢١٣.

١٧. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٢٣.

١٨. «سنن أبي داود» ٤/ ٩٩.

١٩. «مسند البزار» ٩/ ١٢٧.