HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٩١

حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أبا إدريس الخولاني كان يقول: قال حذيفة بن اليمان. والله! إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة، فيما بيني وبين الساعة. وما بي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أسر إلي في ذلك شيئا، لم يحدثه غيري. وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال، وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الْفِتَنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو يعد الفتن «منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا. ومنهن فتن كرياح الصيف. منها صغار ومنها كبار». قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص172
ج ٤ ص ٢٢١٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٢٦٣
أمتي بالغَرَق، ولا بالسَّنَة -يعني: بالجوع- فأعطانيهما، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ إِخْبَارِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٤] (٢٨٩١) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِييبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ، كَانَ يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: وَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ، هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَة، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي، وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فِيهِ عَنِ الْفِتَن، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ: «مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ، لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ، كَرِيَاحِ الصَّيْف، مِنْهَا صِغَارٌ، وَمِنْهَا كِبَارٌ»، قَالَ حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيْرِي). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائذ الله بن عبد الله، وُلد في حياة النبيّ - ﷺ - يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة [٢] ومات سنة ثمانين، قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشامِ بعد أبي الدرداء - ﵁ - (ع) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٢ - (حُذيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) واسم اليمان حُسيل - بمهملتين، مصغّرًا - ويقال: خِسْل - بكسر، ثم سكون - الْعَبْسيّ - بالموحّدة - حليف الأنصار، الصحابرب الشهير، ومات حذيفة - ﵁ - في أول خلافة عليّ - ﵁ - سنة ست وثلاثين (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ص ٢ ص ٤٥٧. والباقون كلهم تقدّموا قبل أربعة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، إلَّا أبا إدريس، فشاميّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، ذو مناقب جمّة، فهو من السابقين الأولين، وصحّ في هذا الحديث عنه أن رسول الله - ﷺ - أخبره بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابيّ أيضًا استُشهد - ﵁ - بأُحُد. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ) عائذ الله بن عبد الله (الْخَوْلَانِيُّ) - بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الواو -: نسبة إلى خلان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مُرّة بن أُدَد بن يشجب بن عَريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وهي قبيلة نزلت الشام، قاله في «اللباب» . (كَانَ يَقُولُ: قَالَ حُذيْفةُ بْنُ الْيَمَانِ) - ﵄ -: (وَاللهِ إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في جواب القسم، كما قال في «الخلاصة»: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ «إِنَّ» لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ (لأَعْلَمُ النَّاسِ)؛ أي: لأكثرهم علمًا (بِكُلِّ فِتْنَةٍ)؛ أي: بليّة، (هِيَ كَائِنَةٌ)؛ أي: حاصلة وواقعة (فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ)؛ أي: القيامة، (وَمَا بِي) «ما» نافية؛ أي: ليس لي سبيل إلى علم ذلك (إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: إلَّا كون رسول الله - ﷺ - (أَسَرَّ إِلَيَّ)؛ أي: عَلّمني سرًّا من غيري (فِي ذَلِكَ)؛ أي: المذكور من الفتن، (شَيْئًا) التنوين للتكثير، والتعظيم؛ أي: علمًا كثيرًا عظيمًا، وقوله: (لَمْ يُحَدِّثُهُ غَيْرِي) تأكيد لمعنى قوله: «سرًّا»، وقال في «المشارق»: قوله: «وما بي إلَّا أن يكون رسول الله - ﷺ -» كذا في الأصول كلها، قال الوقشيّ: الوجه حذف «إلَّا»، وبه يستقلّ الكلام، قال القاضي - ﵀ -: هو مساق الحديث«، وما يدلّ عليه مقتضاه؛ أي: ما اختصّ علم ذلك بي؛ لأن النبِيّ - ﷺ - أَسرّ جميعه إليّ، ولكن لمّا ذكره من أن النبيّ - ﷺ - قال، وهو في مجلس فيه غيره، فماتوا، وبقي هو وحده، ولقوله في الحديث الآخر:«نسيه من نسيه»، وقد يُخَرَّج للرواية وجه، أن يكون قوله: وما بي من عذر في التحدث بها، والإعلام، إلَّا ما أسرّ إليّ - ﷺ - من ذلك، مما لَمْ يعلمه غيري، ولعله حدّ له أن لا يُذيعه، أو رأى ذلك من المصلحة. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«ما بي إلَّا أن يكون رسول الله - ﷺ - »كذا وقع هذا اللفظ، وكذا صحّ في الرواية:«وما بي إلَّا أن يكون»بـ«إلَّا»الإيجابية، و«أن»المصدرية، فقيل: الوجه إسقاط«إلَّا »؛ لأنَّ مقصود الكلام أن حذيفة - ﵁ - أخبر عن نفسه بأنه يعلم كل فتنة تكون بين يدي الساعة، فيظن سامع هذا القول أن رسول الله - ﷺ - أسرّ إليه من ذلك بشيء لَمْ يسرّه إلى غيره، فنفى هذا الظنّ بذلك القول، ثم نبّه على سبب علمه بذلك، فقال:«ولكن رسول الله - ﷺ - قال، وهو يحدّث مجلسًا أنا فيه عن الفتن»، فيعني بذلك أنه سمع من النبيّ - ﷺ - في ذلك المجلس مع الناس، لكنه حَفِظ ما لَمْ يحفظ غيره، وضَبَط ما لَمْ يضبط غيره، كما قال في الحديث الآتي. وقيل:«إلَّا» ثابتة في الرواية، فلا سبيل إلى تقدير إسقاطها، ومعنى الكلام مع ثبوتها: وما بي عذرٌ في الإعلام بجميعها، والحديث عنها، إلَّا ما أسرّ إليّ النبيّ - ﷺ - مِمَّا لَمْ يُحَدّث به غيري، فيكون في كلامه إشارة - ﵁ - إلى أن النبيّ - ﷺ - عَهِد إليه، وأسرّ له ألا يحدّث بكل ما يعلمه من الفتن، أو لا يُذيعه إن رأى في ذلك مصلحة، وهذا أَولى؛ لِمَا ذكرناه من ثبوت الرواية، ولأن المعلوم من حال حذيفة أن النبيّ - ﷺ - خصّه من العلم بالفتن، وأسرّ إليه منها بما لَمْ يخصّ به غيره، وأما ما لَمْ يسرّه إليه، ولا خصّه به، فهو الذي يحدث به، كما جاء متصلًا بقوله: «لكن النبيّ - ﷺ - قال، وهو يحدّث مجلسًا أنا فيهم عن الفتن»، والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من تحقيق القرطبيّ الأخير من أن إثبات «لا» صواب، وأن المعنى عليه، هو الوجه الصحيح، وخلاصة ذلك أن حذيفة - ﵁ - يقول: إنه أعلم الناس بكلّ فتنة تكون إلى قيام الساعة، وذلك لكم - ﷺ - أسرّ إليه بعلم ذلك ما لَمْ يُسرّ إلى أحد غيره، وأماء، يُحدّث به الناسَ من بعض الفتن فإنما هو مما سمعه حذيفة منه - ﷺ - مع غيره، ولكنه حفظ، ونسيه غيره، وهذا النوع هو الذي استدرك حذيفة - ﵁ - بقوله: (وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ) جملة حاليّة من «رسول الله»، وقوله: (مَجْلِسًا)؛ أي: أهل مجلس، فهو مما حُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مُقامه، فانتصب انتصابه، كما قال في «الخلاصة»: ومَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا … عَنْهُ فِي الإِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا ويَحْتَمِل أن يكون «مجلسًا» منصوبًا بنزع الخافض؛ أي: يُحدّث في مجلس، وقوله: (أَنَا فِيهِ) صفة لـ «مجلسًا»، (عَنِ الْفِتَنِ) متعلّق بـ «يُحدّث» (فَقَالَ) توكيد لـ «قال» الأول، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وقوله: (وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ:) جملة حاليّة من الفاعل، و«يَعُدّ» بفتح أوله، وضمّ العين مضارع عَدّ، من العدّ، يقال: عدّ الشيءَ يعُدّه عدًّا، من باب نصر: إذا أحصاه، و«الفتن» بكسر، ففتح: جمع فتنة، قال الفيوميّ - ﵀ -: الفِتْنَةُ: المحنة، والابتلاء، والجمع فِتَنٌ، وأصل الفِتْنَةِ من قولك: فَتَنْتُ الذهب، والفضة: إذا أحرقته بالنار؛ ليبيّن الجيّد من الرديء. انتهى . وقد تقدّم البحث بأتمَّ من هذا في أول «كتاب الفتن»، وبالله التوفيق. وقوله: («مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ) مقول»قال«، وجملة»وهو يعدّ الفتن« حاليّة معترضة بينهما؛ أي: ثلاث من تلك الفتن (لَا يَكَدْنَ)؛ أي: لا يقربن، (يَذَرْنَ)؛ أي: يتركن (شَيْئًا) مما في الأرض، بل تهلك كله، وهذه الثلاث لَمْ يُعرف تعيينها، والله تعالى أعلم. (وَمِنْهُنَّ)؛ أي: من تلك الفتن، (فِتَنٌ) تكون (كِريَاحِ الصَّيْفِ)؛ أي: مؤذية كأذيّة الرياح التي تأتي في الصيف، فإنها حارّة ضارّة، (مِنْهَا)؛ أي: تلك الفتن، (صِغَارٌ)؛ أي: قليلة الضرر، أو قليل من تصيبه، (وَمِنْهَا كِبَارٌ)؛ أي: كثيرة الضرر، أو كثير من تصيبه. (قَالَ حُذَيْفَةُ) - ﵁ - (فَذَهَبَ)؛ أي: مات (أُولَئِكَ الرَّهْطُ)؛ أي: الجماعة الذين سمعوا منه - ﷺ - معي هذا الحديث، (كلُّهُمْ) توكيد للفاعل، (غَيْرِي) فلذلك كنت أعلم الناس بشأن الفتن، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حذيفة بن اليمان - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٧٢٣٤] (٢٨٩١)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٨٨ و٤٠٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٦٣٧)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٥١٨)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٤/ ١٣٠)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٨/ ٣٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ - ﷺ -، حيث أخبر بما يكون من الفتن إلى قيام الساعة. ٢ - (منها): بيان منقبة عظيمة للصحابيّ الجليل حذيفة بن اليمان - ﵄ - حيث خصَّه النبيّ - ﷺ - بأسرار ما خصّ بها غيره، من علمه ما سيقع من الفتن في آخر الزمان. ٣ - (ومنها): بيان شدّة حرص حذيفة - ﵁ - على تلقي علم الفتن من رسول الله - ﷺ -، وهو الذي يقول: «كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشرّ؛ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: نعم وفيه دَخَنٌ، قلت: وما دَخَنه؟ قال: قوم يَهدون بغير هديي، تَعرف منهم وتُنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: نعم دُعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صِفهم لنا، قال: هم من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم، قلت: فإن لَمْ يكن لهم جماعة، ولا إمام؟، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تَعَضّ بأصل شجرة، حتى يُدركك الموت، وأنت على ذلك»، متّفقٌ عليه، وقدم تقدّم هذا الحديث في«كتاب الإمارة» برقم [١٣/ ٤٧٧٥] (١٨٤٧) وتقدم شرحه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَة، إِلَّا حَدَّثَ بِه، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاء، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ، فَأَرَاهُ، فَأَذْكُرُهُ، كمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ذُكر في الباب الماضي. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، ثم الرازيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، مخضرم ثقةٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. و(حُذَيْفَة) - ﵁ - ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصل؛ لِمَا أسلفته غير مرّة، وأنه مسلسل بالكوفيين، سوى إسحاق فمروزيّ، وحذيفة سكن الكوفة، واستعمله عمر - ﵄ - على المدائن، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيّه ذو مناقب جمّة، كما أشرت إليه في الحديث الماضي. شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَامَ)؛ أي: خطيبًا وواعظًا، (فِينَا)؛ أي: فيما بيننا، أو لأجل أن يعظنا، ويخبرنا بما سيظهر من الفتن؛ لنكون على حذر منها في كل زمن. (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)، وقوله: (مَقَامًا) يَحْتَمِل أن يكون مصدرًا ميميًا لـ «قام»، أو ظرف مكان، أو زمان. (مَا تَرَكَ شَيْئًا)؛ أي: مما يتعلق بأمر الدين، مما لا بدّ منه . (يَكُونُ) بمعنى يوجد، صفة «شيئًا»، (فِي مَقَامِهِ) متعلق بـ «ترك»، وقوله: (ذَلِكَ) صفة «مقامه»، أو بدل منه، إشارة إلى زمانه. (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) غاية لـ «يكونُ»، والمعنى: قام مقامًا، فما ترك شيئًا يحدُث فيه، وينبغي أن يُخبر بما يظهر من الفتن من ذلك الوقت إلى قيام الساعة (إِلَّا حَدَّثَ بِهِ)؛ أي: أخبر بذلك الشيء الكائن. وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا المجرور الذي هو «في مقامه» يجوز أن يتعلّق بـ «تَرَكَ»، والأليق أن يكون متعلّقًا بـ «حَدَّثَ»؛ لأنَّ الظاهر من الكلام أنه أراد أنه ما ترك شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلَّا حدّث به في ذلك المقام، وهذا المقام المذكور في هذا الحديث هو اليوم الذي أخبر عنه أبو زيد عمرو بن أخطب - ﵁ - المذكور بعدُ، وبالحريّ يتسع يوم للإخبار عمّا ذكره، على أنه قد رَوَى الترمذيّ من حديىث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: «صلّى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة العصر بنهار، ثم قام خطيبًا، فلم يدع شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلَّا أخبرنا به، حَفِظه مَن حَفِظه، ونسيه من نسيه»، فظاهر هذا أن هذا المقام كان من بعد العصر، لا قبل ذلك«، ويجوز أن يكون كانت الخطبة من بعد صلاة الصّبح إلى غروب الشمس، كما في حديث أبي زيد، واقتصر أبو سعيد في الذكر على ما بعد العصر، وفيه بُعْدٌ، وعلى كل تقدير فعمومات هذه الأحاديث يراد بها الخصوص؛ إذ لا يمكن أن يُحَدِّث في يوم واحد، بل ولا في أيام، ولا في أعوام بجميع ما يَحْدُث بعد النبيّ - ﷺ - تفصيلًا، وإنما مقصود هذه العمومات الإخبار عن رؤوس الفتن والمحن ورؤسائها، كما قال حذيفة - ﵁ -:»لكن رسول الله - ﷺ - قال: وهو يحدّث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله - ﷺ -«، وهو يَعُدّ الفتن: منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئًا، ومنهنّ كرياح الصّيف، منها صغار، ومنها كبار». قال القرطبيّ: قلت: على أنَّي أقول: إن النبيّ - ﷺ - كان الله تعالى قد أعلمه بتفاصيل ما يجري بعده لأهل بيته، وأصحابه، وبأعيان المنافقين، وبتفاصيل ما يقع في أمته من كبار الفتن، وصغارها، وأعيان أصحابها، وأسمائهم، وأنه بَثّ الكثير من ذلك عند من يصلح لذلك من أصحابه، كحذيفة فقال: «ما ترك رسول الله - ﷺ - من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدًا، إلَّا قد سمّاه لنا باسمه، واسم أبيه، وقبيلته»، أخرجه أبو داود. وبهذا يُعلم أن أصحابه كان عندهم من علم الكوائن الحادثة إلى يوم القيامة العلم الكثير، والحظ الوافر، لكن لَمْ يُشيعوها؛ إذ ليست من أحاديث الأحكام، وما كان فيها شيء من ذلك حدّثوا به، ونقضوا عن عهدته. ولحذيفة - ﵁ - في هذا الباب زيادة مزيّة، وخصوصية لَمْ تكن لغيرة منهم؛ لأنَّه كان كثير السؤال عن هذا الباب، كما دلت عليه أحاديثه، وكما دل عليه اختصاص عمر - ﵁ - له بالسّؤال عن ذلك دون غيره. وأبو زيد المذكور في هذا الباب: هو عمرو بن أخطب - بالخاء المعجمة - الأنصاريّ، من بني الحارث بن الخزوج، صَحِب النبيّ - ﷺ -، وقال: غزوت، معه ستّ غزوات، أو سبعًا، وقد تقدم القول في حديث حذيفة - ﵁ - في «كتاب الإيمان». انتهى . (حَفِظَهُ) - فتح الحاء المهملة، وكسر الفاء -، من باب عَلِمَ، يقال: حَفِظْتُ المالَ وغيرَه حِفْظًا: إذا منعته من الضَّيَاع والتَّلَف، وحَفِظْتُهُ: صُنته عن الابتذال، واحْتَفَظْتُ به، والتَّحَفُّظُ: التحرّزُ، وحَافَظَ على الشيء مُحَافَظَةً، ورجل حَافِظٌ لدينه، وأمانته، ويمينه، وحَفِيظٌ أيضًا، والجمع حَفَظَةٌ، وحُفَّاظٌ، مثلُ كافر في جَمْعه، وحَفِظَ القُرْآنَ: إذا وعاه على ظهر قلبه، واسْتَحْفَظْتُهُ الشيءَ: سألته أن ب حفظه، وقيل: استودعته إياه، وفُسّر: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] بالقولين، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . أي: وعى المحدّثَ به (مَنْ حَفِظَهُ)؛ أي: من وفّقه الله تعالى لحفظه، (وَنَسِيَهُ) بفتح النون، وكسر السين المهملة، من باب تَعِبَ نِسيانًا؛ أي: غفل عنه (مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ)؛ أي: هذا القيام، أو هذا الكلام بطريق الإجمال، (أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ)؛ أي: الموجودون من جملة الصحابة - ﵃ -، لكن بعضهم لا يعلمونه مفصلًا؛ لِمَا وقع لهم بعض النسيان الذي هو من خواص الإنسان، وأنا الآخر ممن نسي بعضه، وهذا معنى قوله: (وَإِنَّهُ) الضمير للشأن، قال القاري: وأبعد من قال: إن الضمير لقوله: «شيئًا». (لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ) اللام في «ليكون» مفتوحة، على أنه جواب لقَسَم مقدَّر، والمعنى: والله ليقع شيء مما ذكره النبيّ - ﷺ - «، وقوله: (قَدْ نَسِيتُهُ) صفة لـ»الشيء«، أو حال منه، (فَأَرَاهُ، فَأَذْكُرُهُ)؛ أي: فإذا عاينته تذكرت ما نسيته، والعدول من المضي إلى المضارع؛ لاستحضار حكاية الحال. وحاصل المعنى: أن حذيفة - ﵁ - ربما نسي بعض الأمور التي أخبر بها النبيّ - ﷺ - أنَّها ستكون، ثم إذا رآها تقع عيانًا تذكّرها، والله تعالى أعلم. ثم شبّه الموصوف بالمعايَن، (كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ)؛ أي: ثم ينساه، (ثُمَّ إِذَا رَآهُ) عيانًا (عَرَفُ) وتذكّره، قال القاضي عياض: قوله: «كما يذكر الرجل» قيل: هذا الكلام فيه اختلال من تغيير الرواة، وصوابه: كما لا يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، أو كما ينسى الرجل وجه الرجل … إلخ، وبه يصحّ تمثيله، وفي البخاريّ فيه تلفيق أيضًا. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «فأعرفه كما يعرف الرجلُ الرجلَ إذا غاب عنه، فرآه، فعرفه» في رواية محمد بن يوسف، عن سفيان، عند الإسماعيليّ: «كما يعرف الرجلُ» بحذف المفعول، وفي رواية الكشميهنيّ: «الرجل وجه الرجل، غاب عنه، ثم رآه، فعرفه». قال عياض: في هذا الكلام تلفيق، وكذا في رواية جرير: «وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه، فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه، عرفه» قال: والصواب: كما ينسى الرجل وجه الرجل، أو كما لا يذكر الرجل وجه الرجل؛ إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه. قال الحافظ - ﵀ -: والذي يظهر لي أن الرواية في الأصلين مستقيمة، وتقدير ما في حديث سفيان: إنه يرى الشيء الذي كان نسيه، فإذا رآه عرفه، وقوله: كما يعرف الرجل الرجل غاب عنه؛ أي: الذي كان غاب عنه، فنسي صورته، ثم إذا رآه عرفه، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية ابن المبارك، عن سفيان، بلفظ: «إني لأرى الشيء نسيته، فأعرفه، كما يعرف الرجل إلخ». انتهى كلام الحافظ - ﵀ - وهو تحقيق حسن، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حذيفة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٧٢٣٥ و٧٢٣٦ و٧٢٣٧ و٧٢٣٨، (٢٨٩١)، و(البخاريّ) في «القدر» (٦٦٠٤)، و(أبو داود) في «الفتن» (٤٢٤٠)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٤٣٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٨٥ و٣٨٦ و٣/ ٩٩ و٤٠١)، و(البزّار) في «مسنده» (٧/ ٢٣١)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٤٧٢ و٤٨٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٦٣٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٢١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ - ﷺ - ظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار. ٢ - (ومنها): أن فيه كثرةَ علمه - ﷺ - بما يكون في مستقبل الزمان، وكثرة علم حذيفة - ﵁ -، وشدّة اهتمامه بذلك، واجتنابه من الآفات والفتن. ٣ - (ومنها): أنه قد استدَلّ بهذا الحديث بعض أهل البدع والهوى على إثبات الغيب لرسول الله - ﷺ -، وهذا جهل من هؤلاء؛ لأنَّ علم الغيب مختصّ بالله تعالى، وما وقع منه على لسان رسول الله - ﷺ -، فمن الله بالوحي، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية [الجن: ٢٦، ٢٧]؛ أي: ليكون معجزة له. فكل ما ورد عنه من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلَّا من إعلام الله تعالى له به إعلامًا على ثبوت نبوّته، ودليلًا على صدق رسالته، قال عليّ القاري - ﵀ - في «شرح الفقه الأكبر»: إن الأنبياء لَمْ يعلموا المغيّبات من الأشياء إلَّا ما أعلمهم الله أحيانًا، وذكر الحنفية تصريحًا بالتكفير باعتقاد أن النبيّ - ﷺ - يعلم الغيب؛ لمعارضة قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية [النمل: ٦٥]، كذا في «المسائرة»، وقال بعض الأعلام في إبطال الباطل من ضروريات الدين: إن علم الغيب مخصوص بالله تعالى، والمنصوص في ذلك كثيرة، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية [الأنعام: ٥٩]، و﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، فلا يصح لغير الله تعالى أن يقال له: إنه يعلم الغيب، ولهذا لمّا قالت جارية عند رسول الله - ﷺ - تغني في العرس: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أنكر ذلك عليها، وقال: «دعي هذا، وقولي بالذي كنت تقولين»، رواه البخاريّ. وبالجملة لا يجوز أن يقال لأحد: إنه يعلم الغيب. نَعَم الإخبار بالغيب بتعليم من الله تعالى جائز، وطريق هذا التعليم إما الوحي، أو الإلهام عند من يجعله طريقًا إلى علم الغيب. انتهى. وفي «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» من كتب الحنفيّة: لو تزوج رجل بشهادة الله تعالى ورسوله - ﷺ - لا ينعقد النِّكَاح، ويكفر؛ لاعتقاده أن النبيّ - ﷺ - يعلم الغيب. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٦] (. . .) - (وَحَدَّثنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (وَكيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن الأعمش هذه ساقها أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٢٣٣٢٢) - حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - مقامًا، فما ترك شيئًا يكون بين يدي الساعة إلَّا ذكره في مقامه ذلك - ﷺ -، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قال حذيفة: فإني لأرى أشياء، قد كنت نسيتها، فأعرفها كما يعرف الرجل وجه الرجل، قد كان غائبًا عنه يراه، فيعرفه، وقال وكيع مرّةً: فرآه، فعرفه. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ، فمَا مِنه شَيْءٌ إِلَّا قدْ سَأَلْتُه، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) محمد بن أحمد بن نافع القيسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) بن حُصين الأنصاريّ الْخَطْميّ - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة - صحابيّ صغير، وَلي الكوفة لابن الزبير (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤٥٦. والباقون ذُكروا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذه الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ) - ﵁ -؛ (أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ) ووقع في بعض النسخ: «إلى يوم القيامة». (فَمَا) نافية، (مِنْهُ)؛ أي: مما أخبرني النبيّ - ﷺ -، (شَيْءٌ إِلَّا قَدْ سَأَلْتُهُ)؛ أي: إلَّا استفسرته، وطلبت منه إيضاحه لي بالتفصيل، كما سبق مثاله في قوله: «فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير منِ شرّ؟ قال: نعم، قلت وهل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: نعم، وفيه دخَن، قلت: وما دَخَنه؟ قال: قوم يهدون بغير هدي، تَعرف منهم وتُنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم، قلت: فإن لَمْ يكن لهم جماعة، ولا إمام؟، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تَعَضّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك». قال حذيفة - ﵁ -: (إِلَّا أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ) - ﷺ - (مَا) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء (يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ) فَإِنِّي لَمْ أسأله، ومعنى ذلك: أنه - ﷺ - أخبره بخروج أهل المدينة منها، لكنه نسي أن يسأله السبب الذي يُخرجهم منها، وأخرج عمر بن شبّة من حديث أبي هريرة - ﵁ -:«قيل: يا أبا هريرة من يُخرجهم؛ قال: أمراء السوء»، وهذا موقوف على أبي هريرة - ﵁ -. [تنبيه]: قد وردت أحاديث في خروج أهل المدينة: فمنها: ما أخرجه الشيخان من طريق الزهريّ قال: أخبرني سعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:«يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلَّا العوافِ - يريد عوافي السباع والطير - وآخر من يُحشر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرّا على وجوههما». وأخرجا أيضًا من حديث سفيان بن أبي زهير - ﵁ - أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:«تُفتح اليمن، فيأتي قوم يَبِسّون، فيتحملون بأهليهم، ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم، لو كانوا يعلمون، وتُفتح الشام، فيأتي قوم يبسّون، فيتحملون بأهليهم، ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتح العراق، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم، ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون». ومعنى:«يبسون»: يسوقون دوابهم. ومنها: ما رَوى مالك عن ابن حَمَاس - بمهملتين، وتخفيف - عن عمة، عن أبي هريرة، رفعه:«لتتركن المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الذئب، فيعوي على بعض سواري المسجد، أو على المنبر، قالوا: فلمن تكون ثمارها؟ قال: للعوافي، الطير والسباع»، أخرجه معن بن عيسى في«الموطأ»عن مالك، ورواه جماعة من الثقات خارج«الموطأ». ومنها: ما روى أحمد، والحاكم، وغيرهما من حديث مِحجن بن الأدوع الأسلمي قال: بعثني النبيّ - ﷺ - لحاجة، ثم لقيني، وأنا خارج من بعض طرق المدينة، فأخذ بيدي، حتى أتينا أُحُدًا، ثم أقبل على المدينة، فقال:«ويل أمها قرية يوم يدعها أهلها، كأينع ما يكون، قلت: يا رسول الله من يأكل ثمرها؟ قال: عافية الطير والسباع». ومنها: ما رَوى عمر بن شَبّة بإسناد صحيح عن عوف بن مالك قال: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد، ثم نظر إلينا، فقال:«أما والله ليدعنّها أهلها مذلَّلة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع»، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٥)

١. «مسند أبي يعلى» ٢/ ٨٤.

٢. «اللباب في تهذيب الأنساب»١/ ٤٧٢.

٣. «مشارق الأنوار على صحاح الآثار» ١/ ٧١.

٤. «المفهم» ٧/ ٢٢٢ - ٢٢٣.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٢.

٦. «تحفة الأحوذيّ»٦/ ٣٥٦.

٧. «المفهم» ٧/ ٢٢٠ - ٢٢٢.

٨. «المصباح المنير»١/ ١٤٢.

٩. «عون المعبود»١١/ ٢٠٥.

١٠. «إكمال المعلم»٨/ ٤٢٩.

١١. «الفتح» ١١/ ٤٩٥.

١٢. «عون المعبود شرح سنن أبي داود» ١١/ ٢٠٦.

١٣. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٥/ ٣٨٥.

١٤. وفي نسخة: «مما هو كائن إلى يوم القيامة، أو إلى أن تقوم الساعة».

١٥. راجع:«الفتح» ٥/ ١٨٩ - ١٩٥ رقم (١٨٧٤).