HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٢٤

حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ - (قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فمررنا بصبيان فيهم ابن صياد. ففر الصبيان وجلس ابن صياد. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كره ذلك. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «تربت يداك. أتشهد أني رسول الله؟» فقال: لا. بل تشهد أني رسول الله. فقال عمر بن الخطاب: ذرني. يا رسول الله! حتى أقتله. فقال رسول الله ﷺ «إن يكن الذي ترى، فلن تستطيع قتله».
ج ٤ ص ٢٢٤٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٤٧٥
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه في هذا الباب، فتنبّه. وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: بمثل حديث الأعرج عن أبي هريرة -﵁-. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لهمّام بن منبّه. وقوله: (يَنْبَعِثَ) مطاوع بعثه؛ أي: ينبعث بنفسه، ويدّعي نبوّته بترّهاته، وأباطله. [تنبيه]: رواية همّام بن منبّه عن أبي هريرة -﵁- هذه ساقها الترمذيّ -﵀- في «جامعه»، فقال: (٢٢١٨) - حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا تقوم الساعة حتى ينبعث دجالون، كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول اللَّه»، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٩) - (بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١٧] (٢٩٢٤) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَمَرَرْنَا بِصِبْيَانٍ، فِيهِمُ ابْنُ صَيَّادٍ، فَفَرَّ الصِّبْيَانُ، وَجَلَسَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَكَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «تَرِبَتْ يَدَاكَ، أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، فَقَالَ: لَا، بَلْ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ذَرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنْ يَكُنِ الَّذِي تَرَى، فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أبو الحسن الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم قريبًا. ٥ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود -﵁-، تقدّم أيضًا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير إسحاق، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه ابن مسعود من أكابر الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود -﵁-؛ أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَمَرَرْنَا بِصِبْيَانٍ) بكسر الصاد، وضمّها: جمع صبيّ، كما في «القاموس»، وقوله: (فِيهِمُ ابْنُ صَيَّادٍ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ «صبيان»، (فَفَرَّ الصِّبْيَانُ)؛ أي: هربوا هيبة من رسول اللَّه -ﷺ-، (وَجَلَسَ ابْنُ صَيَّادٍ) أي لم يفرّ معهم؛ لجراءته، وعناده، (فَكَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَرِهَ ذَلِكَ) أي جلوس ابن صيّاد، وعدم فراره كسائر الصبيان؛ لكون ذلك يدلّ على عناده. (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «تَرِبَتْ يَدَاكَ) أي افتقرت يداك، ولصِقتا بالتراب، قال في»النهاية«: يقال: تَرِب الرجلُ: إذا افتقر؛ أي: لَصِق بالتراب، وأترب: إذا استغنى، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر به، قال: وكثيرًا تَرِدُ للعرب، ألفاظ ظاهرها الذم، وإنما يريدون بها المدح، كقولهم: لا أب لك، ولا أُمّ لك، ولا أرض لك، ونحو ذلك. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لكن المقام هنا يدلّ على أنه -ﷺ- يريد حقيقة الدعاء عليه؛ لأنه مُعادٍ، وكافر يدّعي الرسالة لنفسه، فهو كافر مستحقّ للعن، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» فَقَالَ) ابن صيّاد: (لَا)؛ أي: لا أشهد بذلك، (بَلْ تَشْهَدُ) أنت يا محمد (أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁-: (ذَرْنِي)؛ أي: اتركني (يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَتَّى أَقْتُلَهُ)؛ أي: كي أقتله؛ لأنه يستحقّ القتل لكفره، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنْ يَكُنِ الَّذِي تَرَى)؛ أي: تعتقد أنه الدجال الذي يفتن الناس، (فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ»)؛ أي: لأن الذي يقتله هو عيسى ﵇، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٧٣١٧ و٧٣١٨] (٢٩٢٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٨٠ و٤٥٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٥/ ١٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٤٩٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ١٠٤)، و(البزّار) في «مسنده» (٥/ ١١٠)، و(الشاشيّ) في «مسنده» (٢/ ٧٦)، و(الدانيّ) في «السنن الواردة في الفتن» (٦/ ١١٩٣ و١٢٠٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن ابن صياد هذا يقال له: ابن صياد، وابن صائد، وسُمي بهما في هذه الأحاديث، واسمه: صاف، قال العلماء: وقصته مشكلة، وأمره مشتبه، في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور، أم غيره؟ ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة، قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبيّ -ﷺ- لم يوحَ إليه بأنه المسيح الدجال، ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبيّ -ﷺ- لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر -﵁-: «إن يكن هو فلن تستطيع قتله»، وأما احتجاجه هو بأنه مسلم، والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال، وقد وُلد له هو، وأنه لا يدخل مكة والمدينة، وأن ابن صياد دخل المدينة، وهو متوجه إلى مكة، فلا دلالة له فيه! لأن النبيّ -ﷺ- إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته، وخروجه في الأرض. ومن اشتباه قصته، وكونه أحدَ الدجاجلة الكذابين قوله للنبيّ -ﷺ-: «أتشهد أني رسول اللَّه»، ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء، وأنه لا يَكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه، وأعرف مولده، وأين هو الآن، وانتفاخه حتى ملأ السِّكّة، وأما إظهاره الإسلام، وحجه، وجهاده، وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال. قال الخطابي: واختَلف السلف في أمره بعد كِبَره، فرُوي عنه أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس، وقيل لهم: اشهدوا. قال: وكان ابن عمر وجابر فيما رُوي عنهما يحلفان أن ابن صياد هو الدجال، لا يشكان فيه، فقيل لجابر: إنه أسلم، فقال: وإن أسلم، فقيل: إنه دخل مكة، وكان في المدينة، فقال: وإن دخل. ورَوَى أبو داود في «سننه» بإسناد صحيح عن جابر قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرّة، وهذا يُبْطل رواية من روى أنه مات بالمدينة، وصُلي عليه. وقد روى مسلم في هذه الأحاديث أن جابر بن عبد اللَّه -﵄- حلف باللَّه تعالى أن ابن صياد هو الدجال، وأنه سمع عمر -﵁- يحلف على ذلك عند النبيّ -ﷺ-، فلم يُنكره النبيّ -ﷺ-. وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: واللَّه ما أشك في أن ابن صياد هو المسيح الدجال. قال البيهقيّ في كتابه «البعث والنشور»: اختَلَف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا كثيرًا، هل هو الدجال؟، قال: ومن ذهب إلى أنه غيره احتج بحديث تميم الداريّ في قصة الجساسة الذي ذكره مسلم بعد هذا، قال: ويجوز أن تُوافق صفة ابن صياد صفة الدجال، كما ثبت في «الصحيح» أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن، وليس هو هو. قال: وكان أمر ابن صياد فتنةً ابتلى اللَّه تعالى بها عباده، فعصم اللَّه تعالى منها المسلمين، ووقاهم شرها. قال: وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبيّ -ﷺ-، وقول عمر، فيَحْتَمِل أنه -ﷺ- كان كالمتوقف في أمره، ثم جاءه البيان أنه غيره، كما صرح به في حديثا تميم. هذا كلام البيهقيّ، واختار أنه غيره. وقدّمنا أنه صحّ عن عمر، وعن ابن عمر، وجابر -﵁- أنه الدجال، واللَّه أعلم. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن التوقّف في شأن ابن صيّاد هذا هو الأرجح؛ لقوة أدلّة الجانبين، فمثل هذا يُتوقّف فيه، ويفوّض أمره إلى العالم الخبير، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . وقال في «العمدة»: وفي «كتاب الفتوح» لسيف: لمّا نزل النعمان على السوس، أعياهم حصارها، فقال لهم القسيسون: يا معشر العرب إن مما عهد علماؤنا، وأوائلنا أن لا يفتح السوس إلا الدجال، فإن كان فيكم تستفتحونها، فإن لم يكان فيكم فلا، قال: وصاف ابن صياد في جند النعمان، وأتى باب السوس غضبان، فدقه برجله، وقال: انفتح، فتقطعت السلاسل، وتكسرت الأغلاق، وانفتح الباب، فدخل المسلمون . وقال ابن التين: والأصح أنه ليس هو؛ لأن عينه لم تكن ممسوحة، ولا عينه طافية، ولا وُجدت فيه علامة. انتهى . ٢ - (ومنها): ما ذكره في «العمدة» بصيغة الأسئلة والأجوبة: السؤال الأول: كيف سكت رسول اللَّه -ﷺ- عمن يدعي النبوة كاذبًا؟ وكيف تركه بالمدينة يساكنه في داره، ويجاوره فيها؟ وأجيب بأن هذا فتنة امتحن اللَّه بها عباده المؤمنين، وقد امتُحن قوم موسى في زمانه بالعجل، فافتتن به قوم، وهلكوا، ونجا من هداه اللَّه تعالى، وعصمه منهم، وقال الخطابيّ: والذي عندي أن هذه القصة إنما جرت معه أيام مهادنة رسول اللَّه -ﷺ- اليهود وحلفاءهم، وذلك أنه بعد مقدمه المدينة كتب بينه وبينهم كتابًا صالحهم فيه على أن لا يهاجُوا، وأن يُتركوا على أمرهم، وكان ابن صياد منهم، أو دخيلًا في جملتهم، وقيل: لأنه كان من أهل الذمة، وقيل: لأنه كان دون البلوغ، وهو ما اختاره عياض، فلم تَجْر عليه الحدود. السؤال الثاني: لِمَ اشتغل به النبيّ -ﷺ-، ولِمَ حاور معه المحاورات المذكورة؟. وأجيب بأنه كان يبلغه ما يدعيه من الكهانة، ويتعاطاه من الكلام في الغيب، فامتحنه ليعلم حقيقة حاله، ويُظهر أمره الباطل للصحابة، وأنه كاهن ساحر، يأتيه الشيطان، فيلقي على لسانه ما تلقيه الشياطين للكهنة. السؤال الثالث: رَوَى الترمذيّ وغيره من حديث أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «ما من نبي إلا وقد إنذر أمته الأعور الكذاب، ألا أنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: ك ف ر»؛ قال: هذا حديث صحيح. وفي رواية مسلم: «الدجال مكتوب بين عينيه: ك ف ر» أي كافر، وفي لفظ له: «يقرؤه كل مسلم»، وفي حديث عبد اللَّه بن عمر: «ما من نبيّ إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه. . .» الحديث، رواه مسلم، وقد ثبت في أحاديث الدجال أنه يخرج بعد خروج المهديّ، وأن عيسى؛ يقتله إلى غير ذلك، فما وجه إنذار الأنبياء ﵈ أمتهم عنه؟. وأجيب بأن المراد به تحقيق خروجه؛ يعني: لا يشكّون في خروجه، فإنه يخرج لا محالة، ونبّهوا على فتنبّه، فإن فتنبّه عظيمة جدًّا تُدهش العقول، وتحيّر الألباب، مع سرعة مروره في الأرض، وقلة مكثه. [فإن قلت]: لم خصّ النبيّ نوحًا ﵇ بالذكر؟. [قلت]: لأنه ﵇ مقدَّم المشاهير من الأنبياء ﵈ كما قدّمه في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣]. ٣ - (ومنها): أن أحاديث هذا الباب حجة لمذهب أهل الحقّ في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى اللَّه تعالى عباده به، وأقدره على أشياء من مقدورات اللَّه تعالى، من إحياء الميت الذي يقتله، وظهور زَهْرة الدنيا والخصب معه، واتباع كنوز الأرض له، وأمْر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة اللَّه تعالى ومشيئته، ثم يعجزه اللَّه تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على شيء من ذلك، ثم يقتله عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام- وأبطل أمْره الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة، وزعم الجبائيّ ومن وافقه أنه صحيح الوجود، لكن ما معه مخارق، وخيالات، لا حقيقة لها؛ ليفرق بينه وبين النبيّ. وأجيب عنه بأنه لا يدعي النبوة، فيحتاج إلى فارق، وإنما يدعي الألوهية، وهو مكذَّب في ذلك؛ لسمات الحدوث فيه، ونقص صورته، وعَوَره، وتكفيره المكتوب بين عينيه، ولهذه الدلائل وغيرها لا يغترّ به إلا رعاع الناس؛ لشدة الحاجة، والفاقة، وسدّ الرمَق، أو خوفًا من أذاه، وتقيةً. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على صحة إسلام الصبيّ، فإنه -ﷺ- عرض عليه الإسلام، ولكن لشقاوته ما وُفّق له. ٥ - (ومنها) أن فيه دليلًا على صلابة عمر -﵁-، وقوة دينه، ودفاعه عنه. ٦ - (ومنها): أن فيه دلالةً على التثبت في أمر النهي، وأنه لا تستباح الدماء إلا بيقين ، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): ذكر في «الفتح» فوائد تتعلَّق بالدجّال، سبق بعضها، ولكن فيها فوائد وزوائد نفسية، فلنذكرها؛ لنفاستها، قال: ومما يُحتاج إليه في أمر الدجال: أصله، وهل هو ابن صياد، أو غيره؟ وعلى الثاني، فهل كان موجودًا في عهد رسول اللَّه -ﷺ- أو لا؟ ومتى يخرج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يدّعيه؟ وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟. فأما الأول: فقد ثبت في حديث جابر -﵁- أنه كان يحلف أن ابن صياد هو الدجال. وأما الثاني: فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي أخرجه مسلم أنه كان موجودًا في العهد النبويّ، وأنه محبوس في بعض الجزائر. وأما الثالث: ففي حديث النوّاس بن سمعان عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية. وأما سبب خروجه، فأخرج مسلم في حديث ابن عمر، عن حفصة -﵃- أنه يخرج من غضبة يغضبها. وأما من أين يخرج؟ فمن قِبَلِ المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية أنه يخرج من خُراسان، أخرج ذلك أحمد، والحاكم، من حديث أبي بكر -﵁-، وفي أخرى أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم. وأما صفته فمذكورة في أحاديث الباب. وأما الذي يدّعيه فإنه يخرج أوّلًا، فيدعي الإيمان والصلاح، ثم يدّعي النبوة، ثم يدّعي الإلهية، كما أخرج الطبرانيّ من طريق سليمان بن شهاب، قال: نزل عليّ عبد اللَّه بن المعتمر، وكان صحابيًّا، فحدّثني عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «الدجال ليس به خفاء، يجيء من قبل المشرق، فيدعو إلى الدين، فيُتَّبَع، ويَظهر، فلا يزال حتى يَقْدَم الكوفة، فيظهر الدين، ويَعمل به، فيُتَّبع، ويحث على ذلك، ثم يدعي أنه نبيّ، فيفزع من ذلك كل ذي لبّ، ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا اللَّه، فتغشى عينه، وتُقطع أذنه، ويُكتب بين عينيه كافر، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان»، وسنده ضعيف. [تنبيه]: اشتَهَر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن، مع ما ذُكر عنه من الشر، وعِظَم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة. وأجيب بأجوبة: أحدها: أنه ذُكر في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فقد أخرج الترمذيّ، وصححه، عن أبي هريرة -﵁-، رفعه: «ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها». الثاني: قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]، وصح أنه الذي يقتل الدجال، فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يُلَقَّب المسيح، كعيسى لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى. الثالث: أنه تُرك ذكره احتقارًا. وتُعُقّب بذكر يأجوج ومأجوج، وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال، والذي قبله. وتُعُقّب بأن السؤال باقٍ، وهو ما الحكمة في ترك التنصيص عليه؟. وأجاب شيخنا الإمام البلقينيّ بأنه اعتَبَر كل من ذُكر في القرآن من المفسدين، فوجد كل من ذُكر إنما هم ممن مضى، وانقضى أمره، وأما من لم يجيء بعدُ فلم يذكر منهم أحدًا. انتهى. وهذا يُنتقض بيأجوج ومأجوج، وقد وقع في تفسير البغويّ أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وأن المراد بالناس هنا: الدجال، من إطلاق الكل على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفل النبيّ -ﷺ- ببيانه، والعلم عند اللَّه تعالى. وأما ما يظهر على يده من الخوارق فسيأتي بيانها في الأحاديث الطويلة التي يوردها مسلم -إن شاء اللَّه تعالى-. وأما متى يهلك؟ ومن يقتله؟ فإنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها، إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس، فينزل عيسى ﵇، فيقتله، أخرجه مسلم، وفي حديث هشام بن عامر: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال»، أخرجه الحاكم، وعند الحاكم من طريق قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيد، رفعه: «إنه يخرج -يعني: الدجال- في نقص من الدنيا، وخفة من الدين، وسوء ذات بَيْن، فيَرِدُ كل منهل، وتُطوى له الأرض. . .» الحديث. وأخرج نعيم بن حماد في «كتاب الفتن» من طريق كعب الأحبار، قال: يتوجه الدجال، فينزل عند باب دمشق الشرقيّ، ثم يُلتمس فلا يُقدر عليه، ثم يُرى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يُطلب فلا يدرى أين توجه؟ ثم يَظهر بالمشرق، فيعطى الخلافة، ثم يُظهر السحر، ثم يدعي النبوة، فتتفرق الناس عنه، فيأتي النهر، فيأمره أن يسيل إليه، فيسيل، ثم يأمره أن يرجع، فيرجع، ثم يأمره أن ييبس، فييبس، ويأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا، فينتطحا، ويأمر الريح أن تُثير سحبًا من البحر، فتمطر الأرض، ويخوض البحر في يوم ثلاث خوضات، فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمد الطويلة في البحر، فتبلغ قعره، فيخرج من الحيتان ما يريد». وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من«الحلية»بسند حسن، صحيح إليه، قال:«لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة»، وهذا لا يقال من قِبَل الرأي، فيَحْتَمِل أن يكون مرفوعًا، أرسله، ويَحْتَمِل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب. انتهى، ما في«الفتح» ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو كُرَيْبِ -وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُوَ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَمَرَّ بِابْنِ صَيَّادٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا»، فَقَالَ: دُخٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي، فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «دَعْهُ، فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي تَخَافُ لَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلهم ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا) على وزن فَعِيل، ويروى: «خبأت لك خبأ» على وزن فعل، وكلاهما صحيح، بمعنى الشيء الغائب المستور: أي: أضمرت لك «سورة الدخان»، واختُلف في هذا المخبّا ما هو؟ فقال القرطبيّ: الأكثر على أنه أضمر له في نفسه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قال الداوديّ: كان في يده سورة الدخان مكتوبة، وقال الخطابيّ: لا معنى للدخان هنا؛ لأنه ليس مما يُخبأ في كفّ، أو كُمّ، بل الدخ: نبْت موجود بين النخيل والبساتين. وقال أبو موسى المدينيّ في كتابه «المغيث»: وقيل: إن الدجال يقتله عيسى ﵇ بجبل الدخان، فيَحْتَمِل أن يكون أراده. انتهى. وقال صاحب «التلويح»: وفيه نظر من حيث أنا وجدنا ما قاله تخرّصًا مسندًا إلى رسول اللَّه -ﷺ- من طريق صحيحة، قال أحمد في «مسنده»: حدّثنا محمد بن سابق، حدّثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره مرفوعًا مطوّلًا . وقوله: (فَقَالَ: دُخٌّ) قال أبو موسى: بضم الدال، وفتحها، لغتان، وقال الكرمانيّ: بضم الدال وتشديد الخاء: الدخان، وهو لغة فيه، وقال النوويّ: المشهور في كتب اللغة والحديث ضمّها فقط، واعتُرض عليه بأن ابن سِيدَهْ، وأبا التيانيّ، وأبا المعالي، وصاحب «مجمع الغرائب» حكوا الفتح، حاشا الجوهريّ، فإنه نصّ على الضم، ولم يذكر غيره. ورُدّ عليه بأن حكاية هؤلاء الفتح لا يستلزم نفي الضم، كما أن ذِكر الجوهريّ الضم لا يستلزم نفي الفتح. وقال القرطبيّ: وجدته في كتاب الشيح: «الدخ» ساكن الخاء مصححًا عليه، وكأنه على الوقف، قال: وأما الذي في الشِّعر فمشدد الخاء، وكذلك قرأته في الحديث. وقال ابن قرقول: الدخ لغة في الدخان، لم يستطع ابن صياد أن يُتم الكلمة، ولم يهتد من الآية الكريمة إلا لهذين الحرفين على عادة الكهان، من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجنّ، أو من هواجس النفس، ولهذا قال له: «اخسأ، فلن تعدو قَدْرك» أي لست بنبيّ، ولن تجاوز قدرك، وإنما أنت كاهن، فلن تجاوز يعني قَدْر الكهان . وقوله: («اخْسَأْ) في الأصل لفظ يُزجر به الكلب، ويطرد، من خسأت الكلبَ خسأً: طردته، وخسأ الكلبُ نفسُه يتعدى، ولا يتعدى، واخسأ أيضًا وهو خطاب زجر، واستهانة؛ أي: اسكت صاغرًا مطرودًا. وقوله: (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ») بنصب «تعدو» بـ «لن»، وقال السفاقسيّ: وقع هنا «فلن تعد» بغير واو، وقال القزاز هي لغة لبعض العرب، يجزمون بـ «لن»، مثل «لم» وقال ابن مالك: الجزم بـ «لن» لغة حكاها الكسائيّ، وقيل: حُذفت الواو تخفيفًا، وقيل: «لن» بمعنى «لا»، أو «لم» بالتأويل، وقال ابن الجوزيّ: يعني، لا يبلغ قدرك أن تطالع الغيب من قِبل الوحي المخصوص بالأنبياء ﵈، ولا من قبيل الإلهام الذي يدركه الصالحون، وإنما كان الذي قاله من شيء ألقاه الشيطان إليه، إما لكون النبيّ تكلم بذلك بينه وبين نفسه، فسمعه الشيطان، وإما أن يكون الشيطان سمع ما يجري بينهما من السماء؛ لأنه إذا قُضي القضاء في السماء تكلمت به الملائكة ﵈، فاسْتَرَقَ الشيطان السمع، وإما أن يكون رسول اللَّه -ﷺ- حدّث بعض أصحابه بما أضمر، ويدل على ذلك قول عمر -﵁-: وخبّأ له رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فالظاهر أنه أعلم الصحابة بما يخبّأ له، وإنما فعل ذلك به ليختبره عن طريقة الكهان، وليتعيّن للصحابة حاله وكذبه . وقوله: (فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي تَخَافُ لَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ») وفي رواية البخاريّ:«إن يكنه فلن تسلّط عليه»، فقوله:«إن يكنه»هذا الضمير المتصل في يكنه هو خبر«يكن»، وقد وُضع موضع المنفصل، واسمها مستتر فيها، ويروى: إن يكن هو، وهو الصحيح؛ لأن المختار في خبر«كان»هو الانفصال، وعلى تقدير هذه الرواية لفظ«هو»تأكيد للضمير المستتر، و«كان»تامة، أو وضع«هو»موضع«إياه»، أي إن يكن إياه؛ أي: الدجال. قوله:«وإن لم يكنه»؛ أي: وإن لم يكن هو دجالًا فلا خير في قتله. وقال في«الفتح»: قوله:«فلن تعدو قدرك»؛ أي: لن تجاوز ما قدر اللَّه فيك، أو مقدار أمثالك من الكهان.
مصادر المؤلف (١٠)

١. «جامع الترمذيّ» ٤/ ٤٩٨.

٢. «تحفة الأحوذيّ»٤/ ١٧٤.

٣. «تحفة الأحوذيّ» ٦/ ٤٢٧.

٤. هذه قصّة لا سند لها، فالظاهر عدم صحّتها.

٥. «عمدة القاري» ٨/ ١٧٣.

٦. «عمدة القاري» ٨/ ١٧٢ - ١٧٤.

٧. «الفتح» ١٦/ ٥٧٤ - ٥٧٦.

٨. «عمدة القاري»٨/ ١٧١.

٩. «عمدة القاري»٨/ ١٧١.

١٠. «عمدة القاري» ٨/ ١٧١.