HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٢٧

حدثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ المثنى قالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى. حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عن أبي سعيد الخدري قال: صحبت ابن صائد إلى مكة. فقال لي: أما قد لقيت من الناس. يزعمون أني الدجال. ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول «إنه لا يولد له» قال قلت: بلى. قال: فقد ولد لي. أو ليس سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا يدخل المدينة ولا مكة» قلت: بلى. قال: فقد ولدت بالمدينة. وهذا أنا أريد مكة. قال ثم قال لي في آخر قوله: أما، والله! إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو. قال فلبسني.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص190
ج ٤ ص ٢٢٤١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٤٩٢
[تنبيه]: رواية أبي نضرة عن جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٦٧٨٤) - أخبرنا عمر بن محمد الْهَمْدانيّ، قال: حدّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: لقي نبيّ اللَّه -ﷺ- ابن صائد، ومعه أبو بكر وعمر، قال: وابن صائد مع الغلمان، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: «أتشهد أني رسول اللَّه؟» قال: أتشهد أني رسول اللَّه؟ فقال نبيّ اللَّه -ﷺ-: «آمنت باللَّه، وبرسوله»، قال: فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «ما ترى؟» قال: أرى عرشًا على الماء، فقال -ﷺ-: «ترى عرش إبليس على البحر»، قال: «انظر ما ترى؟» قال: أرى صادقين وكاذبين، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «لُبس على نفسه فدعاه ». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٢١] (٢٩٢٧) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ صَائِدٍ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لِي: أَمَا قَدْ لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ، يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ، أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّهُ لَا يُولَدُ لَهُ؟»، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَدْ وُلِدَ لِي، أَوَ لَيْسَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، وَلَا مَكَّةَ؟»، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَدْ وُلِدْتُ بالْمَدِينَةِ، وَهَذَا أَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي فِي آخِرِ قَوْلِهِ: أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ، وَمَكَانَهُ، وَأَيْنَ هُوَ؟، قَالَ: فَلَبَسَنِي). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى البصريّ الساميّ -بالمهملة- أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو همام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند البصريّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالبصريين غير الصحابيّ -﵁-، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعىّ، وفيه أبو سعيد -﵁- سبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁-، أنه (قَالَ: صَحِبْتُ) بكسر الحاء، من باب عَلِم، (ابْنَ صَائِدٍ إِلَى مَكَّةَ)؛ أي: متوجهين إليها، (فَقَالَ لِي: أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، (قَدْ لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ) حُذف مفعوله للتفخيم والتهويل، أي: شيئًا عظيمًا، وخطيرًا، ثم بيّنه بقوله: (يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ)؛ أي: ولست إياه، وقال بعضهم قوله: «يزعمون» استئناف، كأنه لما قال: «قد لقيت»، قيل له: ماذا تشكو منهم؟ فقال: «يزعمون»، أو حال من فاعل لقيت؛ أي: حال كونهم يزعمون أني الدجال، ويترددون في أمري، ويشكّون فيه، وأنت تعلم أن الأمر على خلاف ذلك. (أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّهُ) أي الدجال الذي يأتي في آخر الزمان (لَا يُولَدُ لَهُ؟»، قَالَ) أبو سعيد: (قُلْتُ: بَلَى) سمعته يقول ذلك. (قَالَ) ابن صائد: (فَقَدْ وُلِدَ لِي)؛ أي: فلست بدجال، (أَوَ لَيْسَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ) الدجال الآتي آخر الزمان (الْمَدِينَةَ) النبويّة (وَلَا مَكَّةَ؟»، قُلْتُ: بَلَى) سمعته يقول ذلك. (قَالَ) ابن صائد: (فَقَدْ وُلِدْتُ بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا أَنَا) وفي نسخة: «وها أنا ذا» (أُرِيدُ مَكَّةَ، قَالَ) أبو سعيد: (ثُمَّ قَالَ لِي) ابن صائد: (يحيى آخِرِ قَوْلِهِ)؛ أي: كلامه الذي تكلّم به في ذلك الوقت، (أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ)؛ أي: زمان ولادة الدجال (وَمَكَانَهُ) الذي وُلد فيه، (وَأَيْنَ هُوَ) الآن، زاد في رواية: «وأعرف أباه وأمه»، قال القاري: هذا يَحْتَمِل أن يكون فيه كاذبًا، أو صادقًا. (قَالَ) أبو سعيد: (فَلَبَسَنِي) بتخفيف الموحّدة المفتوحة، قال النوويّ -﵀-: هو بالتخفيف: أي جعلني ألتبس في أمره، وأشكّ فيه، قال القاري: يعني حيث قال أوّلًا: اعلم أنا مسلم، ثم ادعى الغيب بقوله: إني لأعلم، ومن ادعى علم الغيب فقد كفر، فالتبس عليّ إسلامه وكفره، وقال ابن الملك: «فلبّسني» من التلبيس: أي التخليط، حيث لم يبيّن مولده، وموضعه، بل تركه ملتبسًا، فلبّس عليّ، أو معناه: أوقعني في الشك بقوله: وُلد لي، وبدخوله المدينة ومكة، وكان يظنّ أنه الدجال، واللَّه تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٧٣٢١ و٧٣٢٢ و٧٣٢٣] (٢٩٢٧)، و(الترمذيّ) في «الفتن» (٢٢٤٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٦ و٤٣ و٧٩ و٩٧)، و(أبو بكر الشيبانيّ) في «الآحاد والمثاني» (٤/ ٢٦٨)، و(الدانيّ) في «السنن الواردة في الفتن» (/٦/ ١١٩٥)، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ صَائِدٍ، وَأَخَذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ: هَذَا عَذَرْتُ النَّاسَ، مَا لِي وَلَكُمْ، يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ؟ أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّهُ يَهُودِيٌّ؟»، وَقَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ: «وَلَا يُولَدُ لَهُ؟»، وَقَدْ وُلِدَ لِي، وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ؟»، وَقَدْ حَجَجْتُ، قَالَ: فَمَا زَالَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَأْخُذَ فِيَّ قَوْلُهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ الآنَ حَيْثُ هُوَ، وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: وَقِيلَ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الإسناد هو الذي سبق قبل حديث. وقوله: (وَأَخَذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ) بالذال المعجمة المفتوحة، ثم ميم مخفّفة: أي: حياء وإشفاق، من الذمّ واللوم ، والجملة حاليّة؛ أي: وقد أخذتني منه، أي من مصاحبته، والمشي معه ذامة؛ أي: استحياء، وإشفاق من لوم الناس، وذمهم لي على مصاحبته. وقوله: (هَذَا) مفعول لمحذوف، أي أفهم هذا، أو مبتدأ خبره محذوف، أي هذا هو الشأن والأمر، وهذا هو المسمّى عند علماء البلاغة بالتخلّص، أو الاقتضاب، وهو الانتقال من أسلوب الكلام إلى آخر . وقوله: (عَذَرْتُ النَّاسَ)؛ أي: جعلت عامتهم معذورين فيما يقولون: إني الدجال؛ لجهلهم بما قاله النبيّ -ﷺ- من أوصاف الدجال. وقوله: (مَا لِي وَلَكُمْ، يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ؟)؛ أي: أيّ شيء ثبت لكم في قولكم: إني دجال، وقد تعرفون حقيقة الأمر بسبب أنه -ﷺ- لم يترك شيئًا من علاماته الظاهرة إلا وقد بيّنه لكم، وسمعتموه، وعرفتم أنها ليست منطبقة عليّ، كما ترون، فما لكم في موافقة العوامّ في هذا الأمر؟، ثم بيّن لهم تلك العلامات بقوله: (أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّهُ)؛ أي: الدجال الموعود به آخر الزمان (يَهُودِيٌّ؟»، وَقَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ) -ﷺ-: («وَلَا يُولَدُ لَهُ؟»، وَقَدْ وُلِدَ لِي، وَقَالَ) -ﷺ-: («إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ؟»)؛ أي: دخولها، (وَقَدْ حَجَجْتُ)؛ أي: قصدت الحج، لا أنه قال ذلك بعد رجوعه من الحجّ؛ لأن الحوار جرى بينه وبين أبي سعيد -﵁- في طريق الحج من المدينة إلى مكة، كما بُيّن في الرواية التالية، حيث قال: «أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة». (قَالَ) أبو سعيد: (فَمَا زَالَ) ابن صائد يعدّد أشياء (حَتَّى كَادَ)؛ أي: أوشك وقرب (أَنْ يَأْخُذَ فِيَّ)؛ أي: يؤثّر في قلبي (قَوْلُهُ) هذا حتى أصدّقه فيما يقول: إنه ليس بدجّال. (قَالَ) أبو سعيد: (فَقَالَ لَهُ) فيه التفات من التكلّم إلى الغيبة؛ إذ الأصل أن يقول: فقال لي، (أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، (وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ الآنَ) أي في الوقت الحاضر (حَيْثُ هُوَ)؛ أي: المكان الذي فيه الدجال الموعود به آخر الزمان (وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ) أبو سعيد: (وَقِيلَ لَهُ)؛ أي: قال قائل لابن صائد، ويَحتمل أن يكون القائل هو أبو سعيد، أو بعض الحاضرين: (أَيَسُرُّكَ) وتستبشر به (أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟) أي لو كنت إياه، فهل ترضى بذلك؟، وتُسرّ به؟ (قَالَ) أبو سعيد: (فَقَالَ) ابن صائد: (لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ) بالبناء للمفعول؛ أي: لو قُدّر أن عُرض عليّ أن أكون أنا هو، (مَما) نافية، (كَرِهْتُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، أي لم أكن كارهًا ذلك. وقال القاري -﵀-: قوله: «قال»؛ أي: أبو سعيد، «وقيل له»؛ أي: لابن صياد، «أيسرك»؛ أي: أيوقعك في السرور، ويفرحك، ويعجبك، «أنك ذلك الرجل»؛ أي: أن تكون الدجال، «قال»؛ أي: أبو سعيد، «فقال»؛ أي: ابن صياد: «لو عُرِض علي» بصيغة المجهول؛ أي: لو عُرِض عليّ ما جُبل في الدجال من الإغواء، والخديعة، والتلبيس، «ما كَرِهت»؛ أي: بل قبلت، والحاصل رضاه بكونه الدجال، وهذا دليل واضح على كفره، كذا ذكره المظهر، وغيره من الشراح. انتهى . وقال القاضي عياض -﵀-: إن هذه الأشياء اتّفقت لابن صيّاد بعد أن كَبِر، وبعد موته -ﷺ-، وأنه حج البيت، وحفظ الحديث عن رسول اللَّه -ﷺ-، وذكره الطبريّ وغيره في عداد الصحابة، لكن ظهرت منه في هذه الأحاديث أمور بعضها كفر، كقوله: «لو عرض عليّ ما كرِهتُ»، فإن من رضي لنفسه دعوى الألوهيّة، وحالة الدجّال فهو كافر، وبعضها يُشعر أنه الدجّال، كقوله: «إني أعرفه، وأعرف مولده، وأين هو؟» زاد الترمذيّ: «وأين هو الساعة من الأرض؟»، فإن هذه كالنصّ أنه هو، وما لبّس به من أنه أسلم، فقد يكفر فيما يُستقبل، أو يكون إسلامه تقيّةً، وهو منافق، وكذلك لا حجة له في دخول المدينة ومكة؛ لأنه -ﷺ- إنما أخبر أنه لا يدخلها أيام فتنبّه، وكذلك قوله: لا يولد له يَحْتَمِل أنه أيام خروجه، وإن استبعده الأبيّ لِمَا في الرواية الأخرى أنه عقيم، واللَّه تعالى أعلم . والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد مضى تمام البحث فيه، وللَّه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٢٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، أَخْبَرَنِي الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، أَوْ عُمَّارًا، وَمَعَنَا ابْنُ صَائِدٍ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ، فَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَدِيدَةً، مِمَّا يُقَالُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَجَاءَ بِمَتَاعِهِ، فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِي، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ، فَلَوْ وَضَعْتَهُ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ، فَانْطَلَقَ، فَجَاءَ بعُسٍّ، فَقَالَ: اشْرَبْ أَبَا سَعِيدٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ، وَاللَّبَنُ حَارٌّ، مَا بِي إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ عَنْ يَدِهِ، أَوْ قَالَ: آخُذَ عَنْ يَدِهِ، فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا، فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرةٍ، ثُمَّ أَخْتَنِقَ، مِمَّا يَقُولُ لِيَ النَّاسُ، يَا أَبا سَعِيدٍ، مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَسْتَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «هُوَ كَافِرٌ؟»، وَأَنَا مُسْلِمٌ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «هُوَ عَقِيمٌ، لَا يُولَدُ لَهُ؟»، وَقَدْ تَرَكْتُ وَلَدِي بِالْمَدِينَةِ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، وَلَا مَكَّةَ؟» وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَعْذِرَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُهُ، وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ، وَأَيْنَ هُوَ الآنَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الإسناد نفسه هو الذي تقدّم قبل ثلاثة أحاديث، فتنبّه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: خَرَجْنَا) من المدينة، حال كوننا (حُجَّاجًا)؛ أي: محرمين بالحجّ، (أَوْ عُمَّارًا)؛ أي: أو محرمين بالعمرة، و«أو» للشك، والظاهر أنها من أبي نضر، أو ممن دونه، وقوله: (وَمَعَنَا ابْنُ صَائِدٍ) هو ابن صيّاد، والجملة حاليةّ. (قَالَ) أبو سعيد: (فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا) للاستراحة (فَتَفَرَّقَ النَّاسُ)؛ أي: رِفقتنا في الأشجار طلبًا لظلّها، (وَبَقِيتُ) بكسر القاف، (أَنَا) أكّده بالضمير المنفصل؛ ليمكنه العطف بلا ضعف، كما مرّ غير مرّة، وقوله: (وَهُوَ) عطف الضمير الفاعل، (فَاسْتَوْحَشْتُ)؛ أي: نفرت نفسي (مِنْهُ)؛ أي: من مجالسته، (وَحْشَةً شَدِيدَةً)، وقوله: (مِمَّا يُقَالُ عَلَيْهِ) تعليل لاستيحاشه منه؛ أي: إنما استوحشت منه لأجل ما يقول الناس فيه، من أنه الدجّال. (قَالَ) أبو سعيد: (وَجَاءَ) ابن صائد (بِمَتَاعِهِ، فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِي، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ، فَلَوْ وَضَعْتَهُ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ) مشيرًا إلى شجرة قريبة منهما؛ أي: لكان خيرًا، فـ «لو» شرطيّة، جوابها مقدّر، كما ذكرته، ويَحْتَمِل أن تكون للتمنّي، فلا جواب لها؛ أي: أتمنى أن تضع متاعك تحت تلك الشجرة. (قَالَ) أبو سعيد: (فَفَعَلَ) ابن صائد ما أشرت به إليه، من وَضْع متاعه تحت الشجرة المشار إليها. (قَالَ) أبو سعيد: (فَرُفِعَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: ظهرت، وكُشفت، (لَنَا غَنَمٌ) قال الفيّوميّ -﵀-: الغَنَمُ اسم جنس، يُطلق على الضأن، والمعز، وقد تُجمع على أَغْنَامٍ، على معنى قُطَعانات من الغنم، ولا واحد لِلْغَنَمِ من لفظها، قاله ابن الأنباريّ، وقال الأزهريّ أيضًا: الغَنَمُ الشاء، الواحدة شاة، وتقول العرب: راح على فلان غَنَمَانِ؛ أي: قَطِيعان من الغَنَمِ، كل قطيع منفرد بمرعى، وراعٍ، وقال الجوهريّ: الغَنَمُ اسم مؤنثٌ موضوع لجنس الشاء، يقع على الذكور، والإناث، وعليهما، ويُصَغَّر، فتدخل الهاء، ويقال: غُنَيْمَةٌ؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغِّرت فالتأنيث لازم لها. انتهى . (فَانْطَلَقَ) ابن صائد إلى تلك الغنم (فَجَاءَ) عطف على مقدّر؛ أي: فحلب، فجاء، والظاهر أن عادة أصحاب الغنم السماح لابن السبيل أن يحلب غنمهم، ويشرب، وقوله: (بِعُسٍّ) بضمّ العين، وتشديد السين المهملتين: القدح الكبير، والجمع عِسَاس، مثلُ سِهام، وربّما قيل: أَعساس، مثلُ قُفْل وأقفال . (فَقَالَ) ابن صائد لأبي سعيد: (اشْرَبْ) يا (أَبَا سَعِيدٍ)، قال أبو سعيد: (فَقُلْتُ) له: لا أشرب، ثم علّل ذلك بقوله: (إِنَّ الْحَرَّ)؛ أي: حرّ الجوّ (شَدِيدٌ، وَاللَّبَنُ حَارٌّ)؛ أي: فيجتمع عليّ حرارتان، ولا أستطيع ذلك، قال أبو سعيد: (مَا بِي)؛ أي: ليس بي شيء مما أردّ به لبنه (إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ عَنْ يَدِهِ)؛ أي: إلا كراهية الشرب عن يد ابن صائد؛ لِمَا يقول فيه الناس، وقوله: (أَوْ قَالَ) «أو» هنا للشك من الراوي، أبي نضرة، أو غيره؛ أي: أو قال أبو سعيد: ما بي إلا أني أكره (آخُذَ عَنْ يَدِهِ)؛ أي: يد ابن صائد؛ لِما ذُكر. (فَقَالَ) ابن صائد لمّا ردّ عليه لبنه، وأبى أن يشرب عن يده، فظهر له أن ذلك بسبب ما يقال فيه من أنه الدجّال. (أَبَا سَعِيدٍ)؛ أي: يا أبا سعيد، (لَقَدْ هَمَمْتُ)؛ أي: قصدت (أَنْ آخُذَ حَبْلًا) من الحبال (فَأُعَلِّقَهُ) بالنصب عطفًا على «آخذ»، (بِشَجَرَةٍ)؛ أي: أربطه بها، (ثُمَّ أَخْتَنِقَ) بالنصب أيضًا لِمَا ذُكر؛ أي: أخنق نفسي، وأموت، وذلك (مِمَّا يَقُولُ لِيَ النَّاسُ)؛ أي: من أجل ما يتكلّمون فيّ من أني أنا الدجال، ثم قال: (يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ خَفِيَ) بكسر الفاء، من باب تعب؛ أي: من استتر (عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) بسبب عدم سماعه له، فـ «من» شرطيّة، جوابها مقدّر؛ أي: من خفي عليه حديثه -ﷺ-، فهو معذور، وقوله: (مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ) «ما» نافية؛ أي: لم يَخْفَ عليكم حديثه -ﷺ-، ويَحْتَمل كون «ما» استفهاميّة للإنكار؛ أي: أيّ شيء خفي عليكم، وقوله: (مَعْشَرَ الأَنْصَارِ) منصوب على الاختصاص؛ أي: أخصّ جماعة الأنصار، أو هو منادى حُذف منه حرف النداء؛ أي: يا معشر الأنصار، (أَلَسْتَ) بتاء الخطاب، وهو لأبي سعيد، (مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) هو ممن أكثر الرواية عنه -ﷺ-، حتى عُدّ من المكثرين السبعة من الصحابة -﵃-، ويقال: إنه روى (١١٧٠) حديثًا. (أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) «رسول اللَّه» تنازعاه «ليس»، و«قال»، ويَحْتَمل أن يكون اسم «ليس» ضمير الشأن؛ أي: ليس هو؛ أي: الشأن، (هُوَ)؛ أي: الدجال الآتي آخر الزمان (كَافِرٌ) كما سيأتي قوله -ﷺ-: «مكتوب بين عينيه كافر»، (وَأَنَا مُسْلِمٌ)؛ أي: فلست إياه، فكيف تتهمني مع العامة الذين لا يعرفون الأحاديث؟ (أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «هُوَ»؛ أي: الدجال الموعود (عَقِيمٌ) بفتح، فكسر: هو الذي لا يولد له، يُطلق على الذكر والأنثى ، فقوله: (لَا يُولَدُ لَهُ«) تفسير لـ«عقيم»، (وَقَدْ تَرَكْتُ وَلَدِي بالْمَدِينَةِ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:«لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، وَلَا مَكَّةَ؟ »وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ) وقد وُلدت، وعشت فيها، (وَأَنَا) الآن (أُرِيدُ مَكَّةَ) للحجّ؛ أي: فلست أنا هو. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ -﵁- (حَتَّى) غاية لكثرة احتجاجاته على عدم كونه هو الدجال الموعود به آخر الزمان، أي إلى أن (كِدْتُ) بكسر الكاف؛ أي: قاربت، قال الفيّوميّ -﵀-: كَادَ يفعل، كذا يَكَادُ، من باب تَعِب: قارب الفعل، قال ابن الأنباريّ: قال اللغويون:«كِدتُ أفعل»معناه عند العرب: قاربت الفعل، ولم أفعل، و«ما كِدْتُ أفعل»معناه: فعلت بعد إبطاء، قال الأزهريّ: وهو كذلك، وشاهِدُه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] معناه: ذبحوها بعد إبطاء؛ لتعذّر وجدان البقرة عليهم، وقد يكون«ما كِدْتُ أفعل»بمعنى ما قاربت. انتهى . (أَنْ أَعْذِرَهُ) فيه اقتران خبر«كاد»بـ«أن»، وهو قليل، والغالب عدم اقترانها، كالآية المذكورة، قال في«الخلاصة»: وَكَوْنُهُ بِدُونِ«أَنْ»بَعْدَ«عَسَى»… نَزْرٌ وَ«كَادَ»الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا وقوله:«أعذره» بفتح أوله، أو ضمّه، وكسر الذال المعجمة؛ أي: أقبل عذره، قال الفيّوميّ -﵀-: عَذَرْتُهُ فيما صنع عَذْرًا، من باب ضَرَب: رفعت عنه اللوم، فهو مَعْذُورٌ؛ أي: غير ملوم، والاسم: العُذْرُ، وتُضم الذال للإتباع، وتُسَكَّن، والجمع: أَعْذَارٌ، والمَعْذِرَةُ، والعُذْرَى بمعنى العُذْرِ، وأَعْذَرْتُهُ بالألف لغة، واعْتَذَرَ إليّ: طلب قبول مَعْذِرَتهِ، واعْتَذَرَ عن فعله: أظهر عُذْرَهُ، والمُعْتَذِرُ يكون محقًّا، وغير محقّ، واعْتَذَرْتُ منه بمعنى شكوته، وعَذَرَ الرجلُ، وأَعْذَرَ: صار ذا عيب، وفساد. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) ابن صائد بعد هذا كلّه: (أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، (وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُهُ)؛ أي: الدجال الموعود به، (وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ، وَأَيْنَ هُوَ الآنَ؟ قَالَ) أبو سعيد لمّا سمع هذا منه: (قُلْتُ لَهُ: تَبًّا)؛ أي: هلاكًا، وخسرانًا (لَكَ سَائِرَ الْىَوْمِ) أي في باقي اليوم، أو في جميع اليوم، ونصب «تبًّا» بفعل مقدّر، فهو
مصادر المؤلف (١٢)

١. أي: اتركاه، والأمر لأبي بكر وعمر -﵄-.

٢. «صحيح ابن حبان» ١٥/ ١٨٧.

٣. وفي نسخة: «وها أنا».

٤. «شرح النوويّ» ١٨/ ٥١.

٥. راجع: «الكوكب الوهّاج» ٢٦/ ٢١٣.

٦. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٥١.

٧. راجع: «شرح الأبيّ» ٧/ ٢٦٠ - ٢٦١.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٥.

٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٩.

١٠. «المصباح المنير»٢/ ٤٢٣.

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٤٥.

١٢. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٨.