HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٣٨

حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حميد. وألفاظهم متقاربة. والسياق لعبد (قال: حدثني. وقال الآخران: حَدَّثَنَا) يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ -. حدثنا أبي عن صالح، عن ابن شهاب. أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عتبة؛ أن أبا سعيد الخدري قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوما حديثا طويلا عن الدجال. فكان فيما حدثنا قال «يأتي، وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة. فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة. فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس. فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حديثه. فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا. قال فيقتله ثم يحييه. فيقول حين يحييه: والله! ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن. قال فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه». قال أبو إسحاق: يقال إن هذا الرجل هو الخضر ﵇.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص199
ج ٤ ص ٢٢٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٥٩٨
منه بيت وبر، ولا مدر، قال: فيغسل الأرض، فيتركها كالزلَفَة، قال: ثم يقال للأرض: أخرجي ثمرتك، ورُدّي بركتك، فيومئذٍ تأكل العصابة من الرُّمّانة، ويستظلون بقِحْفها، ويُبارَك في الرِّسْل، حتى إن الفئام من الناس ليكتفون باللِّقحة من الإبل، وإن القبيلة ليكتفون باللقحة من البقر، وإن الفخذ ليكتفون باللقحة من الغنم، فبينما هم كذلك، إذ بعث اللَّه ريحًا، فقبضت روح كل مؤمن، ويبقى سائر الناس يتهارجون، كما تتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة». قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢١) - (بَابُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الدَّجَّال، وَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ، وَإِحْيَائِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٤٥] (٢٩٣٨) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ -وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، وَالسِّيَاقُ لِعَبْدٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا سَعِيَدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: «يَأْتِي، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ، فَيَنْتَهِي إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، هُوَ خَيْرُ النَّاسِ -أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ- فَيَقُولُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا، ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، أَتَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، قَالَ: فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الآنَ، قَالَ: فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ». قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ -﵇-). رجال هذا الإسناد: تسعة: وكلهم تقدّموا غير مرّة. ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ. ٢ - (الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد، نزيل مكة. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ. ٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد. ٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ، نزيل بغداد. ٦ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم المدنيّ. ٧ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ. ٨ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود، أبو عبد اللَّه المدنيّ. ٩ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنان الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، و«عبيد اللَّه» أحد الفقهاء السبعة، والصحابيّ من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الفقيه المدنيّ، (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) سعد بن مالك -﵄-، (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ) قال في «الفتح»: كذا ورد من هذا الوجه مبهمًا، وقد ورد من غير هذا الوجه عن أبي سعيد -﵁- ما لعله يؤخذ منه ما لم يُذْكَر، كما في رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد: «إنه يهوديّ، وإنه لا يولد له، وإنه لا يدخل المدينة، ولا مكة». أخرجه مسلم، وفي رواية عطية، عن أبي سعيد، وفعه، في صفة عين الدجال، كما تقدم، وفيه: «ومعه مثل الجنة والنار، وبين يديه رجلان، يُنذران أهل القرى، كلما خرجا من قرية دخل أوائله»، أخرجه أبو يعلى، والبزار، وهو عند أحمد بن منيع، مطولٌ، وسنده ضعيف، وفي رواية أبي الوداك، عن أبي سعيد، رفعه، في صفة عين الدجال أيضًا، وفيه: «معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء، يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء، تُدَخِّن». انتهى . (فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا) النبيّ -ﷺ- (قَالَ: «يَأْتِي) ولفظ البخاريِّ:»يأتي الدجال«؛ أي: إلى ظاهر المدينة، (وَهُوَ) أي والحال أنه (مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ) بكسر النون: جمع نقب، وفي رواية البخاريِّ:»على أنقاب المدينة«، هو جمع نَقَب، بفتح النون، والقاف، بعدها موحدة، قال ابن وهب: المراد بها المداخل، وقيل: الأبواب، وأصل النقب: الطريق بين الجبلين، وقيل: الأنقاب: الطرق التي يسلكها الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [ق: ٣٦]. (فَيَنْتَهِي)؛ أي: يصل الدجّال (إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ) بكسر المهملة، وتخفيف الموحّدة: جمع سَبَخة، بفتحتين، وهي الأرض الرملة التي لا تُنبت؛ لملوحتها، وهذه الصفة خارج المدينة من غير جهة الحرّة (الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ)؛ أي: من قِبَل الشام، (فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، هُوَ خَيْرُ النَّاسِ -أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ-) «أو» للشكّ من الراوي، وفي رواية البخاريّ: «فيخرج إليه يومئذٍ رجل هو خير الناس، أو من خيار الناس»، وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيد الآتية عند مسلم: «فيتوجه قِبَله رجل من المؤمنين، فيلقاه مسالح الدجال، فيقولون: أوَ ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فينطلقون به إلى الدجال بعد أن يريدوا قتله، فإذا رآه، قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكره رسول اللَّه -ﷺ- وفي رواية عطية:»فيدخل القرى كلها غير مكة والمدينة، حُرِّمتا عليه، والمؤمنون متفرقون في الأرض، فيجمعهم اللَّه، فيقول رجل منهم: واللَّه لأنطلقنّ، فلأنظرنّ هذا الذي أنذرناه رسول اللَّه -ﷺ-، فيمنعه أصحابه خشية أن يُفتتن به، فيأتي حتى إذا أتى أدنى مسلحة من مسالحه، أخذوه، فسألوه ما شأنه؟ فيقول: أريد الدجال الكذاب، فيكتبون إليه بذلك، فيقول: أرسلوا به إليّ، فلما رآه عرفه». (فَيَقُولُ) ذلك الرجل (لَهُ)؛ أي: للدجّال، (أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثَهُ) وفي رواية عطية:«أنت الدجال الكذاب الذي أنذرناه رسول اللَّه -ﷺ-»، وزاد:«فيقول له الدجال: لتطيعني فيما آمرك به، أو لأشقنّك شقتين، فينادي، يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب»، (فَيَقُولُ الدَّجَّالُ) لأتباعه الحاضرين لديه: (أَرَأَيْتُمْ)؛ أي: أخبروني (إِنْ قَتَلْتُ هَذَا) الرجل الذي حدّثكم بأني الدجال الكذّاب، (ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ) بعد قتله (أَتَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟)؛ أي: في أمر ألوهيتي، (فَيَقُولُونَ: لَا)؛ أي: لا نشكّ في ذلك، وفي رواية عطية:«ثم يقول الدجال لأوليائه»، وهذا يوضح أن الذي يجيبه بذلك أتباعه، ويردّ قول من قال: إن المؤمنين يقولون له ذلك؛ تَقِيّةً، أو مرادهم: لا نشكّ أي في كفرك، وبطلان قولك. (قَالَ) -ﷺ-: (فَيَقْتُلُهُ)؛ أي: يقتل الدجال ذلك الرجل (ثُمَّ يُحْيِيهِ) بعد قتله؛ استدراجًا من اللَّه -﷿-، وفي رواية أبي الوداك:«فيأمر به الدجال، فيُشبح، فيُشبع ظهره وبطنه ضربًا، فيقول: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب، فيؤمر به، فيوشر بالميشار من مفرقه، حتى يفرق بين رجليه، ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول: قم، فيستوي قائمًا»، وتقدّم في حديث النوّاس بن سَمعان:«فيدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين، ثم يدعوه، فيقبل، ويتهلل وجهه، يضحك»، وفي رواية عطية:«فيأمر به، فيُمَدّ برجليه، ثم يأمر بحديدة، فتوضع على عُجْب ذَنَبه، ثم يشقه شقتين، ثم قال الدجال لأوليائه: أرأيتم إن أحييت لكم هذا، ألستم تعلمون أني ربكم؟ فيقولون: نعم، فيأخذ عصًا، فضرب أحد شقيه، فاستوى قائمًا، فلما رأى ذلك أولياؤه صدّقوه، وأحبوه، وأيقنوا بذلك أنه ربهم»، وعطية ضعيف. قال ابن العربيّ -﵀-: هذا اختلاف عظيم، يعني في قتله بالسيف، وبالميشار، قال: فيُجمع بأنهما رجلان يقتل كلًّا منهما قِتلةً غير قِتلة الآخر. قال الحافظ: كذا قال، والأصل عدم التعدد، ورواية الميشار تفسر رواية الضرب بالسيف، فلعل السيف كان فيه فُلول، فصار كالميشار، وأراد المبالغة في تعذيبه بالقتلة المذكورة، ويكون قوله:«فضربه بالسيف»مفسرًا لقوله: إنه نشره. وقوله:«فيقطعه جزلتين» إشارة إلى آخر أمره لَمّا ينتهي نشره. قال الخطابيّ: فإن قيل: كيف يجوز أن يُجري اللَّه الآية على يد الكافر، فإن إحياء الموتى آية عظيمة من آيات الأنبياء، فكيف ينالها الدجال، وهو كذّاب، مُفْتَرٍ، يدعي الربوبية؟. فالجواب أنه على سبيل الفتنة للعباد؛ إذ كان عندهم ما يدلّ على أنه مبطل، غير محقّ في دعواه، وهو أنه أعور، مكتوب على جبهته كافر، يقرؤه كل مسلم، فدعواه داحضة مع وسم الكفر، ونقص الذات، والقدر؛ إذ لو كان إلهًا لأزال ذلك عن وجهه، وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة، فلا يشتبهان. وقال الطبريّ: لا يجوز أن تعطى أعلام الرسل لأهل الكذب، والإفك في الحالة التي لا سبيل لمن عاين ما أتى به فيها إلا الفصل بين المحقّ منهم والمبطل، فأما إذا كان لمن عاين ذلك السبيل إلى عِلم الصادق من الكاذب، فمن، ظهر ذلك على يده فلا ينكر إعطاء اللَّه ذلك للكذابين، فهذا بيان الذي أعطيه الدجال من ذلك، فتنة لمن شاهده، ومحنة لمن عاينه. انتهى. وفي الدجال مع ذلك دلالة بينةٌ لمن عقل على كذبه؛ لأنه ذو أجزاء مؤلمة، وتأثير الصنعة فيه ظاهر، مع ظهور الآفة به، من عَوَر عينيه، فإذا دعا الناس إلى أنه ربهم، فأسوأ حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنه لم يكن ليسوّي خلق غيره، ويعدله، ويحسّنه، ولا يدفع النقص عن نفسه، فأقل ما يجب أن يقول: يا من يزعم أنه خالق السماء والأرض صَوِّر نفسك، وعدّلها، وأزل عنها العاهة، فإن زعمت أن الرب لا يُحْدث في نفسه شيئًا، فأزل ما هو مكتوب بين عينيك. وقال المهلَّب: ليس في اقتدار الدجال على إحياء المقتول المذكور ما يخالف ما ثبت من قوله -ﷺ-: «هو أهون على اللَّه من ذلك»؛ أي: من أن يُمَكَّن من المعجزات تمكينًا صحيحًا، فإن اقتداره على قتل الرجل، ثم إحيائه لم يستمر له فيه، ولا في غيره، ولا استضرّ به المقتول إلا ساعة تألمه بالقتل، مع حصول ثواب ذلك له، وقد لا يكون وجد للقتل ألمًا؛ لقدرة اللَّه تعالى على دفع ذلك عنه. وقال ابن العربيّ: الذي يظهر على يد الدجال من الآيات، من إنزال المطر، والخصب على من يصدقه، والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار ومياه، تجري كل ذلك محنة من اللَّه، واختبارًا؛ ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن، وذلك كله أمر مخوف، ولهذا قال -ﷺ- «لا فتنة أعظم من فتنة الدجال»، وكان يستعيذ منها في صلاته تشريعًا لأمته. وأما قوله في الحديث الآخر عند مسلم: «غير الدجال أخوف لي عليكم» فإنما قال ذلك للصحابة؛ لأن الذي خافه عليهم أقرب إليهم من الدجال، فالقريب المتيقن وقوعه لمن يخاف عليه يشتد الخوف منه على البعيد المظنون وقوعه به، ولو كان أشدّ . (فَيَقُولُ) ذلك الرجل (حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الآنَ) وفي رواية البخاريّ: «مني اليوم»، وفي رواية أبي الوداك: «ما ازددت فيك إلا بصيرةً، ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يَفعل بعدي بأحد من الناس»، وفي رواية عطية: «فيقول له الدجال: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنا الآن أشدّ بصيرة فيك مني، ثم نادى في الناس، يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب، من أطاعه فهو في النار، ومن عصاه فهو في الجنة». ونقل ابن التين عن الداوديّ أن الرجل إذا قال ذلك للدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، كذا قال، والمعووف أن ذلك إنما يحصل للدجال إذا رأى عيسى ابن مريم -﵇-. (قَالَ) -ﷺ-: (فيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ») وفي رواية أبي الوداك:«فيأخذه الدجال ليذبحه، فيُجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس، فلا يستطيع إليه سبيلًا»، وفي رواية عطية:«فقال له الدجال: لتطيعني أو لأذبحنك، فقال: واللَّه لا أطيعك أبدًا فأمر به، فأُضجع، فلا يقدر عليه، ولا يتسلط عليه مرة واحدة»، زاد في رواية عطية:«فأخذ يديه ورجليه، فألقي في النار، وهي غبراء ذات دخان»، وفي رواية أبي الوداك:«فيأخذ بيديه، ورجليه، فيقذف به، فيحسب الناس أنه قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة»، زاد في رواية عطية:«قال رسول اللَّه -ﷺ-: »ذلك الرجل أقرب أمتي مني، وأرفعهم درجة«، وفي رواية أبي الوداك: »هذا أعظم شهادة عند رب العالمين«، ووقع عند أبي يعلى وعبد بن حميد، من رواية حجاج بن أرطاة، عن عطية: »أنه يُذبح ثلاث مرات، ثم يعود ليذبحه الرابعة، فيضرب اللَّه على حلقه بصفيحة نحاس، فلا يستطيع ذبحه«، والأول هو الصواب. ووقع في حديث عبد اللَّه بن عمرو، رفعه، في ذكر الدجال: «يدعو برجل لا يسلطه اللَّه إلا عليه. . .»، فذكر نحو رواية أبي الوداك، وفي آخره: «فيهوي إليه بسيفه، فلا يستطيعه، فيقول: أخروه عني»، وقد وقع في حديث عبد اللَّه بن معتمر: «ثم يدعو برجل فيما يرون، فيؤمر به، فيقتل، ثم يقطع أعضاءه كل عضو على حدة، فيفرق بينها، حتى يراه الناس، ثم يجمعها، ثم يضرب بعصاه، فإذا هو قائم، فيقول: أنا اللَّه الذي أُميت وأُحيي، قال: وذلك كله سِحر، سَحَر أعين الناس، ليس يعمل من ذلك شيئًا»، وهو سند ضعيف جدًّا. وفي رواية أبي يعلى من الزيادة: «قال أبو سعيد: كنا نرى ذلك الرجل عمر بن الخطاب؛ لِمَا نعلم من قوته، وجَلَده». وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ -﵇-) «أبو إسحاق» هذا هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه النيسابوريّ المتوفى في رجب سنة (٣٠٨ هـ) ، تلميذ الإمام مسلم، راوي كتابه هذا، ثم إن هذا الذي قاله من أن الرجل الذي يقتله الدجال، ثم يحييه أنه الخضر -﵇-، وكذلك معمر في «جامعه» في إثر هذا الحديث، مما لا دليل عليه، وقد قدّمنا في مناقب الخضر أن الصحيح أنه ليس حيًّا في زمنه -﵇-، فكيف بزمن الدجال؟ فلتراجع ترجمته، ولتقرأها بالإمعان، واللَّه المستعان. وهذا الذي قلته من أن أبا إسحاق هو تلميذ مسلم، هو الذي قاله القاضي عياض، والنوويّ؛ وأبو العبّاس القرطبيّ، وخالف في ذلك أبو عبد اللَّه القرطبيّ تلميذ أبي العبّاس، في «تذكرته»، فقال: هو أبو إسحاق السبيعيّ، وقد ردّ عليه الحافظ في «الفتح»، ودونك عبارته، قال بعد إيراد النصّ المذكور: كذا أطلق، فظنّ القرطبيّ أن أبا إسحاق المذكور هو السبيعيّ أحد الثقات من التابعين، ولم يُصِب في ظنه، فإن السند المذكور لم يجر لأبي إسحاق فيه ذِكر، وإنما أبو إسحاق الذي قال ذلك، هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد، راوي «صحيح مسلم» عنه، كما جزم به عياض، والنوويّ، وغيرهما، وقد ذكر ذلك القرطبي في «تذكرته» أيضًا قبل ذلك، فكأن قوله في الموضع الثاني السبيعي سَبْق قلم، ولعل مستنده في ذلك ما قاله معمر في «جامعه» بعد ذكر هذا الحديث: قال معمر: بلغني أن الذي يقتل الدجال: الخضر، وكذا أخرجه ابن حبان من طريق عبد الرزاق، عن معمر، قال: كانوا يرون أنه الخضر، وقال ابن العربيّ: سمعت من يقول: إن الذي يقتله الدجال هو الخضر، وهذه دعوى لا برهان لها. قال الحافظ: وقد تمسك من قاله بما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي عبيدة بن الجراح، رفعه، في ذكر الدجال: «لعله أن يدركه بعض من رآني، أو سمع كلامي. . .» الحديث، ويعكر عليه قوله في رواية مسلم المتقدّمة: «شابّ ممتلئ شبابًا»، ويمكن أن يجاب بأن من جملة خصائص الخضر أن لا يزال شابًّا، ويحتاج إلى دليل. انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: كلام الحافظ هذا ليس اضحًا في تحقيق هذه المسألة إلا أن آخر كلامه، وهو قوله: ويحتاج إلى دليل، هو محور المسألة، فكلّ من قال: إنه الخضر نقول له: أين دليلك على هذا من النصوص الصحيحة؟، فكل ما ذكرتم إنما هي بلاغات، لا تغني شيئًا، والصواب من أقوال أهل العلم، وهو مذهب البخاريّ وغيره أن الخضر ليس حيًّا في زمنه -ﷺ-، فكيف بعده؟ وأما الذي يدّعون حياته، فجلّ مستندهم أحاديث ساقطة، ورؤيا مناميّة -كما حقَّقها الحافظ في مؤلف له خاصّ بالخضر -﵇- وكلها لا اعتماد عليها في إثبات هذه المسألة، فالحقّ أحقّ أن يتبع، ولتراجع ما تقدّم في ترجمة الخضر؛ في «المناقب»، تزدد علمًا، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٧٣٤٥ و٧٣٤٦ و٧٣٤٧] (٢٩٣٨)، و(البخاريّ) في «فضائل المدينة» (١٨٨٢) و«الفتن» (٧١٣٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٨٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١/ ٣٩٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٦)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٤/ ٢١٣)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٢/ ٩٣٧)، و(ابن أبي عاصم) في «السنّة» (١/ ١٧١)، و(الحاكم) في المستدرك«(٤/ ٥٨١)، و(البغويّ) في»شرح السنّة«(١٥/ ٥٩)، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم تقدّموا غير مرّة. ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السمرقنديّ، صاحب«السنن». ٢ - (أَيُو الْيمَانِ) الحكم بن نافع البهرانيّ الحمصيّ. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ. و«الزهري»تقدم قبله. وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنادِ بِمِثْلِهِ) يعني الإسناد الذي قبله، وهو: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-. [تنبيه]: رواية شعيب عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ -﵀- في«صحيحه»، فقال: (٦٧١٣) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، أن أبا سعيد قال: حدّثنا رسول اللَّه -ﷺ- يومًا حديثًا طويلًا عن الدجال، فكان فيما يحدّثنا به، أنه قال:«يأتي الدجال، وهو محرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل، وهو خير الناس، أو من خيار الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدّثنا رسول اللَّه -ﷺ- حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا، ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه، فيقول: واللَّه ما كنت فيك أشدّ بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:«يَخْرُجُ الدَّجَّالُ، فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ مَسَالِحُ الدَّجَّالِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ؟ فَيَقُولُ: أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ، قَالَ: فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟ فَيَقُولُ: مَا بِرَبِّنَا خَفَاءٌ، فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ، فَإِذَا رَآه الْمُؤْمِنُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ، فَيُشَبَّحُ، فَيَقُولُ: خُذُوهُ، وَشُجُّوهُ، فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْبًا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِي؟ قَالَ: فَيَقُولُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ، فَيُؤْشَرُ بِالْمِئْشَارِ مِنْ مَفْرِقِهِ، حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُمْ، فَيَسْتَوِي قَائِمًا، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَفْعَلُ بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيُجْعَلَ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا، فَلَا يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: فَيَأْخُذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَيَقْذِفُ بِهِ، فَيَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّمَا أُلقِيَ فِي الْجَنَّةِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:«هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحُمَّدُ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ) -بضم القاف، وسكون الهاء، ثم زاي- المروزيّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٦٢) (م) تقدم في«المقدمة»٥/ ٣٢، من أفراد المصنّف. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ) بن جَبَلة -بفتح الجيم، والموحّدة- ابن أبي رَوّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- الْعَتَكيّ -بفتح المهملة، والمثناة- أبو عبد الرحمن المروزيّ الملقب عبدان، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢١) في شعبان (خ م د ت س) تقدم في«المقدمة» ٥/ ٣٢. ٣ - (أَبُو حَمْزَةَ) السُّكّريّ، محمد بن ميمون المروزيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق، السَّبِيعيّ، وزياد بن عِلاقة، وعبد الملك بن عُمير، والأعمش، وعاصم الأحول، وعاصم بن بهدلة، ومنصور بن المعتمر، وقيس بن وهب، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، والفضل بن موسى السِّينانيّ، وعلي بن الحسن بن شقيق، وسلامة بن الفضل الأبرش، وعبدان بن عثمان، ونعيم بن حماد، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: ما بحديثه عندي بأس، وهو أحبّ إليّ حديثًا من حسين بن واقد، وقال الدُّوريّ: كان من ثقات الناس، ولم يكن يبيع السُّكّر، وإنه، سُمِّي السكريّ لحلاوة كلامه، وقال النسائيّ: ثقة، وقال حفص بن حميد عن ابن المبارك: حسين بن واقد ليس بحافظ، ولا يُترك حديثه، وأبو حمزة صاحب حديث، هذا أو نحوه، وقال سفيان بن عبد الملك: قال ابن المبارك: السكري، وابن طهمان صحيحا الكتاب، وقال عليّ بن الحسن بن شقيق: سئل عبد اللَّه عن الأئمة الذين يُقتدَى بهم، فذكر أبا بكر، وعمر، حتى انتهى إلى أبي حمزة، وأبو حمزة حيّ، وقال يحيى بن أكثم: سئل ابن المبارك عن الاتّباع، فقال الاتباع ما كان عليه حسين بن واقد، وأبو حمزة، وقال العباس بن مصعب: كان مستجاب الدعوة، قال ابن أبي رِزْمة وغيره: مات سنة ست وستين ومائة، وقال بشر بن محمد السختيانيّ: مات سنة ثمان وستين ومائة، وقال ابن حبان: مات سنة سبع، أو ثمان، وقال ابن عبد البرّ في «التمهيد»: ليس بقويّ، ذكره في ترجمة سُمَيّ، وقال النسائيّ: لا بأس بأبي حمزة، إلا أنه كان قد ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك جيّد، وذكره ابن القطان الفاسيّ فيمن اختلط. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (قَيْسُ بْنُ وَهْبٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة [٥]. روى عن أنس، وأنس عبد الرحمن السُّلميّ، وأبي الكَنُود الأزديّ، وأبي الوَدّاك، وغيرهم. وروى عنه الثوريّ، وإسرائيل، وأبو حمزة السُّكّريّ، والجراح بن مَلِيح، والحسين بن واقد، وغيلان بن جامع، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، زاد أحمد: شيخ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. أخرج له المصنّف، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (أَبُو الْوَدَّاكِ) -بفتح الواو، وتشديد الدال، وآخره كاف- جَبْر بن نَوْف -بفتح النون، وآخره فاء- الْهَمْدانيّ -بسكون الميم- البِكاليّ -بكسر الموحّدة وتخفيف الكاف- الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم [٤] (م د ت س ق) تقدم في «النكاح» ٢٣/ ٣٥٥٤. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان -﵄-، تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁-، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ، فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ) بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: إلى جانبه، (رَجُلٌ) عظيم القدر عند اللَّه تعالى، فالتنوين للتعظيم. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهذا الرجل لم يُعرف، وما سبق، من أنه الخضر -﵇-، فقد عرفت بطلانه، فتنبّه. (فَتَلْقَاهُ) أي تقابله، وتأخذه (الْمَسَالِحُ) بفتح الميم، وكسر اللام: جمع المسلحة، وهم القوم ذوو السلاح، يحفظون الثغور، وقوله: (مَسَالِحُ الدَّجَّالِ) مرفوع على الإبدال، وفيه إشارة إلى أن اللام عِوَض عن المضاف إليه، أو اللام للعهد ، قال القاضي -﵀-: ولعل المراد به ههنا مقدمة جيشه، وأصلها موضع السلاح، ثم استعمل للثغر، فإنه تُعَدّ فيه الأسلحة، ثم للجند المترصدين، ثم لمقدمة الجيش، فإنهم من الجيش، كأصحاب الثغور ممن وراءهم من المسلمين . (فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ؟) بكسر الميم، من باب ضرب؛ أي: تقصد، (فَيَقُولُ: أَعْمدُ إِلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ)؛ أي: خرج عن الحقّ، أو على الخلق، أو ظهر بالباطل، والإشارة للتحقير. (قَالَ) -ﷺ-: (فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟) يعنون به الدجال، حيصسا وجدوا عنده الجاه والمال، (فَيَقُولُ) الرجل: (مَا بِرَبِّنَا)؛ أي: بربي وربكم، ففيه تغليب، أو: ما بربنا معشرَ المؤمنين (خَفَاءٌ) و«ما» نافية؛ أي: ليس يخفى علينا صفات ربنا عن غيره؛ لنعدل عنه إليه، أو لنترك الاعتماد عليه. كما قال القائل [من المتقارب]: وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ شَاهِدٌ … يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ وأما ما عداه فآثار الحدوث عليه لائحة، وأنواع النقصان فيه واضحة، ومن أظهر الأدلة القطعية، أن المخلوقية تنافي الربوبية، والعبودية تناقض الألوهية، ما للتراب، ورب الأرباب، كيف والعيوب الظاهرة فيه تشهد لمن له أدني عقل، كما لا يخفى، وفيه إيماء إلى ما سبق من قوله -ﷺ-: «إن اللَّه لا يخفى عليكم، إن اللَّه ليس بأعور». قال الطيبيّ -﵀-: هذا تكذيب لهم، وبيان لتمويههم، وتلبيسهم؛ «أوَ ما يؤمن بربنا؟»، كما قال -ﷺ-: «إن اللَّه لا يخفى عليكم، إن اللَّه ليس بأعور» . (فَيَقُولُونَ)؛ أي: فيما بينهم يقول بعضهم لبعض: (اقْتُلُوهُ) أي اقتلوا هذا الرجل الجاحد لربوبية ربنا، (فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ) الدجّال الكذّاب (أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا) أي مِن قتلكم أحَدًا (دُونَهُ) أي دون علمه، وأمره، وإذنه. (قَالَ) -ﷺ-: (فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ، فَإِذَا رَآه الْمُؤْمِنُ)؛ أي: أبصر الدجالَ الرجلُ الموقنُ، وقد عرف علاماته، (قَالَ) تذكيرًا للأمة، وتوهينًا للغُمة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-)؛ أي: في أحاديثه أنه سيخرج في آخر الزمان. (قَالَ) -ﷺ-: (فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ به)؛ أي: بضرب هذا الرجل، (فَيُشَبَّحُ) بضمّ أوله، وتشديد الموحّدة المفتوحة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: يُمَدّ للضرب، وفي نسخة: «فيُشجّ»، (فَيَقُولُ) الدجال تأكيدًا، وتغليظًا، وتشديدًا: (خُذُوهُ)؛ أي: امسكوه أخذًا شديدًا، (وَشُجُّوهُ) بضم الشين المعجمة، وتشديد الجيم؛ أي: اكسروا رأسه، قال القاري: وفي نسخة -أي: من «المشكاة»-: «فشبحوه» بفتح الشين، وكسر الموحّدة، فحاء مهملة؛ أي: مُدّوه على بطنه، أو على قفاه، يقال: تشبّح الحرباء على العود؛ أي: امتد، وتشبيح الشيء: جَعْله عريضًا. انتهى . (فَيُوسَعُ) بسكون الواو، وفتح السين، مبنيًّا للمفعول، هكذا أفاد القاري. (ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْبًا) منصوب على التمييز، يعني أنه يُكْثَر الضرب على ظهره وبطنه. (قَالَ) -ﷺ- (فَيَقُولُ) الدجال لذلك الرجل بعدما عذّبه ظنًّا منه أنه سيستجيب له، (أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِي؟)؛ أي: أتنكر ألوهيتي، وما تؤمن بربوبيتي؟ (قَالَ) -ﷺ-: (فَيَقُولُ) الرجل المؤمن: (أَنْتَ الْمَسِيحُ)؛ أي: الذي يمسح الأرض سيرًا، أو الممسوح العين، (الْكَذَّابُ)؛ أي: كثير الكذب بادعائك ما ليس لك، وتمرّدك على ربّك الذي خلقك. (قال) -ﷺ-: (فَيُؤْمَرُ بهِ)؛ أي: بنشره بالمنشار، (فيُؤْشَرُ) بضم، فسكون همز، ويبدل واوًا، ففتح شين؛ أي: فيقطع (بِالْمِئْشَارِ) بكسر الميم، وسكون الهمزة، وتبدل ياءً، وبالنون، في بعض النسخ، وهو آلة النشر، والقطع. (مِنْ مَفْرِقِهِ) بفتح الميم، وكسر الراء، وتُفتح؛ أي: من مبتدأ فرق رأسه، (حَتَّى يُفَرَّقَ) بصيغة المجهول، مخفّفًا، ومشدّدًا؛ أي: حتى يفصل بدنه قطعتين، واقعتين (بَيْنَ رِجْلَيْهِ)؛ أي: في طرفي قدميه. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «يشبح» بشين معجمة، ثم باء موحّدة، وحاء مهملة، وكذا «شَبِّحوه»؛ أي: مُدُّوه على بطنه، وجاء أيضًا: «شُجّوه» بجيم مشددة، من الشج، وهو الجرح في الرأس، ثم قال: وهذه الرواية أصحّ عندنا، وقوله: «فيؤشر» الرواية فيه بالهمزة، و«المئشار» بهمز بعد الميم، وهو الأفصح، ويجوز تخفيف الهمز فيهما، فتُجعل في الأول واوًا، وفي الثاني ياء، ويجوز المنشار، بالنون، وعلى هذا يقال: نشرت الخشبة، و«مفرقه» بكسر الراء: وسطه، يعني وسط فرقه، أو وسط رأسه. انتهى . (قَالَ) -ﷺ-: (ثُمَّ يَمْشِي) وفي نسخة: «ثم يمرّ» (الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ)؛ أي: الشقتين من الرجل؛ تخييلًا لتحقيق القتل، (ثُمَّ يَقُولُ) الدجّال (لَهُ)؛ أي: للرجل المقطوع قطعتين: (قُمْ، فَيَسْتَوِي قَائِمًا)؛ أي: يقوم بشرًا سويًّا، ما به شيء من آثار القطع. (قَالَ) -ﷺ-: (ثُمَّ يَقُولُ لَهُ) الدجال: (أَتُؤْمِنُ بِي؟)؛ أي: بعد أن رأيت ما فعلته فيك من الخوارق، (فَيَقُولُ) الرجل: (مَا) نافية، (ازْدَدْتُ فِيكَ) ما زدت في معرفتك بفعلك هذا من القتل، والإحياء (إِلَّا بَصِيرَةً)؛ أي: زيادة علم ويقين بأنك كاذب مموِّه. (قَالَ) -ﷺ-: (ثُمَّ يَقُولُ) الرجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ)؛ أي: الدجال، (لَا يَفْعَلُ) بالبناء للفاعل؛ أي: الدجّال، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، وضمير «إنه» على هذا للشأن. (بَعْدِي) أي: بعدما فعل بي هذا الذي رأيتموه، (بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ) وفيه إخبار عن سلب القدرة الاستدراجية عنه، وتسليةٌ للناس في الخوف منه. (قَالَ) -ﷺ-: (فَيَأْخُذُهُ)؛ أي: الرجلَ (الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ) مرّة أخرى، (فَيُجْعَلَ) بالبناء للمفعول، (مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ) بفتح التاء، وسكون الراء، وضم القاف، وفتح الواو: العظم الذي بين ثَغْرة النحر والعاتق. وقوله: (نُحَاسًا) مفعول ثان لـ «يُجعل»، والأول «ما» الموصولة؛ أي: يكون كالنحاس، لا يعمل فيه السيف، كما قال: (فَلَا يَسْتَطِيعُ) الدجال (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى ذبح ذلك الرجل (سَبِيلًا)؛ أي: طريقًا يوصله إلى مراده. قال القاري: وفي «شرح السُّنَّة»: قال معمر: بلغني أنه يُجعل على حلقه صفحة نحاس، فلا يستطيع؛ أي: الدجال إليه؛ أي: إلى قتله، ولا يقدر على حصول مضرته سبيلًا، تمييز؛ أي: طريقًا من التعرض . (قَالَ) -ﷺ-: (فَيَأْخُذُ)؛ أي: الدجال (بِيَدَيْهِ) الرجل (وَرِجْلَيْهِ، فَيَقْذِفُ بِهِ)؛ أي: يرمي به في الهواء، (فَيَحْسِبُ) بكسر السين، وفتحها: أي: فيظنّ (النَّاسُ، أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ») قال القاري: قوله:«إنما قذفه إلى النار»في تأويل المصدر؛ أي: قذفه إليها، والأظهر ما اختاره الزمخشريّ من أن«أنما»بالفتح تفيد الحصر أيضًا، كما اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، ويؤيده قوله:«وإنما ألقي»بصيغة المجهول؛ أي: أُوقع في الجنة، واللام للعهد؛ أي: في بستان من بساتين الدنيا، ويمكن أن يرميه في النار التي معه، ويجعلها اللَّه عليه جنةً، كما جعلها اللَّه -﷾- بردًا وسلامًا على إبراهيم -ﷺ-، وتصير تلك النار روضة وجنّة، وعلى كل تقدير، فلم يحصل له موت على يده، سوى ما تقدم. انتهى . قال أبو سعيد -﵁-: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:«هَذَا): أي: الرجل المؤمن الذي عذّبه الدجال، وألقاه أخيرًا في ناره، (أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً) منصوب على التمييز، (عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ») ظرف لـ«شهادةً». وقال القاري -﵀-: وأما قول الراوي:«فقال رسول اللَّه -ﷺ-: هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين»فالمراد بها قَتْله الأول، فتأمل، فإنه موضع الزلل، والخطل، والوجل، كما وقع فيه الطيبيّ -﵁- بقوله:«فيحسب الناس أن الدجال قذفه فيما يزعم أنه ناره، وإنما ألقي في الجنة، وهي دار البقاء»، يدل عليه قوله:«هذا أعظم الناس شهادة»، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠]؛ أي: يسرحون في ثمار الجنة. قال القاري: أقول: فهذا مناقض لقوله:«إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس»، اللَّهُمَّ إلا أن يقال: المراد بقوله:«لا يفعل بعدي»؛ أي: بعد قتلي ثانيًا بأحد من الناس؛ أي: غيري، ولا يخفى بُعده، واللَّه تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٥)

١. «جامع الترمذيّ» ٤/ ٥١١ - ٥١٣.

٢. «الفتح» ١٦/ ٥٩٢، «كتاب الفتن» رقم (٧١٣٢).

٣. «الفتح» ١٦/ ٥٩٢ - ٥٩٤.

٤. تقدّمت ترجمته في «المقدّمة» ٦/ ٧٣.

٥. أراد أبا عبد اللَّه القرطبيّ صاحب «التذكرة»، وهو تلميذ لأبي العبّاس القرطبيّ.

٦. «الفتح» ١٦/ ٥٩٦.

٧. «صحيح البخاري» ٦/ ٢٦٠٨.

٨. وفي نسخة: «ثم يمر الدجال».

٩. «مرقاة المفاتيح» ١٦/ ٧.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٥٩.

١١. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٥٩.

١٢. «مرقاة المفاتيح» ١٦/ ٧.

١٣. «شرح النوويّ» ١٨/ ٧٣.

١٤. «مرقاة المفاتيح»١٦/ ٧.

١٥. «مرقاة المفاتيح» ١٦/ ٧.