HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٤٢

حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، وحجاج بن الشاعر. كلاهما عن عبد الصمد (واللفظ لعبد الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ). حدثنا أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ. حدثنا ابن بريدة. حدثني عامر بن شراحيل الشعبي، شعب همدان؛ أنه سأل فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ. وكانت من المهاجرات الأول. فقال: حدثيني حديثا سمعتيه من رسول الله ﷺ. لا تسنديه إلى أحد غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلن. فقال لها: أجل. حدثيني. فقالت: نكحت ابن المغيرة. وهو من خيار شباب قريش يومئذ. فأصيب في أول الجهاد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف، في نفر مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وخطبني رسول الله ﷺ على مولاه أسامة بن زيد. وكنت قد حُدِّثْتُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال «من أحبني فليحب أسامة» فلما كلمني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: أمري بيدك. فأنكحني من شئت. فقال «انتقلي إلى أم شريك» وأم شريك امرأة غنية، من الأنصار. عظيمة النفقة في سبيل الله. ينزل عليها الضيفان. فقلت: سأفعل. فقال «لا تفعلي. إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان. فإني أكره أن يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين. ولكن انتقلي إلى ابن عمك، عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم» (وهو رجل من بني فهر، فهر قريش وهو من البطن الذي هي منه) فانتقلت إليه. فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي، مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ينادي: الصلاة جامعة. فخرجت إلى المسجد. فصليت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك. فقال «ليلزم كل إنسان مصلاه». ثم قال «أتدرون لما جمعتكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «إني، والله! ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة. ولكن جمعتكم، لأن تميما الداري، كان رجلا نصرانيا، فجاء فبايع وأسلم. وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. حدثني؛ أنه ركب في سفينة بحرية، مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام. فلعب بهم الموج شهرا في البحر. ثم أرفؤا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس. فجلسوا في أقرب السفينة. فدخلوا الجزيرة. فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر. لا يدرون ما قبله من دبره. من كثرة الشعر. فقالوا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير. فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال فانطلقنا سراعا. حتى دخلنا الدير. فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا. وأشده وثاقا. مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه، بالحديد. قلنا: ويلك! ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري. فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب. ركبنا في سفينة بحرية. فصادفنا البحر حين اغتلم. فلعب بنا الموج شهرا. ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه. فجلسنا في أقربها. فدخلنا الجزيرة. فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر. لا يدري ما قبله من دبره من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قلنا وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير. فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعا. وفزعنا منها. ولم نأمن أن تكون شيطانة. فقال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم. هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه. وإني مخبركم عني. إني أنا المسيح. وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج. فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة. غير مكة وطيبة. فهما محرمتان علي. كلتاهما. كلما أردت أن أدخل واحدة، أو واحدا منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتا. يصدني عنها. وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وطعن بمخصرته في المنبر «هذه طيبة. هذه طيبة. هذه طيبة» يعني المدينة «ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟» فقال الناس: نعم. «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة. ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن. لا بل من قبل المشرق، ما هو. من قبل المشرق، ما هو. من قبل المشرق، ما هو» وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص203
ج ٤ ص ٢٢٦١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٦٣
[٩٤٢] ومن حديث تميم الداري ﵁ في صفة الدجال : (فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ)؛ القَارِب: سفينة صغيرة تجري مع السفينة الكبيرة، (اغْتَلَمَ البَحْرُ): هاج، وقوله: (بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا)، أي: جردا. * * * [٩٤٦] و(عَينُ زُغَر) ؛ بضم الزاي وفتح الغين المعجمة: من عيون الشام، و(بَيسَان): من نواحي الشام، ولخم وجذام: قبيلتان، وقوله: (ثُمَّ ارفُوا إِلَى جَزِيرَة) أصل الكلمة مهموزة، فترك همزها، يقال: أرفأتُ السفينة أي: قربتها من الساحل، ومرفأ السفينة: الموضع الذي يقرب من الساحل، و(الجَسَّاسَة): الذي يبحث عن الأخبار ويتتبعها ويسأل عنها، ويمكن أن تكون الهاء فيه للتأنيث [مثل] المرأة، ويمكن أن يكون للمبالغة كالعلَّامة والنسَّابة، ويكون [....] يتجسس الأخبار ويتعرفها لأجل الدجال. والدجال سمي دجالا لتمويهه على الناس وتلبيسه، يقال: دجَّل: إذا موه ولبس، وقال ابن الأنباري: قال ثعلب سمّي دجالًا لضربه في الأرض وقطعه أكثر نواحيها، يقال: دَجَّل الرجل: إذا فعل ذلك، وقيل الدَّجْل: طلي البعير الأجرب بالقطران، قيل: دجل فلان الحق بباطله، وقيل: الدجل السحق. وسمي مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين، وقيل: سمي عيسى ﵇ ميسحا لأنه مسح بالبركة، وسمي الدجال مسيحا لأنه مسح باللعنة، فمسيح هنا: فعيل بمعنى مفعول، وقيل: سمي عيسى مسيحا؛ لأنه كان يمسح الأرض، أي: يقطعها، وكذلك الدجال سمي بذلك، فمسيحٌ على هذا فعيل بمعنى الفاعل، وكذلك إذا قيل: كان ﷺ لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، ومن ذلك صرف الدجال عن مكة والمدينة، فيه دلالة على فضل النبي ﷺ[لكونه] منهما ومن ذلك إبراء الخلق [....] . * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٦٣٣
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٥٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: جَلَسَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَمِعُوهُ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ الآيَاتِ، أَنَّ أَوَّلَهَا خُرُوجًا الدَّجَّالُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: لَمْ يَقُلْ مَرْوَانُ شَيْئًا، قَدْ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثًا، لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ). وقوله: (لَمْ يَقُلْ مَرْوَانُ شَيئًا)؛ أي كلامًا يُعتبَر. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: تَذَاكَرُوا السَّاعَةَ عِنْدَ مَرْوَانَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ ضُحًى). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٤) - (بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٥٦] (٢٩٤٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ -وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ- حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ بُرَيْدَةَ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ، شَعْبُ هَمْدَانَ، أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ، فَقَالَ: حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِيهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، لَا تُسْنِدِيهِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ، فَقَالَتْ: لَئِنْ شِئْتَ لأَفْعَلَنَّ، فَقَالَ لَهَا: أَجَلْ، حَدِّثِينِي، فَقَالَتْ: نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ، فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى مَوْلَاهُ أُسَامَة بْنِ زَيْدٍ، وَكُنْتُ قَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ»، فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قُلْتُ: أَمْرِي بِيَدِكَ، فَأَنْكِحْنِي مَنْ شِئْتَ، فَقَالَ: «انْتَقِلِي إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ»، وَأُمُّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ، فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلِي، إِنَّ أُمَّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ، أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ، فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ، وَلَكِنِ انْتَقِلِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ فِهْرِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي، سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، يُنَادِي: «الصَّلَاةَ جَامِعَةً»، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي تَلِي ظُهُرَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: «لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ، وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ، فَبَايَعَ، وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا، وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، مَعَ ثَلَاِثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ، وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَؤُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ، حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ، أَهْلَبُ، كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ، مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ، قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا، حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ، رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ، كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتِ: اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا، هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ ، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيّ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ، قَالُوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الأُمَيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ، وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ، وَأَطَاعُوهُ، قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ، فَأَسِيرَ فِي الأَرْضِ، فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ، وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً، أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا، يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً، يَحْرُسُونَهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ: «هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ»، يَعْنِي الْمَدِينَةَ، «أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟»، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، «فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ، وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّامِ، أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا، بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ»، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ، قَالَتْ: فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ) أبو عبيدة البصريّ، صدوق [١١] (٢٥٢) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٩/ ٣١١. ٢ - (حَجَّاجُ ابْنُ الشَّاعِرِ) ابن يوسف الثقفيّ البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) عَبْدُ الصَّمَدِ بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبَريّ مولاهم التَّنُّوري أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبت في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. ٤ - (جَدُّهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ -بفتح المثناة، وتشديد النون- البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. ٥ - (الْحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ) المعلم المكتب الْعَوْذيّ -بفتح المهملة، وسكون الواو، بعدها معجمة- البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِم [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٩/ ١٧٩. ٦ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد اللَّه بن بُريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سهل، المروزيّ، قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: بل (١١٥) وله مائة سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. ٧ - (عَامِرُ بْن شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ) -بفتح المعجمة- عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٨ - (فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسِ) بن خالد الْفِهريّة، أخت الضحاك صحابية مشهورة، وكانت من المهاجرات الأُوَل، وعاشت إلى خلافة معاوية -﵄- (ع) تقدمت في «الطلاق» ٦/ ٣٦٩٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف -﵀- وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير حجاج فبغداديّ، والشعبيّ فكوفي، وفاطمة -﵂- فمدنيّة، وابن بُريدة فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ابن بريدة عن الشعبيّ، وهو من رواية الأقران، وفيه قوله: «ابن بريدة» وهو يُطلق على سليمان، وعبد اللَّه ابني بريدة، ويميّز بالراوي، وقد نظمت ذلك بقولي: ابْنُ بُرَيْدَةَ سُلَيْمَانُ كَذَا … أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالْفَرْقَ خُذَا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ إِنْ أَبْهَمَا … وَأَعْمَشٌ مُحَارِبٌ فَلْتَعْلَمَا مُحَمَّدُ نَجْلُ جُحَادَةَ كَذَا … فَهْوَ سلَيْمَانُ وَنِعْمَ الْمُحْتَذَى وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ إِنْ أَبْهَمَ قُلْ … إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ تَوْءَمُ الرَّجُلْ فعلى هذا فابن بُريدة هنا هو عبد اللَّه؛ لِمَا ذكرناه، فتنبّه. شرح الحديث: (عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ) المعلم المكتب، أنه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بُرَيْدَةَ) عبد اللَّه، كما أسلفته آنفًا، (حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ) بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وقوله: (شَعْبُ هَمْدَانَ) بيان إلى أن نسبة الشعبيّ هذا إلى شعب همدان -بفتح الهاء، وسكون الميم- بطن من هَمْدان، وهو شعب بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير، قاله في «اللباب». والظاهر أنه إنما أضافه إلى همدان للاحتراز عما يضاف إلى غيره، ولكن لم أجد من ذكر غير هذا، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم. (أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسِ) بن خالد، من بني محارب بن فِهر بن مالك، وهي (أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ) الذي وَلي العراق ليزيد بن معاوية، وقُتِلَ بِمَرْجِ راهط، وهو من صغار الصحابة، وهي أسنّ منه، يقال: بعشر سنين، قَدِمت على أخيها الكوفةَ، وهو أميرها، فرَوَى عنها الشعبيّ قصّةَ الجسّاسة بطولها، فانفردت بها مطوّلة، وتابعها جابرٌ وغيره. (وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ)؛ أي: النساء اللاتي هاجرن في أوائل الهجرة إلى المدينة، (فَقَالَ) الشعبيّ: (حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِهِ) هذا هو الجاري على اللغة، ووقع في بعض النسخ: «سمعتيه» بزيادة الياء، وفيه إشكال. (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، لَا تُسْنِدِيهِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ) -ﷺ- (فَقَالَتْ) فاطمة: (لَئِنْ شِئْتَ لأَفْعَلَنَّ)؛ أي: لأحدّثنّك حديثًا سمعته منه -ﷺ- بلا واسطة. (فَقَالَ) الشعبيّ (لَهَا)؛ أي: لفاطمة، (أَجَلْ) كنعم وزنًا ومعنًى، (حَدِّثِينِي) حديثًا بهذا الوصف. (فَقَالَتْ) فاطمة: (نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ) هو: أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، زوج فاطمة بنت قيس، وهو ابن عمّ خالد بن الوليد بن المغيرة، وقيل: هو أبو حفص بن عمرو بن المغيرة، وأمه دُرّد بنت خُزَاعيّ الثقفيّة، وكان خرج مع عليّ إلى اليمن في عهد النبيّ -ﷺ-، فمات هناك، ويقال: بل رجع إلى أن شَهِد فتوح الشام، ذكر ذلك عليّ ابن رَبَاح، عن ناشرة بن سُميّ، سمعت عمر يقول: إني معتذرٌ لكم من عزل خالد بن الوليد، فقال أبو عمرو بن حفص: عزلت عنّا عاملًا استعمله رسول اللَّه -ﷺ-، فذكر القصّة، أخرجه النسائيّ، وقال البغويّ: سكن المدينة، أفاده في «الإصابة» . واختلفوا في اسمه، والأكثرون على أن اسمه عبد الحميد، وقال النسائيّ: اسمه أحمد، وقال آخرون: اسمه كنيته، قاله النوويّ . (وَهُوَ) ابن المغيرة (مِنْ خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ)؛ أي: يوم إذ تزوّجني، (فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) ظاهر هذا الكلام أنه استُشهد في الجهاد مع رسول اللَّه -ﷺ-، وليس كذلك، فإنه لم يُستشهد في غزوة غزاها معه -ﷺ-، فتأول بعض العلماء بأن المراد من قولها: «أُصيب» أنه أصيب بجراحات، لا أنه مات في الجهاد، وإنما ذكرته فاطمة لبيان فضائله، لا لسبب بينونتها منه، وذكر الحافظ في «الفتح» أن رسول اللَّه -ﷺ- بعثه مع عليّ إلى اليمن، وذكر جماعة أنه مات هناك، فيصدق أنه أصيب في الجهاد مع رسول اللَّه -ﷺ- أي: في طاعته، ولا يلزم من هذا أن تكون بينونتها منه بالموت، وإنما هو بالطلاق السابق على الموت، ولكن هذا التأويل لا يلتئم مع قولها: «في أول الجهاد»؛ لأن ذهابه إلى اليمن لا يصدق عليه أنه أول الجهاد، ثم إنه مخالف لقولها: «تأيمت»، فإن ظاهره أنها تأيّمت باستشهاد زوجها في الجهاد، وذكر جماعة من أهل السِّيَر أنه لم يمت في اليمن، بل بقي إلى خلافة عمر -﵁-. واستظهر صاحب «التكملة» أن هذا وَهَمٌ من بعض الرواة، وذلك لأنه روى هذا الحديث سيّار أبو الحكم عن الشعبيّ، كما سيأتي في الرواية التالية، فلم يذكر فيه إصابته في الجهاد، وإنما ذكر قول فاطمة: «طلقني بعلي ثلاثًا» فلعلها ذكرت فضائل زوجها، ومن جملتها كونه أصيب بجهاد معه -ﷺ-، فلعلّ أحد الرواة ظنّ أن تأيمها كان بسبب موت زوجها في الجهاد، فذكره بالسياق المذكور، وقد ذكر الحافظ في «الفتح» احتمال كونه وهمًا. انتهى . (فَلَمَّا تَأَيّمْتُ) قال النوويّ -﵀-: أي صرت أيّمًا، وهي التي لا زوج لها، قال العلماء: قولها: «فأصيب» ليس معناه أنه قُتل في الجهاد مع النبيّ -ﷺ-، وتأيمت بذلك، إنما تأيمت بطلاقه البائن، كما ذكره مسلم في الطريق الذي بعد هذا، وكذا ذكره في «كتاب الطلاق»، وكذا ذكره المصنفون في جميع كتبهم، وقد اختلفوا في وقت وفاته، فقيل: توفّي مع عليّ بن أبي طالب -﵁- عقب طلاقها باليمن، حكاه ابن عبد البرّ، وقيل: بل عاش إلى خلافة عمر -﵁-، حكاه البخاريّ في «التاريخ»، وإنما معنى قولها: «فأصيب»؛ أي: بجراحة، أو أصيب في ماله، أو نحو ذلك، هكذا تأوله العلماء، قال القاضي: إنما أرادت بذلك عَدّ فضائله، فابتدأت بكونه خير شباب قريش، ثم ذكرت الباقي. انتهى . وعبارة الحافظ -﵀- في «الفتح»: واتفقت الروايات عن فاطمة بنت قيس على كثرتها عنها أنها بانت بالطلاق، ووقع في آخر «صحيح مسلم» في حديث الجسّاسة عن فاطمة بنت قيس: «نَكَحْتُ ابنَ المغيرة، وهو من خيار شباب، قريش يومئذ، فأصيب في الجهاد مع رسول اللَّه -ﷺ-، فلما تأيّمتُ خطبني أبو جهم. . .» الحديث، وهذه الرواية وَهَمٌ، ولكن أوّلها بعضهم على أن المراد بقولها: «أصيب»؛ أي: مات على ظاهره، وكان في بعث عليّ إلى اليمن، فيصدق أنه أُصيب في الجهاد مع رسول اللَّه -ﷺ-؛ أي: في طاعة رسول اللَّه -ﷺ-، ولا يلزم من ذلك أن تكون بينونتها منه بالموت، بل بالطلاق السابق على الموت، فقد ذهب جمع جمّ إلى أنه مات مع عليّ باليمن، وذلك بعد أن أرسل إليها بطلاقها، فإذا جُمع بين الروايتين استقام هذا التأويل، وارتفع الوهم، ولكن يَبْعُد بذلك قول من قال: إنه بقي إلى خلافة عمر. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن كون هذه الرواية وهمًا من بعض الرواة هو الظاهر؛ لأن التأويل الذي ذكروه بعيد عن سياق الحديث، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) أحد العشرة المبشّرين بالجنّة المتوفّى سنة (١٣٢ هـ)، (فِي نَفَرٍ)؛ أي: مع جماعة من الصحابة -﵃-، (مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) تقدّم في الطلاق من جملة من خطبها معاوية، وأبو الجهم. قال النوويّ -﵀-: ظاهره أن الْخِطبة كانت في نفس العدّة، وليس كذلك إنما كانت بعد انقضائها، كما صُرّح به في الأحاديث السابقة في «كتاب الطلاق»، فيتأول هذا اللفظ الواقع هنا على ذلك، ويكون قوله: «انتقلي إلى أم شريك» و«إلى ابن أم مكتوم» مقدّمًا على الْخِطبة، وعطف جملة على جملة من غير ترتيب. انتهى. (وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى مَوْلَاهُ)؛ أي: ليزوجني مولاه (أُسَامَةَ بْنِ زَيْد) بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير الصحابيّ ابن الصحابيّ، حِبّ رسول اللَّه -ﷺ-، وابن حبّه -﵄-، أبي محمد، وأبي زيد، مات سنة (٥٤ هـ) وهو ابن (٧٥)، تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٤. قالت فاطمة: (وَكُنْتُ قَدْ حُدِّثْتُ) بالبناء للمفعول، أي: أخبرني بعض الناس (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قالَ: «مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ») تنويهًا بشرفه، ورفعة قَدْره، (فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قُلْتُ) بعد أن أبدت كراهيتها له؛ لكونه مولى، ثم أعاد عليها النبيّ -ﷺ- مرارًا، فقالت له -ﷺ-: (أَمْرِي بِيَدِكَ)؛ أي: جعلت أمر نكاحي بيدك، وتصرّفك، (فَأَنْكِحْنِي مَنْ شِئْتَ) أسامة أو غيره. (فَقَالَ) -ﷺ- لها: («انْتَقِلِي)؛ أي: من المكان الذي أنت فيه؛ لأنها شَكَت إليه أنها في بيت خال، تخشى أن يُقتحم عليها، فأمرها بأن تنتقل (إِلَى) بيت (أُمِّ شَرِيكٍ») أم شريك هذه قرشيّةٌ عامريّةٌ، وقيل: إنها أنصاريّةٌ، واسمها غُزَيّة، وقيل: غُزيلة -بغين معجمة مضمومة، ثم زاي فيهما- وهي بنت داود بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن حُجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لُؤيّ بن غالب، وقيل في نسبها غير هذا. قيل: إنها التي وهبت نفسها للنبيّ -ﷺ-. وقيل: غيرها. انتهى . (وَأُمُّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال النوويّ: هذا قد أنكره بعض العلماء، وقال: إنما هي قرشية، من بني عامر بن لؤيّ، وقال آخرون: هما اثنتان: قرشية، وأنصارية. انتهى. (عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)؛ أي: إنها كثيرة النفقة في الخير، (يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ) بالكسر جمع ضيف، (فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ)؛ أي: سأنتقل إلى بيتها. (فَقَالَ) -ﷺ- بعدما تذكّر أن بيت أم شريك لا يليق بها؛ لكثرة من يزورها من الرجال، فقال لها: («لَا تَفْعَلِي)؛ أي: لا تنتقلي إليها، ثم علّل ذلك بقوله: (إِنَّ أُمَّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ) الذي تستترين به، (أَوْ يَنْكَشِفَ)»أو« للتنويع، لا للشكّ، (الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ، فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ) أن يراه الأجانب. ومعنى هذا الكلام: أن الصحابة -﵃- كانوا يزورون أم شريك، ويُكثرون التردد إليها لصلاحها، وإنفاقها عليهم، فرأى النبيّ -ﷺ- أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجًا، من حيث إنه يلزمها التحفّظ من نَظَرهم إليها، ونَظَرها إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفّظ من هذا مع كثرة دخولهم، وتردّدهم مشقّةٌ ظاهرةٌ، فأمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم؛ لأنه لا يُبصرها، ولا يتردد إلى بيته من يتردّد إلى بيت أمّ شريك. انتهى. (وَلَكِنِ انْتَقِلِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) وقوله: (ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ») قال النوويّ: هكذا هو في جميع النسخ، وقوله:«ابن أم مكتوم»يكتب بألف؛ لأنه صفة لعبد اللَّه، لا لعمرو، فنسبه إلى أبيه عمرو، وإلى أمه أم مكتوم، فجمع نسبة إلى أبويه، كما في عبد اللَّه بن مالكٍ ابن بحينة، وعبد اللَّه بن أبيٍّ ابن سَلُول، ونظائر ذلك، وقد سبق بيان هؤلاء كلهم في«كتاب الإيمان». انتهى . وقيل: هو عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة. ويقال: زياد القرشيّ العامريّ الصحابيّ المشهور، قديم الإسلام، ويقال: اسمه الحصين، كان النبيّ -ﷺ- استخلة على المدينة، مات في آخر خلافة عمر، تقدّمت ترجمته في«الصلاة» ٤/ ٨٤٩. (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ فِهْرِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ) قال القاضي: المعروف أنه ليس بابن عمها، ولا من البطن الذي هي منه، بل من بني محارب بن فهر، وهو من بني عامر بن لؤيّ. انتهى. وتعقّبه النوويّ، قائلًا: الصواب أن ما جاءت به الرواية صحيح، والمراد بالبطن هنا القبيلة، لا البطن الذي هو أخص منها، والمراد أنه ابن عمها مجازًا؛ لكونه من قبيلتها، فالرواية صحيحة، وللَّه الحمد. انتهى . (فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى ابن أم مكتوم، (فَلَمَّا أنْقَضَتْ عِدَّتِي)؛ أي: انتهت مدّتها، وحللت للأزواج؛ أي: وزوّجني النبيّ -ﷺ- أسامة -﵁-، فقولها: (سَمِعْتُ) جواب «لمّا» مرتّب على ما ذكرته. (نِدَاءَ الْمُنَادِي)، وقولها: (مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) بدل من المنادي، أو عطف بيان له، (يُنَادِي: «الصَّلَاةَ جَامِعَةً») بنصبهما، ورفعهما، ونصب الأول، ورفع الثاني، وبالعكس، أربعة أوجه، فرَفْعهما على أنهما مبتدأ وخبر، ونَصْبهما على تقدير: احضروا الصلاةَ حال كونها جامعةً، ووفع الأول على تقدير: هذه الصلاة، ونصب الثاني على الحالية، وبالعكس على تقدير: احضروا الصلاةَ، وهي جامعة، وعلى جميع التقادير محل الجملة نصبٌ؛ لأنه مفعول «ينادي» محكيّ، لكونه في معنى القول. وقال التوربشتيّ -﵀-: وجه الرواية بالرفع أن يقدّر «هذه»؛ أي: هذه الصلاة جامعةٌ، ويجوز أن يخصب «جامعةً» على الحال، ولمّا كان هذا القول للدعاء إليها، والحث عليها كان النصب أجود، وأشبه بالمعنى المراد. قالت: (فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ) فيه جواز خروج المرأة إلى للصلاة في المسجد مع الرجال، وقد قال -ﷺ-: «لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه»، وفي رواية: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد، فلا يمنعها». (فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) الظاهر أن تلك الصلاة إحدى الصلوات الخمس، ويَحْتَمل أن تكون نافلة، أراد بها النبيّ -ﷺ- أن يجتمع بسببها الناس حتى يسمعوا حديثه. (فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الّذِي) صفة لـ «صفّ»، ووقع في بعض النسخ بلفظ «التي»، وهو تصحيف، فتنبّه. (يلِي ظُهُورَ الْقَوْم)؛ أي: الرجال، وفيه أن صفّ النساء بعد صفّ الرجال. (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاتَهُ)؛ أي: أدّاها وفرغ منها، (جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه -ﷺ- (يَضْحَكُ، فَقَالَ: «لِيَلْزَمْ) بفتح الزاي أي ليلتزم (كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ»)؛ أي: موضع صلاته، فلا يتغير، ولا يتقدم، ولا يتأخر. (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ-: («أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟»)؛ أي: بقول المنادي: «الصلاة جامعة»، (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ)؛ أي: لأمر مرغوب فيه، من عطاء، كغنيمة، (وَلَا لِرَهْبَةٍ)؛ أي: ولا لخوف من عدو، (وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ) منسوب إلى جدّ له اسمه الدار، وهو تميم بن أوس بن خارجة، أبو رقيّة الصحابيّ المشهور، سكن بيت المقدس بعد قتل عثمان، قيل: مات سنة أربعين، تقدّمت ترجمته في»شرح المقدّمة« جـ ٢ ص ٤٨٦. (كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا)؛ أي: معتقدًا دين النصارى، (فَجَاءَ) إليّ (فَبَايَعَ) على الإسلام (وَأَسْلَمَ)؛ أي: دخل في الإسلام، (وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا) هذا معدود في مناقب تميم؛ لأن النبيّ -ﷺ- رَوَى عنه هذه القصّة، وفيه رواية الفاضل عن المفضول، ورواية المتبوع عن تابعه، وفيه قبول خبر الواحد، قاله النوويّ -﵀-. (وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ)؛ أي: عن شؤونه، وفتنه، ومحنه، ثم بيّن كيفية تحديثه له، فقال: (حَدَّثَنِي أَنَّهُ)؛ أي: تميمًا، (رَكِبَ) بكسرٍ الكاف، (فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ)؛ أي: كبيرة، لا زورق نهري، (مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُالًا مِنْ لَخْمٍ) بفتح اللام، وسكون الخاء المعجمة مصروفٌ، وقد لا يصرف، قبيل معروفة، وكذا قوله: (وَجُذَامَ) بالجيم المضمومة. وقال القاري -﵀-: فهذا كما في حديث: «ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، وفيه إشعاو بأن كثرة الرواة لها دخل في قوة الإسناد، ولهذا قال على سبيل الاستشهاد، وطريق الاعتضاد: «حدّثني»، فهو من قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر، وفيه إيماء إلى الردّ على الجاهل المكابر، حيث يتكبر عن أخذ العلم من أهل الخمول والأصاغر، وقد قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، وقيل: كلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقّ بها، ومما يحكى من كلام عليّ -﵁-: انظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال، وللَّه درّ من قال في هذا المعنى، وأجاد في المقال [من الرجز]: وَأَكْرِمِ الأُسْتَاذَ ذَا الإِرْشَادِ … فَإِنَّهُ أَبٌ لِكُلِّ شَادِي وَاخْدُمْ لَهُ فَالاقْتِبَاسُ رِقُّ … وَإِنْ تَكُنْ كَالتَّبْرِ فَهوَ الْوَرْقُ وَاسْتَفْتِهِ وَإِنْ يَكُنْ بَقَّالَا … وَانْظُرْ إِلَى الْمَقَالِ لَا مَنْ قَالَا والمعنى: أن تميمًا حكى لي أنه وكب في سفينة بحرية؛ أي: لا برّية؛ احترازًا عن الإبل، فإنها تسمى سفينة البرّ، وقيل: أي مركبًا كبيرًا بحريًّا، لا زَوْرقًا صغيرًا نهريًّا . (فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ)؛ أي: دار بهم الموج (شَهْرًا)؛ أي: مقدار شهر، (فِي الْبَحْرِ) واللعب في الأصل: ما لا فائدة فيه من فعل، أو قول، فاستعير هنا لصدّ الأمواج السفنَ عن صوب المقصد، وتحويلها يمينًا وشمالًا. (ثُمَّ أَرْفَؤوا) بهمزتين؛ أي: قرّبوا السفينة، قال الأصمعيّ: أوفأت السفينة أُوفئها إرفاءً، وبعضهم يقول: أُرفيها بالياء على الإبدال، وهذا مَرْفأ السفن؛ أي: الموضع الذي تُشَدّ إليه، وتوقف عنده. (إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ، حَتَّى مَغْرِبِ)؛ أي: إلى أن تغرب (الشَّمْسِ) وفي بعض النسخ: «حيث تغرب الشمس» (فَجَلَسُوا)؛ أي: بعدما تحولوا من المركب الكبير، (فِي أَقْرُب السَّفِينَةِ) بفتح الهمزة، وضم الراء: جمع قارب بكسر الراء، وفتحها، وهو أَشهر وأكثر، قال النوويّ: أقرب السفينة، هو بضم الراء، جمع قارب بكسر الراء، وفتحها، وهي سفينة صغيرة، تكون مع الكبيرة كالجنيبة، يتصرف فيها ركاب السفينة؛ لقضاء حوائجهم، وفي «النهاية»: أما «أقرُب» فلعله جمع قارب، فليمس بمعروف في جمع فاعل أفعُل، وقد أشار الحميدي في «غريبه» إلى إنكار ذلك، وقال الخطابيّ: إنه جمع على غير قياس. (فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ) اللام للعهد: أي في الجزيرة التي هناك، (فَلَقِيَتْهُمْ)؛ أي: فرأتهم (دَابَّةٌ، أَهْلَبُ) الْهُلْب بضم، فسكون: الشَّعر، وقيل: ما غَلُظ من الشعر، وقيل: ما كَثُر من شعر الذَّنَب، وإنما ذُكِّر؛ لأن الدابة تطلق على الذكر والأنثى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، كذا قالوا، والأظهر أنه بتأويل الحيوان، ولذا قال: (كَثِيرُ الشَّعَرِ) وهو تفسير لِمَا قبله، وعطف بيان، ثم بيّنه زيادة تبيان حيث قال استئنافًا: (لَا يَدْرُونَ)؛ أي: لا يعرف الناس الحاضرون، (مَما قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ) بضمتين فيهما، قال الطيبيّ -﵀-: «ما» استفهامية، و«يدرون» بمعنى يعلمون لمجيء الاستفهام تعليقًا، ولا بدّ من تقدير مضاف بعد حرف الاستفهام؛ أي: ما نسبة قُبُله من دُبُره، (مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ) من أجلها، وبسببها. (فَقَالُوا: وَيْلَكِ) أي ألزمك اللَّه الويل والهلاك، (مَا أَنْتِ؟) خاطبوها مخاطبة المتعجب المتفجع؛ أي: أيّ جنس أنت من الحيوان؟ قال القرطبيّ: اعتقدوا أنها مما لا يعقل، فاستفهموها بـ «ما»، ثم إنها بعد ذلك كلمتهم كلام من يعقل، فعنده ذلك رَهِبوا أن تكون شيطانة؛ أي: خافوا ذلك. (فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ) قال النوويّ -﵀-: هي بفتح الجيم، فتشديد المهملة الأولى، قيل: سُمّيت بذلك؛ لتجسسها الأخبار للدجال، وجاء عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أنها دابة الأرض المذكورة في القرآن. (قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ انْطَلِقُوا)؛ أي: اذهبوا (إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ) بفتح الدال، وسكون التحتية؛ أي: دير النصارى، ففي «المغرب»: الدير صومعة الراهب، والمراد هنا: القصر، كما سيأتي، والجار والمجرور حال، والعامل فيه اسم الإشارة، أو حرف التنبيه. (فَإِنَّهُ)؛ أي: الرجل الذي في الدير (إِلَى خَبَرِكُمْ) متعلق بقوله: (بِالأَشْوَاقِ) بفتح الهمزة: جمع شوق؛ أي: كثير الشوق، وعظيم الاشتياق، والباء للإلصاق، قال التوربشتيّ -﵀-: أي شديد نزاع النفس إلى ما عندكم من الخبر، حتى كانت الأشواق ملصقة به، أو كأنه مهتم بها. (قَالَ) تميم -﵁-: (لَمَّا سَمَّتْ)؛ أي: ذكرت ووصفت (لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا) بكسر الراء؛ أي: خفنا (مِنْهَا) أي: من تلك الدابّة (أَنْ تَكُونَ شَييْطَانَةً)؛ أي: كراهة أن تكون شيطانة، وأن يكون الرجل شيطانًا متعلقًا بها، وقال الطيبيّ -﵀-: «أن تكون شيطانة» بدل من الضمير المجرور. (قَالَ) تميم: (فَانْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا (سِرَاعًا)؛ أي: حال كوننا مسرعين في الانطلاق، (حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ) قال بعضهم: دير النصارى أصله الواو. انتهى، والمعنى أن أصله: دار بالألف المبدلة من الواو، مأخوذًا من الدور؛ لكونه مدورًا، أو مُدار فيها، أو مدار المعيشة، والمبيت إليه، ثم أُبدلت الألف ياء للفرق، ومراده بقوله: دير النصارى أنه مثله، أو في الأصل يطلق عليه، وقد يطلق على بيت الخمر . (فَإِذَا فِيه أَعْظَمُ إِنْسَانٍ)؛ أي: أكبره جثة، أو أهيبه هيئة، وقوله: (رَأَيْنَاهُ) صفة «إنسان» احتراز عمن لم يروه، ولما كان هذا الكلام في معنى: ما رأينا مثله صحّ قوله: (قَطُّ) الذي يختص بنفي الماضي، وهو بفتح القاف، وتشديد الطاء المضمومة، في أفصح اللغات، وقد تكسر، وقد يتبع قافه طاءه في الضم، وقد تخفف طاؤه، مع ضمها، وإسكانها، على ما في «المغني». وقوله: (خَلْقًا) منصوب على التمييز، (وَأَشَدُّهُ)؛ أي: أقوى إنسان (وِثَاقًا) بفتح الواو، وتُكسر؛ أي: قيدًا من السلاسل والأغلال، على ما سيأتي. (مَجْمُوعَةٌ) بالنصب على الحال، أو بالرفع صفة لـ «أعظم»؛ أي: فإذا فيه أعظم إنسان مجموعةٌ (يَدَاهُ) مرفوع على أنه نائب الفاعل، (إِلَى عُنُقِهِ) متعلّق بـ «مجموعة»، وقوله: (مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ)؛ أي: الذي بين ركبتيه (إِلَى كَعْبَيْهِ) مجموع، ومغلول أيضًا (بِالْحَدِيدِ) يعني كانت يداه، وساقاه مجموعة إلى عنقه بالحديد. وقال القاري -﵀-: قوله: «ما بين ركبتيه إلى كعبيه» لمّا كان ظاهره أن يؤتى بالواو في أوله؛ ليكون المعنى: ومجموعة ساقاه عليه، ويكون قوله: «بالحديد» قيدًا لهما، قال الطيبيّ -﵀-: «ما» موصولة مرفوعة المحل، والمعنى: مجموعة ساقاه بالحديد، وحذف «مجموعة» في الثاني؛ لدلالة الأُولى عليها . (قُلْنَا: وَيْلَكَ)؛ أي: ألزمك اللَّه الويل والهلاك، (مَا أَنْتَ؟)؛ أي: أيّ جنس أنت، إنسيّ، أم جنّيّ؟. قال القاري -﵀-: قوله: «ما أنت» استغربوه، فأوردوا «ما» مكان «من»، ويمكن أن يكون السؤال عن وصفه وحاله؛ إذ قد علموا أنه رجل، وقد يجيء «ما» بمعنى «من» كما حقِّق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ [الشمس: ٥]، أو روعي مشاكلة ما قبلها. انتهى . وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «ما أنت؟» كأنهم لمّا رأوا خلقًا عجيبًا خارجًا عما عهِدوه خفي عليهم حاله، فقالوا: ما أنت مكان من أنت، وكذلك قوله: «ما أنتم»؛ لأنه ما عهد أن إنسانًا يطرق ذلك المكان، نظيره في حديث أم زرع: «زوجي أبو زرع، وما أبو أبو زرع؟». انتهى . (قَالَ) الرجل: (قَدْ قَدَرْتُمْ)؛ أي: تمكنتم (عَلَى خَبَرِي)؛ أي: فإني لا أخفيه عنكم، فأحدثكم عن حالي، (فَأَخْبِرُونِي)؛ أي: عن حالكم، وما أسأله عنكم أوّلًا، وهذا معنى قوله: (مَا أَنْتُمْ؟) حيث لم يقل: من أنتم، ويمكن أن يكون طباقًا لقولهم، وجزاء لفعلهم، وقال ابن الملك: أي من أنتم؟ أو ما حالكم؟ (قَالُوا) فيه التفات من التكلم إلى الغيبة، ويمكن أن يكون التقدير: قال بعضنا، ففيه تغليب للغائبين على الحاضرين. (نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ، رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ)؛ أي: هاج، وجاوز حده المعتاد، وقال الكسائيّ: الاغتلام أن يتجاوز الإنسان ما حُدّ له من الخير والمباح. (فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا)؛ أي: منعنا من الوصول إلى المقصد، (ثُمَّ أَرْفَأْنَا)؛ أي: ألجأنا (إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا)؛ أي: في أقرُب السفينة، وهي الصغار، (فدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا) بكسر القاف؛ أي: استقبلتنا (دَابَّةٌ أَهْلَبُ)؛ أي: غليظة الشَّعر، (كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يُدْرَى) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: «لا ندري»، (مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتِ: اعْمِدُوا) بكسر الميم؛ أي: اقصدوا (إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ) بالفتح؛ أي: القصر الكبير، (فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا)؛ أي: مسرعين، (وَفَزِعْنَا)؛ أي: خفنا (مِنْهَا)؛ أي: من تلك الدابّة، (وَلَمْ نَأْمَنْ) من باب تعب، (أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، فَقَالَ) الرجل: (أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ) بفتح الموحّدة، وسكون التحتية، وهي قرية بالشام، وقال ياقوت: بيسان بالفتح، ثم السكون، وسين مهملة، ونون: مدينة بالأردنّ بالغور الشامي، ويقال: هي لسان الأرض، وهي بين حَوْاران وفلسطين، وبها عين الفلوس، يقال: إنها من الجنة، وهي عين فيها ملوحة يسيرة، جاء ذكرها في حديث الجساسة، قال: وتوصف بكثرة النخل، وقد رأيتها مرارًا، فلم أر فيها غير نخلتين حائلتين، وهو من علامات خروج الدجال، وهي بلدة وبئة حارّة، أهلها سُمُر الألوان، جُعْد الشعور؛ لشدة الحر الذي عندهم. وقال أيضًا: وبيسان أيضًا موضع معروف بأرض اليمامة، والذي أراه أن هذا الموضع هو الموصوف بكثرة النخل؛ لأنهم إنما احتجّوا على كثرة نخل بيسان بقول أبي دواد الإياديّ [من الخفيف]: نَخَلَاتٌ مِنْ نَخْلِ بَيْسَانَ أَيْنَعْـ … ــنَ جَمِيعًا وَنَبْتُهُنَّ تُؤَامُ وَتَدَلَّتْ عَلَى مَنَاهِلِ بُرْدٍ … وَفليجٌ من دونها وسنامُ (قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟)؛ أي: تطلب خبر بيسان، (قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا، هَلْ يُثْمِرُ؟) نخلها، (قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ) يثمر، (قَالَ: أَمَا) بالتخفيف: أداة استفتاح وتنبيه، (إِنَّه)؛ أي: إن الشأن والحال، وفي نسخة: «إنها»، أو الضمير للنخل؛ إذ هو اسم جمع يذكّر، ويؤنّث، كما أسلفنا البحث عنه مستوفًى. (يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، قَالَ) الرجل: (أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ) بفتحتين، والبحيرة تصغير البحر، وفي «القاموس»: الطبرية محركة: قصبة الأردنّ، والنسبة إليها طبراني. (قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيّ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ)؛ أي: يفنى، وينفد. (قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ) بزاي معجمة مضمومة، ثم غين معجمة مفتوحة، ثم راء، وهي بلدة معروفة في الجانب القبليّ من الشام، قاله النوويّ . وقال القاري: «زُغر» بزاي، فغين معجمتين، فراء، كزُفَر: بلدة بالشام، قليلة النبات، قيل: عدم صرفه للتعريف والتأنيث؛ لأنه في الأصل اسم امرأة، ثم نُقل، يعني ليس تأنيثه باعتبار البلدة والبقعة، فإنه قد يذكّر مثله، ويصرف باعتبار البلد والمكان. انتهى . (قَالُوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ)؛ أي: في عينه، أو تلك العين، فاللام للعوض عن المضاف إليه، أو للعهد. (مَاءٌ)؛ أي: كثير؛ لقوله: (وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا)؛ أي: أهل تلك العين، أو البلدة، وهي الأظهر؛ لقوله: (بِمَاءِ الْعَيْنِ) بماء العين. (قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا) الظاهر أن جوابه على طبق ما سبق، وهو أما إنها يوشك أن لا يبقى فيها ماء يزرع به أهلها، وفي الأسئلة المذكورة، وأجوبتها المسطورة، إشارة إلى أنها علامات لخروجه، وأمارات لذهاب بركتها بشآمة ظهوره، ووصوله. ولمّا كانت هذه الأسئلة توطئة لِمَا بعدها (قَالَ)؛ أي: الدجال معرضًا عن الجواب الثانى، وبادر إلى السؤال المقصود، وهو ظهور محمد -ﷺ- المحمود، (أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الأُمَيِّينَ)؛ أي: العرب، (مَا فَعَلَ؟) بفتحتين؛ أي: ما صنع بعدما بُعث، قال ابن الملك في «شرح المشارق»: أراد الدجال بالأميين: العرب؛ لأنهم لا يكتبون، ولا يقرؤون غالبًا، وإنما أضاف نبيّنا محمدًا -ﷺ- إليهم طعنًا عليه بأنه مبعوث إليهم خاصّة، كما زعم بعض اليهود، أو بأنه غير مبعوث إلى ذوي الفطنة، والكياسة، والعقل، والرياسة. (قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ، وَنَزَلَ يَثْرِبَ)؛ أي: هاجر إلى المدينة. (قَالَ: أَقَاتَلَهُ). وفي نسخة: «أقاتلته» (الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ) قاتَلَته، (قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟) في مقاتلته لهم، (فَأَخْبَرْنَاهُ، أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ، وَأَطَاعُوهُ)؛ أي: امتثلوا ما أمرهمِ به، (قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟) بتقدير الاستفهام، (قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاك)؛ أي: طاعتهم له (خَيْرٌ لَهُمْ)، وقوله: (أَنْ يُطِيعُوهُ) في تأويل المصدر بدل من اسم «إنّ»، يعني أن طاعتهم له خير لهم من مخالفته. قال الطيبيّ -﵀-: المشار إليه؛ أي بقوله. «إن ذاك» ما يُفهم من قوله: «وأطاعوه»، وقوله: «أن يطيعوه» جاء لمزيد البيان، ويجوز أن يكون المشار إليه: رسول اللَّه -ﷺ-، و«خير» إما خبر لـ «ذلك» مسند إلى «أن يطيعوه»، وعلى هذا لا يكون بمعنى التفضيل، أو يكون «أن يطيعوه» مبتدأ، و«خير» خبره، مقدمًا، عليه، والجملة خبر «إن». وقال التوربشتيّ -﵀-: فإن قيل: يُشبه هذا القول قول مَن عَرَف الحقّ، والمخذول من البعد من اللَّه بمكان، لم يُر له فيه مساهم، فما وجه قوله هذا؟. قلنا: يَحْتَمِل أنه أراد به الخير في الدنيا؛ أي: طاعتهم له خير لهم، فإنهم إن خالفوه اجتاحهم، واستأصلهم، ويَحْتَمِل أنه من باب الصرفة، صرفه اللَّه تعالى الطعن فيه، والتكبر عليه، وتَفَوّه بما ذُكر عنه، كالمغلوب عليه، والمأخوذ عليه، فلا يستطيع أن يتكلم بغيره؛ تأييدًا لنبيّه -ﷺ-، والفضل ما شَهِدت به الأعداء. انتهى . (وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي إِنِّي) بكسر الهمزة، وفتحها، (أَنَا الْمَسِيحُ) الدجّال، قال الفيّوميّ: المَسِيحُ الدَّجَّالُ صاحب الفتنة العظمى، قال ابن فارس: المَسِيحُ الذي مُسح أحد شِقَّي وجهه، ولا عين له، ولا حاجب، وسُمّي الدجال مَسِيحًا؛ لأنه كذلك، ومنه درهم مَسِيحٌ؛ أي: أطلس، لا نقش عليه . (وَإِنَّي) بالكسر والفتح أيضًا، (أُوشِكُ)؛ أي: أقرب (أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ، فَأَسِيرَ فِي الأَرْضِ، فَلَا أَدَعَ) بالنصب في الثلاثة، وجُوّز رفعها؛ أي: فلا أترك (قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) ظرف لـ «أسير»، وعدم الترك إشعارٌ بقوة سياحته التي هي أحد وجوه تسميته بالمسيح، على أن فعيل بمعنى الفاعل؛ لكون سياحته مرورًا كالمسح. (غَيْرَ مَكَّةَ) استثناء من القرية التي وقعت نكرة في سياق النفي المنصبّ عليه الاستثناء المفيد للاستغراق، (وَطَيْبَةَ) عطف على «مكة»، وهي بفتح الطاء، وسكون التحتية، فموحدة من أسماء المدينة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة. (فَهُمَا)؛ أي: مكة وطيبة (مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ)؛ أي: ممنوعتان عليّ دخولهما، وقوله: (كِلْتَاهُمَا) تأكيد لـ «هُما»، ثم بيّن سبب المنع بقوله: (كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً، أَوْ) للشك من الراوي، أي أو قال: (وَاحِدًا مِنْهُمَا، اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا) بفتح الصاد وتُضم؛ أي: مجردًا عن الغمد، قال بعضهم: الصلت بالفتح، والضم، مصدر بمعنى الفاعل، أو المفعول، حال عن المَلَك، أو السيف؛ أي: مُصلِتًا، أو مُصلَتًا، من قولهم: أصلت سيفه؛ أي: جرّده من غلافه. (يَصُدُّنِي عَنْهَا)؛ أي: يمنعني عن كل واحدة منهما، وهو استئنافٌ بيانيّ، أو حال، والضمير للملَك، أو السيف مجازًا. (وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ) بفتح النون، وسكون القاف؛ أي: طريق، أو باب (مِنْهَا)؛ أي: من كل واحدة منهما، (مَلَائِكَةً، يَحْرُسُونَهَا)؛ أي: يحفظونها عن الآفات، والبليّات، من غير ذلك الملَك، والظاهر أنه جبريل ﵇؛ لِمَا تقدم، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَتْ) فاطمة -﵂-: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَ) الحال أنه قد (طَعَنَ)؛ أي: ضرب (بِمِخْصَرَتِه) بكسر الميم وفتح الصاد؛ أي: بعصاهِ، وفي «الفائق»: المخصرة: هي قضيب يشير به الخطيب، أو الملِك إذا خاطب، وقال التوربشتيّ: المخصرة كالسوط، وكل ما اختصر الإنسان بيده، فأمسكه، من عصًا، ونحوها، فهو مخصرة. انتهى . (فِي الْمِنْبَرِ)؛ أي: عليه، فـ «في» بمعنى «على»، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. («هَذِهِ طَيْبَةُ) الجملة مقول لـ»قال«، وما بينهما حال معترضة بين الفاعل والمفعول، وقوله: (هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ») كررها ثلاثًا للتأكيد، (يَعْنِي الْمَدِينَةَ)؛ أي: يريد النبيّ -ﷺ- بقوله: «هذه» الموضوعة للإشارة المحسوسة: المدينة المحروسة. قال التوربشتيّ - ﵀ -: لمّا وافق هذا القول ما كان حدّثهم به، أعجبه ذلك، وسُرّ به، فقال: («أَلَا)؛ أي: انتبهوا، (هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟»)؛ أي: مثل هذا الحديث، (فَقَالَ النَّاسُ) الحاضرون لخطابه - ﷺ -: (نَعَمْ)؛ أي: حدّثتنا بذلك، قال - ﷺ -: («فَإنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيم أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ، وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا)؛ أي: انتبهوا، (إِنَّهُ)؛ أي: الدجال، (فِي بَحْرِ الشَّامِ، أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ) قيل: لما حدّثهم بقول تميم الداريّ لم يَرَ أن يبيّن لهم موطنه. ومجلسه كل التبيين؛ لِمَا رأى في الإلباس من المصلحة، فردّ الأمر فيه إلى، التردد بين كونه في بحر الشام، أو بحر اليمن، ولم تكن العرب يومئذٍ تسافر إلا في هذين البحرين، ويَحْتَمِل أنه أراد ببحر الشام ما يلي الجانب الشاميّ، وببحر اليمن ما يلي الجانب اليمانيّ والبحر واحد، وهو الممتدّ على أحد جوانب جزيرة العرب، ثم أضرب عن القولين، مع حصول اليقين في أحدهما، فقال: (لَا، بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هُوَ)؛ أي: هو، و»ما« زائدة، أو موصولة، بمعنى الذي؛ أي: الجانب الذي هو فيه، قال القاضي - ﵀ -: لفظة »ما« هنا زائدة صلة للكلام، وليست بنافية، والمراد إثبات أنه في جهة المشرق، قال، التوربشتيّ - ﵀ -: ويَحْتَمِل أن يكون خبرًا، أي الذي هو فيه، أو الذي هو يخرج منه. (مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ»، وَأَوْمَأَ) بهمزتين؛ أي: أشار (بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ) قال الأشرف: يمكن أنه كان شاكًّا في موضعه، وكان، في ظنه أنه لا يخلو عن هذه المواضع الثلاثة، فلما ذكر بحر الشام، وبحر اليمن، تيقن له من جهة الوحي، أو غلب على ظنه أنه من قِبَل المشرق، فنفى، الأولين، وأضرب عنهما، وحقق الثالث. انتهى. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«ألا إنه في بحر الشام إلخ»هذا كله كلام ابتدئ على الظن، ثم عرض الشك، أو قصد الإبهام، ثم بقي ذلك كله، وأضرب عنه بالتحقيق، فقال:«لا، بل من قِبَل المشرق»، ثم أكد ذلك بـ«ما»الزائدة، وبالتكرار اللفظيّ، فـ«ما» فيه زائدة، لا نافية، وهذا لا بُعد فيه؛ لأنَّ النبيّ - ﷺ - بشر يظن، ويشك، كما يسهو وينسى، إلا أنه لا يتمادى، ولا يُقَرّ، على شيء من ذلك، بل يُرشد إلى التحقيق، ويسلك به سواء الطريق. والحاصل من هذا أنه - ﷺ - ظن أن الدجال المذكور في بحر الشام؛ لأنَّ تميمًا إنما ركب في بحر الشام، ثم عرض له أنَّه في بحر اليمن؛ لأنَّه يتصل ببحر متصل ببحر اليمن، فيجوز ذلك، ثم أطلعه العليم الخبير على تحقيق ذلك، فحقق، وأكّد. انتهى . (قَالَتْ) فاطمة بنت قيس - ﵂ -: (فَحَفِظْتُ هَذَا) الحديث بطوله (مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: فلم أسمعه من غيره، وإنما قالت هذا؛ لأن الشعبيّ شرط عليها أن تحدّثه بما سمعت من لفظ رسول الله - ﷺ -، فلما حدّثته أكّدت له أن هذا مما سمعته منه - ﷺ - مباشرة، دون أيّ واسطة، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث فاطمة بنت قيس - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٧٣٥٦ و٧٣٥٧ و٧٣٥٨ و٧٣٥٩] (٢٩٤٢)، و(أبو داود) في «الملاحم» (٤٣٢٥ و٤٣٢٧)، و(الترمذيّ) في «الفتن» (٢٢٥٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٨١)، و(ابن ماجه) في «الفتن» (٤١٢٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٧٣)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٥/ ٢٢٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤/ ٩٥٨) و«الأوسط» (٥/ ١٢٥)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١٠٥٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٧٨٧ و٦٧٨٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٥/ ٦٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في «كتاب الطلاق» برقم [٦/ ٣٦٩٦] (١٤٨٠)، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٥٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ، أَبُو عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبٍ، يُقَالُ لَهُ: رُطَبُ ابْنِ طَابٍ، وَأَسْقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَيْنَ تَعْتَدُّ؟ قَالَتْ: طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثًا، فَأَذِنَ لِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي، قَالَتْ: فَنُودِيَ فِي النَّاسِ: «إِنَّ الصَّلَاةَ جِامِعَةً»، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ فِيمَنِ انْطَلَقَ مِنَ النَّاسِ، قَالَتْ: فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ مِنَ النِّسَاءِ، وَهُوَ يَلِي الْمُؤَخَّرَ مِنَ الرِّجَالِ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ، فَقَالَ: «إِنَّ بَنِي عَمٍّ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَكِبُوا فِي الْبَحْرِ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَتْ: فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَهْوَى بِمِخْصَرَتِهِ إِلَى الأَرْضِ، وَقَالَ: «هَذِهِ طَيْبَةُ»؛ يَعْنِي: الْمَدِينَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، تقدّم غير مرّة. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثَ الْهُجَيْمِيُّ، أَبُو عُثْمَانَ) البصريّ، تقدّم أيضًا غير مرّة. ٣ - (قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، تقدّم أيضًا غير مرّة. ٤ - (سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ) العنَزيّ، واسم أبيه وردان، وقيل: ورد، وقيل غير ذلك، تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبٍ، يُقَالُ لَهُ: رُطَبُ ابْنِ طَابٍ)؛ أي: ضيّفتنا بنوع من التمر يقال له: رطب ابن طاب، وهو نوع من أنواع تمور المدينة، ويقال: إن أنواع تمورها مائة وعشرون نوعًا. وقوله: (وَأَسْقَتْنَا) وفي نسخة: «سقتنا»، وكلاهما لغتان، وردتا في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، وقال: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. وقوله: (سَوِيقَ سُلْتٍ) بضم السين المهملة، وسكون اللام، آخره تاء مثناة فوقُ: حبّ يشبه القمح، ويشبه الشعير، كذا فسّره النوويّ، وجعله في «القاموس» نوعًا من الشعير. وقولها: (طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثًا) تقدّم أنه طلّقها آخر تطليقات ثلاث. وقوله: («إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةً») أما «الصلاة» هنا ففيها النصب فقط؛ لأنها اسم «إنّ»، وأما «جامعة» ففيها وجهان: الرفع على الخبريّة لـ «إن»، والنصب، على الحاليّة، والخبر محذوف؛ أي: محضورة. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ) الفاعل ضمير سيّار أبي الحكم. [تنبيه]: رواية سيّار أبي الحكم عن الشعبيّ هذه ساقها الطيالسيّ - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (١٦٤٦) - حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا قُرّة بن خالد، حدّثنا سيار أبو الحكم، عن الشعبيّ، قال: دخلنا على فاطمة بنت قيس، فأتحفتنا برطب، يقال له: ابن طاب، وسَقَتنا سويق سُلْت، فسألناها عن المطلقة ثلاثًا أين تعتدّ؟ فقالت: أذن لي رسول الله - ﷺ - أن اعتدّ في أهلي إلى الحول، ويومئذٍ، نودي في الناس: «الصلاة جامعة»، فخرجت فيمن خرج من النساء، وكنت في الصف المقدَّم مما يلي الصف المؤخَّر من الرجال، فسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن بني عمّ تميم الداري ركبوا البحر، وإن سفينتهم قذفتهم إلى ساحل من سواحل البحر، وهناك دابة يواريها شعرها، قالوا: فلما دخلنا عليها قالت: أنا الجساسة، ثم قالت: إن في ذلك الدَّير من هو إلى رؤيتكم بالأشواق، فدخلنا، فإذا رجل مكبل في الحديد بضرورة، فقال: أخَرَج صاحبكم؟ يعني النبيّ - ﷺ -، فقلنا: نعم، قال: فاتبعوه، ثم قال: أخبروني عن نخل بيسان، أيُطعم؟ قلنا: نعم، قال: أخبروني عن بُحيرة طبرية، أكثيرة الماء هي؟ قلنا: نعم، قال: أخبروني عن عين زُغَر، أكثيرة الماء؟ قلنا: نعم، قال: أما إني لو قد خرجت لوطئت البلاد كلها، غير مكة، وطيبة». قالت فاطمة: فأنا رأيت رسول الله - ﷺ - يقول بمخصرته: ألا وهذه طيبة، يومئ إلى أرض المدينة، ومكة. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ غَيْلَانَ بْنَ جَرِيرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ، فَتَاهَتْ بِهِ سَفِينَتُهُ، فَسَقَطَ إِلَى جَزِيرَةٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا، يَلْتَمِسُ الْمَاءَ، فَلَقِيَ إِنْسَانًا يَجُرُّ شَعَرَهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ قَدْ وَطِئْتُ الْبِلَادَ كُلَّهَا غَيْرَ طَيْبَةَ، فَأَخْرَجَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى النَّاسِ، فَحَدَّثَهُمْ، قَالَ: «هَذِهِ طَيْبَةُ، وَذَاكَ الدَّجَّالُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) البصريّ، يلقّب أبا الجوزاء، تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٩. ٣ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) أبو العباس البصريّ، تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٥. ٤ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد الأزديّ، أبو النضر البصريّ، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨١. ٥ - (غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) الْمِعْوَليّ الأزديّ البصريّ، تقدم في «الطهارة» ١٥/ ٥٩٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ) الفاعل ضمير غيلان بن جرير. وقوله: (فَتَاهَتْ بِهِ سَفِينَتُهُ)؛ أي: ضلّت عن الطريق بسبب كثرة اضطراب الموج. وقوله: (فَسَقَطَ إِلَى جَزِيرَةٍ)؛ أي: وصل إليها. وقوله: (فَأَخْرَجَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى النَّاسِ)؛ أي: أخرج تميمًا الداريّ، فحدّث الناس بالحديث، وظاهره أنه حدّث بنفسه، ويَحتمل أن المراد أنه بعدما انتهى - ﷺ - عن الحديث، قال له: أهكذا يا تميم؟، فقال: نعم، فسمى تصديقه حديثًا، والله تعالى أعلم. وقوله: («وَذَاكَ الدَّجَّالُ») هذا تصريح من النبيّ - ﷺ - بكونه دجالًا، ولم يقع هذا التصريح إلا في هذه الطريق، وهو يدلّ على أن الدجّال لا يزال مشدودًا بجزيرة إلى أن يخرج في آخر الزمان، أما كون الناس لم يَصِلوا إليه حتى الآن، فلم يثبت أنهم قد وصلوا إلى كل مكان من الجزائر، ويَحْتَمل أيضًا أن الله تعالى جعله مخفيًّا عن أعين الناس، وإنما أظهره مرّة لتميم وأصحابه لتصديق إخبار النبيّ - ﷺ - فقط، والله تعالى أعلم، قاله صاحب «التكملة» . [تنبيه]: رواية غيلان بن جرير، عن الشعبيّ هذه ساقها ابن منده - ﵀ - في «الإيمان»، فقال: (١٠٦٠) أخبرنا علي بن محمد بن نصر، وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا محمد بن أيوب، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا جرير بن حازم، قال: سمعت غيلان بن جرير يحدث عن الشعبيّ، عن فاطمة بنت قيس، قالت: قَدِم على النبيّ - ﷺ - تميم الداريّ، فأخبر رسول الله - ﷺ - أنه ركب البحر، فقامت بهم سفينتهم، فسقط إلى جزيرة، فخرج يلتمس الماء، فلقي إنسانًا يجرّ شعره، فقال: من أنت؟ قالت: أنا الجساسة، قال: فأخبرينا، قالت: ما أنا بمخبركم، ولا مستخبركم، ولكن عليكم بهذه الجزيرة، فدخلناها، فإذا رجل مُقيّد إلى أرنبته، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن ناس من العرب، فقال: ما فعل هذا النبيّ الذي خرج فيكم؟ قالوا: صدّقه الناس، فآمنوا به، ونصروه، وقاتلوا معه، قال: أما إن ذلك خير لهم، ثم قال: ما فعلت عين زُغَر، فأخبرناه عنها، ثم قال: ما فعل بيسان؟، فقالوا: قد أطعم، فوثَبَ، وقد كاد أن يخرج من وراء الحائط، ثم قال: أما إنه لو أُذن لي في الخروج، لقد وطئت الأرض كلها، غير طيبة. قال: فأخرجه رسول الله - ﷺ - إلى الناس، فحدثهم، فقال: «هذه طيبة، وذاك الدجال». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٥٩] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا يحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ حَدَّثَنِي تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، أَنَّ أُنَاسًا مِنْ قَوْمِهِ، كَانُوا فِي الْبَحْرِ فِي سَفِينَةٍ لَهُمْ، فَانْكَسَرَتْ بِهِمْ، فَرَكِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَخَرَجُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) محمد بن إسحاق الصاغانيّ البغدادي، تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. ٢ - (يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بن عبد الله بن بُكير، نُسب لجدّه، المصريّ، تقدم في «الإمارة» ١٣/ ٤٧٨٥. ٣ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) ابن عبد الرحمن المدنيّ، تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٥٣. ٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان المدنيّ، تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير أبي الزناد. [تنبيه]: رواية أبي الزناد عن الشعبيّ هذه ساقها الداني المقرئ - ﵀ - في «السنن الواردة في الفتن»، فقال: (٦٢٥) - حدّثنا عبيد الله بن سلمة بن حزم المكتب، قال: حدّثنا عمر بن محمد الحضرميّ قال: حدّثنا محمد بن محمد بن أحمد بن عيسى الخياش إملاء قال: حدّثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال: حدّثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الشعبيّ، عن فاطمة بنت قيس، أن رسول الله - ﷺ - قعد على المنبر، فقال: «أيها الناس حدّثني تميم الداريّ، أن ناسًا من قومه كانوا في البحر، في سفينة لهم، فانكسرت بهم، فركب بعضهم على لوح من ألواح السفينة، فخرجوا إلى جزيرة في البحر، فإذا هم بامرأة شعثاء، شعثة، لها شعر منكر، فقالوا لها: ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قالت: أتعجبون مني؟ قالوا: نعم، قا لت: فادخلوا القصر، فدخلوا، فإذا هم بشيخ مربوط بسلاسل، فسألهم من هم؟ فأخبروه، فقال لهم: ما فعلت عين زُغَر؟ وما فعلت البحيرة؟ ونخلات بيسان؟ فأخبروه، قال: فوالذي أحلف به، لا تبقى أرض إلا وطئتها بقدمي هذه، إلا طابة»، فقال: قالوا: يا رسول الله وهذه طيبة. انتهى .
مصادر المؤلف (٣٤)

١. وفي نسخة: «سمعته».

٢. وفي نسخة: «الذي».

٣. وفي نسخة: «حين».

٤. وفي نسخة: «لا ندري ما قبله».

٥. وفي نسخة: «إنها».

٦. وفي نسخة: «عن بحيرة طبرية».

٧. وفي نسخة: «أقاتلته».

٨. فقول الشيخ الهرريّ: من ثمانيّاته فيه نظر، فتنبّه.

٩. راجع: «الإصابة» ١١/ ٢٦٦.

١٠. «شرح النوويّ» ١٠/ ٩٤ - ٩٥.

١١. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦.

١٢. «شرح النوويّ» ١٨/ ٧٨ - ٧٩.

١٣. «الفتح» ١٠/ ٥٩٩.

١٤. «شرح النوويّ» ١٠/ ٩٦.

١٥. «شرح النوويّ» ١٨/ ٨٠.

١٦. «شرح النوويّ» ١٨/ ٨٠.

١٧. «مرقاة المفاتيح» ١٦/ ١٧ بزيادة الأبيات.

١٨. «مرقاة المفاتيح» ١٦/ ١٧.

١٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٦٣ - ٣٤٦٤.

٢٠. «مرقاة المفاتيح» ١٦/ ٢١.

٢١. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٦٤.

٢٢. «معجم البلدان» ١/ ٥٢٧.

٢٣. «شرح النوويّ» ١٨/ ٨١.

٢٤. «مرقاة المفاتيح» ١٦/ ٢١.

٢٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٦٤.

٢٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٢.

٢٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٦٤.

٢٨. «المفهم» ٧/ ٣٠٠ - ٣٠١.

٢٩. وفي نسخة: «وسقتنا».

٣٠. «مسند الطيالسيّ» ١/ ٢٢٨.

٣١. وفي نسخة: «لو أذن لي».

٣٢. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٤١٤.

٣٣. «الإيمان لابن منده» ٢/ ٩٥٥.

٣٤. «السنن الواردة في الفتن» ٦/ ١١٤٥ - ١١٤٧.