HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٥٥

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ. حَدَّثَنَا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «ما بين النفختين أربعون» قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. «ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل». قال «وليس من الإنسان شيء إلا يبلى. إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب. ومنه يركب الخلق يوم القيامة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص210
ج ٤ ص ٢٢٧٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص٣٤
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٧٣٨٣] (٢٩٥٤)، و(البخاريّ) في «الرقاق» (٦٥٠٦) و«الفتن» (٧١٢١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٦٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١١٠٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٨٤٥)، و(الدانيّ) في «السنن الواردة في الفتن» (٤/ ٧٧٤)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢٨) - (بَابُ ذِكْرِ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٨٤] (٢٩٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ»، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، «ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ»، قَالَ: «وَلَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، من كبار [٩]، تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ [٥]، تقدم في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٣ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزّيّات المدنيّ [٣]، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. والباقيان ذُكرَا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالكوفيين إلى الأعمش، والباقيان مدنيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وشيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ) فيه دليل على الرد على من يقول: إنها أربع نفخات، (أَرْبَعُونَ»، قَالُوا)؛ أي: الحاضرون مجلس أبي هريرة - ﵁ - حين حدّث بهذا الحديث، قال الحافظ - ﵀ -: لم أقف على اسم هذا السائل. (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟)؛ أي: هل المراد بالأربعين هي الأيام؟ (قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ) بموحّدة؛ أي: امتنعت عن القول بتعيين ذلك؛ لأنه ليس عندي في ذلك توقيف، ولابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش في هذا الحديث: «فقال: أعييت»، من الإعياء، وهو التعب، وكأنه أشار إلى كثرة من يسأله عن تبيين ذلك، فلا يجيبه، وزعم بعض الشراح أنه وقع عند مسلم: «أربعين سنة»، ولا وجود لذلك، نعم أخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن الصلت، عن الأعمش، في هذا الإسناد: «أربعون سنة»، وهو شاذّ، ومن وجه ضعيف عن ابن عباس: «قال: ما بين النفخة والنفخة أربعون سنة»، ذكره في أواخر سورة «ص»، وكأن أبا هريرة لم يسمعها إلا مجملة، فلهذا قال لمن عيّنها له: «أبيت». وقد أخرج ابن مردويه من طريق زيد بن أسلم، عن أبي هريرة: «قال: بين النفختين أربعون، قالوا: أربعون ماذا؟ قال: هكذا سمعت». وقال ابن التين: ويَحْتَمِل أيضًا أن يكون علم ذلك، لكن سكت ليخبرهم في وقت، أو اشتغل عن الإعلام حينئذ. ووقع في «جامع ابن وهب»: «أربعين جمعة»، وسنده منقطع. (ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ) وفي نسخة: «ثم يَنْزِل» (مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ)؛ أي: الناس، (كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ) بفتح الموحّدة، وسكون القاف: كلُّ نبات اخضرّت به الأرض، قاله ابن فارس، وأَبْقَلَتِ الأرضُ: أنبتت البقل، فهي مُبْقِلَةٌ، على القياس، وجاء أيضًا بَقْلَةٌ، وبَقِيلَةٌ، وأَبْقَلَ الموضعُ من البقل، فهو بَاقِلٌ، على غير قياس، وأَبْقَلَ القومُ: وجدوا بقلًا، قاله الفيّوميّ . (قَالَ) - ﷺ -: («وَلَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إلَّا يَبْلَى) وفي رواية البخاريّ:«ويبلى كل شيء من الإنسان»، (إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ) وفي حديث أبي سعيد عند الحاكم، وأبي يعلى:«قيل: يا رسول الله، ما عَجْبُ الذنب؟ قال: مثل حبة خردل». والعَجْب بفتح العين المهملة، وسكون الجيم، بعدها موحّدة، ويقال له: عجم بالميم أيضًا عِوَض الباء، هو عظم لطيف، في أصل الصُّلب، وهو رأس العُصْعُص، وهو مكان رأس الذَّنَب من ذوات الأربع، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ عند ابن أبي الدنيا، وأبي داود، والحاكم، مرفوعًا:«إنه مثل حبة الخردل». قال ابن الجوزيّ: قال ابن عَقِيل: لله في هذا سرّ لا يعلمه إلا الله؛ لأن من يُظهر الوجود من العدم لا يحتاج إلى شيء يبني عليه. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك جُعل علامة للملائكة على إحياء كل إنسان بجوهره، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عَظْم كل شخص؛ ليعلم أنه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها، ولولا إبقاء شيء منها لجوّزت الملائكة أن الإعادة إلى أمثال الأجساد، لا إلى نفس الأجساد. وقوله في الحديث: «ويبلى كل شيء من الإنسان» يَحْتَمِل أن يريد به يفنى؛ أي: تُعدم أجزاؤه بالكلية، ويَحْتَمِل أن يراد به: يستحيل، فتزول صورته المعهودة، فيصير على صفة جسم التراب، ثم يعاد إذا رُكبت إلى ما عهد، وزعم بعض الشراح أن المراد: أنه لا يبلى؛ أي: يطول بقاؤه، لا أنه لا يفنى أصلًا. والحكمة فيه: أنه قاعدة بدء الإنسان، وأُسّه الذي ينبني عليه، فهو أصلب من الجميع، كقاعدة الجدار، وإذا كان أصلب كان أدوم بقاء، وهذا مردود؛ لأنه خلاف الظاهر بغير دليل، وقال العلماء: هذا عامّ يخص منه الأنبياء؛ لأن الأرض لا تأكل أجسادهم، وألحق ابن عبد البر بهم الشهداء، والقرطبيّ المؤذن المحتسب، قال عياض: فتأويل الخبر، وهو كل ابن آدم يأكله التراب؛ أي: كل ابن آدم مما يأكله التراب، وإن كان التراب لا يأكل أجسادًا كثيرةً، كالأنبياء. (وَمِنْهُ)؛ أي: من عَجْب الذَّنَب، (يُرَكَّبُ الْخَلْقُ)؛ أي: الإنسان الجديد (يَوْمَ الْقِيَامَةِ»)؛ يعني: أن الله - ﷿ - يبقيه إلى أن يُرَكّب الخلق منه تارة أخرى؛ يعني: أنه يعيد خلقه في الآخرة من عَجْب ذَنَبه، كما أنشأ خلقه منه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٧٣٨٤ و٧٣٨٥ و٧٣٨٦] (٢٩٥٥)، و(البخاريّ) في«التفسير»(٤٨١٤)، و(أبو داود) في«السُّنّة»(٤٧٤٣)، و(النسائي) في«المجتبى»(٤/ ١١١ - ١١٢) و«الكبرى»(٢٢٠٤)، و(ابن ماجه) في«الزهد»(٤٢٦٦)، و(مالك) في«الموطّأ»(١/ ٢٣٩)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٣٢٢ و٤٢٨ و٤٩٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٣١٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قاله الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: كون ابن آدم يأكله التراب عامّ مخصوص، فإن الأنبياء - ﵈ -، لا تبلى أجسامهم الكريمة، وقد قال النبيّ - ﷺ -:«إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»، واستثنى ابن عبد البرّ معهم الشهداء، قال: وحسبك ما جاء في شهداء أحد، وغيرهم، ثم ذكر حديث جابر لمّا نَقَلَ أباه في خلافة معاوية حين أراد إجراء العين التي في أسفل أُحُد، وقوله:«فأخرجناهم رطابًا، يتسنّون، فأصابت الْمِسْحَاة أصبع رجل منهم، فتقطّر الدم». واقتصر القاضي عياض على قوله: وكثير من الشهداء، فدلّ على أنه يرى أن بعض الشهداء قد تأكل الأرض جسده، ولعله أشار بذلك إلى المبطون، ونحوه، من الملحقين بالشهداء. وضمّ أبو العباس القرطبيّ إلى الصنفين: المؤذّن المحتسب، لقوله - ﷺ -:«المؤذّن المحتسب كالمتشحّط في دمه، وإن مات لم يدوّد في قبره» . قال: وظاهر هذا أن الأرض لا تأكل أجساد المؤذّنين المحتسبين، فللحديث إذًا تأويلان: أحدهما: قال ابن عبد البر: كأنه قال: كلّ من تأكله الأرض، فإنه لا تأكل منه عَجْب الذَّنَب، قال: وإذا جاز أن لا تأكل الأرض عجب الذنب جاز أن لا تأكل الشهداء. الثاني: قال القاضي عياض: يريد أن جميع الإنسان مما تأكله الأرض، وإن كانت لا تأكل أجسامًا كثيرةً، كالأنبياء، وكثير من الشهداء. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي صحّ لدينا ممن لا يبلى جسده هم الأنبياء - ﵈ -، وأما الشهداء، فليس عليه دليل مرفوع يُستَنَد إليه، وإنما صحّ بما أخبر به جابر - ﵁ - من خبر أبيه، ومَن دُفن معه - ﵃ -، ونحو ذلك، ولا يستبعد أن يكرم الله تعالى الشهداء بذلك. بل قد يحصل لغيرهم من أهل الصلاح، والتقوى، فقد سمعتُ أخبارًا وممن لا أشك في كونهم صادقين أنهم وجدوا بعض أهل العلم، والصلاح، والزهد في قبورهم، كيوم موتهم بعد سنين متطاولة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. ٢ - (ومنها): أنه استَدَلّ جمهور أهل العلم بظاهر قوله: «إلا عجب الذنب» على أنّ عجب الذنب لا يبلى، ولا تأكله الأرض، بل يبقى على حاله، وإن بلي جميع جسد الميت، وخالف في ذلك المزنيّ، فقال: إن عجب الذنب يبلى أيضًا، فلم يجعل «إلّا» للاستثناء، بل هي عاطفة، كالواو، فكأنه قال: وعجب الذنب، وقد حُكي إثبات هذا المعنى لـ «إلا» عن الأخفش، والفرّاء، وأبي عبيدة، وأنكره الجمهور، وأوّلوا ما استدلّوا به، ويردّه في هذا الموضع كونه عقّب ذلك بقوله: «منه خُلق، وفيه يركّب»؛ أي: أنه أول ما يُخلَقُ من الآدميّ، وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه، فلو ساوى عجب الذنب غيره في البلاء لم يبق لهذا الكلام محلّ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن ظاهر هذا الحديث يدلّ على أن عجب الذنب أول مخلوق من الآدميّ، وروي عن سلمان - ﵁ - أنه قال: «أول ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر، وهو يُخلَق». ذكره ابن عبد البرّ بإسناد منقطع، فلم يصحّ هذا، ولو صحّ عنه، فاتباع الحديث أَولى، وقد يقال: لا منافاة بينهما؛ لأن الحديث في ابن آدم، والأثر عن سلمان - ﵁ - في آدم نفسه، فيمكن أن يكون أول مخلوق من آدم رأسه، ومن بنيه عجب الذنب. ويَحْتَمِل أن يكون أول مخلوق من آدم عجب الذنب كبنيه، ويكون معنى كلام سلمان إن صحّ عنه أن أول ما نفخ فيه الروح من آدم رأسه، ويوافق ذلك قول ابن جريج: يقولون: إن أول ما نُفخ في يأفوخ آدم، أفاده الحافظ وليّ الدين العراقيّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٨٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي: الْحِزَمِيَّ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا قريبًا. والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٧٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ فِي الإِنْسَانِ عَظْمًا، لَا تَأْكُلُهُ الأَرْضُ أَبَدًا، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالُوا: أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «عَجْبُ الذَّنَبِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا قريبًا. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ * * * (٥٦) - (كِتَابُ الزُّهْدِ، وَالرَّقَائِقِ) قال الجامع عفا الله عنه: «الزُّهْدُ» بضم، فسكون: ترك الشيء، والإعراض عنه، قال الفيّوميّ - ﵀ -: زَهِدَ في الشيء، وزَهِدَ عنه أيضًا زُهْدًا، وزَهَادَةً: بمعنى تركه، وأعرض عنه، فهو زَاهِدٌ، والجمع زُهَّادٌ، ويقال للمبالغة: زِهِّيدٌ، بكسر الزاي، وتثقيل الهاء، وزَهَدَ يَزْهَدُ، بفتحتين لغةٌ، ويتعدى بالتضعيف، فيقال: زَهَّدْتُهُ فيه، وهو يَتَزَهَّدُ، كما يقال: يَتَعَبّد، وقال الخليل: الزَّهَادَةُ في الدنيا، والزُّهْدُ في الدين، وشيء زَهِيدٌ، مثلُ قليل وزنًا ومعنى. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: زَهَدَ فيه، كمَنَعَ، وسَمِعَ، وكَرُمَ زُهْدًا، وزَهَادَةً، أو هي في الدنيا، والزُّهد في الدين: ضدّ رَغِبَ. انتهى. وقال في «التاج» عن بعض أئمة اللغة أنه قال: أصوب ما قيل فيه - أي: في تعريف، الزهد - أنه: أخذ أقلّ الكفاية، مما تُيُقِّن حلُّه، وترك الزائد على ذلك لله تعالى. انتهى . وقال الغزاليّ - ﵀ - في «الإحياء»: الزهد عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، فكلّ من عدل عن شيء إلى غيره ببيع، أو غيره، فإنما عدل عنه لرغبته عنه، وإنما عدل إلى غيره لرغبته فيه، فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمّى زهدًا، وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبةً وحبًّا، فإذن يستدعي حال الزهد مرغوبًا عنه، ومرغوبًا فيه هو خير من المرغوب عنه، وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضًا مرغوبًا فيه بوجه من الوجوه، فمن رغب عما ليس مطلوبًا في نفسه لا يسمى زاهدًا؛ فتارك الحجر، والتراب، والحشرات لا يسمى زاهدًا، وإنما يسمى زاهدًا من ترك الدراهم، والدنانير. انتهى. وقال ابن القيّم - ﵀ - في «مدارج السالكين» (٢/ ١٢): والذي أجمع عليه العارفون أن الزهد سَفَر القلب من وطن الدنيا، وأخذه في منازل الآخرة، قال: ومتعلّقه ستة أشياء لا يستحقّ العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها، وهي المال، والصُّوَر، والرئاسة، والناس، والنفس، وكلّ ما دون الله. قال: وليس المراد رفضها من المُلك، فقد كان داود، وسليمان - ﵉ - من أزهد أهل زمانهما، ولهما من المال، والمُلك، والنساء ما لهما، وكان نبيّنا - ﷺ - أزهد البشر على الإطلاق، وله تسع نسوة، وكان عليّ بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان - ﵃ - من الزهاد، مع ما كان لهم من الأموال، وكان الحسن بن عليّ - ﵄ - من الزهّاد، مع أنه كان من أكثر الأمة محبّة للنساء، ونكاحًا لهنّ، وأغناهم، وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة الزهّاد، مع كثرة أمواله، وكذلك الليث بن سعد من الأئمة الزهاد، وكان له رأس مال يقول: لولا هذا لتمندل بنا هؤلاء. قال: ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن، أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لم لو تصبك، فهذا من أجمع كلام في الزهد، وأحسنه، وقد روي مرفوعًا. والحاصل أن حقيقة الزهد ليست منافية للأخذ بأسباب الدنيا، وإنما حقيقته أن لا تتعلّق الأسباب بقلب العبد حتى تلهيه عن ذكر الله - ﷿ -، والدار الآخرة، وأن يكون الإنسان إنما يؤثر نعيم الآخرة على نعيم الدنيا، ومن هنا يفترق الزهد عن الرهبانيّة التي ابتدعها النصارى، فإن الرهبانية ترك أسباب الدنيا بأسرها، والزهد ليس كذلك، وإنما هو أن تكون رغبة العبد في الآخرة أكثر من رغبته في الدنيا، وأن لا تشغله أسباب الدنيا عن سعيه للآخرة، والله تعالى أعلم .
مصادر المؤلف (٧)

١. وفي نسخة: «ثم ينزل من السماء».

٢. «المصباح المنير» ١/ ٥٨.

٣. هذا حديث ضعيف، أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط»، وفي إسناده إبراهيم بن رستم، عن قيس بن الربيع، وكلاهما ضعيفان، راجع: «السلسلة الضعيفة» للشيخ الألبانيّ - ﵀ - رقم (٨٥٢ - ٨٥٣).

٤. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٣/ ٣٠٨.

٥. «المصباح المنير» ١/ ٢٥٧.

٦. «تاج العروس» ص ٢٠١١.

٧. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٤٢٧ - ٤٢٩.