HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٩٣

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بن نمير. حدثنا وكيع. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سلمة بن الأكوع، عن أبيه. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ؛ أَنَّ أباه حدثه؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ، وعطس رجل عنده فقال له «يرحمك الله» ثم عطس أخرى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الرجل مزكوم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص225
ج ٤ ص ٢٢٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص٢٣٨
فحمد الله فشمته«، رواه مسلم، وللبخاريّ من وجه آخر عن أبي هريرة:»خمس تجب للمسلم على المسلم، فذكر منها التشميت، وهو عند مسلم أيضًا، وفي حديث عائشة، عند أحمد، وأبي يعلى: «إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد لله، وليقل من عنده: يرحمك الله»، ونحوه عند الطبرانيّ من حديث أبي مالك. وقد أخذ بظاهرها ابن مزين من المالكية، وقال به جمهور أهل الظاهر، وقال ابن أبي جمرة: قال جماعة من علمائنا: إنه فرض عين، وقواه ابن القيم في «حواشي السنن»، فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ الحقّ الدال عليه، وبلفظ «على» الظاهرة فيه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابيّ: أمرنا رسول الله - ﷺ -، قال: ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء. وذهب آخرون إلى أنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ورجحه أبو الوليد بن رشد، وأبو بكر ابن العربيّ، وقال به الحنفية، وجمهور الحنابلة. وذهب عبد الوهاب، وجماعة من المالكية إلى أنه مستحب، ويجزئ الواحد عن الجماعة، وهو قول الشافعية، والراجح من حيث الدليل القول الثاني، والأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب، لا تنافي كونه على الكفاية، فإن الأمر بتشميت العاطس، وإن ورد في عموم المكلفين، ففرض الكفاية يخاطَب به الجميع على الأصح، ويسقط بفعل البعض، وأما من قال: إنه فرض على مبهم، فإنه ينافي كونه فرض عين، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول بكونه فرض عين هو الأظهر؛ لحديث البخاريّ: «فإذا عطس، فحمد الله، فحقّ على كل مسلم سمعه أن يشمته»، فهذا نصّ صريح في إيجابه على كلّ من سمعه، فالقول بأنه كفائيّ ينافي هذا النصّ الصريح، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتَّصل إلى المؤلِّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٥٨] (٢٩٩٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْن عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: «يَرْحَمُكَ اللهُ»، ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الرَّجُلُ مَزْكُومٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ [١٠]، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (وَكيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ الكوفيّ [٩]، تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الحنفيّ اليماميّ، بصريّ الأصل [٥]، تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٥. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه [١٠]، تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٥ - (أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) البغداديّ، لقبه قيصر [٩]، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٦ - (إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) أبو سلمة، أو أبو بكر المدنيّ [٣]، تقدم في «الإيمان» ٤٤/ ٢٨٨. ٧ - (أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ الصحابيّ المشهور، مات - ﵁ - (٦٤)، تقدم في «الإيمان» ٤٤/ ٢٨٨. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وهو مسلسلٌ بالتحديث. شرح الحديث: (عَن إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْن الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ) سلمة بن الأكوع - ﵁ -، أنه (حَدَّثَهُ)، أي: حدث إياسًا (أَنَّهُ) أي: سلمة (سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَ) الحال أنه (عَطَسَ رَجُلٌ) لم يسمّ، (عِنْدَهُ) - ﷺ - (فَقَالَ لَهُ) النبيّ - ﷺ -: («يَرْحَمُكَ اللهُ») دعا له بأن يرحمه الله تعالى، (ثُمَّ عَطَسَ) الرجل (أُخْرَى)؛ أي: عطسة ثانية (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الرَّجُلُ مَزْكُومٌ») ظاهره أنه ما شمّته في المرّة الثانية، لكن أكثر الأحاديث على أنه يُشمّت على الثالثة، فترجّح على هذه الرواية. قال النوويّ في «الأذكار»: إذا تكرر العطاس متتابعًا فالسُّنَّة أن يشمّته لكل مرة، إلى أن يبلغ ثلاث مرات، روينا في «صحيح مسلم»، وأبي داود، والترمذيّ عن سلمة بن الأكوع أنه «سمع النبيّ - ﷺ -، وعطس عنده رجل، فقال له: يرحمك الله، ثم عطس أخرى، فقال له رسول الله - ﷺ -: الرجل مزكوم»، هذا لفظ رواية مسلم، وأما أبو داود، والترمذيّ، فقالا: قال سلمة: «عطس رجل عند النبيّ - ﷺ -، وأنا شاهد، فقال له رسول الله - ﷺ -: يرحمك الله، ثم عطس الثانية، أو الثالثة، فقال رسول الله - ﷺ -: يرحمك الله، هذا رجل مزكوم». انتهى كلامه. قال الحافظ ﵀: ونقلته من نسخة عليها خطه بالسماع عليه، والذي نسبه إلى أبي داود، والترمذيّ من إعادة قوله - ﷺ - للعاطس: «يرحمك الله» ليس في شيء من نُسخهما، كما سأبيّنه، فقد أخرجه أيضًا أبو عوانة، وأبو نعيم في «مستخرجيهما»، والنسائيّ، وابن ماجه، والدارميّ، وأحمد، وابن أبي شيبة، وابن السنيّ، وأبو نعيم أيضًا في «عمل اليوم والليلة»، وابن حبان في «صحيحه»، والبيهقيّ في «الشُّعَب» كلهم من رواية عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، وهو الوجه الذي أخرجه منه مسلم، وألفاظهم متفاوتة، وليس عند أحد منهم إعادة: «يرحمك الله» في الحديث، وكذلك ما نسبه إلى أبي داود، والترمذيّ أن عندهما: «ثم عطس الثانية، أو الثالثة» فيه نظم، فإن لفظ أبي داود: «أن رجلًا عطس»، والباقي مثل سياق مسلم سواء، إلا أنه لم يقل: «أخرى»، ولفظ الترمذيّ مثل ما ذكره النوويّ إلى قوله: «ثم عطس» فإنه ذكره بعده، مثل أبي داود سواء، وهذه رواية ابن المبارك عنده، وأخرجه من رواية يحيى القطان، فأحال به على رواية ابن المبارك، فقال نحوه، إلا أنه قال له في الثانية: «أنت مزكوم»، وفي رواية شعبة قال يحيى القطان، وفي رواية عبد الرحمن بن مهديّ قال له في الثالثة: «أنت مزكوم». وهؤلاء الأربعة رووه عن عكرمة بن عمار، وأكثر الروايات المذكورة ليس فيها تعرّض للثالثة، ورجّح الترمذي رواية من قال في الثالثة، على رواية من قال في الثانية. وقد وجدت الحديث من رواية يحيى القطان يوافق ما ذكره النوويّ، وهو ما أخرجه قاسم بن أصبغ في «مصنفه»، وابن عبد البرّ من طريقه قال: حدّثنا محمد بن عبد السلام، حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا يحيى القطان، حدّثنا عكرمة، فذكره بلفظ: «عطس رجل عند النبيّ - ﷺ -، فشمته، ثم عطس، فشمته، ثم عطس، فقال له في الثالثة: أنت مزكوم»، هكذا رأيت فيه: «ثم عطس، فشمته»، وقد أخرجه الإمام أحمد، عن يحيى القطان، ولفظه: «ثم عطس الثانية، والثالثة، فقال النبيّ - ﷺ -: الرجل مزكوم». وهذا اختلاف شديد في لفظ هذا الحديث، لكن الأكثر على ترك ذكر التشميت بعد الأُولى، وأخرجه ابن ماجه من طريق وكيع، عن عكرمة، بلفظ آخر: «قال: يشمَّت العاطس ثلاثًا، فما زاد فهو مزكوم»، وجعل الحديث كله من لفظ النبيّ - ﷺ -، وأفاد تكرير التشميت، وهي رواية شاذّة؛ لمخالفة جميع أصحاب عكرمة بن عمار في سياقه، ولعل ذلك من عكرمة المذكور لمّا حدث به وكيعًا، فإن في حفظه مقالًا، فإن كانت محفوظة فهو شاهد قويّ لحديث أبي هريرة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح روايات عكرمة بن عمار هي رواية مسلم أنه - ﷺ - شمّته في الأولى، وقال في الثانية مزكوم، ثم إن الرواية الثالثة أرجح من هذه؛ لأن بها العمل بالزائد، وهو أَولى، فتنبّه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٧٤٥٨] (٢٩٩٣)، و(أبو داود) في «الأدب» (٥٠٣٧)، و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٧٤٣)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (٢٢٣)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (٩٣٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٦ و٥٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٨٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٧/ ١٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٠٣)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (٧/ ٣٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٣٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): ظاهر حديث سلمة - ﵁ - هذا أنه لا يُشرع التشميت في الثازية، بل يقال: الرجل مزكوم، لكن الصحيح أنه يشمّت إلى الثالثة، قال في «الفتح»: ويستفاد من الحديث مشروعية تشميت العاطس ما لم يزد على ثلاث، إذا حمد الله، سواء تتابع عطاسه، أم لا، فلو تتابع، ولم يحمد لغلبة العطاس عليه، ثم كرر الحمد بعدد العطاس، فهل يشمَّت بعدد الحمد؟ فيه نظر، وظاهر الخبر نعم. وقد أخرج أبو يعلى، وابن السنيّ من وجه آخر عن أبي هريرة النهي عن التشميت بعد ثلاث، ولفظه: «إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، فإن زاد على ثلاث، فهو مزكوم، ولا يشمته بعد ثلاث». قال النوويّ: فيه رجل لم أتحقق حاله، وباقي إسناده صحيح. قال الحافظ: الرجل المذكور هو سليمان بن أبي داود الحرانيّ، والحديث عندهما من رواية محمد بن سليمان، عن أبيه، ومحمد موثق، وأبوه يقال له: الحرانيّ ضعيف، قال فيه النسائيّ: ليس بثقة، ولا مأمون. قال النوويّ: وأما الذي رويناه في «سنن أبي داود»، والترمذيّ عن عبيد بن رفاعة الصحابيّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يشمت العاطس ثلاثًا، فإن زاد فإن شئت فشمته، وإن شئت فلا» فهو حديث ضعيف، قال فيه الترمذيّ: هذا حديث غريب، وإسناده مجهول. قال الحافظ: إطلاقه عليه الضعف ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من الغرابة الضعف، وأما وصف الترمذي إسناده بكونه مجهولًا، فلم يُرِدْ جميع رجال الإسناد، فإن معظمهم موثقون، وإنما وقع في روايته تغيير اسم بعض رواته، وإبهام اثنين منهم، وذلك أن أبا داود، والترمذيّ أخرجاه معًا من طريق عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، ثم اختلفا فأما رواية أبي داود ففيها عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه حُميدة، أو عبيدة بنت عبيد بن رفاعة، عن أبيها، وهذا إسناد حسن، والحديث مع ذلك مرسل، كما سأبيّنه، وعبد السلام بن حرب من رجال الصحيح، ويزيد هو أبو خالد الدالاني، وهو صدوق، في حفظه شيء، ويحيى بن إسحاق وثقه يحيى بن معين، وأمه حميدة روى عنها أيضًا زوجها إسحاق بن أبي طلحة، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين، وأبوها عبيد بن رفاعة ذكروه في الصحابة؛ لكونه وُلد في عهد النبيّ - ﷺ -، وله رؤية، قاله ابن السكن، قال: ولم يصح سماعه، وقال البغويّ: روايته مرسلة، وحديثه عن أبيه عند الترمذيّ والنسائيّ وغيرهما، وأما رواية الترمذيّ ففيها عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه، عن أبيها، كذا سماه عمر، ولم يسم أمه، ولا أباها، وكأنه لم يُمعن النظر، فمن ثَمّ قال: إنه إسناد مجهول، وقد تبين أنه ليس بمجهول، وأن الصواب يحيى بن إسحاق، لا عمر، فقد أخرجه الحسن بن سفيان، وابن السنيّ، وأبو نعيم، وغيرهم، من طريق عبد السلام بن حرب، فقالوا: يحيى بن إسحاق، وقالوا: حميدة بغير شك، وهو المعتمَد. وقال ابن العربيّ: هذا الحديث، وإن كان فيه مجهول، لكن يستحب العمل به؛ لأنه دعاء بخير وَصِلَة، وتودد للجليس، فالأَولى العمل به، والله أعلم. وقال ابن عبد البرّ: دل حديث عبيد بن رفاعة على أنه يشمت ثلاثًا، ويقال: أنت مزكوم بعد ذلك، وهي زيادة يجب قبولها، فالعمل بها أَولى، ثم حكى النوويّ عن ابن العربيّ أن العلماء اختلفوا هل يقول لمن تتابع عطسه: أنت مزكوم في الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة؟ على أقوال، والصحيح في الثالثة، قال: ومعناه أنك لست ممن يشمَّت بعدها؛ لأن الذي بك مرض، وليس من العطاس المحمود الناشئ عن خفة البدن. قال: فإن قيل: فإذا كان مريضًا، فينبغي أن يشمّت بطريق الأَولى؛ لأنه أحوج إلى الدعاء من غيره. قلنا: نعم، لكن يدعى له بدعاء يلائمه، لا بالدعاء المشروع للعاطس، بل من جنس دعاء المسلم للمسلم بالعافية. وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشافعية أنه قال: يكرّر التشميت إذا تكرر العطاس، إلا أن يعرف أنه مزكوم، فيدعو له بالشفاء، قال: وتقريره أن العموم يقتضي التكرار، إلا في موضع العلة، وهو الزكام، قال: وعند هذا يسقط الأمر بالتشميت عند العلم بالزكام؛ لأن التعليل به يقتضي أن لا يشمت من علم أن به زكامًا أصلًا. وتعقبه بأن المذكور هو العلة دون التعليل، وليس المعلَّل هو مطلق الترك ليعم الحكم عليه بعموم علته، بل المعلل هو الترك بعد التكرير، فكأنه قيل: لا يلزم تكرر التشميت؛ لأنه مزكوم، قال: ويتأيد بمناسبة المشقة الناشئة عن التكرار. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قد خُصّ من عموم الأمر بتشميت العاطس جماعة: [الأول]: من لم يحمد، كما تقدم. [الثاني]: الكافر، فقد أخرج أبو داود، وصححه الحاكم، من حديث أبي موسى الأشعريّ قال: «كانت اليهود يتعاطسون عند النبيّ - ﷺ - رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله، ويصلح بالكم»، قال ابن دقيق العيد: إذا نظرنا إلى قول من قال من أهل اللغة: إن التشميت: الدعاء بالخير دخل الكفار في عموم الأمر بالتشميت، وإذا نظرنا إلى من خص التشميت بالرحمة لم يدخلوا، قال: ولعل من خص التشميت بالدعاء بالرحمة بناه على الغالب؛ لأنه تقييد لوضع اللفظ في اللغة. قال الحافظ: وهذا البحث أنشأه من حيث اللغة، وأما من حيث الشرع، فحديث أبي موسى دال على أنهم يدخلون في مطلق الأمر بالتشميت، لكن لهم تشميت مخصوص، وهو الدعاء لهم بالهداية، وإصلاح البال، وهو الشأن، ولا مانع من ذلك، بخلاف تشميت المسلمين، فإنهم أهل الدعاء بالرحمة، بخلاف الكفار. [الثالث]: المزكوم إذا تكرر منه العطاس، فزاد على الثلاث، فإن ظاهر الأمر بالتشميت يشمل من عطس واحدة، أو أكثر، لكن أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، قال: «يشمته واحدة، وثنتين، وثلاثًا، وما كان بعد ذلك فهو زكام» هكذا أخرجه موقوفًا، من رواية سفيان بن عيينة عنه، وأخرجه أبو داود من طريق يحيى القطان، عن ابن عجلان كذلك، ولفظه: «شمِّت أخاك»، وأخرجه من رواية الليث، عن ابن عجلان، وقال فيه: لا أعلمه إلا ردعه إلى النبيّ - ﷺ -، قال أبو داود: ورفعه موسى بن قيس، عن ابن عجلان أيضًا، وفي «الموطأ» عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، رفعه: «إن عطس فشمته، ثم إن عطس فشمته، ثم إن عطس فقل: إنك مضنوك »، قال ابن أبي بكر: لا أدري بعد الثالثة، أو الرابعة، وهذا مرسل جيد. وأخرجه عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه قال: «فشمته ثلاثًا، فما كان بعد ذلك فهو زكام». وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن العاص: «شمتوه ثلاثًا، فإن زاد فهو داء، يخرج من رأسه»، موقوف أيضًا. ومن طريق عبد الله بن الزبير: «أن رجلًا عطس عنده، فشمته، ثم عطس، فقال له في الرابعة: أنت مضنوك»، موقوف أيضًا. ومن طريق عبد الله بن عمر مثله، لكن قال في الثالثة. ومن طريق عليّ بن أبي طالب: «شمّته ما بينك وبينه ثلاث، فإن زاد فهو ريح». وأخرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: يشمت العاطس إذا تتابع عليه العطاس ثلاثًا. [الرابع]: ممن يخص من عموم العاطسين من يَكره التشميت، قال ابن دقيق العيد: ذهب بعض أهل العلم إلى أن من عُرف من حاله أنه يكره التشميت أنه لا يشمت إجلالًا للتشميت أن يؤهل له من يكرهه. فإن قيل: كيف يترك السُّنَّة لذلك؟. قلنا: هي سُنّة لمن أحبها، فأما من كرهها، ورغب عنها فلا، قال: ويطّرد ذلك في السلام، والعيادة، قال ابن دقيق العيد: والذي عندي أنه لا يمتنع من ذلك إلا من خاف منه ضررًا، فأما غيره فيشمّت امتثالًا للأمر، ومناقضة للمتكبر في مرادها، وكسرًا لسورته في ذلك، وهو أَولى من إجلال التشميت. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره ابن دقيق العيد ﵀ هو الأَولى عندي. قال الحافظ: ويؤيده أن لفظ التشميت دعاء بالرحمة، فهو يناسب المسلم كائنًا من كان، والله أعلم. [الخامس]: قال ابن دقيق العيد: يستثنى أيضًا من عطس، والإمام
مصادر المؤلف (٢)

١. «الفتح» ١٤/ ١١٣ - ١١٥.

٢. أي: مزكوم، والضُّناك بالضم، كالزُكام وزنًا ومعنى، قاله في «النهاية» ص ٥٥١.