بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْغَنَمِ، فَتَشْرَبُهُ، وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الإِبِلِ، فَلَا تَذُوقُهُ»، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟، قَالَ: أَفأُنْزِلَتْ عَلَيَّ التَّوْرَاةُ؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ [١٠]، تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو أُسَامَة) حماد بن أسامة الكوفيّ، من كبار [٩]، تقدم في«المقدمة»٦/ ٥١.
٣ - (هِشَامُ) بن حسّان القردوسيّ البصريّ [٦] تقدم في«المقدمة» ٥/ ٢٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله.
وقوله: (أفأنزلت علي التوراة؟) هو بهمزة الاستفهام، وهو استفهام إنكار، ومعناه: ما أعلم، ولا عندي شيء إلا عن النبيّ - ﷺ -، ولا أنقل عن التوراة، ولا غيرها من كتب الأوائل شيئًا، بخلاف كعب الأحبار وغيره، ممن لها علم بعلم أهل الكتاب ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٦٧] (٢٩٩٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ»).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (لَيْثُ) بن سعد، أبو الحارث الفهميّ الإمام المصريّ [٧]، تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٢.
٢ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأيليّ المصريّ [٦]، تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣.
٣ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) سعيد الفقيه المدنيّ [٣]، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ) وفي رواية يونس، عن الزهريّ: «أخبرني سعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة حدثه» أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» وكذا قال أصحاب الزهري فيه، وخالفهم صالح بن أبي الأخضر، وزمعة بن صالح، وهما ضعيفان، فقالا: «عن الزهريّ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه»، أخرجه ابن عدي من طريق المعافى بن عمران، عن زمعة، وابن أبي الأخضر، واستغربه من حديث المعافى قال: وأما زمعة فقد رواه عنه أيضًا أبو نعيم، أخرجه أحمد عنه، ورواه عن زمعة أيضًا أبو داود الطيالسيّ، في «مسنده»، وأبو أحمد الزبيريّ، أخرجه ابن ماجه، قاله في «الفتح» .
(عَن أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -)؛ أنه (قَالَ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ) برفع»يلدغ«على أن»لا«ناهية، وبرفعه على أنها نافية، فيكون خبرًا، قال الخطابيّ: هذا لفظه خبر، ومعناه أمر؛ أي: لِيَكُنِ المؤمنُ حازمًا حَذِرًا، لا يؤتى من ناحية الغفلة، فيُخدعَ مرة بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدِّين، كما يكون في أمر الدنيا، وهو أَولهما بالحذر، وقد رُوي بكسر الغين في الوصل، فيتحقق معنى النهي عنه.
قال ابن التين: وكذلك قرأناه، قيل: معنى«لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين»أن من أذنب ذنبًا، فعوقب به في الدنيا، لا يعاقَب به في الآخرة.
قال الحافظ: إن أراد قائل هذا أن عموم الخبر يتناول هذا، فيمكن، وإلا فسبب الحديث يأبى ذلك، ويؤيده قول من قال: فيه تحذير من التغفيل، وإشارة إلى استعمال الفطنة.
وقال أبو عبيد: معناه: ولا ينبغي للمؤمن إذا نُكِب من وجه أن يعود إليه، قال الحافظ: وهذا هو الذي فهمه الأكثر، ومنهم الزهريّ راوي الخبر،
فأخرج ابن حبّان من طريق سعيد بن عبد العزيز، قال: قيل للزهريّ: لَمّا قَدِم من عند هشام بن عبد الملك: ماذا صنع بك؟ قال: أوفى عني ديني، ثم قال: يا ابن شهاب تعود تَدّان؟ قلت: لا، وذكر الحديث.
وقال أبو داود الطيالسيّ بعد تخريجه: لا يعاقب في الدنيا بذنب، فيعاقبَ به في الآخرة، وحَمَله غيره على غير ذلك، قيل: المراد بالمؤمن في هذا الحديث: الكامل الذي قد أوقفته معرفته على غوامض الأمور، حتى صار يحذر مما سيقع، وأما المؤمن المغفل فقد يُلدغ مرارًا.
(مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ») قال في«الفتح»: ووقع في بعض النسخ:«من جحر حيّة»، وهي زيادة شاذّة، قال ابن بطال: وفيه أدب شريف، أَدّب به النبيّ - ﷺ - أمته، ونبّههم كيف يحذرون مما يخافون سوء عاقبته، وفي معناه حديث:«المؤمن كَيِّسٌ حَذِرٌ»، أخرجه صاحب«مسند الفردوس»من حديث أنس بسند ضعيف، قال: وهذا الكلام مما لم يُسبق إليه النبي - ﷺ -، وأول ما قاله لأبي عَزّة الْجُمَحيّ، وكان شاعرًا، فأُسر ببدر، فشكى عائلة، وفقرًا، فمَنَّ عليه النبي - ﷺ -، وأطلقه بغير فداء، فظَفِر به بأُحُد، فقال: مُنّ عليّ، وذكر فقره وعياله، فقال:«لا تمسح عارضيك بمكة، تقول: سخرت بمحمد مرتين»، وأمر به فقُتل.
وأخرج قصته ابن إسحاق في«المغازي»بغير إسناد، وقال ابن هشام في«تهذيب السيرة»: بلغني عن سعيد بن المسيِّب أن النبيّ - ﷺ - قال حينئذٍ:«لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين».
وصنيع أبي عبيد في«كتاب الأمثال» مشكل على قول ابن بطال أن النبيّ - ﷺ - أول من قال ذلك، ولذلك قال ابن التين: إنه مَثَل قديم.
وقال التوربشتيّ: هذا السبب يضعّف الوجه الثاني؛ يعني: الرواية بكسر الغين، على النهي.
وأجاب الطيبيّ بأنه يوجَّه بأن يكون - ﷺ - لمّا رأى من نفسه الزكية الميل إلى الحلم جرّد منها مؤمنًا حازمًا، فنهاه عن ذلك، يعني: ليس من شميمة المؤمن الحازم الذي يَغضب لله، أن ينخدع من الغادر المتمرّد، فلا يستعمل الحِلم في حقه، بل ينتقم منه، ومن هذا قول عائشة - ﵁ -: «ما انتقم لنفسه، إلا أن تُنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها».
قال: فيستفاد من هذا أن الحلم ليس محمودًا مطلقًا، كما أن الجود ليس
محمودًا مطلقًا، وقد قال تعالى في وصف الصحابة: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، قال: وعلى الوجه الأول وهو الرواية بالرفع، فيكون إخبارًا محضًا، لا يُفهم هذا الغرض المستفاد من هذه الرواية، فتكون الرواية بصيغة النهي أرجح.
قال الحافظ: ويؤيده حديث: «احترسوا من الناس بسوء الظن»، أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» من طريق أنس، وهو من رواية بقية بالعنعنة، عن معاوية بن يحيى، وهو ضعيف، فله علتان، وصحّ من قول مطرِّف التابعي الكبير، أخرجه مسدد، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٧٤٦٧ و٧٤٦٨] (٢٩٩٨)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٦١٣٣)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٨٦٢)، و(ابن ماجه) في «الفتن» (٣٩٨٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٧٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣١٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٦٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٢٠ و١٠/ ١٢٩) وفي «الآداب» (٥٨٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٥٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن صفة المؤمن أن يكون حذرًا، فطنًا، غير مغفّل، فإن وقع في ورطة مّا، فليحذر كلّ الحذر أن يقع في مثلها، وذلك بالبعد عن أسبابها، وسدّ الطرق التي تؤدي إليها.
٢ - (ومنها): أنه يستفاد من هذا الحديث أن الحِلم ليس محمودًا مطلقًا، كما أن الجود ليس محمودًا مطلقًا، وقد قال تعالى في وصف الصحابة: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، فجَمَع لهم بين الوصفين، وهو الشدة والرحمة، ولكن لكلّ منهما مقام، فلا يُستعمل أحدهما في موضع الآخر، فتنبّه.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: قوله - ﷺ -: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين» هذا مَثَل صحيح، وقول بليغ ابتكره النبيّ - ﷺ - من فوره، ولم يسمع من غيره، وذلك أن السبب الذي أصدره عنه هو، أن أبا عزيز بن عمير الشاعر أخا مصعب بن عمير، كان يهجو النبيّ - ﷺ -، ويؤذيه، ويؤذي المسلمين،
فأمكن الله تعالى منه يوم بدر، فأُخذ أسيرًا، وجيء به إلى النبيّ - ﷺ -، فسأله أن يمنّ عليه، ولا يعود لشيء مما كان يفعله، فمنَّ النبيّ - ﷺ - عليه، فأطلقه، فرجع إلى مكة، وعاد إلى أشد مما كان عليه، فلما كان يوم أُحد، أمكن الله منه، فأُسر، فأحضر بين يدي النبيّ - ﷺ -، فسأله أن يمنّ عليه، فقال لى النبي - ﷺ -: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، والله لا تمسح عارضيك بمكة أبدًا»، فأمر بقتله، وأصل هذا المَثَل أن الذي يُلدغ من جُحر لا يعيد يده إليه أبدًا، إذا كان فطنًا حذرًا، بل ولا لِمَا يُشبهه، فكذلك المؤمن لكياسته، وفطانته، وحذره إذا وقع في شيء مما يضره في دينه، أو دنياه لا يعود إليه.
والرواية المعروفة: «لا يلدغ» بضم الغين، وكذلك قرأته على الخبر، وهو الذي يشهد له سبب الخبر، ومساقه، وقد قيّده بعضهم بسكون الغين على النهي، وفيه بعدٌ. انتهى ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٦٨] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ [١٠] تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ [١١] تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله الحافظ العابد المصريّ [٩]، تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، من كبار [٧] تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤.
والباقون ذُكروا قريبًا.