HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٠١٤

وشكا الناس إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الجوع. فقال «عسى الله أن يطعمكم» فأتينا سيف البحر. فزخر البحر زخرة. فألقى دابة. فأورينا على شقها النار. فاطبخنا واشتوينا، وأكلنا حتى شبعنا. قال جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان، حتى عد خمسة، في حجاج عينها. ما يرانا أحد. حتى خرجنا. فأخذنا ضلعا من أضلاعه فقوسناه. ثم دعونا بأعظم رجل في الركب، وأعظم جمل في الركب، وأعظم كفل في الركب، فدخل تحته ما يطأطئ رأسه.
ج ٤ ص ٢٣٠٨
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص٣١٠
وأولادهم، حتى أظهروا دين الله، ووفوا بما عاهدوا عليه الله، فجازاهم الله أفضل الجزاء، ووفّاهم من أجر من دخل في الإسلام بسببهم أفضل الإجزاء. انتهي ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٧) - (بَابُ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨١] (٣٠٠٦) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ - وَالسِّيَاقُ لِهَارُونَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: خَرَجْتُ أنا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ، قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ، صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ، مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ، وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ، وَمَعَافِرِيُّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ، وَمَعَافِرِيُّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا عَمِّ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سُفْعَةً مِنْ غَضَبٍ، قَالَ: أَجَلْ، كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ، فَسَلَّمْتُ، فَقُلْتُ: ثَمَّ هُوَ؟ قَالُوا: لَا، فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ، فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي، فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ؟، فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أنَا وَاللهِ أُحَدِّثُكَ، ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ، خَشِيتُ وَاللهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ، فَأَكْذِبَكَ، وَأَنْ أَعِدَكَ، فَأُخْلِفَكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكُنْتُ وَاللهِ مُعْسِرًا، قَالَ: قُلْتُ: آللهِ؟ قَالَ: اللهِ، قُلْتُ: آللهِ؟ قَالَ: اللهِ، قُلْتُ: آللهِ؟ قَالَ: اللهِ، قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ، فَمَحَاهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي، وَإِلَّا أَنْتَ فِي حِلٍّ، فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ - وَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ - وَسَمْعُ أُذُنَيّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ - رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ». (٣٠٠٧) - قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ لَوْ أنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ، وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ، وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ، فَكَانَت عَلَيْكَ حُلَّةٌ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، يَا ابْنَ أَخِي بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ - رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ يَقُولُ: «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ»، وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (٣٠٠٨) - ثُمَّ مَضَيْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فِي مَسْجِدِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُشْتَمِلًا بِهِ، فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ، حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، أتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ؟، قَالَ: فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي هَكَذَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَوَّسَهَا: أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الأَحْمَقُ مِثْلُكَ، فَيَرَانِي كيْفَ أَصْنَعُ؟ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. أتَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ، فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً، فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «أيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟»، قَالَ: فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: «أيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟»، قَالَ: فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: «أيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟»، قُلْنَا: لَا، أيُّنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ، فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا»، ثُمَّ طَوَى ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «أَرُونِي عَبِيرًا»، فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أثَرِ النُّخَامَةِ، فَقَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ. (٣٠٠٩) - سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ، وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ، وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْتَقِبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ، وَالسِّتَّةُ، وَالسَّبْعَةُ، فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ، فَأَنَاخَهُ، فَرَكِبَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ، فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ، فَقَالَ لَهُ: شَأْ لَعَنَكَ اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟»، قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «انْزِلْ عَنْهُ، فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ، لَا تَدْعُوا عَلَى أنفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً، يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ». (٣٠١٠) - سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا كَانَتْ عُشَيْشِيَةٌ، وَدَنَوْنَا مَاءً مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا، فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ، فَيَشْرَبُ، وَيَسْقِينَا؟»، قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيُّ رَجُلٍ مَعَ جَابِرٍ؟»، فَقَامَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى الْبِئْرِ، فَنَزَعْنَا فِي الْحَوْضِ سَجْلًا، أَوْ سَجْلَيْنِ، ثُمَّ مَدَرْنَاهُ، ثُمَّ نَزَعْنَا فِيهِ، حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ، فَكَانَ أَوَّلَ طَالِعٍ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَتَأْذَنَانِ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَشْرَع نَاقَتَهُ، فَشَرِبَتْ، شَنَقَ لَهَا، فَشَجَتْ، فَبَالَتْ، ثُمَّ عَدَلَ بِهَا، فَأَنَاخَهَا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْحَوْضِ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ قُمْتُ، فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّإِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِيُصَلِّيَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ، ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، فَلَمْ تَبْلُغْ لِي، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ، فَنَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ جِئْتُ، حَتَّى قُمْتُ، عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَدَارَنِي، حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا، حَتَّى أقَامَنَا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَرْمُقُنِي، وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ، فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، يَعْنِي: شُدَّ وَسَطَكَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَا جَابِرُ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِذَا كَانَ وَاسِعًا، فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا، فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ». (٣٠١١) - سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٌ مِنَّا فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً، فَكَانَ يَمَصُّهَا، ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ، وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا، وَنَأْكُلُ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا، فَأُقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا، فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ، فَشَهِدْنَا أنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا، فَأُعْطِيَهَا، فَقَامَ، فَأَخَذَهَا. (٣٠١٢) - سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أفيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ»، فَانْقَادَتْ مَعَهُ؛ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ»، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا، لأَمَ بَيْنَهُمَا - يَعْني: جَمَعَهُمَا - فَقَالَ: «الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ»، فَالْتَأَمَتَا، قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِقُرْبِي، فَيَبْتَعِدَ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ: فَيَتَبَعَّدَ - فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُقْبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقَفَ وَقْفَةً، فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا - وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بِرَأْسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا - ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِليَّ قَالَ: «يَا جَابِرُ هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟» قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ، فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي، فَأَرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يَمِينِكَ، وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ»، قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ، فَأَخَذْتُ حَجَرًا، فَكَسَرْتُهُ، وَحَسَرْتُهُ، فَانْذَلَقَ لِي، فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ، فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا، حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَرْسَلْتُ غُصْنًا عَنْ يَمِينِي، وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ، يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ». (٣٠١٣) - قَالَ: فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، «يَا جَابِرُ نَادِ بِوَضُوءٍ»، فَقُلْتُ: ألَا وَضُوءَ، ألَا وَضُوءَ، ألَا وَضُوءَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ مِنْ قَطْرَةٍ، وَكانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - الْمَاءَ فِي أَشْجَابٍ لَهُ عَلَى حِمَارَةٍ، مِنْ جَرِيدٍ، قَالَ: فَقَالَ لِيَ: «انْطَلِقْ إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الأَنْصَارِيِّ، فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَىْءٍ؟»، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ، فَنَظَرْتُ فِيهَا، فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ، قَالَ: «اذْهَبْ، فَأْتِنِي بِهِ»، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ، فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَىْءٍ، لَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ وَيَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ أَعْطَانِيهِ، فَقَالَ: «يَا جَابِرُ نَادِ بِجَفْنَةٍ»، فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ، فَأُتِيتُ بِهَا، تُحْمَلُ، فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ هَكَذَا، فَبَسَطَهَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي قَعْرِ الْجَفْنَةِ، وَقَالَ: «خُذْ يَا جَابِرُ، فَصُبَّ عَلَيَّ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ»، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: بِاسْمِ اللهِ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَوَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ فَارَتِ الْجَفْنَةُ، وَدَارَتْ، حَتَّى امْتَلأَتْ، فَقَالَ: «يَا جَابِرُ نَادِ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ؟»، قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ، فَاسْتَقَوْا، حَتَّى رَوَوْا، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَهُ مِنَ الْجَفْنَةِ، وَهِيَ مَلأَى. (٣٠١٤) - وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الْجُوعَ، فَقَالَ: «عَسَى اللهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ»، فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ، فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً، فَأَلْقَى دَابَّةً، فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ، فَاطَّبَخْنَا، وَاشْتَوَيْنَا، وَأَكَلْنَا، حَتَّى شَبِعْنَا، قَالَ جَابِرٌ: فَدَخَلْتُ أَنَا، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا، مَا يَرَانَا أَحَدٌ، حَتَّى خَرَجْنَا، فَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَقَوَّسْنَاهُ، ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ، مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، أبو عليّ الخزاز، نزيل بغداد [١٠]، تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزبرقان المكيّ، نزيل بغداد [١٠]، تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو إسماعيل المدنيّ [٨]، تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٦. ٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ) لقبه، وكنيته أبو يوسف، المدنيّ، [٦]، تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ١٦/ ١٢٥٠. ٥ - (عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريّ المدنيّ [٤]، تقدم في «الإمارة» ٨/ ٤٧٥٩، ٦ - (أَبُو الْيَسَرِ، صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن غَزِية بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاريّ السلميّ، وقيل في نسبه غير ذلك، شَهِد العقبة، وبدرًا، وهو ابن عشرين سنة، وهو الذي أَسَر العباس يومئذ. روى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه ابنه عمار، وموسى بن طلحة بن عبيد الله، وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وعمر بن الحكم بن رافع، وغيرهم. قال أبو حاتم، وغير واحد: مات بالمدينة سنة خمس وخمسين، وقيل: إنه آخر من مات من أهل بدر - ﵃ -، وهو قول ابن إسحاق، وهو بقية الأنصار، وذكر العسكريّ أنه شهد مع عليّ مشاهده، وأنه مات، وله عشرون ومائة سنة، وفي «المسند» من حديثه أن النبيّ - ﷺ - بعثه في حاجة، فرآه مولّيًا، فقال: «اللَّهُمَّ أمتعنا به» فكان من آخر الصحابة موتًا، وكان إذا حدّث بهذا الحديث بكى، وقال: أُمتعوا بي لعمري، حتى كنت من آخرهم. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الحديث. ٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السلميّ - ﵄ -، تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالمدنيين سوى شيخيه، فبغداديّان، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ) بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي لقبه، وكنيته أبو يوسف، (عَنْ عُبَادَةَ بنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ) الأنصاريّ المدنيّ، أنه (قَالَ: خَرَجْتُ أنَا) أتي بالضمير المنفصل؛ ليمكنه عطف الظاهر على المتصل بلا ضَعف، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بالضَّمِيرِ المُنْفَصِلْ (وَأَبِي) الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاريّ المدنيّ، أبو عبادة، وُلد في عهد النبيّ - ﷺ -، تقدّمت ترجمته في «الإمارة» ٨/ ٤٧٥٩، حال كوننا (نَطْلُبُ الْعِلمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأنْصَارِ، قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا)، أي: يموتوا، أو يقتلوا في الحروب التي جرت بين المسلمين. (فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا) برفع «أولُ» على أنه اسم «كان»، وقوله: (أَبَا الْيَسَرِ) خبرها، وهو بفتحتين، واسمه كعب بن عمرو بن عباد، كما مرّ آنفًا. (صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَمَعَهُ غُلَامٌ)؛ أي: عبد (لَهُ) الجملة حال من أبي اليسر، وقوله: (مَعَهُ)؛ أي: مع غلامه (ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ) جملة حاليّة من «غلام»، و«الضمامة» بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الميم: الْحُزمة، ومجموعة الشي؛ لأنها يضمّ بعضها إلى بعض، وقد وقع في بعض النسخ: إضمامة بزيادة الهمزة المكسورة في أولها، وهو المشهور في اللغة بهذا المعنى، والحاصل أنه كان عنده مجموعة من الصحف . (وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ) بالضمّ على وزن غُرفة: كساء صغير مربّع، ويقال: كساء أسود صغير . (وَمَعَافِرِيُّ) بفتح الميم: نوع من الثياب يُصنع بقرية في اليمن تُسمّى معافر، وذكر القاضي عياض أن أصل هذه التسمية أنها لقبيل من اليمن سُمّوا بذلك، وأراهم نزلوها، أو أصل ما سُمّوا به جبل ببلادهم، يقال له: معافر، وقال ابن سرّاج: ويقال في القبيل: مُعافر بضم الميم، وأنكره يعقوب. انتهى . (وَعَلَى غُلَامِهِ)؛ أي: عبد أبي اليسر (بُرْدَةٌ، وَمَعَافِرِيُّ) مماثلتان لما يلبسه أبو اليسر. والمقصود من هذا الكلام التنبيه على أن أبا اليسر - ﵁ - كان يلبس ما يلبسه غلامه، وإن كان من الممكن أن يلبس معافريين، ويُلبس غلامه بُردين، أو بالعكس؛ ليصير لكل واحد منهما حُلّة متوافقة، ولكنه فعل ذلك عملًا بقوله - ﷺ -: «ألبسوهم مما تلبسون» كما سيأتي في كلامه - ﵁ -. (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لأبي اليسر (أَبِي) الوليد بن عبادة: (يَا عَمِّ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سُفْعةً) قال الفيّوميّ ﵀: السُّفْعة وزانُ غُرفة: سواد مُشْرب بحمرة، وسَفِعَ الشيءُ، من باب تعب: إذا كان لونه كذلك. انتهى . وقال القاضي عياض ﵀: قوله: «سفعة»؛ أي: علامة، يقال: سفعت الشيءَ: إذا أعلمته، ومنه قول الشاعر: وَكُنْتُ إِذَا نَفْسُ الْجَبَانِ نَزَتْ لَهُ … سَفَعْتُ عَلَى الْعِرْنِينِ مِنْهُ بِمِيسَمِ قال: يقال: سَفْعَةٌ، وسُفعة بفتح السين، وضمها، وكذا رويناهما معًا، وأصل ذلك من السواد، وهو الاربداد الذي يظهر على وجه الغضبان. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ضبط السُّفعة بالضمّ هو الذي في كُتُب اللغة؛ كـ«المصباح»، و«القاموس»، و«اللسان»، وأما ما ذكره القاضي من جواز الفتح، وتبعه الشرّاح، فمحل نظر، والله تعالى أعلم. (مِنْ) أجل (غَضَبٍ) غضبته، فما سببها؟ (قَالَ) أبو اليسر: (أَجَلْ) كنعم وزنًا ومعنًى؛ أي: عندي غضبٌ، ثم ذكر السبب فقال: (كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ) قال القاضي: رواه الأكثرون: «الحرامي» بفتح الحاء، وبالراء: نسبة إلى بني حرام، ورواه الطبريّ وغيره بالزاي المعجمة، مع كسر الحاء، ورواه ابن ماهان: «الجُذاميّ» بجيم مضمومة، وذال معجمة. انتهى . و«فلان ابن فلان» هذا لم يُعرف اسمه. (مَالٌ)؛ أي: دَين، (فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ) لأتقاضى دَيني (فَسَلَّمْتُ) على أهله (فَقُلْتُ: ثَمَّ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أ (هُوَ؟) في ذلك المكان؟ (قَالُوا: لا)؛ أي: ليس موجودًا في ذلك المكان، (فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ) لم يُعرف اسمه، (جَفْرٌ) بفتح الجيم ، وسكون الفاء: هو الذي قارب البلوغ، وقيل: هو الذي قَوِيَ على الأكل، وقيل: ابن خمس سنين، قاله النوويّ، وهو في أصل اللغة: ولد المعز الذي بلغ أربعة أشهر، وجفر جنباه، وفُصل عن أمه، وأخذ في الرعي، والمؤنّث منه جَفْرة، قاله في «اللسان» . (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: لذلك الابن (أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ، فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي) قال ثعلب: الأريكة هو السرير الذي في الحجلة، والحجلة ستارة العروس، ولا يسمى السرير أريكة إلا إذا كان في الحجلة، وقال الزجاج: الأرائك: الفُرُش في الحجال، وقيل: الأريكة: سرير منجّد مزيّن في قبة، أو في بيت، فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة، قاله في «اللسان». قال أبو اليسر: (فَقُلْتُ) للرجل لمّا علمت أنه موجود في البيت: (اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ؟)؛ أي: في أيّ مكان من البيت، (فَخَرَجَ) إليّ (فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ)؛ أي: اختفيت (مِنِّي؟ قَالَ) الرجل: (أَنَا وَاللهِ أُحَدِّثُكَ) في شأن اختفائي عنك، (ثُمَّ) بعد أن أحدّثك بسبب الاختفاء عنك (لَا أَكْذِبُكَ) بالوعد في قضاء دَيني، (خَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة، (وَاللهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ) بالوعد (فَأَكْذِبَكَ) بخُلفه، فقوله: (وَأَنْ أَعِدَكَ، فَأُخْلِفَكَ) تأكيد لِمَا قبله، (وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)؛ يعني: أنك أرفع من أن يكذب عليك أحد حيث كنت صاحب رسول الله - ﷺ -، والصحابة أرفع الناس قدرًا، فلا ينبغي لي أن أعدك، ولا أفي لك، فإن هذا يحط من قدرك الرفيع، فهذا هو سبب الاختفاء، ثم ذكر سبب عدم وفائه بالوعد، فقال: (وَكُنْتُ وَاللهِ مُعْسِرًا)؛ أي: فقيرًا لا أستطيع قضاء دَينك. (قَالَ) أبو اليسر: (قُلْتُ: آللهِ؟)، أي): أقسمت عليك هل أنت معسر عن قضاء دَيني؟ (قَالَ) الرجل: (اللهِ)؛ أي: والله كنت معسرًا، (قُلْتُ: آللهِ؟ قَالَ: اللهِ، قُلْتُ: آللهِ؟ قَالَ: اللهِ) كرّره ثلاث مرّات مبالغة في التأكد. فقوله: «آلله» بمدّ الهمزة، وهي همزة الاستفهام دخلت على همزة الوصل في كلمة «الله»، وحرف القَسَم محذوف، فالهاء في الأخير مجرورة، وقد روى بعضهم فتح الهاء أيضًا، ولكنه غير موافق لقياس العربيّة في قول أكثر النحاة؛ لأن واو القسم إذا عُوّضت بهمزة الاستفهام، فلا يجوز فيه إلا الخفض. وقوله: «قال: الله» ذكر النوويّ أن الهمزة هنا غير ممدودة، وذلك لأنه جواب، فلا تصلح فيه همزة الاستفهام، والهمزة فيه قطعيّة، وربما تعوَّض بقطع همزة الوصل، وفي مثله يجوز على الهاء الحركات الثلاث، كما حقّقه الأبيّ. وعبارة الأبيّ ﵀: قوله: «آلله» ضبطناه بكسر الهاء، ممدودًا على القَسَم والتقرير، ورويناه في غير الأمّ بالفتح، وأكثر أهل العربيّة لا يجيزون فيه غير الكسر، قال الكسائيّ: كل يمين حُذف منها حرف القَسَم هي منصوبة إلا قوله: الله لآتينك، فإنها مخفوضة؛ لأن القَسَم فيه معنى الفعل؛ أي: أقسم بالله، أو والله، فإذا حذفوا حرفه عمل الفعل عمله. قال الأبيّ: إذا قلت: بالله لأفعلنّ تقديره: أقسم بالله، فإذا حُذف القسم، ولم يعوّض منه شيء جاز في المقسَم به الحركات الثلاث، فإن عوّض منه شيء، فالعوض إما همزة استفهام، أو ها التنبيه، أو قطع ألف الوصل، وها التنبيه، وقطع ألف الوصل له حكم مذكور في محله. وذكر القاضي أنه رواه في غير الأم بالفتح. قال الأبي: ولعل الذي رواه مسلم لم يعوّض منه شيء، وهو أحد الوجوه الثلاثة التي تقدّم ذكرها، وذكر عن الكسائيّ أنه ليس فيه إلا النصب، وعلّل ذلك بما ذُكر، ومعنى تعليله أنك إذا قلت: أقسم بالله، وأظهرت فعل القَسَم مع الباء لا يجوز إظهاره إلا مع الباء وحدها، لا معها ومع الواو، كما يعطيه كلام القاضي، فيتعدى فعل القسم إلى المقسَم به بحرف الجرّ، فإذا حُذف فعل القسم وحروفه، والمعوض منه وُصل الفعل المقدّر إلى المقسَم به بنفسه، فينصبه، وهو معنى قوله: عمل الفعل عمله. انتهى . (قَالَ) عبادة بن الوليد: (فَأَتَى) أبو اليسر (بِصَحِيفَتِهِ) التي كتب فيها هذا الدَّين، (فَمَحَاهَا)؛ أي: أزال ما فيها من الكتابة (بِيَدِهِ) وإنما فعل ذلك لأنه عزم أن لا يطالبه بعد ذلك بالدَّين، إلا أن يجد سعة، فيقضيه بنفسه، كما بيّنه بقوله: (فَقَالَ) أبو اليسر: (إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً)؛ أي: شيئًا من المال تقضي به دَينك (فَاقْضِنِي، وَإِلَّا)؛ أي: وإن لم تجد ذلك فـ (أَنْتَ فِي حِلٍّ)؛ أي: في حلال، وبراءة من دَيني. قال أبو اليسر: (فَأَشْهَدُ)؛ أي: مضارع بمعنى الماضي؛ أي: شهد، وقوله: (بَصَرُ عَيْنَيَّ) مرفوع على الفاعليّة، والإضافة من إضافة المصدر إلى فاعله، وقوله: (هَاتَيْنِ) بدل من «عينيّ» وفي بعض النسخ: «بصرُ عيناي هاتان»، فيكون على لغة من يُلزم المثنى الألف في أحوالها. (وَوَضَعَ) أبو اليسر (إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ) والجملة حال من فاعل «قال» المقدّر قبل «فأشهد»، وقوله: (وَسَمْعُ أُذُنَيّ) بفتح السين، وسكون الميم بصيغة المصدر معطوف على «بَصَرُ عينيّ»، وقوله: (هَاتَيْنِ) بدل من «أذنيّ»، وقوله: (وَوَعَاهُ)، أي: حفظه، أي: ما سمع من النبيّ - ﷺ -، وقوله: (قَلْبِي) مرفوع على الفاعليّة لـ «وعاه»، وقوله: (هَذَا) بدل من «قلبي»، (وَأَشَارَ) أبو اليسر عند قوله: «ووعاه قلبي هذا»، (إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ) بفتح الميم، وفي بعض النسخ: «نياط» بكسر النون، ومعناهما واحد، وهو عِرْقٌ معلَّقٌ بالقلب. وهذا الذي ذكرنا من وجه الإعراب على رواية الأكثرين، وهي «بصرُ عينيّ»، بفتح الصاد، وضم الراء، وكذلك «سَمْعُ أذنيّ» بفتح السين، وسكون الميم، وضم العين، على كونهما مصدرين مضافين إلى فاعلهما، وهو أسلوب من أساليب العرب، قال سيبويه: العرب تقول: سَمْعُ أذني زيد، ورَأي عيني يقول ذلك، ويفعل ذلك، وأنشدوا: وَرَأْيُ عَيْنِي الْفَتَى أَخَاكَا … يُعْطِي الْجَزِيلَ فَعَلَيْكَ ذَاكَا وهما مصدران استعيرا لمعنى الفعل لزيادة التوكيد، ومفعولهما: «رسولَ الله - ﷺ -»، وقبله جملة معترضة، وهي: «ووعاه قلبي»، يعني: وعى قلبي ما رأيته، وسمعته منه - ﷺ -. وعند العذريّ بضمّ الصاد، وفتح الراء على صيغة الماضي، و«عيناي» بالرفع على أنه فاعل، وجملة: «ووعاه قلبي» معترضة بين الفعل والمفعول، وهو قوله بعدُ: «رسول الله - ﷺ -». والمعنى على هذه الرواية: قال أبو اليسر: فأشهد على أنه بصرت عيناي هاتان، وسمِعت أذناي هاتان رسول الله - ﷺ -، وهو يقول .... إلخ، وقد وعا قلبي ما رأيته، وسمعته منه - ﷺ -. قال الأبيّ: الأصل في الترتيب تقديم الفعل، ثم يليه الفاعل، ثم يلي المفعول، وقد يعرض ما يوجب الخروج عن هذا الأصل على ما هو مذكور في محلّه، وليس في هذا الحديث إلا الفصل بين الفاعل والمفعول بما ليس بأجنبيّ، بل بما يفيد توكيدًا، وذاك خفيف. انتهى . (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بنصب «رسول» كما أسلفته آنفًا، (وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه - ﷺ - (يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا)؛ أي: أمهل، وأخّر فقيرًا، مع بقاء الدَّين على حاله، (أَوْ وَضَعَ عَنْهُ)؛ أي: حطّ، وأسقط عن المعسر بعض الديون، (أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ») الضمير لله تعالى، قيل: المراد: ظلّ العرش، وقيل: ظلّ الجنّة، والحقّ أن الكلّ محتمل، ولكن الأَولى أن نفوّض علم حقيقته إلى الله تعالى. قال الأبيّ ﵀: فإن قلت: القاعدة أن ثواب الواجب أكثر من ثواب المندوب، والأمر هنا بالعكس؛ لأن الإنظار واجب، والوضع مندوب، ومن المعلوم أن ثواب الوضع أكثر من ثواب الإنظار. قلت: أجيب بأن ثواب المندوب هنا إنما كان أكثر لاستلزامه الواجب؛ لأن الوضع إنظار وزيادة، وإنما يكون الأمر كما ذكرت لو لم يكن يستلزمه. انتهى . (قَالَ) عبادة بن الوليد بالسند السابق: (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: لأبي اليسر، وقوله: (أَنَا) توكيد للضمير المتّصل، والفصل بالجارّ والمجرور مغتفَر. (يَا عَمِّ) مثلث الميم، والضمّ أضعفها، وقد تقدّم توجيهه قريبًا. (لَوْ) شرطيّة، وجوابها محذوف؛ أي: لكان خيرًا، أو هي للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب؛ أي: أتمنّى (أنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ، وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ، وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ) قال الأبيّ ﵀: كذا الرواية، وفيها خلل، نبّهَنا عليه بعض شيوخنا، قال: لأن أصل ما أشار به عليه أن يبدل كلّ واحد منهما جميع ما عليه بجميع ما على الآخر، ولا يفيد القصد، فإن قصده أن يكون على أحدهما بُردان، وعلى الآخر معافريّان، وهذا لا يستقيم مع العطف بالواو، وإنما يستقيم مع العطف بـ «أو»، وهذا معنى قوله: فيكون عليك حلّة، وعليه حلّة؛ لأن الحلّة ثوبان أحدهما على الآخر، وبذلك تسمّى الحلّة؛ لحلول أحدهما على الآخر. وقال أبو عبيد: الحلّة إزار ورداء، ولا يكون حلّة حتى يكونا ثوبين، ومنه قوله في الحديث الآخر: «فرأى رجلًا عليه حلّة، قد ائتزر بأحدهما، وتردى بالآخر»، وقيل: لا يقال: حلّة إلا للثوب الجديد الذي حُلّ الآن من طيّه؛ لأن الحلة ثوب على ثوب، وسمّيت حلّة؛ لحلول أحدهما على الآخر. انتهى . (فَمَسَحَ) أبو اليسر (رَأْسِي) إيناسًا له، (وَقَالَ) داعيًا له: (اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ) دعا له لما رأى من نجابته حيث سأله هذا السؤال. (يَا ابْنَ أَخِي بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ) فـ «بَصَرُ» بصيغة المصدر مبتدأ خبره محذوف؛ أي: حاصل، ومثله قوله: (وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا - وَأَشَارَ) أبو اليسر (إِلَى مَنَاطِ)؛ أي: موضع (قَلْبِهِ)، وقوله: (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بنصب «رسولَ» على أنه مفعول المصدرين السابقين، أعني «بصرُ»، و«سَمْعُ» على سبيل التنازع، (وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه - ﷺ - (يَقُولُ: «أَطْعِمُوهُمْ) الضمير للمماليك، (مِمَّا يَأْكُلُونَ، وَأَلبِسُوهُمْ) بقطع الهمزة، (مِمَّا تَلْبَسُونَ») بفتح المضارعة، من لبس يلبس، من باب علم. قال النوويّ ﵀: الأمر بإطعامهم مما يأكل السيد، وإلباسهم مما يلبس محمول على الاستحباب، لا على الإيجاب، وهذا بإجماع المسلمين، وأما فِعل أبي اليسر - ﵁ - في كسوة غلامه مثل كسوته، فعمل بالمستحب، وإنما يجب على السيد نفقة المملوك، وكسوته بالمعروف، بحسب البلدان، والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد، ولباسه، أو دونه، أو فوقه، حتى لو قَتَّر السيد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله، إما زهدًا، وإما شُحًّا، لا يحل له التقتير على المملوك، وإلزامه، وموافقته إلا برضاه، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيقه، فإن كان ذلك لزمه إعانته بنفسه، أو بغيره . والحاصل: أن المقصود عند الجمهور المواساة بحسب المعروف، لا المساواة، ويدلّ على ذلك ما أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله أكلة، أو أكلتين، أو لقمة، أو لقمتين، فإنه وَليَ حَرّه، وعلاجه»، والله تعالى أعلم. قال أبو اليسر: (وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ) «أن» بالفتح مصدريّة؛ أي: والمصدر اسم «كان»، وكان إعطائي له (مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ) بالنصب خبر «كان»، (عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بسبب ظلمي له. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي اليَسَر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀ أخرجه هنا [١٧/ ٧٤٨١] (٣٠٠٦)، و(ابن ماجه) في «الأحكام» (٢٤٤٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٤٢٣)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٩/ ١٦٥ إلى ١٦٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧/ ٢٥١)، و(القضاعيّ) في «مسند الشهاب» (١/ ٢٨١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٨/ ١٩٨)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج البخاريّ هذا الحديث من حديث أبي ذرّ - ﵁ - في «صحيحه»، فقال: (٣٠) - حدّثنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل الأحدب، عن المعرور، قال: لقيت أبا ذرّ بالرّبَذة، وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلًا، فعيّرته بأمه، فقال لي النبيّ - ﷺ -: «يا أبا ذر أعيّرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم». انتهى . قال عبادة بن الوليد بالسند الأسبق: (ثُمَّ مَضَيْنَا)؛ أي: ذهبنا (حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريّ - ﵄ - (فِي مَسْجِدِهِ)؛ أي: مسجد جابر - ﵁ - وقومه، كما سيبيّنه في القصّة التالية. (وَهُوَ)؛ أي: والحال أن جابرًا (يُصَلِّي، فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) حال كونه (مُشْتَمِلًا بِهِ) المراد بالاشتمال هنا: هو المخالفة بين طرفيه على العاتق، وليس هو اشتمال الصمّاء المنهيّ عنه، وفيه جواز الصلاة في الثوب الواحد؛ لأن جابرًا - ﵁ - فعل ما فعله النبيّ - ﷺ -، كما أخبر به، لكن الزيادة على الواحد فضيلة، كما سبق البحث عنه مستوفًى في «كتاب الصلاة». وقال النوويّ ﵀: قوله: «مشتملًا»؛ أي: ملتحفًا اشتمالًا ليس باشتمال الصمّاء المنهيّ عنه، وفيه دليل لجواز الصلاة في ثوب واحد، مع وجود الثياب، لكن الأفضل أن يزيد على ثوب عند الإمكان، وإنما فعل جابر هذا؛ للتعليم، كما قال. قال عبادة: (فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ) قال القاضي: فعل ذلك، وزاحم حرصًا علي القرب منه لسماع العلم، (حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ)؛ أي: بين جابر (وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ) هذا تمهيد، ومفاتحة للسؤال (أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) مشتملًا به (وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ) جملة حاليّة من الفاعل. (قَالَ) عبادة: (فَقَالَ)؛ أي: ضرب، ففيه إطلاق القول على الفعل، وهو شائِع كثير، (بِيَدِهِ فِي صَدْرِي هَكَذَا)؛ أي: مقوّسًا أصابعه، كما فسّره بقوله: (وَفرَّقَ) جابر (بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَوَّسَهَا) المعنى أنه ضربه بظهر كفِّه في صدره، مفرّقًا بين أصابعه، ثم مقوّسًا لها؛ أي: جاعلًا لها على صورة القوس؛ يعني: أنه بعد تفريقها لواها، وثناها إلى باطن الكفّ، ثم ضربه بها، وقوله: (أَرَدْتُ) مقول لقول مقدّر حال من فاعل «قال بيده»؛ أي: حال كونه قائلًا: أردت (أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الأَحْمَقُ)؛ أي: الجاهل بالأحكام الشرعيّة (مِثْلُكَ، فَيَرَانِي كَيْفَ أَصْنَعُ؟) في صلاتي، فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ) برفع «يصنع» كما هو مشكول بضبط القلم، فيكون معطوفًا على «يراني»، ويَحْتمل أن يكون منصوبًا في جواب الاستفهام، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: قوله: «أردت أن يدخل عليّ الأحمق مثلك» المراد بالأحمق هنا: الجاهل، وحقيقة الأحمق من يعمل ما يضرّه، مع علمه بقبحه، وفي هذا جواز مثل هذا اللفظ للتعزير، والتأديب، وزَجْر المتعلم، وتنبيهه، ولأن لفظة الأحمق والظالم قلّ من ينفك من الاتصاف بهما، وهذه الألفاظ هي التى يؤدِّب بها المتقون والورعون من استحقّ التأديب، والتوبيخ، والإغلاظ في القول؛ لأن ما يقوله غيرهم من ألفاظ السفه. انتهى . ثم قال جابر - ﵁ -: (أَتَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَسْجِدِنَا هَذَا)، أي: المسجد الذي صلى فيه جابر بثوب واحد مشتملًا. وهذا الحديث لا علاقة له بما قبله من جواز الصلاة في الثوب الواحد، وإنما ذكره مستقلًّا، لكون عبادة وأبيه أتيا إليه طالبين للعلم. (وَ) الحال أن (فِي يَدِهِ) - ﷺ - (عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ) العرجون بضمّتين بينهما راء ساكنة: عُود العنقود من النخل، مشتمل على شَماريخ كثيرة، والشماريخ جمع شمراخ، والشمراخ: الحبال التي تنفرد به كلّ حبّة من حبوب الرطب، و«ابن طاب» نوع طيّب من أنواع التمر . وقال القرطبيّ: العرجون عود الكباسة، والكباسة، والعذق، والعثكال، والعثكول كله واحد، وكل غصن من أغصان الكباس فيه شمراخ، والشمراخ هو الذي عليه البسر من خمس إلى ثمان، وابن طاب نوع من التمر طيب، قال ابن حمزة: ابن طاب عذق بالمدينة، والعذق بفتح العين: النخل نفسه. انتهى . (فَرَأى) النبيّ - ﷺ - (فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ): أي: جدار المسجد في جهة القبلة (نُخَامَةً) بضمّ النون، وبالميم، وهي ما يخرج من الصدر من الفضلة، والمخاط بالميم، وبالطاء: ما يخرج من الأنف، والنخاعة بفصم النون، وبالعين المهملة: اسم مشترك بين ما يخرج من الصدر، وما يخرج من الأنف، ذكره الترمسيّ في «موهبة ذي الفضل» . (فَحَكَّهَا)؛ أي: أزال النبيّ - ﷺ - تلك النخاعة (بِالْعُرْجُونِ)، أي: بعود الكباسة، (ثمَّ أَقْبَلَ) - ﷺ - (عَلَيْنَا، فَقَالَ: «أيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ) بضم أوله، من الإعراض، وإعراض الله ﷿ عن عبده صفة ثابتة له على ما يليق بجلاله؛ كصفة الغضب، والرضا، والمحبّة، وغيرها (اللهُ عَنْهُ؟»، قَالَ) جابر: (فَخَشَعْنَا)؛ أي: فزعنا لذلك، قال الأبّي: الخشوع: السكون، والتذلّل، وهو أيضًا الخضوع، وأيضًا الخوف، وأيضًا غضّ البصر في الصلاة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢]؛ أي: خاضعون، وقيل: خائفون، وعن ابن سيرين: كان المسلمون يلتفتون في صلاتهم، فنزلت هذه الآية، فغضّوا أبصارهم، فكان أحدهم ينظر إلى موضع سجوده، ويقال: خشع له، وتخشّع: إذا تذلّل، قال ابن سلام: الخشوع: الخوف الثابت في القلب، وقال الليث: الخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع يكون في البدن، والبصر، والصوت. وقال عياض: كذا رويناه بالخاء المعجمة عن الأكثر، ورويناه عن القاضي الشهيد: «فجشعنا» بالجيم، وكسر الشين، وكذا هو في كتاب القاضي التميميّ بخط يده، ومعناهما صحيح، فمعناه بالخاء ما تقدّم، ومعناه بالجيم: الفزع، ومنه الحديث الآخر: «فبكى معاذ جشعًا لفراق رسول الله - ﷺ -». قال الهرويّ: معناه جزعًا لفراقه، والجزع: الفزع لفراق الإلف، والجشع أيضًا: الحرص على الأكل وغيره. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) النبيّ - ﷺ - مرّة ثانيةً: (أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟ «، قَالَ) جابر: (فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - مرّة ثالثةً: (»أيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟ «، قُلْنَا: لَا)؛ أي: لا يحبّ أحدنا ذلك، (أَيُّنَا يَا رَسُولَ اللهِ) يحبّ أن يعرض الله عنه، فكلنا لا يحبّ ذلك، (قَالَ) - ﷺ -: (»فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ)؛ أي: في جهة قبلته، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في «كتاب الصلاة»، فراجعه تستفد علمًا، وبالله تعالى التوفيق. (فَلَا يَبْصُقَنَّ)؛ أي: لا يرمينّ بصاقه (قِبَلَ وَجْهِهِ) لأن الله تعالى قِبَل وجهه، (وَلَا عَنْ يَمِينِهِ) فإن عن يمينه ملَكًا، (وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ) لأنه موقف قرينه من الشيطان، فيقع عليه. (تَحْتَه رِجْلِهِ الْيُسْرَى) لأنها جهة خالية، (فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ) بكسر الجيم، أي: غلبت عليه، وبادرته (بَادِرَةٌ)؛ أي: بصاقة مسرعة (فَلْيَقُلْ)؛ أي: يَدْلُك، ففيه إطلاق القول على الفعل، (بِثَوْبِهِ هَكَذَا») ثمّ فسّر ذلك القول بقوله: (ثُمَّ طَوَى ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ) فدلكها حتى ذهب أثرها (فَقَالَ) - ﷺ -: («أَرُونِي عَبِيرًا») بفتح العين، وكسر الموحّدة؛ أي: طِيبًا مخلوطًا من أنواع، قال أبو عبيد: العبير عند العرب هو الزعفران وحده، وقال الأصمعيّ: هو أخلاط من الطِّيب تجمع بالزعفران، قال ابن قتيبة: ولا أرى القول إلا ما قاله الأصمعيّ؛ لقوله:«أتعجز إحداكنّ أن تأخذ تومتين، ثم تلطخهما بعبير، أو زعفران»، والتومة: حبّة تُعمل من فضّة كالدرّ . (فَقَامَ فَتًى) لم يُسمَّ (مِنَ الْحَيِّ)؛ أي: من قبيلة الأنصار، (يَشْتَدُّ)، أي: يسعى ويعدو عَدْوًا شديدًا (إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ) بفتح الخاء المعجمة: طيب مخلوط من أنواع مختلفة، يُجمع بالزعفران، وهو العبير على تفسير الأصمعيّ، وهو ظاهر الحديث، فإنه أمر بإحضار عبير، فأحضر خَلوقًا، فلو لم يكن هو هو لم يكن ممتثلًا . (فِي رَاحَتِهِ،)؛ أي: في كفّه، (فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) من يده (فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ)؛ أي: طرف العنقود، (ثُمَّ لَطَخَ)؛ أي: مسح (بِهِ عَلَى أثَرِ النُّخَامَةِ)؛ أي: محلها؛ إزالة لرائحتها الكريهة، ومنظرها القبيح. وفي هذا الحديث تعظيم المساجد، وتنزيهها من الأوساخ، ونحوها، وفيه استحباب تطييبها، وفيه إزالة المنكر باليد لمن قدر، وتقبيح ذلك الفعل باللسان . (فَقَالَ جَابِرٌ) - ﵁ -: (فَمِنْ هُنَاكَ)؛ أي: فمن ذلك الوقت (جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ)؛ يعني: أن الناس من منذ ذلك اليوم اتخذوا الخلوق في مساجدهم؛ لينظّفوا به المسجد إن اتفق أن وقعت فيه نخامة أو نحوها، اقتداء بالنبيّ - ﷺ -، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف ﵀ أخرجه هنا [١٧/ ٧٤٨١] (٣٠٠٨)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤٨٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٢٦٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٩٤)، و(محمد بن نصر) في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ١٧٧)، و(عمر بن شبة) في «أخبار المدينة» (١/ ١٦)، و(الأصفهانيّ) في «دلائل النبوة» (١/ ٥٤)، والله تعالى أعلم. ثم قال جابر - ﵁ - بالسند السابق: (سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ) قال النوويّ: هو بضم الباء الموحّدة، وفتحها، والواو مخففة، والطاء مهملة، قال القاضي ﵀: قال أهل اللغة: هو بالضم، وهي رواية أكثر المحدثين، وكذا قيّده البكريّ، وهو جبل من جبال جهينة، قال: ورواه العذريّ: بفتح الباء، وصححه ابن سراج. انتهى. وكانت هذه الغزوة في السنة الثانية من الهجرة في شهر ربيع الأول قبل غزوة بدر يريد قريشًا، واستعمل على المدينة السائب بن مظعون، وهو أخو عثمان بن مظعون - ﵄ -، حتى بلغ بُواط، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدًا . وذكر الواقديّ في «مغازيه» أنه - ﷺ - خرج يعترض لعير قريش فيها أميّة بن خلف، ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، ثم رجع، ولم يلق كيدًا، فيمكن أن المجدي بن عمرو الجهنيّ المذكور في هذا الحديث من جملة أصحاب العير، والله تعالى أعلم . (وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه - ﷺ - (يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو) قال النوويّ ﵀: هو بالميم المفتوحة، وإسكان الجيم، هكذا في جميع النُّسخ عندنا، وكذا نقله القاضي عن عامة الرواة والنسخ، قال: وفي بعضها: «النجديّ» بالنون بدل الميم، قال: والمعروف الأول، وهو الذي ذكره الخطابيّ، وغيره. انتهى. (الْجُهَنِيَّ) نسبة إلى جُهينة القبيلة المعروفة، وكان المجديّ هذا رئيس تلك القبيلة في ذلك الوقت، (وَكَانَ النَّاضِحُ) هو البعير الذي يُستقى عليه، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: نَضَحَ البعيرُ الماءَ: حمله من نهر، أو بئر، لسقي الزرع، فهو نَاضحٌ، والأنثى نَاضِحَةٌ بالهاء، سُمِّي نَاضِحًا؛ لأنّه يَنْضَحُ العطشَ؛ أي: يبلُّه بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعمل النَّاضِحُ في كلّ بعير، وإن لم يحمل الماء، وفي الحديث: «أَطْعِمْهُ نَاضِحَكَ»؛ أي: بعيرك، والجمع نَوَاضِحُ. انتهى . (يَعْتَقِبُهُ)؛ أي: نركبه عقبة، والعقبة بضم العين هي ركوب هذا نوبةً، وهذا نوبةً، قال صاحب «العين»: هي ركوب مقدار فرسخين . وقوله: (يَعْتَقِبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ، وَالسِّتَّةُ، وَالسَّبْعَة) وفي بعض النسخ: «يعقبه»، قال النوويّ: هكذا هو في رواية أكثرهم: «يعقبه» بفتح الياء، وضم القاف، وفي بعضها: «يعتقبه» بزيادة تاء، وكسر القاف، وكلاهما صحيح، يقال: عقبه، واعتقبه، واعتقبنا، وتعاقبنا كله من هذا. انتهى (فَدَارَتْ)؛ أي: وصلت (عُقْبَة)؛ أي: نوبة (رَجُلٍ مِنَ الأنصَارِ) لم يُسمَّ، (عَلَى نَاضِحٍ لَهُ، فَأَنَاخَهُ)، أي: أبركه ليركبه باركًا، (فَرَكبَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ)، أي: طلب منه أن يقوم من مبركه، (فَتَلَدَّنَ) بتشديد الدال؛ أي: تلكأ، وتوقف (عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ)، أي: بعض التوقّف، (فَقَالَ) الرجل (لَهُ)، أي: لذلك الناضح، (شَأْ) بشين معجمة، بعدها همزة، قال النوويّ: هكذا هو في نُسخ بلادنا، وذكر القاضي: أن الرواة اختلفوا فيه، فرواه بعضهم بالشين المعجمة، كما ذكرناه، وبعضهم بالمهملة، قالوا: وكلاهما كلمة زجر للبعير، يقال منهما: شأشأتُ بالبعير بالمعجمة، والمهملة: إذا زجرته، وقلت له: شأ، قال الجوهريّ: وسأسأت بالحمار بالهمز؛ أي: دعوته، وقلت له: تشؤ تشؤ، بضم التاء والشين المعجمة وبعدها همزة. انتهى . (لَعَنَكَ اللهُ)؛ أي: طردك الله تعالى من رحمته، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟»، قَالَ) الرجل: (أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) - ﷺ -: («انْزِلْ عَنْهُ)، أي: بعيرك الذي لعنته، (فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ)؛ أي: ببعير ملعون، إنما قاله تعزيرًا له، ومعاقبة على اعتدائه على بعيره. (لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا)؛ أي: لكيلا توافقوا (مِنَ اللهِ سَاعَةً، يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول، (فِيهَا)، أي: في تلك الساعة، (عَطَاءً) بالرفع على أنه نائب فاعل»يُسأل«، (فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ») بالرفع على الاستئناف، على تقدير مبتدأ؛ أي: فهو يستجيب لكم، وبالنصب بـ «أن» مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببيّة في جواب النهي، كما قال في «الخلاصة»: وبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ وفي هذا الحديث النهي عن لعن الدواب، وقد سبق بيان هذا مع الأمر بمفارقة البعير الذي لعنه صاحبه، وفيه أيضًا أن لله تعالى ساعة من ليل أو نهار لا يُسأل فيها شيئًا إلا أعطي، فينبغي للعبد أن يجتنب الدعاء على نفسه، أو أهله، أو ماله في أيّ وقت من الأوقات، مخافة أن يوافق تلك الساعة، فيتضرَر بإجابة دعائه، وبالعكس ينبغي له أن يتعرض للدعاء بالخير في ساعات الليل والنهار رجاء أن يوافق تلك الساعة، فيحصل غرضه، ويسعد السعادة الأبديّة، وبالله تعالى الوفيق. قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀ أخرجه هنا [١٧/ ٧٤٨١] (٣٠٠٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٥٣٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٧٤٢)، و(الأصفهانيّ) في «الدلائل» (١/ ٥٤)، والله تعالى أعلم. قال جابر - ﵁ - بالسند السابق: (سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا كانَتْ عُشَيْشِيَةٌ) بضم العين، وفتح الشين الأولى، وكسر الثانية، وتخفيف الياء الثانية، قال النوويّ ﵀: هكذا الرواية فيها على التصغير، مخففة الياء الأخيرة، ساكنة الأولى، قال سيبويه: صغّروها على غير تكبيرها، وكان أصلها عُشَيّة، فأبدلوا من إحدى الياءين شينًا. انتهى . (وَدَنَوْنَا)، أي: قَرُبنا (مَاءً مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ)، أي: بئرًا من آبارها، (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ) استفهاميّة مبتدأ خبره قوله: (رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا) جملة في محل رفع صفة»رجل«، (فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ)، أي: يطيّنه، ويصلحه، يقال: مدرتُ الحوضَ مدْرًا، من باب نصل: أصلحته بالمدر، وهو الطين . (فَيَشْرَبُ) هو بنفسه (وَيَسْقِينَا؟») بفتح أوله، وضمّه، من سقى ثلاثيًّا، وأسقى رباعيًّا. (قَالَ جَابِرٌ) - ﵁ -: (فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: هَذَا) القائم، يريد نفسه، (رَجُلٌ) متهيّئ لهذا الأمر (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) للقوم: («أَيُّ رَجُلٍ) يقوم (مَعَ جَابِرٍ؟»، فَقَامَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرِ) بن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاريّ ثم السَّلميّ، يكنى أبا عبد الله، ذكره موسى بن عقبة عن ابن شهاب في أهل العقبة، وذكره أبو الأسود عن عروة، في أهل بدر، وروى الطبراني من طريق ابن إسحاق، حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: إنما خَرَص عليهم عبد الله بن رواحة عامًا واحدًا، فأصيب يوم مؤتة، فكان رسول الله - ﷺ - يبعث جبار بن صخر، فيخرص عليهم؛ يعني: أهل خيبر، قال ابن السكن وغيره: مات جبار بن صخر سنة ثلاثين، في خلافة عثمان - ﵄ -، زاد أبو نعيم: وهو ابن اثنتين وستين سنة . (فَانْطَلَقْنَا)؛ أي: أنا وجبّار (إِلَى الْبئْرِ) التي أرادها النبيّ - ﷺ -، (فَنَزَعْنَا)؛ أي: أخذنا، وجبذنا (فِي الْحَوْضِ سَجْلًا، أَوْ سَجْلَيْنِ)، أي: دلوًا، أو دلوين، والسَّجل بفتح السين، وإسكان الجيم: الدلو المملوءة ماءً، وسبق بيانها مرات، قاله النوويّ، وقال المازريّ: قال ابن السكيت: يقال: نزعت الدلو: جذبتها، ونزعت في السهم: رميت به، ونزعت بآية من كتاب الله: قرأتها محتجًّا بها. (ثُمَّ مَدَرْنَاهُ)؛ أي: مدرنا الحوض، وأصلحناه، (ثُمَّ نَزَعْنَا فِيهِ)، أي: في الحوض؛ يعني: أنهما أخذا الماء من البئر، وصبّاه فيه (حَتَّى أفهَقْنَاهُ)، أي: ملأنا ذلك الحوض بالماء، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع نُسخنا، وكذا ذكره القاضي عن الجمهور، قال: وفي رواية السمرقنديّ: «أصفقناه» بالصاد، وكذا ذكره الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين» عن رواية مسلم، ومعناهما: ملأناه. انتهى . (فَكَانَ أَوَّلَ طَالِع عَلَيْنَا) بنصب «أولَ» على أنه خبر «كان» مقدّمًا، واسمها قوله: (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ) - ﷺ -: («أتَأْذَنَانِ؟») لي أن أسقيه راحلتي، هذا فيه أدب النبيّ - ﷺ -، وحسن خُلُقه، فإن جابرًا وصاحبه ما تقدّم إلا له، ولراحلته، ولأصحابه الذين معه، ولكن راعى حقهما، فاستأذنهما. وقال النوويّ ﵀: هذا تعليم منه - ﷺ - لأمته الآداب الشرعية، والورع، والاحتياط، والاستئذان في مثل هذا، وإن كان يعلم أنهما راضيان، وقد أُرصدا ذلك له - ﷺ -، ثم لمن معه. قال جابر: (قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ) أذنّا لك، (فَأَشْرَعَ) - ﷺ - (نَاقَتَهُ) معنى أشرعها: أرسل رأسها في الماء لتشرب، (فَشَرِبَتْ، شَنَقَ لَهَا)، أي: كفّها عن الشرب، يقال: شنقتها، وأشنقتها؛ أي: كففتها بزمامها، وأنت راكبها، وقال ابن دُريد: هو أن تجذب زمامها حتى تقارب رأسها قادمة الرحل، (فَشَجَتْ)، أي: فرّجت بين رجليها، وباعدت لتبول، قال النوويّ ﵀: «فشجت» بفاء، وشين معجمة، وجيم مفتوحات الجيم، مخففة، والفاء هنا أصلية، يقال: فشج البعير: إذا فرّج بين رجليه للبول، وفشّج بتشديد الشين أشدّ من فشج بالتخفيف، قاله الأزهريّ وغيره. قال: هذا الذي ذكرناه من ضبطه هو الصحيح الموجود في عامة النسخ، وهو الذي ذكره الخطابيّ، والهرويّ، وغيرهما من أهل الغريب، وذكره الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين»: فشَجّت بتشديد الجيم، وتكون الفاء زائدة للعطف، وفسَّره الحميديّ في غريب «الجمع بين الصحيحين» له، قال: معناه: قطعت الشرب، من قولهم: شججت المفازة: إذا قطعتها بالسير، وقال القاضي: وقع في رواية العذريّ: «فثجت» بالثاء المثلثة، والجيم، قال: ولا معنى لهذه الرواية، ولا لرواية الحميديّ، قال: وأنكر بعضهم اجتماع الشين والجيم، وادّعَى أن صوابه: فشَحَت بالحاء المهملة، من قولهم: شحا فاه: إذا فتحه، فيكون بمعنى تفاجت، هذا كلام القاضي، قال النوويّ: والصحيح ما قدمناه عن عامة النسخ، والذي ذكره الحميديّ أيضًا صحيح، والله أعلم. انتهى . (فَبَالَتْ، ثُمَّ عَدَلَ)؛ أي: مال النبيّ - ﷺ - (بهَا)؛ أي: بتلك الناقة (فَأَنَاخَهَا)؛ أي: أبركها لتستريح، (ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الْحَوْضِ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ)، أي: من ذلك الحوض، وفيه دليل على جواز الوضوء من الماء الذي شربت منه الإبل ونحوها من الحيوان الطاهر، وأنه لا كراهة فيه، وإن كان الماء دون قلّتين، قال النوويّ: وهكذا مذهبنا. (ثُمَّ قُمْتُ، فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّإِ) بصيغة اسم المفعول، والمراد: مكان وضوء (رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) إنما اختار مكانه؛ تبرّكًا بأثره - ﷺ -، (فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ) حال كونه (يَقْضِي حَاجَتَهُ) من البول ونحوه، (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِيُصَلِّيَ، وَكَانَتْ عَلَى بُرْدَةٌ)، أي: كساء صغير مربع، (ذَهَبْتُ)؛ أي: شرعت، وأخذت (أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا) لئلا يكون من اشتمال الصمّاء، (فَلَمْ تَبْلُغْ لِي)؛ أي: فلم تتسع لذلك؛ لِصِغرها، (وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ)؛ أي: أهداب، وأطراف، واحدها: ذِبْذِب بكسر الذالين، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تتذبذب على صاحبها، إذا مشى، أي: تتحرك، وتضطرب. (فَنَكَّسْتُهَا) بتخفيف الكاف، وتشديدها؛ أي: قلبتها، فجعلت أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها، كما يُفعل في القلب للاستسقاء، (ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا)، أي: أمسكت عليها بعنقي، وخبنته عليها؛ لئلا تسقط، (ثُمَّ جِئْتُ، حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)، أي: لكونه لا يعرف السنّة في ذلك، وهو أن المأموم إذا كان واحدًا قام عن يمين الإمام، (فَأَخَذَ) - ﷺ - (بِيَدِي، فأَدَارَنِي)، أي: حوّلني إلى الجهة اليمنى، (حَتَّى أقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ) هذا هو السُّنّة في اقتداء المنفرد، (ثُمَّ جَاءَ) بعد ذلك (جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ) من محلّ قضاء حاجته، (فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: لكونه أيضًا لا يعرف السُّنّة في هذا، فأعلمه - ﷺ - بها، كما قال: (فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيْنَا)؛ أي: بيد جابر، وجبار (جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا)؛ أي: ردّنا، وأخّرنا إلى خلفه، (حَتَّى أَقامَنَا خَلْفَهُ) قال النوويّ ﵀: هذا فيه فوائد، منها: جواز العمل اليسير في الصلاة، وأنه لا يكره إذا كان لحاجة، فإن لم يكن لحاجة كُره، ومنها أن المأموم الواحد يقف على يمين الإمام، وإن وقف على يساره حوّله الإمام، ومنها أن المأمومَين يكونان صفًّا وراء الإمام، كما لو كانوا ثلاثة، أو أكثر، هذا مذهب العلماء كافّة، إلا ابن مسعود، وصاحبيه، فإنهم قالوا: يقف الاثنان عن جانبيه. انتهى . (فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَرْمُقُنِي)؛ أي: ينظر إليّ نظرًا متتابعًا، (وَأنَا لَا أَشْعُرُ) بضمّ العين؛ أي: لا أعلم بنظره إليّ، (ثُمَّ فَطِنْتُ) من بابي فرح، ومنع (بِهِ)؛ أي: بنظره - ﷺ - (فَقَالَ)؛ أي: أشار - ﷺ -، ففيه إطلاق القول على الفعل، وقد مرّ قريبًا أنه شائع كثير في الأحاديث، واستعمال العرب، (هَكَذَا بِيَدهِ) - ﷺ - (يَعْنِي)؛ أي: يقصد - ﷺ - بتلك الإشارة أن (شُدَّ وَسَطَكَ) قال القاضي عياض ﵀: فيه جواز الإشارة في الصلاة، لا سيّما لمصلحة الصلاة، وكذلك العمل اليسير؛ لردّ جابر عن يساره إلى يمينه، وتقدّم جميع ذلك في «كتاب الصلاة». (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: سلّم من صلاته، (قَالَ: «يَا جَابِرُ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِذَا كَانَ) الثوب الذي لبسته (وَاسِعًا، فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ)؛ أي: البسه مخالفًا بين طرفيه؛ كهيئة الصبيان في بعض البلدان، (وَإِذَا كَانَ) الثوب (ضَيِّقًا) كبُردتك هذه (فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ») بفتح الحاء، وكسرها، وهو معقد الإزار، والمراد هنا: أن يبلغ السرة، وفيه جواز الصلاة في ثوب واحد، وأنه إذا شدّ المئزر، وصلّى فيه، وهو ساتر ما بين سرته وركبته صحّت صلاته، وإن كانت عورته تُرى من أسفله، لو كان على سطح ونحوه، فإن هذا لا يضره، قاله النوويّ . وهذا الحديث مناسب لِمَا سبق من أن عبادة بن الوليد رأى جابرًا يصلي في رداء واحد، فسأله عبادة عن ذلك، فقال: أردت أن يدخل عليّ الأحمق مثلك. وقد أخرج أحمد في «مسنده» بهذا السياق عن شرحبيل أبي سعيد، أنه دخل على جابر بن عبد الله، وهو يصلي في ثوب واحد، وحوله ثياب، فلما فرغ من صلاته قال: قلت: غفر الله لك يا أبا عبد الله، تصلي في ثوب واحد، وهذه ثيابك إلى جنبك؟ قال: أردت أن يدخل عليّ الأحمق مثلك، فيراني أصلى في ثوب واحد، أَوَ كان لكل أصحاب رسول الله - ﷺ - ثوبان؟ قال: ثم أنشأ جابر يحدّثنا، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك، ثم صلِّ، وإذا ضاق عن ذاك، فشدّ به حقويك، ثم صلِّ من غير رَدّ له». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀ أخرجه هنا [١٧/ ٧٤٨١] (٣٠١٠)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٦٣٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٣٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٣٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣/ ٣٨٥)، والله تعالى أعلم. ثم قال جابر - ﵁ -: (سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: في بعض غزواته، (وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا)، أي: معاشر الصحابة (فِي كُلِّ يَوْمِ تَمْرَةً)؛ أي: حبة واحدة من التمر، (فَكَانَ) كلّ واحد منا (يَمَصُّهَا) بفتح الميم على اللغة المشهورة، وحُكي ضمها، وسبق بيانه، وفيه ما كانوا عليه من ضيق العيش، والصبر عليه في سبيل الله، وطاعته. (ثُمَّ يَصُرُّهَما)؛ أي: يلفّها، ويربطها (في ثَوْبِهِ) أصل الصرّ هو الجمع والشدّ، والمعنى: أنه كان يعطى تمرة واحدة لليوم كله، فيمصّ شيئًا منها، ثم يربطها بطرف ثوبه احتفاظًا بها، ليمصّها في وقت آخر. (وَكنَّا نَخْتَبِطُ)، أي: نضرب الشجر (بِقِسِيِّنَا) قال النوويّ: القِسِيّ: جمع قوس، ومعنى نختبط: نضرب الشجر، ليتحاتّ ورقه، فنأكله، (وَنَأْكُلُ) ورق ذلك الشجر (حَتَّى قَرِحَتْ) بكسر الراء؛ أي: انجرحت، وورمت من خشونة الورق، وحرارته (أَشْدَاقُنَا) بالفتح: جمع شدق، جانب الفم. (فَأُقْسِمُ) بضم أوله، أي: أحلف بالله (أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا) قال النوويّ ﵀: معنى «أقسم»: أحلف، وقوله: «أخطئها»؛ أي: فاتته، ومعناه أنه كان للتمر قاسم يقسمه بينهم، فيعطي كل إنسان تمرة، كلَّ يوم، فقسم في بعض الأيام، ونسي إنسانًا، فلم يعطه تمرته، وظنّ أنه أعطاه، فتنازعا في ذلك، وشهدنا له أنه لم يُعْطَها، فأُعطيها بعد الشهادة، (فَانْطَلَقْنَا بهِ نَنْعَشُهُ)؛ أي: نرفعه، ونقيمه من شدة الضعف، والجهد، وقال القاضي: الأَشبه عندي أن معناه: نشدّ جانبه في دعواه، ونشهد له، وفيه دليل لِمَا كانوا عليه من الصبر، وفيه جواز الشهادة على النفي في المحصور الذي يحاط به. (فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا) بالبناء للمفعول، (فَأُعْطِيَهَا، فَقَامَ، فَأَخَذَهَا). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف ﵀، ولم يشاركه أحد في إخراجه، والله تعالى أعلم. قال جابر - ﵁ -: (سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أفْيَحَ) بالفاء؛ أي: واسعًا، وشاطئ الوادي جانبه، (فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) حال كونه (يَقْضِي حَاجَتَهُ)؛ أي: مريدًا قضاء حاجته (فاتَّبَعْتُهُ) بتشديد التاء الأولى، من الاتباع، (بِإِدَاوَةٍ) بكسر الهمزة؛ أي: مِطهرة مملوءة (مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) إلى الجهات لعله يجد ما يستتر به، (فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ،) عن أعين الناس، (فَإِذَا) هى الفجائيّة؛ أي: فاجأه (شَجَرَتَانِ)؛ أي: وجودهما (بِشَاطِئِ الْوَادِي)؛ أي: جانبه، (فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى إِحْدَاهُمَا)؛ أي: إحدى الشجرتين، (فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا) قال المجد: الْغُصن - أي: بضمّ، فسكون -: ما تشعّب من ساق الشجر دِقاقُها، وغِلاظها، والصغيرة بِهاء، جمعه غُصُونٌ، وغِصَنَةٌ، وأغصان. انتهى . (فَقَالَ) - ﷺ - للشجرة: («انْقَادِي عَلَيَّ)؛ أي: أطيعيني فيما أريده منك (بِإِذْنِ اللهِ») تعالى (فَانْقَادَتْ) الشجرة (مَعَهُ) - ﷺ -؛ أي: أطاعته فيما أراد: منها، (كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ) بالخاء، والشين المعجمتين، وهو الذي يُجعل في أنفه خِشاش بكسر الخاء، وهو عُود يُجعل في أنف البعير إذا كان صَعْبًا، ويُشدّ فيه حبل؛ ليذِلّ، وينقاد، وقد يتمانع لصعوبته، فإذا اشتد عليه، وآلمه انقاد شيئًا، ولهذا قال: (الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ)؛ أي: يطيعه، وينقاد له، وهذه من المعجزات الظاهرات لرسول الله - ﷺ -. (حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنِ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ»، فَانْقَادَتْ) الشجرة الأخرى (مَعَهُ) - ﷺ - (كَذَلِكَ)؛ أي: كما انقادت الأولى له، (حَتَّى إِذَا كَانَ) النبيّ - ﷺ - (بِالْمَنْصَفِ) بفتح الميم، والصاد، وهو نصف المسافة، وممن صرّح بفتحه الجوهريّ وآخرون، (مِمَّا بَيْنَهُمَا)؛ أي: من المسافة التى بين الشجرتين، (لأَمَ)؛ أي: ضمّ النبيّ - ﷺ - (بَيْنَهُمَا) ثم فسّره بقوله: (يَعْني جَمَعِّهُمَا) وهذا التفسير مدرج من بعض الرواة، ولم نعرفه. وقال النوويّ ﵀: قوله: «لأم» بهمزة مقصورة، وممدودة، وكلاهما صحيح؛ أي: جمع بينهما، ووقع في بعض النسخ: «ألام» بالألف من غير همزة، قال القاضي وغيره: هو تصحيف. (فَقَالَ) - ﷺ - للشجرتين: («الْتَئِمَا)؛ أي: التصقا (عَلَيَّ) حتى أستتر بكما عن أعين الناس (بِإِذْنِ اللهِ»، فَالْتَأَمَتَا)؛ أي: التصقتا (قَالَ جَابِرٌ) - ﵁ -: (فَخَرَجْتُ) من ذلك المكان (أُحْضِرُ) بضم أوله؛ أي: حال كوني مسرعًا في ذهابي، وقال النوويّ: «أحضر» هو بضم الهمزة، وإسكان الحاء، وكسر الضاد المعجمة، أي: أعدو، وأسعى سعيًا شديدًا. (مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ) بضمّ أوله؛ أي: يعلم (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِقُرْبِي) منه (فَيَبْتَعِدَ)؛ أي: يذهب من ذلك المكان الذي أحسّ بحضوري فيه إلى مكان آخر طلبًا للبعد عن الناس. (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) شيخ المصنّف الثاني في هذا الحديث؛ أي: قال في روايته: (فَيَتَبَعَّدَ) مصدر تبعّد؛ كتعلّم؛ أي: قال بدل قول هاررن بن معروف: «فيبتعد» من الابتعاد، قال: يتبعّد، من التبعّد، ولا اختلاف في المعنى. (فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي)؛ أي: تعجّبًا مما رأيت من معجزة النبيّ - ﷺ - في هاتين الشجرتين، (فَحَانَتْ)؛ أي: وقعت (مِنِّي لَفْتَةٌ) اللفتة: النظرة إلى جانب، وهي بفتح اللام، ووقع لبعض الرواة: «فحالت» باللام، والمشهور بالنون، وهما بمعنى، فالحين، والحال: الوقت؛ أي: وقعت، واتفقت، وكانت، (فَإِذَا أنَا بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) «إذا» هي الفجائيّة؛ أي: ففجأني رؤية رسول الله - ﷺ -، حال كونه (مُقْبِلًا) إليّ بعد قضاء حاجته، (وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا)؛ أي: وفاجأني أيضًا افتراق الشجرتين، (فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ)؛ أي: على أصلها. وحاصل الكلام أن النبيّ - ﷺ - كان يريد التستّر لقضاء حاجته بما تيسّر له، وما كان تيسّر له ذلك بشجرة واحدة، فأمر الشجرتين حتى انتقلتا إلى مكان متوسّط بينهما، ثم أمرهما، فالتأمتا بحيث صارا كشجرة واحدة، فتستّر بهما، وقضى حاجته، ثم عادت الشجرتان إلى هيئتهما المستقلّة، ورجعت كلّ واحدة منهما إلى مكانها، وهي معجزة من معجزات النبيّ - ﷺ - . قال جابر - ﵁ -: (فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقَفَ وَقْفَةً) يسيرة، وإنما وقف لِمَا سيأتي، أنه شعر بأن هناك قبرين يعذّبان، فأراد لشدّة رأفته أن يشفع لهما، (فَقَالَ)، أي: أشار - ﷺ - (بِرَأْسِهِ هَكَذَا) قال المصنّف نقلًا عن شيخيه: (وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ) هو حاتم بن إسماعيل شيخ شيخيه، ووقع في بعض النسخ: «ابن إسماعيل»، وكلاهما صحيح، هو حاتم بن إسماعيل، وكنيته أبو إسماعيل. (بِرَأْسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا) مفسّرًا قوله: «فقال برأسه هكذا»، (ثُمَّ أَقْبَلَ) النبيّ - ﷺ - (فَلَمَّا انْتَهَى)؛ أي: وصل (إِلَيَّ قَالَ: «يَا جَابِرُ هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟»)؛ أي: موقفي الذي وقفت فيه وقفةً، (قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ) رأيته، (قَالَ) - ﷺ -: («فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ) اللتين رأيت ما صنعت بهما من خوارف العادات، (فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، فَأَقْبِلْ) بقطع الهمزة، من الإقبال؛ أي: توجه (بِهِمَا)؛ أي: بالقطعتين اللتين قطعتهما من الشجرتين، (حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي) الذي وقفت فيه وقفة (فَأَرْسِلْ)؛ أي: ارم (غُصْنًا عَنْ يَمِينِكَ)؛ أي: إلى جهة يمينك، (وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ»، قَالَ جَابِرٌ) - ﵁ -: (فَقُمْتُ، فَأَخَذْتُ حَجَرًا، فَكَسَرْتُهُ، وَحَسَرْتُهُ) بحاء، وسين مهملتين، والسين مخففة؛ أي: أحْدَدته، ونحّيت عنه ما يمنع حِدّته، بحيث صار مما يمكن قطعي الأغصان به، وهو معنى قوله: (فَانْذَلَقَ لِي) قال النوويّ: هو بالذال المعجمة؛ أي: صار حادًّا، وقال الهرويّ ومن تابعه: الضمير في «حسرته» عائد على الغصن؛ أي: خسرت غصنًا من أغصان الشجرة؛ أي: قشرته بالحجر، وأنكر القاضي عياض هذا على الهرويّ ومتابعيه، وقال: سياق الكلام يأبى هذا؛ لأنه حسره، ثم أتى الشجرة، فقطع الغصنين، وهذا صريح في لفظه، ولأنه قال: «فحسرته، فانذلق» والذي يوسف بالانذلاق الحجر، لا الغصن، والصواب أنه إنما حسر الحجر، وبه قال الخطابيّ. [واعلم]: أن قوله: «فحسرته» بالسين المهملة، هكذا هو في جميع النسخ، وكذا هو في «الجمع بين الصحيحين»، وفي كتاب الخطابيّ، والهرويّ، وجميع كتب الغريب، وادعى القاضي روايته عن جميع شيوخهم لهذا الحرف بالشين المعجمة، وادعى أنه أصحّ، وليس كما قال، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال جابر: (فَأَتيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ، فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا)؛ أي: أجُرّ الغصنين (حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَرْسَلْتُ غُصْنًا عَنْ يَمِينِي)؛ أي: جهة يميني (وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقْتُهُ) بكسر الحاء، أي: أدركته، ووصلت إليه، (فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْت يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: ما أمرتني به (فَعَمَّ ذَاكَ؟)؛ أي: فما السبب في هذا الذي أمرتني به؟ (قَالَ) - ﷺ -: («إِنِّي مَرَوْتُ بِقَبْرَيْنِ، يُعَذَّبَانِ)، أي: يُعذّب من فيهما من الناس، (فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي) فيه دليل واضح أن التخفيف عنهما بشفاعته - ﷺ -، لا بوضع الغصنين، فدلّ على أنه من خصائصه - ﷺ -، فلا يقاس عليه غيره، فتنبّه . (أَنْ يرَفَّهَ) بتشديد الفاء؛ أي: يخفّف (عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ»)؛ أي: مدّة دوام الغصنين حال كونهما رطبين، وكون التخفيف عنهما مغيًّا بكونهما رطبين، لا يُعلم إلا من جهة الوحي، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذه القصّة غير القصّة التي سبقت في «كتاب الطهارة» من حديث ابن عبّاس - ﵄ - «أنه - ﷺ - مرّ على قبرين، فقال: يعذّبان، وما يعذبان في كبير. . .» الحديث، وفيه: «ثم دعا بعسيب رطب، فشقّه باثنين، ثم غرس على هذا واحدًا، وعلى هذا واحدًا. . .»، وقد تقدّم وجوه المغايرة بين حديث جابر وحديث ابن عبّاس - ﵃ - هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (قَالَ) جابر - ﵁ -: (فَأتيْنَا الْعَسْكَرَ)، أي: لحقنا الجيش الذي تقدّم علينا، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «يَا جَابِرُ نَادِ بِوَضُوءٍ») بفتح الواو؛ أي: ماء يُتوضّأ به، (فَقُلْتُ: أَلَا وَضُوءَ، أَلَا وَضُوءَ، أَلَا وَضُوءَ) بالتكرار ثلاثًا للتأكيد؛ أي: ألا يوجد عندكم ماء يُتوضّأ به؟ (قَالَ) جابر: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَما وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ) بفتح، فسكون، أي: الجماعة، (مِنْ قَطْرَةٍ) «من» زائدة للتأكيد، (وَكَانَ رَجُلٌ) لم يُذكر اسمه، (مِنَ الأَنْصَارِ، يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - الْمَاءَ فِي أَشْجَابٍ) جمع شجب؛ أي: في سقاء (لَهُ عَلَى حِمَارةٍ)؛ أي: أعواد (مِنْ جَرِيدٍ) قال النوويّ ﵀: أما الأشجاب هنا فجمع شجب بإسكان الجيم، وهو السقاء الذي قد أَخْلَق، وبلي، وصار شَنًّا، يقال: شاجب؛ أي: يابس، وهو من الشجب الذي هو الهلاك، ومنه حديث ابن عباس - ﵄ -: «قام إلى شجب، فصب منه الماء، وتوضأ»، ومثله قوله - ﷺ -: «فانظر هل في أشجابه من شيء؟» وأما قول المازريّ وغيره: إن المراد بالأشجاب هنا: الأعواد التي تُعلَّق عليها القِرابة، فغلط؛ لقوله: يبرد فيها على حِمارة من جريد، وأما الحمارة فبكسر الحاء، وتخفيف الميم والراء، وهي أعواد تُعلَّق عليها أسقية الماء، قال القاضي: ووقع لبعض الرواة: حمار بحذف الهاء، ورواية الجمهور: حمارة بالهاء، وكلاهما صحيح، ومعناهما ما ذكرنا. انتهى. (قَالَ) جابر: (فَقَالَ) النبيّ - ﷺ - (لِيَ: «انْطَلِقْ إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الأَنْصَارِيِّ) هو هذا الرجل المذكور، (فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ؟) (، قَالَ) جابر: (فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ، فَنَظَرْتُ فِيهَا)؛ أي: في أشجابه (فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً)؛ أي: يسيرًا (فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا) العزلاء بفتح العين المهملة، وبإسكان الزاي، وبالمدّ، وهي فم القربة، (لَوْ أَنِّي أفرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ) معناه أنه قليل جدًّا، فلقلّته مع شدّة يُبْس باقي الشجب، وهو السقاء، لو أفرغته لأنشفه اليابس منه، ولم ينزل منه شيء. (فَأَتيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهَا)؛ أي: في تلك الأشجاب (إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابسُهُ)؛ أي: يابس الشجب، وجافّه. (قَالَ) - ﷺ -. (»اذْهَبْ، فَأْتِنِي بِهِ«، فَأَتَيْتَهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ) - ﷺ - (بِيَدِهِ) المباركة (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع - ﷺ -، وأخذ (يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي مَا هُوَ؟) هل هو دعاء، أم غيره؟ (وَيَغْمِزُهُ)؛ أي: يعصره، ويحركه (بِيَدَيْهِ) وفي نسخة: »بيده« بالإفراد، (ثُمَّ أَعْطَانِيهِ)؛ أي: ذلك الشجب، (فَقَالَ: يَا جَابِرُ نَادِ بِجَفْنَةٍ، فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ)؛ أي: يا صاحب جفنة الركب، فحُذف المضاف؛ للعلم بأنه المراد، وأن الجفنة لا تنادى، ومعناه: يا صاحب جفنة الركب التي تُشبعهم أَحْضِرها؛ أي: من كان عنده جفنة بهذه الصفة، فليحضرها، والجفنة بفتح الجيم. (فَأُتِيتُ بِهَا)؛ أي: بالجفنة، حال كونها (تُحْمَلُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يحملها الناس، (فَوَضَعْتُهَا)؛ أي: تلك الجفنة (بَيْنَ يَدَيْهِ) - ﷺ - (فَقَالَ)؛ أي: وضع، ففيه إطلاق القول على الفعل، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ)؛ أي: في أعاليها، (هَكَذَا) ثم فسّر الإشارة بقوله (فَبَسَطَهَا)؛ أي: بسط يده (وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا)؛ أي: وضع يده مفرّقة الأصابع (فِي قَعْرِ الْجَفْنَةِ)؛ أي: في أسفلها، (وَقَالَ: «خُذْ) هذا الشجب (يَا جَابِرُ، فَصُبَّ عَلَي)؛ أي: على يدي التي في قعر الجفنة، (وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ») قال جابر: (فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: بِاسْمِ اللهِ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَوَّرُ)؛ أي: يخرج بقوة (مِنْ بَيْنِ أَصَابعِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ فَارَتِ)؛ أي: نبعت (الْجَفْنَةُ، وَدَارَتْ)؛ أي: دار الماء في جوفها، وجوانبها (حَتَّى امْتَلأَتْ) الجفنة بالماء، (فَقَالَ: «يَا جَابِرُ نَادِ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ؟») فليأتنا ليأخذه. (قَالَ) جابر: (فَأَتَى النَّاسُ) كلّهم؛ لأنهم جميعًا محتاجون إلى الماء، (فَاسْتَقَوْا)؛ أي: أخذوا الماء في أوانيهم، وشربوا (حَتَّى رَوَوْا)؛ أي: ذهب عنهم العطش. (قَالَ) جابر: (فَقُلْتُ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟) إلى الماء، فسكتوا (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَهُ) الشريفة المباركة (مِنَ الْجَفْنَةِ، وَهِيَ)؛ أي: والحال أن تلك (الجفنة مَلأَى)؛ أي: ممتلئة ماء. قال القاضي عياض ﵀: هذه من باهر معجزاته - ﷺ -، وقد روينا عنه هذه في مواطن متفقة المعنى، وكذلك في معجزاته - ﷺ - ما تقدّم من أمر الشجرتين، وكذلك اكتفاؤهم بالتمرة الواحدة ببركته - ﷺ -، وكذلك الدابّة التي ألقاها البحر، وتقدّمت في «كتاب الجهاد» في غزوة أبي عبيدة، ويظهر أنها قضيّة أخرى غير القضيّة الآتية؛ لأن هذه حضرها رسول الله - ﷺ -، ويَحْتمل أن هذه الآتية تلك السابقة، وأوردها جابر بعد ذِكره ما شاهده مع رسول الله - ﷺ -، وعطف هذه القضيّة عليها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف ﵀ لم أر من أخرجه غيره، والله تعالى أعلم. ثم قال جابر - ﵁ -: (وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الْجُوعَ)؛ أي: أخبروه أنهم جائعون، (فَقَالَ) - ﷺ -: («عَسَى اللهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ»)؛ أي: يسوق إليكم رزقًا من عنده يزيل جوعكم، (فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ) بكسر السين، وإسكان المثناة تحتُ هو ساحله، (فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً) بالخاء المعجمة، أي: علا موجه، (فَأَلْقَى) البحر (دَابَّةٌ) من دوابّه إلى الساحل، وتقدّم في «كتاب الصيد» أنه كان حوتًا عظيمًا، يقال له: العنبر، (فَأَوْريْنَا)؛ أي: أوقدنا (عَلَى شِقِّهَا)؛ أي: على جنبها (النَّارَ، فَاطَّبَخْنَا) بتشديد الطاء افتعال من الطبخ، (وَاشْتَوينَا)؛ أي: شويناه على الحديدة المحماة (وَأَكَلْنَا، حَتَّى شَبِعْنَا، قَالَ جَابِرٌ) - ﵁ -: (فَدَخَلْتُ أنا، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) لأناس سمّاهم، (حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً) من الرجال (فِي حِجَاج عَيْنِهَا) بكسر الحاء، وفتحها، وهو عَظْمها المستدير بها، والحال أنه (مَا يَرَانَا أَحَدٌ، حَتَّى خَرَجْنَا) منها (فَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ) قال الفيّوميّ ﵀: الضِّلُعُ من الحيوان بكسر الضاد، وأما اللام فتفتح في لغة الحجاز، وتسكن في لغة تميم، وهي أنثى، وجمعها أَضْلُعٌ، وأَضْلَاعٌ، وضُلُوعٌ، وهي عظام الجنبين. انتهى . (فَقَوَّسْنَاهُ)، أي: جعلناه على صورة القوس، (ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ) بالجيم، في رواية الأكثرين، وهو الأصح، ورواه بعضهم بالحاء، وكذا وقع لرواة البخاري بالوجهين. (فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلِ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ) الكِفْل هنا بكسر الكاف، وإسكان الفاءَ، قال الجمهور: والمراد بالكفل هنا: الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه؛ لئلا يسقط، فيحفظ الكفل الراكب، قال الهرويّ: قال الأزهري: ومنه اشتقاق قوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]؛ أي: نصيبين يحفظانكم من الهلكة، كما يحفظ الكِفْل الراكب، يقال منه: تكفلت البعير، وأكفلته: إذا أدرت ذلك الكساء حول سنامه، ثم ركبته، وهذا الكساء كِفْل بكسر الكاف، وسكون الفاء، وقال القاضي عياض: وضبطه بعض الرواة بفتح الكاف والفاء، والصحيح الأول (فَدَخَلَ تَحْتَهُ)؛ أي: تحت ذلك الضلع، ومرّ، والحال أنه (مَا يُطَأْطئُ)؛ أي: يخفض (رَأْسَهُ)، أي: لم يحتج هذا الراكب إلى أن يخفض رأسه لِعَظْمه المقوّس، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، بناء على اتحاد القصّة، وإلا فمن أفراد المصنّف ﵀. أخرجه هنا [١٧/ ٧٤٨١] (٣٠١٤)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤٣٦٠). [تنبيه]: هذه السريّة تسمّى سريّة سِيف البحر، وتسمى أيضًا سريّة خبط؛ لأن الصحابة - ﵃ - اضطرّوا فيها إلى أكل الخبط، وهو ورق الشجر، وقد مضت قصّة هذه السريّة مبسوطة في «كتاب الصيد والذبائح»، وذكرنا هناك أنها كانت سنة ستّ من الهجرة، أو قبلها، وكان أميرهم أبا عبيدة بن الجرّاح - ﵁ -، خرجوا يتلقون عِيرًا لقريش، ويسيرون إلى جهينة. ثم الذي يظهر من سياق الحديث هنا أنهم كانوا مع النبيّ - ﷺ -، ولكن سياق حديث جابر في «كتاب الصيد» أن النبيّ - ﷺ - لم يكن معهم في سريّة سيف البحر، حيث قال: «بعثنا رسول الله - ﷺ -، وأمّر علينا أبا عبيدة بن الجرّاح»، وكذلك وقع في روايات البخاريّ في «المغازي». ومن أجل هذا الاختلاف مال بعض العلماء، كالقاضي عياض ﵀ إلى أنهما قصّتان، فما تقدّم في «كتاب الصيد» سريّة لم يكن معها رسول الله - ﷺ -، وهذه غزوة شهدها رسول الله - ﷺ - بنفسه، ولكن هذا بعيد بالنظر إلى موافقة الحديثين في أكثر أجزاء القصّة، فالراجح ما ذكره القاضي احتمالًا، وهو أن القصة واحدة، ولكن أوردها جابر هنا بعد ذكر ما شاهده مع رسول الله - ﷺ -، وعطف هذه القصّة عليها، وشرحه الحافظ في «الفتح» بقوله: يمكن حمل قوله: «فأتينا سِيف البحر» على أنه معطوف على شيء محذوف، تقديره: فبعثنا النبيّ - ﷺ - في سفر، فأتينا. . . إلخ. والحاصل: أن قوله: «شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - الجوع، فقال: عسى الله أن يُطعمكم» منفصل عما بعده، والأسلوب الذي سُردت به أحاديث مختلفة في هذا الحديث الطويل لا يأبى هذا التقدير، والله ﷾ أعلم . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر صاحب «التكملة» هذه المسألة، مرجحًا كون القصّة واحدة، وعندي أنهما قصّتان، وذلك واضح لمن تأمله، فكل الأوجه التي ذكروها لتوحيد القصّة تكلّفات، وتعسّفات، فتأملها بالإنصاف، يتبيّن لك ما قلته. والحاصل: أن جابرًا - ﵁ - شهد الواقعتين، واقعة مع أبي عبيدة بن الجراح - ﵁ -، وواقعة مع رسول الله - ﷺ -، وهما متشابهتان، فحدّث بكلّ منهما، هذا والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٢] (٢٠٠٩) - (حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ، فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِيَ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي إِلَى مَنْزِلِي، فَقَالَ لِي أَبِي: احْمِلْهُ، فَحَمَلْتُهُ، وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: نَعَمْ أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلَا الطَّرِيقُ، فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَة، لَهَا ظِلٌّ، لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا، فَأَتيْتُ الصَّخْرَةَ، فَسَويتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ظِلِّهَا، ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ، فَنَامَ، وَخَرَجْتُ أنفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ، مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا، فَلَقِيتُهُ، فَقُلْتُ: لِمَنْ أنتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ، وَالتُّرَابِ، وَالْقَذَى، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأُخْرَى، يَنْفُضُ، فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ، كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ، أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - لِيَشْرَبَ مِنْهَا، وَيتَوَضَّأَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: «أَلمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟»، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أُتِينَا، فَقَالَ: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا»، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا أُرَى، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا اللهَ، فَنَجَى، فَرَجَعَ، لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كفَيْتُكُمْ مَا هَا هُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قالَ: وَوَفَى لنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، من كبار [١١]، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٠. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هوة الحسن بن محمد بن أعين الحرّاني، أبو عليّ، نُسب لجدّه [٩]، تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن خُديج الجعفيّ الكوفيّ [٧]، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢. ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبِيعيّ الكوفيّ [٣]، تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. ٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤. شرح الحديث: عن زُهَيْر هو ابن معاوية، أبو خيثمة الجعفيّ قال البزار: لم يرو هذا الحديث تامًّا عن أبي إسحاق إلا زهير، وأخوه خديج، وإسرائيل، وروى شعبة منه قصة اللبن خاصة. انتهى. قال الحافظ: وقد رواه عن أبي إسحاق مطوّلًا أيضًا حفيده يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق. انتهى . أنه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) - ﵄ -، صرّح أبو إسحاق بالسماع من البراء، فانتفت عنه تهمة التدليس؛ لأنه مشهور به. (يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - ﵁ - (إِلَى أَبِي) هو عازب بن الحارث بن عديّ الأوسيّ - ﵁ - من قدمَاء الأنصار، (فِي مَنْزِلِهِ) متعلّق بـ «أتى»، (فَاشْتَرَى) أبو بكر (مِنْهُ)؛ أي: من أبيه (رَحْلًا) بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة: هو للناقة كالسرج للفرس، (فَقَالَ) أبو بكر الِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِيَ ابْنَكَ) البراء (يَحْمِلْهُ)؛ أي: الرحل (مَعِي إِلَى مَنْزِلِي)؛ أي: بيتى، (فَقَالَ لِي أَبِي: احْمِلْهُ) معه إلى منزله، (فَحَمَلْتُهُ) ووقع في رواية إسرائيل أن عازبًا امتنع من إرسال ابنه مع أبي بكر حتى يحدثه أبو بكر بالحديث، وهي زيادة ثقة مقبولة، لا تنافي، هذه الرواية، بل يُحمَل قوله: «فقال له أبي»؛ أي: من قبل أن أحمله معه، أو أعاد عازب سؤال أبي بكر عن التحديث بعد أن شرطه عليه أوّلًا وأجابه إليه. [تنبيه]: قال الخطابيّ ﵀: تمسك بهذا الحديث من استجاز أخذ الأجرة على التحديث، وهو تمسك باطل؛ لأن هؤلاء اتخذوا التحديث بضاعة، وأما الذي، وقع بين عازب وأبي بكر فإنما هو على مقتضى العادة الجارية بين التجار بأن أتباعهم يحملون السلعة مع المشتري، سواء أعطاهم أجرة أم لا. قال الحافظ: كذا قال، ولا ريب أن في الاستدلال للجواز بذلك بُعْدًا؛ لتوقفه على أن عازبًا لو استمرّ على الامتناع من إرسال ابنه لاستمر أبو بكر على الامتناع من التحديث، والله أعلم. انتهى . (وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ)؛ أي: مع أبي بكر، (يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ)؛ أي: يستوفيه، (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لأبي بكر، (أَبِي) عازب، (يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: نَعَمْ أَسْرَيْنَا) هكَذا استعمل كل منهما إحدى اللغتين، فإنه يقال: سريت، وأسريت في سير الليل، قاله في «الفتح»، وقال في «العمدة»: سوى وأسرى لغتان بمعنى السير في الليل، قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ [الفجر: ٤]. (لَيْلَتَنَا كُلَّهَا) زاد في رواية البخاريّ: «ومن الغد»؛ يعني: سرينا ليلًا، وذلك حين خرجا من الغار، وكانا لبثا في الغار ثلاث ليال، ثم خرجا، وقوله: «ومن الغد»؛ أي: بعض الغد، والعطف فيه كما في قوله: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدَا (حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ)؛ أي: نصف النهار، وسمي قائمًا؛ لأن الظل لا يظهمر حينئذ، فكأنه واقف، ووقع في رواية إسرائيل: «أسرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا»؛ أي: دخلنا في وقت الظهر. وقال القاري: «حتى قام قائم الظهيرة»، أي: بلغت الشمس وسط السماء، ففي «النهاية»؛ أي: قامت الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابته؛ أي: وقفت، والمعنى: أن الشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول، فيحسب الناظر أنها قد وقفت، وهي سائرة، لكن سيرًا لا يظهر له أثر سريع، كما يظهر قبل الزوال وبعده، فيقال لذلك الوقوف المشاهَد: قام قائم الظهيرة. انتهى . (وَخَلَا الطَّرِيقُ)؛ أي: صار خاليًا عن مرور الناس، وهذا يدل على أنه كان في زمن الحرّ، وقيل في قوله: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥]؛ أي: نصف من النهار، وقوله: (فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ) تأكيد لِمَا قبله، (حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: ظهرت لأبصارنا (صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ، لَهَا)؛ أي: لتلك الصخرة (ظِلٌّ)؛ أي: عظيم، من صفته (لَمْ تَأْتِ) بالتأنيث، ويُذَكَّر، أي: لم تحكم (عَلَيْهِ الشَّمْسُ)، أي: بشعاعها (بَعْدُ)؛ أي: الآن، لأن «بعدُ» تستعمل بمعنى الآن، كما في قول الشاعر [من الطويل]: كَمَا قَدْ دَعَانِي فِي ابْنِ مَنْصُورَ قَبْلَهَا … وَمَاتَ فَمَا حَانَتْ مَنِيَّتُهُ بَعْدُ أي: الآن، قاله المرتضى في «التاج» . (فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ، فَسَوَّيْتُ بِيَدِي) بالإفراد، وَيحْتمل أن يكون بالتثنية، (مَكَانًا) وقوله: (يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ - ﷺ -) استئناف تعليل، أو صفة لـ «مكانًا»، (فِي ظِلِّهَا) هذا إشعار بزيادة الاهتمام في الخدمة. (ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً)؛ أي: وفرشت على المكان جلدًا بشَعْره، وقال في «الفتح»: قوله: «وبسطت عليه فروة» هي معروفة، وَيَحْتَمِل أن يكون المراد: شيء من الحشيش اليابس، لكن يقوِّي الأول أن في رواية يوسف بن إسحاق: «ففرشت له فروة معي»، وفي رواية خَدِيج في «جزء لُوين»: «فروة كانت معي». وقال النوويّ ﵀: المراد: الفروة المعروفة التي تُلْبَس، هذا هو الصواب، وذكر القاضي أن بعضهم قال: المراد بالفروة هنا الحشيش، فإنه يقال له: فروة، وهذا قول باطل، ومما يردّه قوله في رواية البخاريّ: «فروة معي»، ويقال لها: فروة بالهاء، وفرو بحذفها، وهو الأشهر في اللغة، وأن كانتا صحيحتين. انتهى . (ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ) بفتح النون، وسكون الميم، أمر من نام ينام؛ كخاف يخاف، وأما ما اشتهر على الألسنة من قولهم: نُم بضمّ النون فمن الأخطاء الشائعة، فتنبّه. (يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ)، أي: أحرّك، يقال: نفض نفضًا، من باب قتل: إذا حرّكه ليزول عنه الغبار ونحوه، فانتفض، أي: تحرّك لذلك، ونفضت الورق من الشجرة: أسقطته، أفاده المجد والفيّوميّ. وقال القاري: «وأنا أنفض ما حولك» بضم الفاء؛ أي: أتجسس الأخبار، وأتفحص عن العدوّ، وأرى هل هناك مؤذٍ من عدوّ وغيره، من النقض الذي هو سبب النظافة، من نحو الغبار، وفي «النهاية»، أي: أحرسك، وأطوف هل أرى طلبًا، يقال: نفضت المكان: إذا نظرت جميع ما فيه، والنفضة بفتحِ الفاء، وسكونها، والنفيضة: قوم يبعثون متجسسين، هل يرون عدوًّا أو خوفًا؟ انتهى . (لَكَ مَا حَوْلَكَ)، يعني: من الغبار، ونحو ذلك، حتى لا يثيره عليه الريح، وقيل: معنى النفض هنا: الحراسة، يقال: نفضت المكان إذا نظرت جميع ما فيه، ويؤيده قوله في رواية إسرائيل: «ثم انطلقت أنظر ما حولي، هل أرى من الطلب أحدًا. (فَنَامَ) النبيّ - ﷺ - (وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ)؛ أي: أحرّك، وأزيل (مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ)»إذا«هنا للمفاجأة؛ أي: ففاجأني وجود راعي غنم، قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسميته، ولا على تسمية صاحب الغنم، إلا أنه جاء في حديث عبد الله بن مسعود شيء تمسَّك به من زعم أنه الراعي، وذلك فيما أخرجه أحمد، وابن حبان من طريق عاصم، عن زِرّ، عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، فقال: يا غلام هل من لبن؟ قلت: نعم، ولكني مؤتمن. . .» الحديث، وهذا لا يصلح أن يفسر به الراعي في حديث البراء، لأن ذاك قيل له: «هل أنت حالب؟ فقال: نعم»، وهذا أشار بأنه غير حالب، وذاك حلب من شاة حافل، وهذا من شاة لم تُطرَق، ولم تَحْمِل، ثم إن في بقية هذا الحديث ما يدل على أن قصته كانت قبل الهجرة، لقوله فيه: «ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله علّمني من هذا القول»، فإن هذا يُشعر بأنها كانت قبل إسلام ابن مسعود، وإسلام ابن مسعود كان قديمًا قبل الهجرة بزمان، فبطل أن يكون هو صاحب القصة في الهجرة، والله أعلم. انتهى . (مُقْبِلٍ) بالجرّ صفة «راع»، ومعناه: جاء من قِبَلنا، ومن جهة قُدّامنا (بِغَنَمِهِ إِلَىَ الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا)؛ أي: من الصخرة (الَّذِي أَرَدْنَا)؛ أي: المكان الذي قصدناه، وهو الظلّ، (فَلَقِيتُهُ) بكسر القاف، (فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) هكذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاريّ: «لرجل من أهل المدينة، أو مكة»، قال الحافظ: هو شك من الراوي أيّ اللفظين قال، وكأن الشك من أحمد بن يزيد، فإن مسلمًا أخرجه من طريق الحسن بن محمد بن أعين، عن زهير، فقال فيه: «لرجل من أهل المدينة»، ولم يشك، ووقع في رواية خَديج: «فسمى رجلًا من أهل مكة» ولم يشك، والمراد بالمدينة: مكة، ولم يُرِدْ بالمدينة النبوية؛ لأنها حينئذ لم تكن تسمى المدينة، وإنما كان يقال لها: يثرب، وأيضًا فلم تَجْرِ العادة للرعاة أن يبعدوا في المراعي هذه المسافة البعيدة. ووقع في رواية إسرائيل: «فقال: لرجل من قريش، سمّاه، فعرفته»، وهذا يؤيد ما قررته؛ لأن قريشًا لم يكونوا يسكنون المدينة النبوية إذ ذاك. انتهى. (قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟) بفتح اللام، والباء، يعني اللبن المعروف، هذه الرواية المشهورة، وروى بعضهم: لُبْنٌ بضم اللام، وإسكان الباء، أي: شياه وذوات ألبان . وقال في «العمدة»: «لبن» بفتح اللام، والباء الموحدة، وحَكَى عياض أن في رواية «لُبَّن» بضم اللام، وتشديد الباء الموحدة، جمع لابن؛ أي: هل في غنمك ذوات لبن. انتهى . (قَالَ: نَعَمْ) فيها لبن، (قُلْتُ: أَفتَحْلُبُ لِي؟) بضم اللام، ويجوز كسرها، علر، ما في «القاموس»، والمعنى: أفتحلبها لي؟ . وقال في «الفتح»: قوله: «أفتحلب. . . إلخ» الظاهر أن مراده بهذا الاستفهام: أمعك إذن في الحلب لمن يمر بك على سبيل الضيافة؟ وبهذا التقرير يندفع الإشكال، وهو كيف استجاز أبو بكر أخذ اللبن من الراعي بغير إذن مالك الغنم؟ وَيَحْتَمِل أن يكون أبو بكر لمّا عرفه عرف رضاه بذلك، بصداقته له، أو إذنه العام لذلك. انتهى . وقال النوويّ ﵀: وهذا الحديث مما يُسأل عنه، فيقال: كيف شربوا اللبن من الغلام، وليس هو مالكه؟ وجوابه من أوجه: أحدها: أنه محمول على عادة العرب، أنهم يأذنون للرعاة إذا مر بهم ضيف، أو عابر سبيل أن يسقوه اللبن ونحوه. والثاني: أنه كان لصديق لهم، يُدْلون عليه، وهذا جائز. والثالث: أنه مال حربيّ، لا أمان له، ومثل هذا جائز. والرابع: لعلهم كانوا مضطرين، والجوابان الأولان أجود. انتهى . (قَالَ: نَعَمْ) أحلب لك، (فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرْعَ)، أي: ثدي الشاة، وفي رواية إسرائيل: «وأمرته، فاعتقل شاة»؛ أي: وضع رجلها بين فخذيه، أو ساقيه يمنعها من الحركة، (مِنَ الشَّعَرِ، وَالتُّرَابِ، وَالْقَذَى) بفتحتين؛ أي: الوسخ، وقال في «العمدة»: القذى بفتح القاف، وفتح الذال المعجمة، مقصورًا هو الذي يقع في العين، يقال: قذت عينه: إذا وقع فيها القذى؛ كأنه شبّه ما يصير في الضرع من الأوساخ بالقذى في العين. انتهى . (قَالَ) أبو إسحاق: (فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ) - ﵁ - (يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأُخْرَى) حال كونه (يَنْفُضُ) الضرع؛ أي: إنما فعل ذلك، ليريهم كيفيّة النفض، (فَحَلَبَ لِي) وفي رواية للبخاريّ: «فأخذت قدحًا، فحلبت»، ويُجمع بأنه تجوّز في قوله: «فحلبت»، ومراده: أمرت بالحلب، (فِي قَعْبٍ مَعَهُ) بفتح القاف، وسكون العين؛ أي: في قدح من خشب مُقَعّر. (كثْبَةً مِنْ لَبَنٍ) بضم الكاف، وسكون المثلثة، وفتح الموحدة؛ أي: قدر قدح، وقيل: حلبة خفيفة، ويطلق على القليل من الماء واللبن، وعلى الجرعة تبقى في الإناء، وعلى القليل من الطعام والشراب، وغيرهما، من كل مجتمع . (قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ) بكسر الهمزة، وهي ما يُعمل من جلد، يستصحبه المسافر، (أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ - ﷺ -) قال التوربشتيّ: رويت من الماء بالكسر، وارتويت، وترويت كلها بمعنى، قال الطيبيّ: فعلى هذا ينبغي أن يقال: يرتوي منها، لا فيها، قال القاري: «في» تأتي بمعنى «من»، أو التقدير: يرتوي من الماء فيها، وقال النوويّ: معنى «يرتوي فيها»: جعل القدح آلة للريّ، والسقي، ومنه الراوية للإبل التي يُستقى عليها الماء. انتهى، فعلى هذا يكون «في» بمعنى الباء. انتهى . (لِيَشْرَبَ) النبيّ - ﷺ - (مِنْهَا)؛ أي: من تلك الإداوة (وَيَتَوَضَّأَ) منها، وقال القاري: قوله: «يشرب، ويتوضأ» مستأنفان للبيان، والجملة أعني قوله: «ومعي. . . إلخ» حالية معترضة بين قوله: «فحلمب» وقوله: «فأتيت النبيّ». (قَالَ) أبو بكر - ﵁ -: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -)؛ أي: باللبن، (وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقظَهُ)؛ أي: أنبّهه، (مِنْ نَوْمِهِ) لاحتمال أن يكون يوحى إليه، فأقطعه عليه، لكنه قد استيقظ قبل أن يأتي أبو بكر، كما بيّنه بقوله: (فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ) كناية عن كثرة الماء، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ)، أي: طاب خاطري، (ثمَّ قَالَ) - ﷺ -: («ألَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟») من أنى يأني: إذا دخل وقت الشيء، والمعنى: ألم يدخل وقت الرحيل؟ قال القاري: كذا قاله بعضهم، والأظهر في المعنى: ألم يأت وقت التحوّل للرحيل؟ وهو السير إلى الموضع المقصود، فيطابق قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، قال أبو بكر: (قُلْثُ: بَلَى) أن وقت الرحيل، (قَالَ) أبو بكر: (فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ)؛ أي: من وسط السماء، وحصل برد الهواء، (وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ) بضم السين، (ابْنُ مَالِك) بن جُعشم الْمُدْلِجيّ الكنانيّ، كان ينزل قُديدًا، ويُعدّ في أهل المدينة، روى عنه جماعة، وكان شاعرًا، مجيدًا، وكان من مُسلمة الفتح، ومات في خلافة عثمان - ﵄ - سنة أربع وعشرين، وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في «الحج» ١٧/ ٢٩٤٣. وفي رواية إسرائيل: «فارتحلنا، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا غير سراقة بن مالك بن جعشم». [تنبيه]: ذكر ابن إسحاق ﵀ قصّة اتباع سراقة للنبيّ - ﷺ -، فقال: وحدّثني الزهريّ أن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم حدثه، عن أبيه، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم، قال: لمّا خرج رسول الله - ﷺ - من مكة مهاجرًا إلى المدينة، جعلت قريش فيه مئة ناقة لمن ردّه عليهم. قال: فبينما أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا، حتى وقف علينا، فقال: والله لقد رأيت ثلاثة مروا عليّ آنفًا، إني لأراهم محمدًا وأصحابه، قال: فأومأت إليه بعيني أن اسَكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكت، قال: ثم مكثت قليلًا، ثم قمت، فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي، فَقِيْدَ لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي، فأُخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي التي أستقسم لها، ثم انطلقت، فلبست لَأُمتي، ثم أخرجت قداحي، فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره «لا يضره». قال: وكنت أرجو أن أرده على قريش، فآخذ المئة الناقة. قال: فركبت على أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره «لا يضره». قال: فأبيت إلا أن أتبعه. قال: فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد بي، عثر بي، فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟، قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره «لا يضره»، قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره، فلما بدا لي القوم، ورأيتهم عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنع مني، وأنه ظاهر، قال: فناديت القوم، فقلت: أنا سراقة بن جعشم انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء، قال: فقال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر: «قل له: وما تبتغي منا؟» قال: فقال ذلك أبو بكر، قال: قلت: تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك، قال: «اكتب له يا أبا بكر»، قال: فكاتب لي كتابًا في عظم، أو في رقعة، أو في خزفة، ثم ألقاه إليّ، فأخذته، فجعلته في كنانتي، ثم رجعت، فسكت، فلم أذكر شيئًا مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله - ﷺ -، وفرغ من حنين والطائف، خرجت ومعي الكتاب لألقاه، فلقيته بالجعرانة. قال: فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، قال: فجعلوا يقرعونني بالرماح، ويقولون: إليك إليك، ماذا تريد؟ قال: فدنوت من رسول الله - ﷺ -، وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة، قال: فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابك لي، أنا سراقة بن جعشم، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «يوم وفاء وبرّ، ادْنُهْ»، قال: فدنوت منه، فأسلمت. ثم تذكرت شيئًا أسأل رسول الله - ﷺ - عنه، فما أذكره إلا أني قلت: يا رسول الله الضالة من الإبل تغشى حياضي، وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر في أن أسقيها؟ قال: «نعم، في كل ذات كبد حَرَّى أجر». قال: ثم رجعت إلى قومي، فَسُقْت إلى رسول الله - ﷺ - صدقتي. انتهى . ومما قاله سراقة - ﵁ - يخاطب أبا جهل بعد انصرافه عن رسول الله - ﷺ -[من الطويل]: أَبَا حَكَمٍ وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا … لأَمْرِ جَوَادِي إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهْ عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا … رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ عَلَيْكَ بِكَفِّ الْقَوْمِ عَنْهُ فَإِنَّنِي … أَرَى أَمْرَهُ يَوْمًا سَيَبْدُو مَعَالِمُهْ بِأَمْرٍ يَقُودُ النَّاسَ فِيهِ بِأَسْرِهِمْ … فَإِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ طُرًّا تُسَالِمُهْ وروى سفيان بن عيينة، عن أبي موسى، عن الحسن: أن رسول الله - ﷺ - قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟» قال: فلما أُتي عمر بسواري كسرى، ومنطقته، وتاجه دعا سراقة بن مالك، فألبسه إياهما، وكان سراقة رجلًا أزبّ كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك، فقال: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيّ رجل من بني مدلج، ورفع بها عمر صوته . (قَالَ) أبو بكر: (وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ) بفتحتين، أي: صُلب (مِنَ الأَرْضِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُتِينَا) بالبناء للمفعول؛ أي: أدركنا العدوّ، (فَقَالَ) - ﷺ -: («لَا تَحْزَنْ) بإدراك العدوّ لنا، (إِنَّ اللهَ مَعَنَا») تعليل لنهيه عن الحزن؛ أي: لأن الله تعالى معنا معيّة خاصّة بنصره، وعونه. (فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ)، أي: غاصت قوائمها كما تصوغ في الرمل (إِلَى بَطْنِهَا أُرَى) بضم الهمزة؛ أي: أظنّ، والشك من الراوي، البراء، أو من دونه، (فَقَالَ) سراقة: (إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ،)؛ أي: فبسبب دعائكما ارتطمت فرسي، (فَادْعُوَا لِي) لينجّيني مما وقعت فيه، (فَاللهُ) بالرفع مبتدأ وقوله: (لَكُمَا) خبره؛ أي: ناصر لكما، وقوله: (أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا)، أي: أدعو لأن أرد، فهو علة للدعاء، ويروى بنصب لفظة «الله»؛ أي: فأُشهد الله لأجلكما، أن أرد عنكما الطلب، وقيل: بالجرّ أيضًا بنزع الخافض، والتقدير: أقسم بالله لكما بأن أرد (الطَّلَبَ) وهو جمع طالب، وفي «شرح السُّنَّة»: «أقسم بالله لكما على الرد»، (فَدَعَا) النبيّ - ﷺ - (اللهَ) تعالى أن ينجيه (فَنَجَى)؛ أي: من الارتطام، (فرَجَعَ) سراقة (لَا يَلْقَى أَحَدًا) من المشركين (إِلَّا قَالَ: قَدْ كفَيْتُكُمْ مَا هَا هُنَا)؛ أي: ههنا ممن يريد إلحاق الضرر بكما، (فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ) أبو بكر: (وَوَفَى لنَا)، أي: وفى سُراقة بما وعده لنا من ردّ المطلب. وقال في «المرقاة»: قوله: «فقال: إني أراكما» بفتح الهمز من الرأي، «دعوتما عليّ»؛ أي: بالمضرة، «فادعوا لي»، أي: بالمنفعة، والنجاة من المشقة، «فالله لكما» بالرفع، وفي نسخة بالنصب، قال بعضهم: هو مرفوع بالابتداء، أي: فالله كفيل عليّ لكما أن لا أَهُمّ بعد ذلك لغدركما، أو فالله مستجيب، والفاء للسببية، وقوله: «أن أرد عنكما المطلب» متعلق بـ «ادعوا»؛ أي: لأن أرد، أو منصوب بإضمار فعل؛ أي: أسأل الله لكما أن أرد عنكما الطلب؛ أي: طلب الكفار الذين طلبوكما. وقال الأشرف: الجار محذوف، وتقديره: بأن أرد، وقوله: «فالله لكما» حشو بينهما، ويمكن أن يقال: «فالله» مبتدأ، و«لكما» خبره، وقوله: «أن أرد» خبر ثان للمبتدأ، وقال غيره: معناه: فادعوا لي كي لا يرتطم فرسي على أن أترك طلبكما، ولا أتبعكما بعدُ، ثم دعا لهما بقوله: «فالله لكما»؛ أي: الله تعالى حافظكما، وناصركما، حتى تبلغا بالسلامة إلى مقصدكما. ويجوز أن يكون معناه: ادعوا لي حتى أنصرف عنكما، فإن الله تعالى قد تكفل بحفظكما عني، وحبسني عن البلوغ إليكما. قال الطيبيّ: الفاء في «فالله» تقتضي ترتّب ما بعدها عليه، فالتقدير: ادعوا لي بأن أتخلص مما أنا فيه، فإنكما إن فعلتما فالله أشهد لأجلكما أن أرد عنكما الطلب، ويؤيد هذا التقدير ما في «شرح السُّنَّة». «والله» على القسم؛ أي: أقسم بالله لكما على أن أرد المطلب عنكما. «فدعا له النبيّ فنجا»، أي: فتخلص من العناء، «فجعل»، أي: فشرع في الوفاء بما وعد، «لا يلقى أحدًا»، أي: من ورائهما، «إلا قال: كفيتم» بصيغة المفعول، وفي نسخة : «لقد كفيتم»؛ أي: استغنيتم عن الطلب في هذا الجانب، لأني كفيتكم ذلك، «ما ههنا»؛ أي: ليس ههنا أحد، فـ «ما» نافية على ما ذكره بعض الشراح، وقال الطيبيّ: «ما ههنا» بمعنى الذي، أي: كفيتم الذي ههنا. انتهى، قال القاري: والأول أظهر، وهو أَولى لِمَا يستفاد منه التأكيد كما لا يخفى؛ كقوله: «فلا يلقى أحدًا إلا ردّه»، أي: بهذا المعنى. انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٧٤٨٢ و٧٤٨٣] (٢٠٠٩)، و(البخاريّ) في «اللقطة» (٢٤٣٩) و«فضائل الصحابة» (٣٦١٥) و«المناقب» (٣٩٠٨ و٣٩١٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٤/ ٣٢٧ و٣٣٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢ - ٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٢٨١)، و(البيهقيّ) في «الدلائل» (٢/ ٤٨٥)، و(الفسويّ) في «المعرفة» (١/ ٢٣٩ - ٢٤١)، و(أبو نعيم) في «الدلائل» (٢/ ٣٢٥)، وقد تقدّم الحديث مختصرًا في «كتاب الأشربة»، برقم [٩/ ٥٢٢٧ و٥٢٢٨] (٢٠٠٩) وتقدّم تخريجه هناك، وبالله تعالى التوفيق. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة لرسول الله - ﷺ -. ٢ - (ومنها): بيان فضيلة لأبي بكر الصدّيق - ﵁ -. ٣ - (ومنها): أن فيه خدمةَ التابع الحرّ للمتبوع في يقظته، والذبّ عنه في نومه. ٤ - (ومنها): شدة محبة أبي بكر للنبيّ - ﷺ -، وأدبه معه، وإيثاره له على نفسه. ٦ - (ومنها): استصحاب آلة السفر، كالإداوة، والسفرة، ولا يقدح ذلك في التوكل. ٦ - (ومنها): استحباب التنظيف لِمَا يؤكل ويشرب. ٧ - (ومنها): فضل التوكل على الله تعالى، وأن الرجل الجليل إذا نام يدافع عنه. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثناهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَبِي رَحْلًا بِثَلَاثةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ، مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ: فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الأَرْضِ إلَى بَطْنِهِ، وَوَثَبَ عَنْهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَيَّ لأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي، وَهَذِهِ كِنَانَتِي، فَخُذْ سهْمًا مِنْهَا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي، وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ، قَالَ: «لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ»، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فتنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلِيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ»، فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ، وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ، يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد [١٠]، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل [٩]، تقدم في «الإيمان» ٧٩/ ٤١٧. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ [١٠]، تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٤ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، من كبار [٩]، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٥ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ [٧]، تقدم في «الطهارة» ٢/ ٥٤٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير إسرائيل. وقوله: (لأُعَمِّيَن عَلَى مَنْ وَرَائِي)؛ أي: لأخفينّ أمركم عمن ورائي ممن يطلبكم، وأُلبسه عليهم حتى لا يعلم أحد بمكانكم. وقوله: (وَهَذِهِ كِنَانَتِي، فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا)، أي: لتكون علامة عندك تريها أهلي، فيعلمون بها أنك لقيتني، وأنني أذنت لك في أن تأخذ من مالي ما شئت، ووقع في حديث سُراقة عند البخاريّ في «المناقب»: «ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أنه سيظهر أمر رسول الله - ﷺ -، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد، والمتاع، فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أن قال: أخْفِ عنا»، وفيه كمال استغناء النبيّ - ﷺ - عن متاع الدنيا مع حاجته إليه في السفر، وتوفّره له بطريق حلال - ﷺ -. وقوله: (فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) قد بيّن ابن هشام هذا التنازع في «سيرته» حيث أخرج بسنده عن عبد الرحمن بن عويمر بن ساعدة قال: حدّثني رجال من قومي، من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله - ﷺ - من مكة، وتوقعنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا، ننتظر رسول الله - ﷺ -، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلًّا دخلنا، وذلك في أيام حارة. حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله - ﷺ - جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله - ﷺ - حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع وأنّا ننتظر قدوم رسول الله - ﷺ - علينا، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا جدكم قد جاء. قال: فخرجنا إلى رسول الله - ﷺ -، وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر - ﵁ - في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله - ﷺ - قبل ذلك، وركبه الناس، وما يعرفونه من أبي بكر، حتى زال الظل عن رسول الله - ﷺ -، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك، فنزل رسول الله - ﷺ - بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، ثم رحل، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلى عندهم. فأتاه عتبان بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول الله. أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة، قال: «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة» لناقته، فخلّوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني بياضة، تلقاه زياد بن لبيد، وفروة بن عمرو، في رجال من بني بياضة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا، إلى العدد والعدة والمنعة، قال: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة، اعترضه سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، في رجال من بني ساعدة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال: «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني الحارث بن الخزرج، اعترضه سعد بن الربيع، وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة، في رجال من بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال: «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار، وهم أخواله دنيا - أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو، إحدى نسائهم - اعترضه سليط بن قيس، وأبو سليط أسيرة بن أبي خارجة في رجال من بني عدي بن النجار، فقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك، إلى العدد والعدة والمنعة، قال: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده - ﷺ -، وهو يومئذ مِربد لغلامين يتيمين من بني النجار، ثم من بني مالك بن النجار، وهما في حِجر معاذ بن عفراء، سهل وسهيل ابني عمرو. فلما بركت ورسول الله - ﷺ - عليها لم ينزل وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله - ﷺ - واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت إلى خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، ثم تحلحلت، وزمّت، ووضعت، فنزل عنها رسول الله - ﷺ -، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله - ﷺ -، وسأل عن المربد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لي، وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدًا. انتهى . وقوله: (فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ. . . إلخ) قال القاضي عياض ﵀: وفي هذا إظهار ما وضع الله تعالى لنبيه - ﷺ - من المحبّة في القلوب، وخصّ الله ﷾ به الأنصار - ﵃ - من التكرمة والخير في إعزازهم رسوله - ﷺ -، ونصرته. [تنبيه]: رواية إسرائيل عن أبي إسحاق هذه ساقها أبو يعلى ﵀ في «مسنده» بسند المصنّف، فقال: (١١٦) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا عثمان بن عمر، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: اشترى أبو بكر من أبي رَحْلًا بثلاثة عشر درهمًا، فقال: مُر البراء يحمله إلى رحلي، فقال: لا حتى تخبرني كيف خرج رسول الله - ﷺ - من مكة إلى المدينة، فقال: ارتحلنا، فاحتسبنا يومنا وليلتنا، حتى قام ظهرًا، أو قال: قام قائم الظهيرة، فرميت ببصري، فإذا أنا بصخرة لها بقية من ظل، فرششته، وفرشت لرسول الله - ﷺ - فيه فَرْوة، فقلت: نم يا رسول الله، ثم انطلقت أنفض ما حولي، هل أرى من المطلب أحدًا؟ فإذا أنا براعي غنم يريد من الصخرة مثل ما أردت، فقلت: من أنت يا غلام؟ قال: لرجل من قريش، فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قلت: هل أنت حالبنا؟ قال: نعم، فأمرته، فاعتقل شاة من الغنم، فأمرته، فنفض ضرعها، ثم أمرته، فنفض كفيه من الغبار، فحلب لي كثبة من لبن، ومعي إداوة على فمها خرقة، فصببت الماء على اللبن، ثم أتيت به رسول الله - ﷺ -، فوافقته قد استيقظ، قلت: اشرب يا رسول الله، وارتحلنا، فلم يلحقنا من المطلب أحد، غير سراقة بن مالك بن جعشم، على فرس له، فقلت: هذا المطلب قد لحقنا يا رسول الله، قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] فلما دنا دعا عليه رسول الله - ﷺ -، فساخ فرسه في الأرض إلى بطنه، ووثب عنه، وقال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن يُخلِّصني مما أنا فيه، ولك علي لأُعَمِّيَنّ على من ورائي، وهذه كنانتي، فخذ سهمًا منها، فإنك ستمر على إبلي، وغلماني، بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال: «لا حاجة لي في إبلك»، فقدمنا إلى المدينة ليلًا، فتنازعوا أيهم ينزل عليهم؟ فقال: «أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب، أُكرمهم بذلك»، فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرّق الغلمان، والخدم في الطرق، ينادون: يا محمد، يا رسول الله، يا محمد، يا رسول الله. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٧) - كِتَابُ التَّفْسِيرِ مسألتان تتعلّقان بهذه الترجمة: [المسألة الأولى]: في معنى التفسير، واشتقاقه: «التفسير» مبالغة في الفَسْر، بفتح، فسكون، وهو الإيضاح، والفعل من بابي ضرب، ونصر، قال الفيّوميّ ﵀: فَسَرْتُ الشيءَ فَسْرًا، من باب ضرب: بيّنته، وأوضحته، والتثقيل مبالغة. انتهى . وقال المجد ﵀: الْفَسْرُ: الإبانة، وكشف المغطّى؛ كالتفسير، والفعل كضرب، ونصر. انتهى . وقال في «الفتح»: التفسير تفعيل من المفسر، وهو البيان، تقول: فَسَرتُ الشيءَ بالتخفيف أَفْسرُهُ فَسْرًا، وفَسَّرته بالتشديد أُفَسِّره تفسيرًا: إذا بيّنته، وأصل المفسر: نظر الطبيب إلى الماء؛ ليعرف العلّة، وقيل: هو من فسرتُ الفرسَ: إذا ركضتها محصورة؛ لينطلق حصرها، وقيل: هو مقلوب من سَفَر؛ كجذب وجبذ، تقول سفر: إذا كشف وجهه، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، واختلفوا في التفسير والتأويل، قال أبو عبيدة، وطائفة: هما بمعنى، وقيل: التفسير: هو بيان المراد باللفظ، والتأويل: هو بيان المراد بالمعنى . وقال أبو عبيد الهرويّ: التأويل: ردّ أحد المحتمِلَين إلى ما يطابق الظاهر، والتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل، وحَكَى صاحب «النهاية» أن التأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصليّ إلى ما لا يَحتاج إلى دليل، لولاه ما تُرك ظاهر اللفظ، وقيل: التأويل: إبداء احتمال لفظ معتضد بدليل خارج عنه، ومثّل بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الإسراء: ٩٩] قال: من قال: لا شك فيه فهو التفسير، ومن قال: لأنه حقّ في نفسه لا يقبل الشك، فهو التأويل. انتهى ما في «الفتح» . [المسألة الثانية]: كتب صاحب «التكملة» هنا بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده هنا؛ لنفاسته، قال ﵀: قد اختصر مسلم ﵀ في كتاب التفسير، فلم يورد فيه إلا ثمانية عشر حديثًا، وذلك لأن الأحاديث المرفوعة الخاصّة بتفسير القرآن الكريم يقلّ فيها توافر الشروط التي التزم بها مسلم لإخراج الأحاديث في هذا الكِتاب، وأما الأحاديث التي يُستنبط منها مسألة من مسائل التفسير، أو لها علاقة بآية من آيات القرآن، وإن لم تكن في صميم موضوع التفسير، فإن المصنّف أخرجها في الأبواب الأخرى من هذا الكتاب، وليس من عادته التكرار، ولهذا قلّت أحاديث هذا الكتاب. وقد اشتهَر فيما بين المتأخّرين ممن كتبوا في مصطلح الحديث أن اسم «الجامع» إنما يُطلق على الكتاب الذي يجمع أحاديث تتعلّق بثمانية مواضيع، وهي: العقائد، والأحكام، والرقاق، والآداب، والتفسير، والسيرة، والفتن، والمناقب، وذكروا أن «صحيح البخاريّ» جامع لتضمّنه هذه الأبواب كلها، وأما «صحيح مسلم» فقالوا: إنه ليس جامعًا، لقلّة التفسر فيه. قال: وقد بحثت عن تعريف اصطلاح «الجامع» في كتب المتقدّمين، فلم أجد عندهم هذا الاصطلاح بهذا التعريف، ولكنهم أطلقوا هذا اللفظ على «صحيح البخاريّ»، و«جامع سفيان الثوريّ»، و«جامع عبد الرزّاق»، و«موطأ الإمام مالك»، وغيره، وقد عرّف الشيخ محمود محمد خطّاب السبكيّ ﵀ لفظ الجامع بطريق آخر، فقال في مقدّمة «المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود»: والجامع ما كان مرتّبًا على أبواب الفقه؛ كالكتب الستّة، أو على ترتيب الحروف في أوائل الترجمة؛ ككتاب الإيمان، والبرّ، والتوبة، والثواب، وهكذا فعل صاحب «جامع الأصول»، أو باعتبار رعاية الحروف في أوائل الحديث، كما فعل السيوطيّ في «الجامع الصغير»، وقد جمع في «الجامع الكبير» بين الجامع والمسند. قال: وأول من عرّف الجامع بما يجمع العلوم الثمانية - فيما أعلم - هو الشيخ عبد العزيز الدهلويّ ﵀ في رسالته المسمّاة بـ «العجالة النافعة»، وهو الذي صرّح فيها بأن «صحيح مسلم» ليس جامعًا، لأنه لا يوجد فيه أحاديث التفسير والقراءات. وقد مرّ في مقدّمة هذا الكتاب أن مجد الدين الشيرازيّ صاحب «القاموس» قد أطلق لفظ الجامع على «صحيح مسلم»، وكذلك ذكر حاجي خليفة في «كشف الظنون» «صحيح مسلم» بلفظ «الجامع الصحيح»، وكذلك فعل العلامة علي القاري في «مرقاة المفاتيح» حيث قال في ترجمة مسلم ﵀: وله المصنّفات الجليلة غير جامعه الصحيح. قال: وإطلاق هذا اللفظ على «صحيح مسلم» هو الراجح على كلا التعريفين للجامع، أما على تعريف الخطاب السبكيّ فظاهر؛ لأن كتاب مسلم مرتّب على أبواب الفقه، وأما على تعريف الشيخ الدهلويّ فكذلك، وذلك لوجهين: الأول: أن الإمام مسلمًا - ﵁ - لم يترك أحاديث التفسير رأسًا، بل عقد لها هذا الباب، أما قلّة أحاديثه فيه فلِمَا ذكرنا من أن الأحاديث المرفوعة التي هي في صميم موضوع التفسير، والتي تستجمع الشروط التي التزمها مسلم قليلة، وقد أخرج ﵀ أحاديث كثيرة في الأبواب الأخرى لها علاقة بالتفسير، وإنما طال كتاب التفسير في «صحيح البخاريّ»؛ لأنه يورد الأحاديث بأدنى مناسبة، ولا يرى بالتكرار بأسًا، ولأنه أدخل فيه كثيرًا من تفسير غريب القرآن. قال: وقد التمست من بعض أصحابي أن يتتبع الأحاديث التي أخرجها البخاريّ في «كتاب التفسير» كم أخرج منها مسلم في غير «كتاب التفسير»، فتبيّن من هذا التتبّع أن اثنين وستين حديثًا أخرجها البخاريّ في «التفسير»، وأخرجها مسلم في الأبواب الأخرى غير «كتاب التفسير»، وإذا أضفنا إليها هذه الثمانية عشر التي أخرجها مسلم في «كتاب التفسير» بلغ عددها إلى ثمانين حديثًا، وهناك أحاديث أخرى في «صحيح مسلم» يمكن أن تُدرج في «كتاب التفسير» لمناسبة من المناسبات، لم يُخرجها البخاريّ في «التفسير»، فيزداد العدد، فأحاديث التفسير في «صحيح مسلم» ليست قليلة بما يخرجه من كونه جامعًا.
مصادر المؤلف (٧٣)

١. «المفهم» ٧/ ٤٢٦.

٢. وفي نسخة: «بصر عيناي هاتان» و«سمع أذناي هاتان».

٣. «التكملة» ٦/ ٥١١.

٤. «المصباح» ١/ ٤٣.

٥. «إكمال المعلم» ٨/ ٥٥٩.

٦. «المصباح» ١/ ٢٧٩.

٧. «إكمال المعلم» ٨/ ٥٥٩ - ٥٦٠.

٨. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣٤.

٩. وأما ما وقع في شرح الشيخ الهرري بضم الجيم، فغير صحيح، فتنبه.

١٠. «لسان العرب» ٤/ ١٤٢.

١١. أراد بالأم: صحيح مسلم.

١٢. «شرح الأبيّ» ٦/ ٣٠٨ - ٣٠٩.

١٣. «شرح الأبيّ» ٧/ ٣١٠.

١٤. «شرح الأبيّ» ٧/ ٣١٠.

١٥. «شرح الأبيّ» ٧/ ٣١٠.

١٦. «شرح النوويّ» ١١/ ١٣٣.

١٧. «صحيح البخاريّ» ١/ ٢٠.

١٨. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣٦ - ١٣٧.

١٩. «الكوكب الوهاج» ٢٦/ ٤٧١.

٢٠. «شرح الأبيّ» ٧/ ٣١١.

٢١. «الكوكب الوهاج» ٢٦/ ٤٧١.

٢٢. «شرح الأبيّ»٧/ ٣١١.

٢٣. «شرح الأبيّ» ٧/ ٣١٢ والحديث ضعيف، كما بيّنه ابن حزم في «المحلي» ١٠/ ٨٣.

٢٤. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣٧ - ١٣٨.

٢٥. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣٧ - ١٣٨.

٢٦. راجع: «سيرة ابن هشام مع الروض الأنف للسهيليّ» ٢/ ٥٧.

٢٧. راجع: «التكملة» ٦/ ٥١٧.

٢٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠٩ - ٦١٠.

٢٩. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣٨.

٣٠. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣٨.

٣١. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣٨.

٣٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٦.

٣٣. «الإصابة في تمييز الصحابة» ١/ ٤٤٩.

٣٤. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣٨.

٣٥. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣٨.

٣٦. أي: عطفته.

٣٧. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣٨.

٣٨. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣٨.

٣٩. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٣٣٥.

٤٠. «القاموس المحيط»ص ٩٥٠.

٤١. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٥٢٣ - ٥٢٤.

٤٢. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٤٤.

٤٣. «تكملة فتح الملهم»٦/ ٥٢٣ - ٥٢٤.

٤٤. «إكمال المعلم» ٨/ ٥٧٣.

٤٥. «المصباح المنير» ٢/ ٣٦٣.

٤٦. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨.

٤٧. «الفتح» ٨/ ٢٩١، «كتاب المناقب» رقم (٣٦١٥).

٤٨. «الفتح» ٨/ ٣٢٣.

٤٩. «مرقاة المفاتيح» ١١/ ٤.

٥٠. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٢/ ٣٠٤.

٥١. «شرح النوويّ»١٨/ ١٤٨.

٥٢. «مرقاة المفاتيح»١١/ ٤.

٥٣. «الفتح» ٨/ ٣٢٣.

٥٤. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٤٩.

٥٥. «عمدة القاري» ١٦/ ١٤٨.

٥٦. «مرقاة المفاتيح» ١١/ ٤.

٥٧. «الفتح» ٨/ ٣٢٣.

٥٨. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٤٩.

٥٩. «عمدة القاري» ١٦/ ١٤٨.

٦٠. «الفتح» ٨/ ٣٢٣.

٦١. «مرقاة المفاتيح» ١١/ ٤.

٦٢. «سيرة ابن هشام» ١/ ٤٨٩ - ٤٩٠.

٦٣. «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» لابن عبد البرّ ٢/ ٥٨١.

٦٤. أي: من «المشكاة» فتنبّه.

٦٥. «مرقاة المفاتيح» ٤/ ١١.

٦٦. راجع: «التكملة» ٦/ ٥٣٣.

٦٧. «سيرة ابن هشام» ١/ ٤٩٥.

٦٨. كذا النسخة، والظاهر أن الصواب: «لمن أنت».

٦٩. «مسند أبي يعلى» ١/ ١٠٧.

٧٠. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٢.

٧١. «القاموس المحيط» ص ٩٩٥.

٧٢. «الفتح» ٩/ ٦٢٧ «التفسير».

٧٣. «الفتح» ١٧/ ٦٠٧، «كتاب التوحيد» رقم (٧٥٥٣).