HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٢٥

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: تَخَلَّفْ يَا مُغِيرَةُ، وَامْضُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَتَخَلَّفْتُ وَمَعِي إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، وَمَضَى النَّاسُ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ ذَهَبْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ رُومِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ يَدَهُ مِنْهَا فَضَاقَتْ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:إسناده صحيح
  • الألباني:صحيح الإسنادصحيح سنن النسائي ج1 ص49
ج ١ ص ٨٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٣ ص١٦١
٩٧ - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية المسح على الخفين في حال كون الشخص خارجا عن محل إقامته، وفُهم من هذا أن الباب السابق موضوع للمسح في الحضر، ويدل عليه البابان الآتيان حيث جعل التوقيت للمسافر، والمقيم في باب، فباب. والله أعلم. ١٢٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «تَخَلَّفْ يَا مُغِيرَةُ، وَامْضُوا أَيُّهَا النَّاسُ». فَتَخَلَّفْتُ وَمَعِي إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، وَمَضَى النَّاسُ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِحَاجَتِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ ذَهَبْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ رُومِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ يَدَهُ مِنْهَا فَضَاقَتْ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (محمَّد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخزاعي، المكي الجوَّاز بالجيم المكي وتشديد الواو ثم زاي ثقة من العاشرة، مات سنة ٢٥٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمَّد الهلالي مولاهم الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة ٨، تقدم في ١/ ١. ٣ - (إسماعيل بن محمَّد بن سعد) بن أبي وقاص، الزهري المدني، أبو محمَّد قال ابن معين: ثقة حجة، ووثقه النسائي، والعجلي، وأبو حاتم، وابن خراش، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي «ت»: ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة ١٣٤، أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه. ٤ - (حمزة بن المغيرة بن شعبة) الثقفي قال العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وفي «ت»: ثقة من الثالثة. أخرج له مسلم والمصنف، وابن ماجه. ٥ - (المغيرة) بن شعبة ﵁، تقدم في ١٦/ ١٧. لطائف الإسناد منها أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مكيين، وهما شيخه، وسفيان، ومدني، وهو إسماعيل، وكوفي، وهو المغيرة، والظاهر أن ابنه حمزة كوفي أيضًا. والله أعلم. وفيه رواية تابعي، عن تابعي، إسماعيل، عن حمزة، وفيه رواية الابن، عن أبيه، وفيه الإخبار، والتحديث، والسماع، والعنعنة. شرح الحديث (عن المغيرة) ﵁، أنه (قال: كنت مع النبي - ﷺ - في سفر) هو في غزوة تبوك كما تقدم (فقال: تخلف يا مغيرة) أي تأخر عن أصحابك لتخدمني، وفي الرواية السابقة «فقرع ظهري بعصا، كانت معه فعدل، فعدلت» الحديث، وفي الكبرى «فلما كان في سحر ضرب عنق راحلتي» الحديث، فيحمل على أنه - ﷺ - جمع له بين القول والفعل والله أعلم. (وامضوا أيها الناس) أي واصلوا السير إلى أمامكم. قال المغيرة (فتخلفت) أي تأخرت عن الناس (ومعي إداوة من ماء) جملة حالية من الفاعل (ومضى الناس، فذهب رسول الله - ﷺ - لحاجته) أي لقضاء ما يحتاج إليه من البول والغائط (فلما رجع ذهبت) أي توجهت (أصب عليه) من ماء الإداوة (وعليه جبة) جملة حالية من الضمير المجرور. والجبة بضم الجيم وتشديد الباء ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق من خلفه يلبس فوق الثياب كما تقدم عن المعجم الوسيط (رومية) أي منسوبة إلى الروم بالضم: بلد، وجيل من الناس، واحدة رومي، قاله في المعجم أيضا. وتقدم في الحديث ٨٢ «وعليه جبة شامية» وفي رواية أبي داود «وعليه جبة من صوف من جباب الروم» ولا تنافي لأن الشام وقت ذاك تحت سيطرة الروم، فيحتمل أن يكونوا يعملون فيها الجباب. (ضيفة الكمين) تثنية كم بضم الكاف، وتشديد الميم، قال في المعجم: الكم مدخل اليد، ومخرجها من الثوب، جمعه أكمام، وكِمَمَة (فأراد أن يخرج يده) يعني أنه أراد أن يشمر ليمكنه غسل ذراعيه، ولأبي داود «ثم حسر عن ذراعيه، فضاق كُمَّا جبته، فأدخل يديه، فأخرجهما من تحت الجبة، فغسلهما إلى المرفق» والمراد بيده الجنس فيشمل اليدين. (فأخرج يده من تحت الجبة، فغسل وجهه ويديه) وفي الرواية السابقة [٨٢] «فغسل وجهه وذراعيه» فأفادت أن المراد هنا باليد الذراعان. (ومسح برأسه) وفي الرواية المتقدمة ١٥٨ ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وفي ١٠٩ «ومسح بناصيته وجانبي رأسه» (ومسح على خفيه) وهذا محل الترجمة، حيث إنه دل على مشروعية المسح على الخفين، وكان ذلك في السفر. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث من رواية حمزة بن المغيرة أخرجه مسلم، وأصله متفق عليه من رواية عروة بن المغيرة. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف. أخرجه المصنف في هذا الكتاب في موضعين: هنا ٩٧ عن محمَّد بن منصور، عن سفيان، عن إسماعيل بن محمَّد، عن حمزة عن أبيه، وفي ٨٧/ ٢ عن عمرو بن علي، وحميد بن مسعدة وكلاهما، عن يزيد ابن زريع. وأخرجه في الكبرى في موضع ١٠٨/ ٣ عن قتيبة بن سعيد، عن ابن أبي عدي كلاهما عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، أفاده في تحفة الأشراف ج ٨ ص ٤٧٥. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول: أخرجه مسلم، وابن ماجه. فأما مسلم فأخرجه في الطهارة ٢٣/ ١ عن محمَّد بن عبد الله بن بزيع، عن يزيد بن زريع، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه. قال أبو مسعود: كذا يقول مسلم في حديث ابن بزيع، عن ابن زريع، عن عروة بن المغيرة، وخالفه الناس، فقالوا: حمزة بن المغيرة بدل عروة بن المغيرة. وأخرجه في الصلاة ٢٢/ ٥ عن محمَّد بن رافع، وحسن الحلواني، كلاهما عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن الزهري، عن إسماعيل بن محمَّد بن سعد، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة ٨٢ عن محمَّد بن المثنى، عن ابن أبي عدي، عن حميد الطويل بقصة الصلاة خلف عبد الرحمن بن عوف فحسب. «تنبيه» أما فوائد الحديث، واختلاف العلماء في حكمه، وتحقيق كل قول بدليله، فقد مضى في الأحاديث السابقة في الباب الماضي، وفي الباب ٨٢ وفي ١٠٨ وفي ١٠٩ فلا نطيل الكتاب بإعادتها. «تنبيه آخر» يوجد في هامش النسخة الهندية في هذا المحل: ما معناه: وجد في نسخة هذه الزيادة «المسح على الجوربين والنعلين» ثم أورد الحديث، وسأذكر نصه، ثم كتب في آخره كذا في نسخة، وعزاه في الأطراف لأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ثم قال: حديث النسائي في رواية ابن الأحمر، ولم يذكره أبو القاسم. اهـ ما في هامش الهندية. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا من السنن الكبرى وذلك لأمرين: (الأول): أن رواية ابن الأحمر المشهورة للكبرى، لا للصغرى، فإنها لم تشتهر إلا عن طريق ابن السني، وإن لم أجزم أن ابن الأحمر لم يروها انظر ما تقدم عن محقق عمل اليوم والليلة للمصنف في المقدمة (الثاني): أن محقق تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف: الشيخ عبد الصمد شرف الدين: كتب عند قول الحافظ أبي الحجاج المزي (س فيه) ما نصه: (س فيه) (الطهارة) ٨٦، فهذا مما يؤيد أيضا أنه من الكبرى وكذا مما يؤيد هذا أن الحافظ الزيلعي قال في نصب الراية: ما نصه: وقال النسائي في سننه الكبرى: لا نعلم أحدا تابع أبا قيس على هذه الرواية الخ، فهذا نص من هذا الحافظ أن هذا الحديث من الكبرى لا من الصغرى وعلى أية حال، فكتابته هنا أولى احتياطا، فأقول: قال رحمه الله تعالى: المَسْحُ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية المسح على الجوربين والنعلين.، والجوربان: تثينة جورب: بفتح الجيم وسكون الواو، وفتح الراء آخره باء موحدة. قال ابن منظور: والجورب: لفافة الرجل، معرب، وهو بالفارسية كورب، والجمع جواربة، زادوا الهاء لمكان المعجمة، ونظيره من العربية القَشَاعِمَة وقد قالوا: الجوارب: كما قالوا في جمع الكيلج الكَيالج ونظيره من العربية الكواكب. واستعمل ابن السكيت منه فعلا، فقال يصف مُقْتنصَ الظباء: وقد تَجْورَب جَوْرَبَين: يعني لبسهما، وجوربته فتجورب: أي ألبسته الجورب فلبسه. اهـ لسان ج ١ ص ٢٦٣. والنعلان: تثنية نعل: قال في (ق) النعل يعني بفتح النون وسكون العين: ما وقيت به القدم من الأرض كالنعلة، مؤنثة جمعه: نعال اهـ. وفي النهاية: النعل: مؤنثة، وهي تلبس في المشي، وتسمى الآن بالتاسومة اهـ. وفي المصباح: النعل الحذاء وهي مؤنثة وتطلق على التاسومة والجمع: أنعل، ونعال، مثل سهم وأسهم وسهام ورَجُل ناعل: معه نعل فإذا لبس النعل قيل: نَعَل يَنعَل بفتحتين، وتنَعَّل. اهـ. - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَالنَّعْلَيْنِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ أَبَا قَيْسٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ عَنِ الْمُغِيرَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ». رجال الإسناد: ستة ١ - (إسحاق بن ابراهبم الحنظلي) المعروف بابن راهويه المروزي نزيل نيسابور، ثقة ثبت حجة ١٠ تقدم في ٢/ ٢. ٢ - (وكيع) بن الجراح بن مليح أبو سفيان الكوفي الثقة الجليل ٩ تقدم في ٢٣/ ٣٥. ٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الثوري الكوفي الإمام العلم ثقة حجة ٧، تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو قيس) عبد الرحمن بن ثروان، بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة، الأودي الكوفي، صدوق ربما خالف، من السادسة، مات سنة ١٢٠. أخرج له الجماعة، إلا مسلما. ٥ - (هُزَيل بن شُرَحبيل) الأودي الكوفي، ثقة مخضرم من الثانية (خ ٤)، وهزيل بالزاي، وفي كثير من النسخ بالذال، وهو خطأ قال السيوطي في ألفية الأثر: ابْنُ شُرَحْبيلَ فَقُلْ هُزَيْلُ … بالزَّاي منْ غَيْرُهُ هُذَيْلُ وهو بصيغة التصغير، وشرحبيل بضم الشين وفتح الراء وكسر الباء. ٦ - (المغيرة بن شعبة) ﵁ المتقدم قريبًا. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواتهم كلهم ثقات، إلا أبا قيس فمختلف فيه، وسيأتي الكلام فيه، فصدوق، وأنهم كوفيون، إلا شيخ المصنف فمروزي ثم نيسابوري، وفيه التحديث، والإخبار، والإنباء، والعنعنة. شرح الحديث (عن المغيرة بن شعبة) ﵁ (أن رسول الله - ﷺ - مسح على الجوربين والنعلين) أي مسح على النعلين، والجوربان تحتهما قاصدا مسح الجوربين، لا النعلين، فكان مسحه على الجوربين هو الذي تطهير به، وأما مسحه على النعلين، ففضل. قاله في المنهل ج ٢ ص ١٣٤. وقال الطيبي معنى قوله «والنعلين» هو أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين، وكذا قال الخطابي في المعالم. قال العلامة المباركفوري: هذا المعنى هو الظاهر، قال الطحاوي في شرح معاني الآثار في باب المسح على النعلين تحتهما جوربان، وكان قاصدًا بمسحه ذلك إلى جوربيه لا نعليه، وجورباه لو كانا عليه بالنعلين جاز له أن يمسح عليهما، فكان مسحه ذلك أراد به الجوربين، فأتى ذلك على الجوربين، والنعلين، فكان مسحه على الجوربين، هو الذي تطهير به. ومسحه على النعلين فضل انتهى كلام الطحاوي. وأما قول ابن ملك في شرح قوله «والنعلين»: أي ونعليهما، فيجوز المسح على الجوربين بحيث يمكن متابعة المشي عليهما انتهى، وكذا قول أبي الوليد: إن معنى الحديث أنه مسح على جوربين منعلين، لا أنه جورب على الانفراد، ونعل على الإنفراد، انتهى فبعيد. قال الحافظ ابن القيم في تهذيب السنن بعد ذكر قول أبي الوليد هذا: ما لفظه: هذا التأويل مبني على أنه يستحب مسح أعلى الخف وأسفله، والظاهر أنه مسح على الجوربين الملبوسين عليهما نعلان منفصلان هذا هو المفهوم منه، فإنه فصل بينهما، وجعلهما شيئين، ولو كانا جوربين منعلين لقال مسح على الجوربين المنعلين، وأيضا فإن الجلد في أسفل الجورب لا يسمى نعلا في لغة العرب، ولا أطلق عليه أحد هذا الاسم، وأيضا المنقول عن عمر بن الخطاب في ذلك أنه مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم مع الجورب، فأما أسفله، وعقبه، فلا، انتهى كلام ابن القيم. اهـ تحفة الأحوذي ج ١ ص ٣٢٨. (قال أبو عبد الرحمن) النسائي (ما نعلم أحدا تابع أبا قيس) عبد الرحمن ابن ثروان الأودي الراوي عن هزيل (على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين) يريد المصنف بهذا إعلال هذه الرواية بمخالفة أبي قيس للجمهور الذين رووا حديث المغيرة، فإنهم رووه «أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين» وسيأتي تحقيق المسألة، مع تصحيح رواية أبي قيس هذه في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث: صححه الترمذي، وتبعه العلامة المحقق أحمد محمَّد شاكر، ومحدث العصر الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني. وضعفه الجمهور، ومنهم المصنف، وأبو داود، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. المسألة الثانية: في بيان مَوضع تخريج المصنف له: أخرجه هنا فقط. وقد تقدم أن الذي يميل إليه القلب، ويترجح عندي أن هذا الحديث من السنن الكبرى لا من الصغرى للأمور التي تقدمت وإنما شرحته احتياطا. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول، وغيرهم: أخرج حديث المغيرة عن طريق هزيل بن شرحبيل أبو داود، والترمذي، وابن ماجه: فأما أبو داود: فأخرجه في الطهارة ٦١ عن عثمان بن أبي شيبة. وأما الترمذي، فأخرجه فيه أيضا ٧٤ عن هناد بن السري، ومحمود ابن غيلان. وأما ابن ماجه: فأخرجه فيه أيضًا عن علي بن محمَّد أربعتهم عن وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس الأودي، عن هُزَيل بن شُرَحْبيل، عن المغيرة بن شعبة ﵁. أفاده الحافظ المزي، تحفة ج ٨ ص ٤٩٣. وكذا أخرجه أحمد، والبيهقي، والطحاوي، وابن حبان، وابن حزم في المحلى. أفاده المحقق أحمد شاكر. المسألة الرابعة: في اختلاف المحدثين في صحة هذا الحديث: اختلف العلماء في حديث أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة: على قولين: الأول: أنه صحيح، وممن قال بهذا الإمام الترمذي في جامعه حيث قال: حديث حسن صحيح. وإليه يميل رأي الشيخ ابن دقيق العيد كما يأتي قريبا، وهو الذي رجحه العلامة أحمد شاكر، ومحدث العصر الألباني تبعا لجمال الدين القاسمي. وسيأتي ما قالوه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. وممن أخرجه من أصحاب الصحاح ابن حبان في النوع الخامس والثلاثين من القسم الرابع. كما بينه الحافظ الزيلعي في نصب الراية ج ١ ص ١٨٤. وهو في تقريب الإحسان ص ٣١٤. والقول الثاني: إنه ضعيف: وممن قال بهذا المصنفُ كما سبق، وأبو داود، قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية: وقال أبو داود في سننه: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة «أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين» قال: وروى أبو موسى الأشعري أيضا عن النبي - ﷺ - «أنه مسح على الجوربين» وليس بالمتصل، ولا بالقوي، قال: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل ابن سعد، وعمرو بن حريث، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس انتهى. وذكر البيهقي حديث المغيرة هذا، وقال: إنه منكر، ضعفه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، ويروى عن جماعة أنهم فعلوه. انتهى. قال النووي: كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي، مع أن الجرح مقدم على التعديل، قال: واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذي: إنه حسن صحيح انتهى. وقال الشيخ تقي الدين في الإمام: أبو قيس الأودي، اسمه عبد الرحمن بن ثروان، أخرج له البخاري في صحيحه، وذكر البيهقي في سننه أن أبا محمَّد يحيى بن منصور، قال: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال: أبو قيس الأودي، وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان، وخصوصًا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا: «مسح على الخفين» وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس، وهزيل، قال: فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس محمَّد بن عبد الرحمن الدغولي، فسمعته يقول: سمعت علي بن محمَّد ابن شيبان، يقول: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن ابن مهدي: قلت لسفيان الثوري: لو حدثتني بحديث أبي قيس، عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعيف، ثم أسند عن البيهقي، عن أحمد بن حنبل، قال: ليس يروى هذا الحديث إلا من رواية أبي قيس الأودي. وأبَى عبدُ الرحمن بن مهدي أن يحدث بهذا الحديث، وقال: هو منكر، وأسند البيهقي أيضا عن علي بن المديني، قال: حديث المغيرة ابن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة إلا أنه قال: «ومسح على الجوربين» فخالف، وأسند أيضا عن يحيى بن معين، قال: الناس كلهم يروونه على الخفين، غير أبي قيس، قال الشيخ: ومن يصححه يعتمد بعد تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفا لرواية الجمهور مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه، ولا يعارضه، ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل، عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها. اهـ نصب الراية ج ١ ص ١٨٤، ١٨٥. المسألة الخامسة: في إتمام الكلام على رأي من صحح الحديث، ومذاهب العلماء في حكم المسح على الجوربين. وقد كتب علامة الشام محمَّد جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى في هذه المسألة رسالة قيمة فصّل فيها الكلام تفصيلًا حسنًا، وبين فيها ما ورد من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، ومذاهب العلماء على وجه التحقيق والتدقيق. ثم قدم على رسالته العلامة المحقق أحمد محمَّد شاكر المصري مقدمة بديعة في بابها، كاملة في نصابها، وكذا كتب عليها العلامة محدث العصر ناصر الدين الألباني تحقيقات قيمة، فدونك خلاصة ما كتبوا: تقديم العلامة أحمد محمَّد شاكر رحمه الله تعالى: قال ﵀: والأدلة التي بني المؤلف يعني القاسمي: عليها رسالته ثلاثة أحاديث: حديث ثوبان، وحديث المغيرة بن شعبة، وحديث أبي موسى الأشعري، فكتبت هذه الكلمة، أبَيّن فيها الدلائل على صحة هذه الأحاديث الثلاثة. وزدت عليها دليلا رابعا، وهو حديث أنس بن مالك. ١ - أما حديث ثوبان: فهو في مسند الإمام أحمد (ج ٥ ص ٢٧٧ طبعة الحلبي) رواه عن يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان وكذلك رواه أبو داود (ج ١ ص ٥٦ من عون المعبود، عن الإمام أحمد بن حنبل بهذا الإسناد. وكذلك رواه الحاكم في المستدرك ج ٥ ص ١٦٩، من طريق الإمام أحمد، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وثور: هو ابن يزيد الكلاعي الحمصي، وهو ثقة معروف. وراشد بن سعد الحمصي: ثقة أيضًا، ترجم له البخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١/ ٢٦٦، فلم يذكر فيه جرحا. وهذا أمارة توثيقه عنده، وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ٢/ ٤٨٣، وروى توثيقه عن يحيى بن معين، وأبي حاتم. وأما تعليل الإمام أحمد هذا الحديث بالانقطاع بين راشد وثوبان فقد نقل مثله ابن أبي حاتم في المراسيل (ص ٢٢) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، قال: (راشد بن سعد لم يسمع من ثوبان) ولكن يعارض هذا أن البخاري جزم في التاريخ الكبير بأنه سمع منه، فقال في ترجمته: (سمع ثوبان، ويعلى بن مرة) وكفى بهذا حجة في إثبات سماعه من ثوبان، فقد تبين أنه حديث متصل صحيح الإسناد. ٢ - وأما حديث المغيرة بن شعبة: فهو في مسند الإمام أحمد (ج ٤ ص ٢٥٢) طبعه الحلبي، ورواه أيضا أبو داود (ج ١ ص ٦١، ٦٢ من عون المعبود) والترمذي (رقم ٩٩ ج ١ ص ٢٧، بشرح أحمد محمَّد شاكر) ج ١ ص ١٠٠ من شرح المباركفوري، وابن حبان في صحيحه (ج ٢ ص ٥٠٥ من مخطوطة الإحسان المصورة عندي، وابن ماجه رقم: ٥٥٩ ص ١٨٥ من طبعة فؤاد عبد الباقي). وابن حزم في المحلى (ح ٢ ص ٨١، ٨٢) والبيهقي في السنن الكبرى (ج ١ ص ٢٨٣ و٢٨٤) كلهم من طريق سفيان الثوري، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وقال أبو داود بعد روايته: كان عبد الرحمن ابن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة: «أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين» وكلام العلماء الذين أرادو إعلال هذا الحديث يدور كله حول كلمة عبد الرحمن بن مهدي هذه. والحديث صحيح، وإسنادُه كلهم ثقات. أبو قيس: هو الأودي، واسمه عبد الرحمن بن ثروان بفتح الثاء المثلثة وسكون الراء وهو ثقة، وثقه ابن معين، وقال العجلى ثقة ثبت. وأخرج له البخاري في صحيحه، وأما قول الإمام أحمد يخالف في حديثه، فما هو بجرح له، إنما يريد به تعليل هذا الحديث، بأنه خالف غيره من الرواة، وسيأتي بيان أن هذه المخالفة غير قادحة، وأنها لا تصلح تعليلا للحديث. (وهزيل بن شرحبيل الأودي): تابعي قديم، يقال إنه أدرك الجاهلية، وهو ثقة دون خلاف، مترجم في طبقات ابن سعد ٦: ١٢٢، والكبير للبخاري ٤/ ٢/ ٢٤٥ والإصابة ٦: ٣٠٣. وقد تكلم الإمام ابن القيم في شأن هذا الحديث، وهذه المسألة، كلاما قويا جيدا، وإن كنت لا أوافقه على تضعيف حديث المغيرة هذا فقال في تعليقه على مختصر المنذري (تهذيب السنن ج ١ ص ١٢١، ١٢٢) وقال النسائي: ما نعلم أحدا تابع هزيلا على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة: «أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين». وقال البيهقي: قال أبو محمد، يعني يحيى بن منصور: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال: أبو قيس الأودي، وهزيل بن شرحبيل، لا يحتملان هذا، مع مخالفتهما جملة الذين رووا هذا الخبر، عن المغيرة، فقالوا: «مسح على الخفين»، وقال: لا يترك ظاهر القرآن بمثل حديث أبي قيس وهزيل: قال: فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس الدغولي؟ فسمعته يقول: سمعت علي بن مخلد بن سنان يقول: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لسفيان الثوري: لو رجل حدثني بحديث أبي قيس، عن هزيل ما قبلته منه. فقال سفيان: الحديث ضعيف، أو وَاهٍ أو كلمة نحوها، وقال عبد الله بن أحمد: حدث أبي بهذا الحديث، فقال أبي: ليس يروى هذا الا من حديث أبي قيس، قال: أبَى عبدُ الرحمن بن مهدي أن يحدث به، يقول: هو منكر، وقال علي بن المديني: حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة، إلا أنه قال: «ومسح على الجوربين»، وخالف الناس، وقال الفضل بن عتبان: سألت يحيى ابن معين عن هذا الحديث؟ فقال: الناس كلهم يروونه: عَلَى الخفين، غير أبي قيس، قال ابن المنذر: يُرْوَى المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي - ﷺ -: علي، وعمار، وأبي مسعود الأنصاري، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد. وزاد أبو داود: وأبو أمامة، وعمرو بن حريث، وعمر وابن عباس، فهولاء ثلاثة عشر صحابيا. والعمدة في الجواز على هؤلاء، ﵃، لا على حديث أبي قيس. مع أن المنازعين في المسح متناقضون، فإنهم لو كان هذا الحديث في جانبهم لقالوا: هذه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا يلتفتون إلى ما ذكروه هنا من تفرد أبي قيس، فهذا كان الحديث مخالفا لهم أعلوه بتفرد روايه، ولم يقولوا زيادة الثقة مقبولة، كما هو موجود في تصرفاتهم. والإنصاف: أن تكتال لمنازعك بالصاع الذي تكتال به لنفسك، فإن في كل شيء وفاء وتطفيفا، ونحن لا نرضى هذه الطريقة، ولا نعتمد على حديث أبي قيس وقد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين، وعلل رواية أبي قيس. وهذا من إنصافه، وعدله ﵀، وإنما عمدته، هؤلاء الصحابة، وصريح القياس، فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه. هذا نص كلام ابن القيم ﵀. ونحن نخالفه في تعليل حديث أبي قيس عن هزيل. لأن رواية أصحاب المغيرة في هذا الحديث المسح على الخفين لا تنفي صحة رواية هزيل بن شرحبيل عنه المسح على الجوربين. فهذه واقعة، وهذه واقعة. وقد قلت في شرحي للترمذي ج ١ ص ١٦٨: الصواب صنيع الترمذي في تصحيح هذا الحديث، وهو حديث آخر غير حديث المسح على الخفين وقد روى الناس عن المغيرة أحاديث المسح في الوضوء، فمنهم من روى المسح على الخفين، ومنهم من روى المسح على العمامة، ومنهم من روى المسح على الجوربين. وليس شَيءٌ منها بمخالف للآخر، إذ هي أحاديث متعددة، وروايات عن حوادث مختلفة، والمغيرة صحب النبي - ﷺ - نحو خمس سنين، فمن المعقول أن يشهد من النبي - ﷺ - وقائع متعددة في وضوئه، ويحكيها، فيسمع بعض الرواة منه شيئا، ويسمع غيره شيئا آخر. وهذا واضح بديهي. وأزيد على ذلك: أن العلماء جمعوا بين الأحاديث التي صحت في صفة صلاة الكسوف على أوجه متعددة بأن هذا اختلاف وقائع، لا اختلاف رواية. مع علمهم بأن وقوع الكسوف والخسوف قليل. فأولى أن يجمع بذلك في صفة الوضوء الذي يتكرر كل يوم مرارا. كما هو بديهي. وقد تكلف العلامة المباركفوري في شرحه للترمذي (ج ١ ص ١٠٠، ١٠٢) في تضعيف هذا الحديث تكلفًا شديدًا، ويراه المنصف المدقق غير سديد. ومن أعجب ما صنع أنه رد على القائلين بأن رواية هزيل هذه زيادة من ثقه، فتقبل فقال: فيه نظر، فإن الناس كلهم رووه عن المغيرة بلفظ. «مسح على الخفين» وأبو قيس يخالفهم جميعا، فيروي، عن هزيل، عن المغيرة بلفظ «مسح على الجوربين والنعلين»، فلم يزد على ما رووا بل خالف ما رووا، نعم لو روى بلفظ: «مسح على الخفين والجوربين والنعلين»، لصح أن يقال: إنه روى أمرا زائدا، هكذا قال، وهي انتقال نظر، فليس المراد أنه روى زيادة في لفظ الحديث، بل أراد القائلون بأنها زيادة: أنه روى حكما آخر زائدا علي ما رواه غيره، فَرَوَوْا هم المسح على الخفين، وروى هو المسح على الجوربين ولم ينف رواية المسح على الخفين، فروايته على الحقيقة زيادة على روايات غيره. وهذا واضح. ثم إن الحكم على رواية هذا الحديث بتخطئة الرواة الثقات حكم دون دليل كما بينا، وقد تابعه على روايته هذه عمل الصحابة الذين حكى ابن القيم الحجة بعملهم. فهو لم يرو حكما شاذا مخالفا لم يقل به أحد، بل روى عملا ثبت أن الصحابة هؤلاء عملوا به، وأخذوا بحكمه. ٣ - وأما حديث أبي موسى الأشعري: فهو في سنن ابن ماجه، برقم ٥٦٠، (طبعة فؤاد عبد الباقي) وقد أعلوه بعلتين: أولاهما: أن راويه عيسى بن سنان الحنفي الفلسطيني ضعفه أحمد، وابن معين، وغيرهما. ولكن ذكره ابن حبان في الثقات، فمثل هذا يحتمل ضعفه، ويكون أقرب إلى الحسن منه إلى الضعف خصوصا، وأن البخاري سكت عن هذا الحديث، ولو كان ضعيفا عنده لأبان عن ذلك كما سيأتي. وثانيهما: أن التابعي راويه عن أبي موسى، وهو الضحاك بن عثمان بن عرزب لم يسمع من أبي موسى. وهذه دعوى عريضة، ذكرها ابن أبي حاتم، عن أبيه، في ترجمة الضحاك هذا ٢/ ١/ ٤٥٩، فقال: روى عن أبي موسى الأشعري مرسل. ولكن البخاري وهو الحجة في هذا ترجمه في الكبير ٢/ ٢/ ٣٣٤، وقال: سمع من أبي موسى. ثم أشار إلى هذا الحديث في ترجمته، إشارته الموجزة كعادته وسكت عنه، ولم يذكر له علة. فدل على أنه حديث مقبول عنده على الأقل. وبعد فإن هناك حديثا آخر عن أنس بن مالك صريح الدلالة صحيح الإسناد: فروى الدُّولابي في الكنى والأسماء (ج ١ ص ١٨١)، قال: أخبرني أحمد بن شعيب، عن عمرو بن علي، قال: أخبرني سهل بن زياد أبو زياد الطحان، قال: حدثنا الأزرق بن قيس، قال: «رأيت أنس ابن مالك أحدث، فغسل وجهه ويديه، ومسح على جوربين من صوف، فقلت: أتمسح عليهما؟ فقال: إنهما خفان، ولكنهما من صوف». وهذا إسناد صحيح أحمد بن شعيب: هو النسائي الحافظ صاحب السنن: عمرو بن علي: هو الفلاس، الحافظ الحجة. أبو زياد سهل ابن زياد الطحان ثقة ترجمه البخاري في الكبير ٢/ ٢/ ١٠٣، ١٠٤ وابن حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ١/ ١٩٧ فلم يذكرا فيه جرحا، فهو ثقة عندهما. وذكره ابن حبان في الثقات، في لسان الميزان ج ٣ ص ١١٨. وذكر أن الأزدي قال فيه: منكر الحديث، دون بيان سبب الجرح، والأزدي ينفرد بجرح كثير من الثقات، فلا يؤبه لتجريحه إذا تفرد به، والأزرق بن قيس: تابعي ثقة مأمون مترجم في التهذيب. وهذا الحديث موقوف على أنس، من فعله، وقوله، ولكن وجه الحجة فيه أنه لم يكتف بالفعل، بل صرح بأن الجوربين (خفان، ولكنهما من صوف) وأنس بن مالك صحابي من أهل اللغة، قبل دخول العُجْمَة واختلاط الألسنة فهو يبين أن معنى الخف أعم من أن يكون من الجلد وحده، وأنه يشمل كل ما يستر القدم ويمنع وصول الماء إليها إذ أن الخفاف كانت في الأغلب من الجلد. فأبان أنس أن هذا الغالب ليس حصرا للخف في أن يكون من الجلد، وأزال الوهم الذي قد يدخل على الناس من واقع الأمر في الخفاف إذ ذاك ولم يأت دليل من الشارع يدل على حصر الخفاف في التي تكون من الجلد فقط. وقول أنس في هذا أقوى حجة ألف مرة من أن يقول مثله مؤلف من مؤلفي اللغة كالخليل، والأزهري، والجوهري، وابن سيدَهْ، وأضرابهم، لأنهم ناقلون للغة، وأكثر نقلهم يكون من غير إسناد، ومع ذلك يحتج بهم العلماء. فأولى، ثم أولى إذا جاء التفسير اللغوي من مصدر أصلي من مصادر اللغة، وهو الصحابي العربي من الصدر الأول، بإسناد صحيح إليه. وقد أشار الإمام ابن القيم إلى مثل هذا المعنى إن لم يكن صريحا تماما فيما نقلنا عنه آنفا من قوله: وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس: فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه. فجعل ابن القيم أن الجوربين مقيسان على الخفين قياسًا جليا من غير فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه. ولكن المعنى في حديث أنس أدق. فليس الأمر قياسا للجوربين على الخفين، بل هو أن الجوربين داخلان في مدلول كلمة (الخفين) بدلالة الوضع اللغوي للألفاظ علي المعاني. والخفان ليس علهيما موضع خلاف، فالجوربان من مدلول كلمة (الخفين) فيدخلان فيهما بالدلالة الوضعية اللغوية، وقد ثبت من غير وجه عن أنس: أنه مسح على الجوربين. فهو يؤيد رواية الدولابي التي ذكرها، وانظر المحلى لابن حزم بتحقيقنا. ج ٢ ص ٨٤، ٨٥. والحمد لله رب العالمين اهـ تقديم العلامة أحمد شاكر لرسالة القاسمي ص ٤، ١٥. نص رسالة العلامة جمال الدين القاسمي، ﵀ قال ﵀ بعد خطبة بَيَّن فيها سبب تأليفه لهذه الرسالة ما نصه: بيان أن مرد الأحكام الشرعية إلى الكتاب الكريم لأنه أصل الأصول. اعلم أن أصل كل حكم شرعي هو الكتاب الكريم لأنه أصل الأصول، ومأخذ المآخذ، وكلي الكليات، فلا يمكن لحكم ما من الأحكام الشرعية إلا وأن يرجع إليه، ويصدر منه، حتى إن السنة النبوية أصلها كتاب الله تعالى؛ لأنها تفصيل لمجمله، وإيضاح لمبهمه، وطريق من طرق الإستنباط منه، لكل سنة بحث عن أصلها باحث خبير فإنه يجدها في كتاب الله تعالى، مدلولا عليها إما من نص آية أو ظاهرها، أو مفهومها أو إشارتها، أو عمومها، إلى غير ذلك من وجوه الاستنباط التي يعلمها المجتهد، يذكر بعضها في فن الأصول. إذا علمت ذلك فمسألتنا هذه مسألة المسح على الجوربين أصلها في الكتاب الكريم إما من عموم المسح في آية الوضوء، وإما من عمومات أخَر. فأما العموم الأول: فسنده قراءة الجر في قوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فإن ظاهرها أن الفرض في الرجلين هو المسح، كما روى ذلك عن ابن عباس، وأنس، وعكرمة، والشعبي وقتادة، وجعفر الصادق، وعلماء سلالته ﵃ أجمعين، فعلى مذهب هؤلاء الأئمة يكون مفاد الآية وجوب المسح على الرجلين مباشرة أو بما عليها من خف، أو جورب، أو تساخين، فيظهر كون الآية مَأخَذًا للسنة على هذه القراءة. وأما على قول الجمهور: إن فرض الرجلين هو الغسل. وصرف قراءة الجر إلى قراءة النصب بالأوجه المعروفة في مواضعها فيكون مأخذ مسح الجوربين من الكتاب العزيز عمومات أخر في آياته مثل ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وآية ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وآية ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] وآية ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ونظائرها مما لا يحصى، وقد تعدد وجوه الاستنباط، ويترجح بعضها بقوة التفرع والارتباط ولا يخفى وجوه الترجيح على الراسخين، والله الموفق والمعين بيان الأحاديث المرفوعة إلى النبي - ﷺ - في المسح على الجوربين والتساخين: اعلم أن أحاديث هذا الباب منها ما يستفاد جواز المسح على الجوربين من عمومه، ومنها ما يستفاد من خصوصه. فمن النوع الأول، وهو ما يستفاد من عمومه وإطلاقه جواز السح على الجوربين حديث ثوبان ﵁. قال الإمام أحمد ﵀ في مسنده: في مسند ثوبان ﵁: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان قال: «بعث رسول الله - ﷺ - سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي - ﷺ - شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا علي العصائب والتساخين» رواه أبو داود في سننه. قال العلامة ابن الأثير في النهاية (العصائب) هى العمائم لأن الرأس يعصب بها، والتساخين كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما، ولا واحد لهما من لفظهما. أقول رجال الحديث ثقات مرضيون، كما يعلم من مراجعة أسمائهم من كتب الرجال. ومن النوع الثاني: وهو ما ورد نصا في الجوربين: حديثا المغيرة، وأبي موسى. فأما حديث المغيرة: فرواه الإمام أحمد في مسنده في مسند الكوفيين في حديث المغيرة بن شعبة قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة «أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح علي الجوربين والنعلين» ورواه أبو داود في سننه في باب المسح علي الجوربين، وأخرجه الترمذي وابن ماجه كلاهما في باب المسح على الجوربين، والنعلين. وأما حديث أبي موسى: فرواه ابن ماجه في سننه قال: حدثنا محمَّد ابن يحيى، حدثنا معلي بن منصور، وبشر بن آدم، حدثنا عيسى بن يونس، عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري «أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين». ذكر ما ورد على هذه الأحاديث الثلاثة من الشبه، والجواب عنها الشبهة الأولى: قالوا: في إسناد حديث ثوبان الأول راشد بن سعد عن ثوبان، وقد قال الخلال في علله: إن أحمد بن حنبل قال: لا ينبغي أن يكون راشد ابن سعد سمع من ثوبان؛ لأنه مات قديما اهـ. أي فيكون معللا بالانقطاع، لسقوط راو بين راشد وثوبان. والجواب: أن هذا إنما يتأتي على مذهب من يشترط في الاتصال ثبوت السماع، وقد أنكر الإمام مسلم ذلك في مقدمة صحيحة إنكارا شديدا، ورأى أنه قول مخترع وأن المتفق عليه أن يكفي للإتصال إمكان اللقاء والسماع، وعليه فالانقطاع في الحديث غير مقطوع به، ويرجع الأمر إلى رجال سنده، فإذا كان رجاله ثقات كان صحيحا، أو (*) الصواب ثبوت اللقاء. حسنًا جيدًا صالحًا للاحتجاج به، ولذا أخرجه الإمام أحمد في مسنده معولا على الاحتجاج به وتبليغه سنة يعمل بها. وخرجه أيضا أبو داود وسكت عليه، وما سكت عليه فهو صالح للاستدلال به، إذ لا جرح في رواته ولا علة ظاهرة فيه فاستوفَى شروط الحسن. والحسن كالصحيح في الاحتجاج به، والعمل بما فيه. وبالجملة فقصارى أمر هذا الحديث أن يكون حسنا وصالحا ويكفي ذلك. على أن مجرد الإنقطاع ليس قادحا، فقد وقع في مسلم بضعة عشر حديثا منقطعة، وإن تبين وصلها من وجه آخر؛ لأن مقطوع الثقة ليس كغيره، ولذلك قبل من المراسيل مراسيل الثقات، كما تقرر في موضعه. وتسميتنا لذلك بالحسن جري على قول بعضهم كما في التدريب إن الحسن هو الذي فيه ضعف قريب محتمل. وعلى قول البغوي: إن ما في السنن من الحسان فإن هذين القولين متجهان فيما نراه، وإن اشتهر تفسير الحسن بغيرهما. قال الإمام النووي في التقريب: وقد جاء عن أبي داود أنه يذكر في سننه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينه، وما لم يذكر فيه شيئا فهو صالح. قال النووي: فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مطلقا ولم يصححه غيره ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود لأن الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما، بل قال ابن رشيد: إن ما سكت عليه أبو داود قد يكون عنده صحيحا، وإن لم يكن كذلك عند غيره. انظر التدريب. وبعد فإن رجال حديث ثوبان كلهم ثقات مرضيون كما يعلم من مراجعة أسمائهم من طبقات الرجال. وقد عرفت الجواب عن شبهة الانقطاع فيه، فقوي، وحسن، وصلح للاحتجاج به. والحمد لله. الشبهة الثانية: بحث بعضهم بأن الدليل من هذا الحديث أخص من الدعوى؛ لأن الحديث يدل على جواز المسح على التساخين في حالة البرد خاصة؛ لأنه جواب السائل في تلك الحالة. والجواب: أنه تقرر في الأصول أن اللفظ العام على سبب خاص يحمل على عمومه، ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه، قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي: والدليل عليه هو أن الحجة في قول رسول الله - ﷺ - دون السبب، فوجب أن يعتبر عمومه. وحاصل القاعدة في هذا أن اللفظ الذي يستقل بنفسه يعتبر حكمه، فإن كان خاصا حمل على خصوصه، وإن كان عاما حمل على عمومه، ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه. وما يقال في العام يقال في المطلق، لاشتراكهما في الأحكام، كما تقرر في الأصول، وتقرر أيضا أن ترك الاستفصال في حكايته الحال، ينزل منزلة العموم في المقال. ولا يقال: إن الفعل المثبت لا عموم له كما أطلقه الأصوليون؛ لأنه يقال: إن إطلاقهم مقيد بغير نحو أمر أو نهى؛ لأن هذا ليس حكايته لفعله حتى يقال: إنه لم يقع إلا على صفة واحدة، بل حكايته لصدور أمر بشيء، أو نهي عنه عاما في أقسامه البتة كما اختاره ابن الحاجب، وبسطه في المطولات. ثم إن ما ورد من مسحه - ﷺ - على الجوربين، وهما من التساخين غير مقيد بحالة لا أمرا منه ولا فعلا، وكذا ما صح من مسحه صلوات الله عليه في الوضوء على عمامته، وهي من العصائب غير مقيد بحالة دون أخرى، وسيأتي مزيد لهذا البحث إن شاء الله. الشبهة الثالثة: في حديث المغيرة الثاني قالوا: إن فيه شذوذا، بيانه أن المروزي قال إن الإمام أحمد ذكر أبا قيس أحد رواته فقال: ليس به بأس أنكروا عليه حديثين: حديث المغيرة في المسح، فأما ابن مهدي فأبى أن يحدث به. وأما وكيع فحدث به. وقال أبو داود في سننه: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة «أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين» اهـ. قال السندي: فكان يراه ضعيفا شاذا، والشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه. والجواب: من وجوه: الأول: أن تضعيفه بما ذكر يعارضه تصحيح الترمذي له، فقد قال بعد تخريجه له في سننه هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم. وتصحيح الترمذي مقدم على تضعيف غيره؛ لأن الترمذي من الطبقة التي تأخرت عن تلك، ووقفت على كل ما قيل فيه، ورأت أن الحق في تصحيحه، وكذا صححه ابن حبان، وهو ممن استقرأ وسبر أيضا . الثاني: قال العلامة المحقق علاء الدين المارديني في رد قول البيهقي أبو قيس الأودي، وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان مع مخالفتها الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: «مسح على الخفين» ما مثاله: هذا الخبر أخرجه أبو داود وسكت عنه، وصححه ابن حبان، وقال الترمذي حسن صحيح، وأبو قيس عبد الرحمن بن ثروان وثقه ابن معين وقال العجلي: ثقة ثبت، وهزيل وثقة العجلي، وأخرج لهما معا البخاري في صحيحه، ثم إنهما لم يخالفا الناس مخالفة معارضة بل رويا أمرا زائدا على ما رووه بطريق مستقل غير معارض، فيحمل على أنهما حديثان، ولهذا صُحِّحَ الحديثُ كما مر اهـ. وهكذا قال شيخ الإسلام الشيخ منصور الحنبلي في شرح الإقناع: وتكلم بعضهم في الحديث أي حديث المغيرة، لأن المعروف عن المغيرة «الخفين» قال في المبدع: وهذا لا يصلح مانعا لجواز رواية اللفظين فيصح المسح على ما تقدم أي الجوربين. وكذا قال العلامة ملاّ على القاري في شرح المشكاة: قيل: المعروف من رواية المغيرة المسح على الخفين. وأجيب بأنه لا مانع من أن يروي المغيرة اللفظين وقد عضده فعل الصحابة اهـ وسيأتي تسميتهم وبلوغ ستة عشر صحابيا. الثالث: وهو جوابنا عن دعوى شذوذه علما أن الشذوذ مختلف في معناه، وأنه ليس بعلة على الإطلاق ولا بمتفق عليها. توضيحه: أن السيوطي قال في التدريب في شرح قول النووي في حد الصحيح وهو ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة ما مثاله: قيل لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال: أحدها: مخالفة الثقة لأرجح منه. والثاني: تفرد الثقة مطلقا. والثالث: تفرد الراوي مطلقا قال ورد الأخيرين فالظاهر أنه أراد هنا الأول. قال شيخ الإسلام: وهو مشكل لأن الإسناد إذا كان متصلا ورواته كلهم عدولا ضابطين فقد انتفت عنه العلل الظاهرة ثم إذا انتفى كونه معلولا فما المانع من الحكم بصحته؟ فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه، أو أكثر عددا، لا يستلزم الضعف، بل يكون من باب صحيح وأصح. قال: ولم أر مع ذلك من أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة. وقال الإمام النووي في بحث الشاذ فإن لم يخالف الراوي بتفرده غيره وإنما روى أمرًا لم يروه غيره، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بضبطه كان تفرده صحيحا وإن لم يوثق بحفظه، ولم يبعد عن درجة الضابط كان ما انفرد به حسنا، وإن بَعْدُ كان شاذًا منكرًا مردودًا. اهـ. وبه يعلم أن الشذوذ ليس علة قادحة في صحة المروي، بل هي على هذا التفصيل، وإن كان عدلا، حافظا موثوقا بضبطه، كان تفرده صحيحًا. وممن اعترض جعل الشذوذ قادحا في صحة الحديث الإمام ابن دقيق العيد، فقد قال العراقي: أما السلامة من الشذوذ والعلة فقال ابن دقيق العيد في الاقتراح: إن أصحاب الحديث زادوا ذلك في حد الصحيح، قال وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون لا تجري على أصول الفقهاء، وقال ابن الصلاح: وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعضها. اهـ. فأفاد أن اشتراط السلامة من الشذوذ ليس بمتفق عليه، بل هو مختلف فيه، ولذا حدّ الإمام الخطابي الصحيح بأنه: ما اتصل سنده وعدلت نقلته. قال العراقي: فلم يشترط ضبط الراوي، ولا السلامة من الشذوذ والعلة. وحكى أن مثل هذه الشروط مردها إلى اجتهاد المجتهدين في تحري المأثور، ولذلك تفاوتت مستنداتهم ومخرجاتهم بتفاوت شروطهم. كما بسطناه في مقدمة كتاب حياة البخاري، وكل ما يبحث عن تصحيحه باعتبار السند وقواعد المصطلح فذاك من حيث رعاية صحته سندا، وأما من حيث تصحيحه باعتبار أمر أجنبي عنه، وهو المسمى بالصحيح لغيره، فذاك نوع آخر على ما سيأتي بيانه. الشبهة الرابعة: قول الإمام النووي في شرح المهذب: واحتج أصحابنا بأنه لا يمكن متابعة المشي عليه فلم يجز كالخرقة قال: والجواب عن حديث المغيرة من أوجه: أحدها أنه ضعيف ضعفه الحفاظ، وقد ضعفه البيهقي، ونقل تضعيفه عن سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ومسلم بن الحجاج، وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث، وإن كان الترمذي قال: حديث حسن صحيح فهؤلاء مقدمون عليه، بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة. الثاني: أنه لو صح يحمل على الذي يمكن متابعة المشي عليه جمعا بين الأدلة، وليس في اللفظ عموم يتعلق به. الثالث: حكاه البيهقي ﵀ عن الأستاذ أبي الوليد النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربين منعلين، لا أنه جورب منفرد ونعل منفردة فكأنه قال: مسح على جوربيه المنعلين. اهـ. والجواب عن ذلك: أما قول الإمام النووي: واحتج أصحابنا بأنه لا يمكن متابعة المشي عليه: فهذا قد يراه المقلد حجة، أما المحدث والأصولي فعنده الحجة الكتاب والسنة وما رجع إليهما من بقية الأدله، وقانون المناظرة يقضي بأن يدفع القوي بالأقوي، والحديث بمثله أو بآية، لا برأي، أو قياس، وإلا فيكون ذهابًا إلى ما رمي به أهل الرأي، وليس ثمة في الباب آية ترد هذا الحديث، ولا حديث يرده، لا بل ثمة ما يؤيده من الكتاب والسنة كما مر، وهذا هو الحجة المعروفة في الأصول. وأما قوله: إنه ضعيف ضعفه الحفاظ، ثم نقل تضعيفه عمن ذكره، فجوابه ما قدمناه قبل في الوجه الثالث من درء الشبهة الثالثة من معارضة ذلك بتصحيح من صححه على أن سند تضعيفه هو دعوى شذوذه، وقد أوضحنا أن الشذوذ ليس علة مضعفة على إطلاقها، بل من كان عدلا ضابطا كان تفرده صحيحا، لا سيما وقد عضده ما رُوي بمعناه من حديث التساخين المتقدم، وما قواه من عمل الصحابة كما سيأتي. ولذا صححه الإمام الترمذي، ولا يخفى أن المضعفين له مهما كثروا فإن حجة تضعيفهم شذوذه، وقد عرفت ما فيها. فليس المقام مقام ترجيح بالكثرة والقلة، بل المقام مقام استدلال، واحتجاج، وانطباق على القواعد المرعية، وإلا فإن الكثرة ليست من الحجج والبراهين المعروفة، ولذا قال الأصوليون في بحث خبر الآحاد: إن عمل أكثر بخلافه، أي بخلاف خبر الآحاد لا يمنع وجوب العمل به؛ لأن عمل الأكثر ليس بحجة، وعللوه بأن الحجة هي الإجماع، وعمل الأكثر ليس بإجماع؛ لأن الإجماع اتفاق مجتهدي الأمة بخلاف خبر الواحد فإنه حجة بنفسه. على أنا لو أردنا أن نكاثر من ضعفه لكاثرنا بأضعاف ما عنده، فإن المسح على الجوربين أثر عن الصحابة منهم عمر بن الخطاب، وعلي، وأبو مسعود، والبراء، وأنس، وأبو أمامة، وسهل، وعمرو بن حريث، وابن عباس، وابن عمر، وابن أبي وقاص، وعمار، وبلال، وابن أبي أوفي، والمغيرة، وأبو موسى ﵃. ومن التابعين عن قتادة، وابن المسيب، وابن جريج، وعطاء، والنخعي، والحسن، وخِلَاس، وابن جبير، ونافع رحمهم الله تعالى. وسيأتي إسناد ذلك إليهم، فذهاب هؤلاء الأخيار ﵃ إلى العمل به مما يعضد صحة حديث المغيرة، ويقويه، ويصححه بلا ريب؛ لأنه إن لم يكن هو سندهم فغيره مما هو في معناه، وهذا يتوقف فيه من له أدنى مسكة، على أن حديث الجوربين قد تلقاه بالقبول أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن حزم، وهؤلاء كلهم أئمة الفقه والإجتهاد، وجميعهم احتج به في الفقه المدون عنه، وقد عرف في فن مصطلح الحديث أن الحديث يحكم له بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول، وإن لم يكن له إسناد صحيح. قال أبو الحسن بن الحصار في تقريب المدارك علي موطأ مالك: قد يعلم صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله، أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به اهـ ويسمى هذا الصحيح لغيره، والصحيح لغيره نظير الصحيح لذاته في الاحتجاج به والعمل بمقتضاه، والأخذ بعمومه، وخصوصه، وإطلاقه، وتقييده. ولمعرفة صحة الحديث من جهة غير السند طرق ومدارك يدريها المجتهد كما قرره ابن الحصار. وبهذا نجيب عفا نقول بصحته مما لم يخرجه الإمام البخاري، وذلك أن البخاري إنما خرج ما صح من طريق السند، ولم يخرج ما صح مطلقا، ولذا قال البخاري ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحالة الطول، وكذا قال مسلم: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه، ولذا قال النووي في التقريب: ولم يستوعبا الصحيح، ولا التزماه. على أن ظاهر كلامهما أنهما تركا ما صح من جهة السند أيضا الذي هو وجهة المحدث خيفة الطول، فأحرى أن يكونا تركا ما صح لغير السند، وهو الصحيح لغيره وذلك لأن الصحيح لغيره ليس له قاعدة مطردة، وإنما هو أمر يعرفه سديد الرسوخ في الأصول والفروع، النَّهم بدرس الهدي النبوي، ومعرفة سر التشريع، ودرك حقيقة الفقه في الدين. وقد كان بعض المحققين يسمي هذه الطريقة بطريقة (قبول الأخبار) بالاستدلال ليعادل ما بحثه الأصوليون في مسألة (رد الخبر بالاستدلال) كما تراه مبسوطا في المسودة وغيرها من مطولات الأصول، وعبارة المسودة: مما يرجح فيه الخبر، ويقدم أن يعتضد بعموم كتاب، أو سنة، أو قياس، أو معنى عقلي. وقد ذهب كثير من أئمة الأصول إلى أن الحديث المتلقى بالقبول يفيد العلم، والحديث الذي عضده عمل الصحابة وكذا ما اختلفوا فيه بين أخذ به ومؤول، وما يوافق مشروعا موافقة تصحح المشابهة بينهما، كما تراه في جمع الجوامع وغيره، ومطولات مصطلح الحديث. إذا تقرر هذا فحديث الجوربين مما تُلُقِّيَ بالقبول، وعضده عمل الصحب عليهم رضوان الله، ووافق آية ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] على قراءة الجر والنصب إذا رجعت إليه، ويندرج تحت قاعدة رفع الحرج، ويوافق مسح الخف، وجميع هذه مما يصحح المروي أيما تصحيح. وبالجملة فقد اجتمع في حديث الجوربين الصحتان معا: صحته من حيث السند، كما صرح به الترمذي، وابن حبان، وكما حققناه من درء الشذوذ المزعوم فيه، وصحته من غير السند، وهي الأمور التي سردت الآن، ومتى صح الحديث فليس إلا السمع والطاعة. وأما قول الإمام النووي: إنه لو صح يحمل على الذي يمكن متابعة المشي عليه جمعا بين الأدلة، فمطلوب البيان من جهة الجورب، فأين الدليل على اشتراط أن يمكن تتابع المشي عليه فيه؟ ومعلوم أن الجورب غير الخف، ولكل حكمه، وإذا أطلق الدليل في الأصول فلا ينصرف إلا إلى الكتاب والسنة وما رجع إليهما، ولا تعارض إلَّا بين دليلين متكافئين، وهناك يتلمس الجمع وإلا فإن المدار على الأقوى فالأقوى اتفاقا، وليس في الباب إلا إطلاق الجوربين وعموم التساخين في حديثهما. وأما قوله: وليس في اللفظ عموم يتعلق به، فيقال فيه: هذا إشارة إلى ما ذكر في الأصول من أن الفعل المثبت لا عموم له، فحكايته لا تقتضي العموم لا للأقسام، ولا لجهات الوضع، ولا للأزمان. إلا أن هذا على مذهب من لم يقل بعموم المشترك، ولا بعموم جهات الوضع فأما من ذهب إلى العموم فيهما فقد ذهب إلى العموم فيه. كذلك قيد المحققون دعوى العموم فيه بما إذا لم يوجد في ظاهر اللفظ دليل العموم كلام الاستغراق «كالجوربين» و«التساخين» فإنه يفيد العموم، ودليلهم أن المحكي عنه - ﷺ - واقع على صفة معينة فيكون في معنى المشترك، فإن رجح بعض الوجوه فذاك، وإن ثبت التساوي فالبعض بفعله، والباقي بالقياس عليه. وقد اعترض بأن فعله - ﷺ - إنما وقع بحال معين. وأجيب بعدم التسليم لجواز أن تتعدد جهات وقوع الفعل كما أوضحه العلامة الفناري في فصول البدائع. وأما قوله: إن البيهقي حكى عن النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربين منعلين لا أنه جورب منفرد، ونعل منفردة، وكأنه قال مسح على جوربيه المنعلين، فيعني بذلك ما قاله البيهقي في سننه، وقد حكى ذلك، ثم قال بعده وقد وجدت لأنس أثرا يدل على ذلك فأسند عنه أنه مسح على جوربين أسفلهما جلود وأعلاهما خز اهـ. وتعقبه العلامة علاء الدين المارديني في الجوهر النقي بقوله: الحديث أي حديث المغيرة، ورد بعطف النعلين على الجوربين وهو يقتضي المغايرة، فلفظه مخالف لهذا التأويل، وكون أنس مسح على الجوربين منعلين لا يلزم منه أن يكون النبي - ﷺ - فعل كذلك، فلا يدل فعل أنس على تأويل الحديث بما لا يحتمله لفظه اهـ. وقال ابن الهمام في فتح القدير في رد هذا التأويل: إن تخصيص الجواز بوجود النعل حينئذ قصر للدليل أعني الحديث والدلالة عن مقتضاه بغير سبب اهـ أي بغير ما يدعو له من لفظه ولا من مقتضاه، فإن صريحه أنه - ﷺ - مسح على الجوربين، وعلى النعلين كلا على انفراده، وأيده في النعلين أحاديث كثيرة في دواوين السنة: ١ - فروى الإمام أبو داود في سننه عن أوس بن أبي أوس الثقفي (أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على نعليه وقدميه). ٢ - وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أوس بن أوس قال: رأيت أبي يوما توضأ فمسح على النعلين، فقلت له: أتمسح عليها؟ فقال هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل. ٣ - وأخرج الإمام أحمد أيضا عن أوس قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على نعليه، ثم قام إلى الصلاة). ٤ - وأخرج الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره عن أوس أيضا قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - أتى سباطة قوم، فتوضأ، ومسح على قدميه» أي نعليه، ليوافق روايته السابقة. ٥ - وأخرج الطبراني عن عباد بن تميم، عن أبيه، قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ، ويمسح على رجليه». ٦ - وروى الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره عن حذيفة، قال: «أتى رسول الله - ﷺ - سباطة قوم، فبال عليها، ثم دعا بماء فتوضأ، ومسح على نعليه». ٧ - وروى البزار بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه، ويمسح عليهما، ويقول: كذلك كان رسول الله - ﷺ - يفعل أورده الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الهداية، وقال السيوطي في التدريب: صحح أبو الحسن علي بن محمَّد بن عبد الملك بن القطان صاحب كتاب «الوهم والإيهام» حديث ابن عمر هذا المخرج في مسند البزار. ٨ - روى البيهقي بإسناد جيد عن ابن عمر، قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يلبسها يعني النعال السبتية، ويتوضأ فيها، ويمسح عليها»، نقله الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الهداية. ٩ - وروى الشيخان البخاري، ومسلم، عن عبيد بن جريج، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يلبس السبتية التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأحب أن ألبسها». ومعنى قوله: يتوضأ فيها أنه يمسح عليها كما أوضحته رواية البزار، والبيهقي قبل، والروايات يفسر بعضها بعضا. وأما قول البخاري: معناه غسل الرجلين في النعلين، فرده الحافظ، والإسماعيلي، كما نقله العيني، وذلك لمخالفته لما روى عن ابن عمر نفسه. ١٠ - وروى الدارمي في مسنده عن عبد خير قال: «رأيت عليا توضأ، ومسح على نعلين، فوسع، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما». ١١ - وروى ابن خزيمة من طريق عبد خير عن علي ﵁ أنه دعا بكوز من ماء، ثم توضأ وضوءا خفيفا، ومسح على نعليه، ثم قال «هكذا وضوء النبي - ﷺ - للطاهر ما لم يحدث، وتبعه ابن حبان على ذلك، وقال في حديث أوس المتقدم: هذا كان في النفل. فهذه الآثار كلها تدل على أن المسح على النعلين إنما كان عليها دون شيء آخر معها كجورب. وجميعها يفسر حديث المغيرة بما ذكرناه قبل، ولهذا اتفقوا على عدم اشتراط النعل في الجوربين، وجوزوا كونهما ثخينين، وإن لم يكونا منعلين كما سيأتي، فسقط ما قاله النيسابوري، وكذا غيره. الشبهة الخامسة: ما ورد على حديث أبي موسى الأشعري فقد قال أبو داود في سننه: روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي - ﷺ - «أنه مسح على الجوربين» وليس بالمتصل، ولا بالقوي، قال السندي في حواشيه على أبي داود قوله: وليس بالمتصل، أي لأنه من رواية الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى، ولم يثبت سماعه منه وقوله: ولا بالقوي، أي لأنه من رواية عيسى بن سنان، عن الضحاك، وقد ضعفه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وغيرهم. اهـ، وقال الحافظ ابن حجر: حديث أبي موسى الذي أشار إليه أبو داود أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده ضعف، وانقطاع، كما قال أبو داود اهـ. والجواب: ما قاله العلامة المحقق علاء الدين المارديني في الجوهر النقي في الرد على البيهقي: من أن التضعيف بعدم ثبوت سماع الضحاك من أبي موسى هو على مذهب من يشترط للإتصال ثبوت السماع قال: ثم هو معارض بما ذكره عبد الغني فإنه قال في الكمال: سمع الضحاك من أبي موسى. قال: وابن سنان وثقه ابن معين، وضعفه غيره. وقد أخرج الترمذي في الجنائز حديثا في سنده عيسى بن سنان هذا وحسنه. اهـ. وقال الذهبي في الميزان: هو -أي ابن سنان- ممن يكتب حديثه. قال: وقواه بعضهم، وقال العجلي: لا بأس به اهـ وبالجملة وإن وجد من ضعفه فقد وجد من وثقه. ومن الأئمة من لا يترك حديث المضعف حتى يجمعوا على تركه. ولا يقال: إن الجمهور على أن الجرح مقدم على التعديل لأنه مقيد بأن يكون الجرح مفسرا لا مجملا، وبأن يُبنَى على أمر مجزوم به لا بطريق اجتهادي كما قاله الإمام ابن دقيق العيد، ونقله عنه السيوطي في التدريب فالمسألة تحتاج إلى دقة، فإنها ليست على إطلاقها كما توهم. ومع ذلك فقد يتأيد الحديث ويعضد بأن يروى من وجه آخر بلفظه، أو معناه، وقد وجد مروي أبي موسى هذا بلفظه في حديث المغيرة، وبمعناه في حديث ثوبان في التساخين، فأصبح من الحسن لغيره، وهو كالحسن لذاته، وكلاهما يعمل به ويحتج بمقتضاه. انظر مطولات المصطلح. وبالجملة فمهما أعلت هذه الأحاديث بما أعلت به من انقطاع، أو شذوذ فقد تبين: بما برهنا عليه أن منها الصحيح لذاته على قول الترمذي، كما تقدم، ومنها الصحيح لغيره. وقد نبه في الأصول على أن الحديث المعلل إذا عضده ضعيف، أو قول صحابي، أو فعله، أو قول الأكثر من العلماء، أو قياس، أو انتشار له من غير نكير، أو عمل أهل العصر على وفقه كان المجموع حجة؛ لأنه يحصل من اجتماع الضعيفين قوة مفيدة للظن. انظر جمع الجوامع وشرحه في بحث المرسل، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. بيان أن الجورب معروف في اللغة والشرع لا سبيل إلى صرفه إلى غير المعروف في المصباح: والجورب فوعل وهو معرب، والجمع جواربه بالهاء، وربما حذفت، اهـ فلم يحده لأنه بديهي معروف لكل أحد، ولا حد للبديهيات. وفي القاموس وشرحه مثله، وقال أبو بكر بن العربي: الجورب: غشاآن للقدم من صوف يتخذ للوقاء اهـ وفي التوضيح: للحطاب المالكي: الجوارب: ما كان على شكل الخف من كتان، أو قطن، أو غير ذلك، وفي الروض المربع للبهوتي الحنبلي الجورب ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد. اهـ. وقال العيني: الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس في القدم إلي ما فوق الكتب. انتهى، وقال الحلبي في شرح المنية: الجورب ما يلبس في الرجل لدفع البرد ونحوه مما لا يسمى خفا ولا جرموقا اهـ. والجورموق: قال الفقهاء هو الموق، وهو كما في القاموس: خف غليظ يلبس فوق الخف وقال ابن سيده والموق ضرب من الخفاف. وقال الجوهري: الموق: خف قصير يلبس فوق الخف، فارسي معرب. ومثل الجورب لا يحتاج إلى أن يعضد معناه اللغوي والشرعي المعروف لكل أحد بنقل العلماء في معناه، لأنه من باب توضيح الواضحات، ولكن دعانا لهذا ما رأيناه في بعض الكتب من زعم أن الجورب خف يلبس على الخف إلى الكتب للبرد، ولصيانة الخف الأسفل من الدرن والغساله. وتقييد آخر له بكونه من جلد، وهذا غلط على اللغة، والعرف، والفقه، أيضا؛ لأن هذا المزعوم هو الجرموق لا الجورب. ومن الغريب قول الجزولي من فقهاء المالكية: اختلف في الجورب والجرموق هل هما اسمان لمسمى واحد؟ وكأن الاختلاف ما نقل في التوضيح أن الإمام مالكا ﵁ فسر الجر موق بأنه جورب مجلد من تحته ومن فوقه، فتوهم منه أن الجورب لا يكون إلا كذلك مع أن الجورب إذا جلد على هذه الصفة وسمى جرموقا لا يلزم منه أن يكون كل جورب جرموقا؛ لأن الجورب يشمل الجلد وغيره لولا شموله لما احتيج إلى تقييده إذا أريد به نوع خاص. وبالجملة فاللغة والعرف على أن الجورب هو مطلق ما يلبس في الرجل من غير الجلد منعلا كان أو لا. ومن المقرر أن كل اسم ورد منصوصا عليه في الكتاب أو السنة وعلق عليه حكم من الأحكام فإنه يجب أن لا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم وأن لا يتعدى به الوضع الشرعي فيه، وبالله التوفيق. ذكر من روي عنه المسح على الجوربين من الصحابة ﵃ قال الإمام أبو داود في سننه (في باب المسح على الجوربين ومسح على الجوربين: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس. اهـ وزاد في شرح الإقناع: عمارا، وبلالا، وابن أبي أوفى ﵃. فالجملة أربعة عشر صحابيا، وكذا المغيرة، وأبو موسى لروايتهما المتقدمتين، فكان المجموع ستة عشر صحابيا. وقد أسند ابن حزم في المحلى إلى بعض من سميناهم فعل المسح، وعبارته: «والمسح على كل ما لبس في الرجلين مما يحل لباسه مما يبلغ فوق الكعبين سنة، سواء كانا خفين أو جوربين، إذا لبس على وضوء جاز المسح عليه للمقيم يوما وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، ثم لا يحل له المسح. وبعد أن خرج أحاديث المسح على الجوربين قال: وممن قال بالمسح على الجوربين جماعة من السلف. ثم أسند عن كعب بن عبد الله قال: رأيت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بال، فسمح على نعليه وجوربيه. وعن أبي الجُلَاس عن ابن عمر أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه. وعن إسماعيل، عن أبيه قال: رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه. وعن إبراهيم بن همام بن الحارث، عن أبي مسعود البدري أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه، وعن عاصم الأحول قال: رأيت أنس ابن مالك مسح على جوربيه. وعن ابن عمر قال: بال عمر بن الخطاب يوم جمعة، ثم توضأ، ومسح على الجوربين، والنعلين، وصلى بالناس الجمعة، وعن أبي وائل، عن أبي مسعود أنه مسح على جوربين له من شعر، وعن يحيى البكَّاء، قال: سمعت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفين. ما روي عن أعلام الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من جواز المسح على الجوربين، وإن كانا رقيقين قال الإمام النووي في شرح المهذب: وحكى أصحابنا (الشافعية) عن عمر، وعلي ﵄ جواز المسح على الجورب، وإن كان رقيقا. وحكوه عن أبي يوسف، ومحمد، وإسحاق، وداود، ثم قال النووي: واحتج من أباحه وإن كان رقيقا بحديث المغيرة «أن النبي - ﷺ - مسح على جوربيه، ونعليه» وعن أبي موسى مثله مرفوعا انتهى كلامه، وفيه من الزيادة عن ما قبله التصريح بالجواز عنهم، ولو كان يفهم ذلك من إطلاق المأثور، قيل لأن الأصل في المطلق حمله على مطلقه حتي يود ما يقيده، كما أن العام له حكمه حتى يخصصه دليل، وسيأتي إيضاح ذلك مما قاله الإمام ابن حزم عليه الرحمة والرضوان. بيان أن أقوال الصحابة، وفتاويهم أولى بالأخذ من غيرها والرد على من زعم رفع ثقته بالمأثور عنهم هذا بحث عظيم يجب على كل من شدا طرفا من العلم أن يلقي السمع إليه، ذلك لأن كثيرا من الناس إذا ذكر له مذهب صحابي في مسألة مَّا تراه لا يرفع له رأسا، اتكاء على أنه ليس ممن لقن العمل به، وربما تطاول فقال: إنه ليس ممن دون مذهبه. ولما كان هذا مما لا يستهان به في الدين، إذ مثل هذا القول منكر عند الراسخين وجب إزاحة اللبس فيه إرشادًا للمتقين. وذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم في المقام الأسنى، والمحل الأعلى في كل علم وعمل، وفضل، ونبل. قال الإمام ابن القيم ﵀ في (إعلام الموقعين) كما أن الصحابة سادة الأمة، وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء، قال مجاهد العلماء أصحاب محمَّد - ﷺ -، ونقل ﵀ عن الشافعي، أنه قال في الصحابة: هم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل، وأمر استدرك به علم، وأراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا … الخ. إذا علمت هذا تبين لك أن ما جاء في (جمع الجوامع) للسبكي من أن في تقليد الصحابي قولين: أحدهما المنع لارتفاع الثقة بمذهبه إذ لم يدون، وعزو شارحه ذلك لإمام الحرمين الجويني، والمحققين (يعني مقلدة الجويني وأتباعه) كلام مجمل لا يغتر بظاهره، ويؤخذ من كلام غير واحد من الأئمة رده بل السبكي نفسه رد ذلك وقال كما نقله عنه الزركشي وتراه في حواشيه: إن تحقق ثبوت مذهبه أي الصحابي جاز تقليده اتفاقا. وقد سئل العز بن عبد السلام عمن صح عنده مذهب أبي بكر، أو غيره من علماء الصحابة في شيء فهل يعدل إلى غيره، أم لا؟ فأجاب بأنه إذا صح عن أحد من الصحابة مذهب في حكم من الأحكام، فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل أوضح من دليله. قال: ولا يجب على المجتهدين تقليد الصحابة في مسائل الخلاف، بل لا يحل ذلك في وضوح أدلتهم على أدلة الصحابة اهـ. وقال ابن تيمية في بعض فتاوبه: وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت، ولم تنكر في زمانهم، فهي حجة عند جماهير العلماء، وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء، وإن قال بعضهم قولا، ولم يقل بعضهم بخلافه، ولم ينتشر، فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه. والنصوص في العناية بأقوال الصحابة أوفر من أن تحصر، نقول هذا تمهيدا للأقوال المأثورة في المسح على الجوربين في كتاب السنن لأبي داود وغيره، فإنها حجة في هذا الباب على كل من خالف كيف كان حالها، لأنها على ما فصله ابن تيمية، وقرره الأصوليون- إما منتشرة غير منكرة وما كان كذلك فهو حجة باتفاق، وإما أنها قال بها بعضهم ولم ينتشر ما يخالفه، والجمهور يحتجون بذلك، وقد علم أنه ليس ثَمَّ مخالف فينتشر قوله إذ لم يرد عنهم فيه إلا رفعه إلى النبي - ﷺ -، أو عملهم به على ما عرفت من روايات متعددة. ومن الجلي في باب الأحكام أن حكما بلغ عدد رواته والقائلين به والعاملين به ستة عشر لو كانوا من طبقة غير الصحابة لما توقف في قبوله فكيف وكلهم من طبقة الصحابة عليهم رحمة الله ورضوانه. هذا كله على فرض أنه لم يرو في الباب- أي باب المسح على الجوربين إلا قولهم فقط، وإلا فقد قدمنا ما رُوي فيه من الأحاديث التي هي الحجة في هذا الباب والمرد عند التنازع (وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل). وإنما هذه الجملة ينبغي أن ينتبه لها الذين يأبون إلا التقليد ليعلموا أن من آثر التقليد فالأحرى به تقليد الصحابة لأنهم الأعلم، وأجمع الأصوليون على أنه يقدم. في باب التقليد- الأعلم. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: فلا يدرى ما عذر المقلد في ترجيح أقوال غير الصحابة على أقوالهم، فكيف إذا منع الأخذ بقول الصحابة، فكيف إذا صار يرمي بالابتداع من عمل بها؟ لا جرم أنه أخذ بالمَثَل المشهور: رمتني بدائها، وانسلت اهـ. وأما شبهة عدم الوثوق بما يؤثر مذهبا للصحابة إذ لم يدون مذهبهم فأوهى من بيت العنكبوت، لأن كلامنا فيما نقل عنهم في الكتب الموثوق بها المتداولة في الأيدي من كتب السنة، والفقه، لا سيما الصحيحان وكتب السنن، فقد حفظت من الزيادة والنقص بقوة العناية بها شرحا وضبطا ووفرة النسخ المخطوطة المعلم عليها بسماعات الحفاظ في معظم المكتبات مما لا يوجد نظيره في كتب أئمة الفقه المشهورة مذاهبهم. ولا ريب أن ذلك من معجزات الرسول - ﷺ - إذ قيض الله لسنته من حفظها كما فعل ذلك بتنزيله الكريم، وله الحمد والمنة. على أن المعول عليه منذ انتشر التأليف والتصنيف هو النقل عن الموجود الذي تثق به النفس -سواء كان مقابلا كله على أصله أو لا- ما دام يغلب على الظن صحته ويطمئن له القلب، هو المسمى بالوجادة ولذا اعترض الإمام المقبلي في العلم الشامخ على تصريحهم بعدم اعتماد الوجادة بأن هذا يناقضه، إذ هو أي قولهم المذكور- وجادة ليس إلا، قال: وأما الوثوق فهو شرط في كل طريق اهـ. بل على الوجادة المذكورة اعتماد القضاة والمفتين، والمستنبطين، إذ يتعذر إسناد كل كتاب إلى مؤلفه وضبطه عنه بالسماع والقراءة في كل الطبقات، على أن كتب الحديث وجد فيها من الضبط، والتلقي، والشرح لها، وتعداد نسخها المصححة تفاخرا بقراءتها وتشرفا بسماعها وتلقيها والإجازة لها ما لم يوجد عشر عشره في مؤلفات الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولو أريد نسخ كتاب من مؤلفات الأئمة، أو طبعه يحول دون الظفر بنسخ كاملة منه ما يحول، ولا يرى غالبا بعد التنقيب إلا أجزاء متفرقة أو نسخة مخرومة، مع أن حق مقلدة أئمتها أن ينسخوا منها في كل قرن الألوف وأن يخدموها بالقراءة والإقراء والنشر والشروح ولقد حرصت مرة على أن أظفر بنسخة مخطوطة من رسالة الإمام الشافعي، أو بشرح لها لأقابل بها المطبوعة وأنسخ الشرح فلم أجد لها من أثر في مكتبة من مكاتب القطر الشامي، أين هذا من من نسخ كتب الصحيحين والسنن المخطوطة التي ملأت منها مكاتب الدنيا، ولا يعيي الظفر بجيداتها على طالب ما. أفليس الوثوق إذن بكتب السنة وما فيها من المرفوع والموقوف (وهو أقوال الصحابة وفتاويهم) أقوى في النفس من غيرها؟ اللهم فَبَلَى. ومما يؤيد ما قدمنا في الوجادة ما في تدريب الراوي للسيوطي شرح تقريب النواوي في أواخر بحث الصحيح وعبارته: عن الإمام ابن برهان في الأوسط ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه، بل إذا صح عنده النسخة جاز له العمل بها وإن لم يسمع، وحكى الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة، وأنه لا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها. وقال إلكيا الطبري في تعليقه: من وجد حديثا في كتاب صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في جواب سؤال: وأما الاعتماد في كتب الفقه الصحيحة الموثوق بها فقد اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد عليها، والاستناد إليها؛ لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية، ولذلك اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو، واللغة، والطب، وسائر العلوم، لحصول الثقة بها وبُعْد التدليس اهـ. فتأمل أقوال الأئمة علي اعتماد ما في كتب الفقه، وغيرها تعلم أنه إذا وجد فيها نقل عن صحابي، أو حكايته مذهب له أنه يوثق به، ويعمل به بلا ارتياب، ويكون أولى من غيره في باب التقليد لمن شاءه، فافهم، ولا تكن أسير التقليد. من روي عنه المسح على الجوربين من التابعين لا يخفى أنه إذا لم يوجد في مسألة أثر مرفوع، ولا موقوف، ووجد للتابعين قول، أو فتوى في شأنها كان ذلك مما يعتبر، أو يؤثر لا سيما في باب تقليد الأعلم والأفضل عند المقلدة، وقد روى محمَّد بن سعد أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال للحسن: أرأيت ما تفتي به الناس، أشيء سمعته، أم رأيك؟ فقال الحسن: لا والله ما كل ما نفتي به سمعناه، ولكن رأينا لهم خير من رأيهم لأنفسهم اهـ. وقد روي عن التابعين في المسح على الجوربين عدة آثار: أخرج الإمام ابن حزم ﵁ في كتابه «المحلى» عن قتادة، عن سعيد ابن المسيب، قال: الجوربان بمنزلة الخفين في المسح، وعن ابن جريج، قلت لعطاء: أيمسح على الجوربين قال: نعم امسحوا عليهما مثل الخفين وعن إبراهيم النخعي أنه كان لا يرى بالمسح على الجوربين بأسا. وعن الفضل بن دكين قال: سمعت الأعمش وسئل عن الجوربين: أيمسح عليهما من بات فيهما؟ قال: نعم. وعن قتادة عن الحسن وخلاس بن عمرو أنهما كانا يريان الجوربين في المسح بمنزلة الخفين، ثم عدّ من التابعين سعيد بن جبير ونافعا (ثم قال ابن حزم): وهو قول سفيان الثوري، والحسن بن حي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وداود بن علي (الظاهري) وغيرهم اهـ. بيان أقوال الفقهاء المشهورين في المسح على الجوربين مذهب المالكية في المسح على الجوربين قال الإمام ابن القاسم في المدونة: كان مالك يقول في الجوربين يكونان على الرجل وأسفلهما جلد مخروز، وظاهرهما جلد مخروز: أنه يمسح عليهما. ثم رجع فقال: لا يمسح عليهما. قال ابن القاسم: وقوله الأول أحب إلى إذا كان عليهما جلد كما وصفت لك. اهـ قال ابن يونس: وهو أي قول مالك الأول- الصواب؛ لأنه إذا كان عليه جلد مخروز يبلغ الكعبين فهذا كالخف (نقله المواق في التاج والإكليل). وفي اختيار ابن القاسم القول الذي رجع عنه إمامه مالك، وتصريحه بأنه أحب إليه. وقول ابن يونس: إنه الصواب أكبر اعتبار في أن أصحاب الأئمة، كانوا يتجافون التقليد البحت، ولا يعولون إلا على الدليل، ويصبح ذلك مذهبا لهم في الحقيقة. وهكذا كان أمر صاحبي أبي حنيفة معه. وهكذا أصحاب الشافعي، فإن المزني كثيرا ما ينفرد بقول عن أستاذه الشافعي. وقد نقل النووي في آخر شرح خطبة المهذب عن إمام الحرمين أن المزني إذا انفرد برأي، فهو صاحب مذهب وقد اختار كثير من أصحاب الشافعي بعض مسائله التي رجع عنها، وأفتوا بها بعده. قال إمام الحرمين: المرجوع عنه ليس مذهبا للراجع، فإذا علمت حال القديم، ووجدنا أصحابنا أفتوا بهذه المسائل على القديم حملنا ذلك على أنه أداهم اجتهادهم إلى القديم لظهور دليله، وهم مجتهدون فأفتوا به اهـ فتأمل قوله: وهم مجتهدون، تعلم غلط ما يهرف به البعض من أنهم مجتهدون في المذهب، لا مطلقًا، فإنهم مجتهدون على الإطلاق، وليس كل مجتهد ذا أتباع، ومذهب مدون، على أنه لو خرج على قواعد الإمام لم يكن مذهبا له. قال الإمام النووي: وقد سبق اختلافهم في أن المخرج هل ينسب إلى الشافعي؟ والأصح أنه لا ينسب اهـ. ما روي عن الإمام الشافعي، وأصحابه في المسح على الجوربين قال الإمام الترمذي في سننه (في باب المسح على الجوربين والنعلين) ما مثاله: وهو (أي المسح على الجوربين) قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين، وإن لم يكونا منعلين، إذا كانا ثخينين اهـ. ومعلوم أن الإمام الترمذي روى عن أصحاب الإمام الشافعي، ولذا قال في آخر كتابه السنن: ما كان فيه من قول الشافعي فأكثره ما أخبرني به الحسن بن محمَّد الزعفراني، عن الشافعي، وما كان من الوضوء، والصلاة، فحدثنا به أبو الوليد المكي، عن الشافعي، ومنه ما حدثنا أبو إسماعيل، قال: حدثنا يوسف بن يحيى القرشي البويطي، عن الشافعي، وذكر فيه أشياء عن الربيع، عن الشافعي، وقد أجاز لنا الربيع ذلك، وكتب به إلينا اهـ. وقال الإمام الشيرازي في المهذب: وإن لبس جوربا جاز المسح عليه بشرطين: أحدهما: أن يكون صفيقا، لا يشف. والثاني: أن يكون منعلا. قال شارحه النووي وهكذا قطع به جماعة منهم الشيخ أبو حامد، المحاملي، وابن الصباغ، وغيرهم، ونقل المزني أنه لا يمسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدي القدمين، ثم قال النووي والصحيح، بل الصواب ما ذكره القاضي أبو الطيب القفال وجماعات من المحققين أنه إن أمكن متابعة المشي جاز كيف كان، وإلا فلا. اهـ. مذهب الحنفية قال الإمام الكاساني في بدائع الصنائع: وأما المسح على الجوربين فإن كانا مجلدين، أو منعلين يجزيه بلا خلاف عند أصحابنا، وإن لم يكونا مجلدين ولا منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء، لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين، لا يجوز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز. ورُويَ أنه مسح على جوربيه في مرضه، ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس منه. فاستدلوا به على رجوعه، ثم قال: احتج أبو يوسف، ومحمد بحديث المغيرة بن شعبة «أن النبي - ﷺ - توضأ ومسح علي الجوربين»، ولأن الجواز في الخف لرفع الحرج لما يلحقه من المشقة بالنزع، وهذا المعنى موجود في الجورب اهـ. مذهب الحنابلة في الإقناع وشرحه: ويصح المسح على جورب صفيق أو غيره وإن كان غير مجلد أو منعل، أو كان من خرق وأمكنت متابعة المشي عليه. ثم قال: وحديث المغيرة «مسح - ﷺ - على الجوربين والنعلين» يدل على أنهما كانا غير منعلين؛ لأنه لو كانا كذلك لم يذكر النعلين؛ لأنه لا يقال: مسح على الخف ونعله اهـ. ما قاله الإمام ابن رشد المالكي قال ﵀ في كتابه (بداية المجتهد): واختلفوا في المسح على الجوربين، وسبب اختلافهم اختلافُهُم في صحة الآثار الواردة عنه ﵊ أنه مسح على الجوربين، والنعلين، واختلافهم أيضا هل يقاس على الخف غيره، أم هي عبادة لا يقاس عليها، ولا يتعدى بها محلها، فمن لم يصح عنده الحديث، أو لم يبلغه، ولم ير القياس على الخف قصر المسح عليه، ومن صح عنده الأثر، وجواز القياس على الخف أجاز المسح على الجوربين اهـ. عادة ابن رشد في كتابه المذكور إيضاح مدارك المجتهدين، إلا أن كل مسألة تعددت فيها الدارك وتشعبت عنها الأقوال فالحق في واحد منها قطعا، وهو ما صح برهانه، وقوي مدركه. وقد صح البرهان هنا في المسح على الجوربين، وقوي مدركه بما نقلناه قبل، وننقله بعد، ولذا قال الإمام النووي في حديث صوم ست من شوال في مسلم في رده على الإمام مالك في كراهتها ما مثاله: إذا ثبتت السنة تترك، لترك بعض الناس، أو أكثرهم أو كلهم لها اهـ. وهكذا يقال في المسح على الجوربين ولا يترك بعد ثبوته لخلاف من خالف، ولقياس من قاس لأنه لا اجتهاد في مقابلة نص ونبرأ إلى الله من دفع النصوص بالأقيسة والآراء. قال الإمام ابن القيم: من لم يقف مع النصوص، فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه، ويقول هذا قياس، ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه، ويقول هذا تخصيص، ومرة يترك النص جملة، ويقول: ليس العمل عليه. أو يقول هذا خلاف القياس، أو خلاف الأصول. ثم قال: ونحن نرى أنه كلما اشتد توغل الرجل في القياس اشتدت مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس، فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به، وكم من أثر درس حكمه بسببه، فالسنن والآثار عند الآرائيين، والقياسيين خاوية على عروشها، معطلة أحكامها، معزولة عن سلطانها، وولايتها، لها الاسم، ولغيرها الحكم، وإلا فلماذا ترك حديث المسح على الجوربين (إلى آخر ما قاله، وعدده فانظره) أي مع أنه ثبت في السنة بل اقتضاه القياس أيضا كما ستراه في كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. مذهب الظاهرية قال الإمام ابن حزم نور الله مرقده في كتابه المحلى: اشتراط التجليد لا معنى له؛ لأنه لم يأت به قرآن، ولا سنة، ولا قياس، ولا قول صاحب، والمنع من المسح على الجوربين خطأ لأنه خلاف السنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ -، وخلاف الآثار، ولم يخص ﵇ في الأخبار التي ذكرنا خفين من غيرهما اهـ. يؤيده أن كل المروي في المسح على الجوربين مرفوعا إلى النبي - ﷺ - ليس فيه قيد ولا شرط، ولا يفهم ذلك لا من منطوقه، ولا من مفهومه، ولا من إشارته، وجلي أن النصوص تحمل على عمومها إلى ورود مخصص، وعلى إطلاقها حتى يأتي ما يقيدها، ولم يأت هنا مخصص ولا مقيد لا في حديث ولا أثر، هذا أولا، وثانيا قدمنا أن الإمام أبا داود روى في سننه عن عدة من الصحابة المسح على الجوربين مطلقا غير مقيد كما قدمناه وهكذا كل من نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين المسح على الجوربين لم يروه بقيد ولا شرط مما يدل على أن تقييده لم يكن معروفا في عصرهم التي هي خير القرون، وثالثا الجورب بين بنفسه في اللغة والعرف، كما نقلنا معناه عن أئمة اللغة، والفقه، ولم يشترط أحد في مفهومه، ومسماه نعلا ولا ثخانة. وإذا كان موضوعه في الفقه، واللغة مطلقا، فيصدق بالجورب الرقيق، والغليظ وغيره، والله أعلم. ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية قال ﵀ في فتاويه: يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما سواء كانت مجلدة، أو لم تكن في أصح قولي العلماء، ففي السنن «أن النبي - ﷺ - مسح على جوربيه ونعليه» وهذا الحديث إذا ثبت فالقياس يقتضي ذلك، فإن الفرق بين الجوربين والنعلين إنما هو كون هذا من صوف، وهذا من جلود، ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة، فلا فرق بين أن يكون جلودا، أو قطنا، أو كتانا، أو صوفا، كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف، فهذا لا تأثير له، كما لا تأثير لكون الجلد قويا، بل يجوز المسح على ما يبقى، وما لا يبقى. وأيضا فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء، ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقا بين المتماثلين، وهذا خلاف العدل، والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة وما أنزل الله به من كتبه وأرسل به رسله، ومن فرق يكون هذا ينفذ الماء منه، وهذا لا ينفذ منه فقد ذكر فرقا طرديا عديم التأثير، ولو قال قائل: يصل الماء إلى الصوت أكثر من الجلد، فيكون المسح عليه أولى للصوق الطهور به أكثر كان هذا الوصف أولى بالاعتبار من ذلك الوصف وأقرب إلى الأوصاف المؤثرة، وذلك أقرب إلى الأوصاف الطردية وكلاهما باطل، وخروق الطعن لا تمنع جواز المسح ولو لم تستر الجوارب إلا بالشد جاز المسح عليها، وكذلك الزربول الطويل الذي لا يثبت بنفسه، ولا يستر إلا بالشد اهـ. قال ﵀ في فتوى أخرى: يجوز المسح على الزربول الذي يغطي الكعبين إذا ثبت بنفسه بلا شراع، وإن كان لا يثبت إلا بالتزرير أو السيور يجوز المسح عليه أيضا، فإنه يستر محل الفرض بنفسه، وهكذا الجورب الذي لا يثبت إلا بالخيوط، ولو ثبت بشيء منفصل عنه كالجورب الذي لا يثبت إلا بالنعل فإنه يجوز المسح عليه سواء كان من لبد، أو قطن، أو كتان أو جلود، ولا حاجة إلى اعتبار شروط لا أصل لها في الشرع، ويعود على مقصود الرخصة بالإبطال اهـ. وقال أيضا في فتوى أخرى: يجوز المسح على اللفائف وهو أن يلف على الرجل لفائف من البرد، أو خوف الحفاء، أو من جراح بها، ونحو ذلك، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب، فإن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزعها ضرر إما بإصابة البرد، أو التأذي بالحفاء وإما التأذي بالجرح، فإذا جاز المسح على الخفين، والجوربين فعلى اللفائف بطريق الأولى اهـ. وقال في خلال فتوى له: معلوم أن البلاد الباردة يحتاج فيها من يمسح التساخين والعصائب وهي العمائم ما لا يحتاج إليه في أرض الحجاز، فأهل الشام والروم ونحو هذه البلاد أحق بالرخصة في هذا، وهذا من أهل الحجاز، ثم قال: فإن منعوا من المسح عليها ضيقوا تضييقا يظهر خلافه للشريعة بلا حجة معهم أصلا. اهـ. كلامه ﵀. الخاتمة لا يخفى أن الرخص المأثورة عن النبي - ﷺ - هي نعمة عظمى في كل حال، وعلى أي حال، وإنما يظهر تمام نعمة تشريعها في بعض الأحوال مثل رخصة المسح علي الجوربين في أيام البرد، وأوقات السفر، وحالات المرض، أو تشقق القدم، أو قشف الرجلين أو تورمهما مما يعرض، كما أمر النبي - ﷺ - السَّريِّة الذين شكوا إليه ما أصابهم من البرد أن يسمحوا على العصائب والتساخين كما قدمنا، وقال من صحب عكرمة ﵁ إلى واسط: ما رأيته غسل رجليه، إنما يمسح عليهما حتى خرج منها. رواه ابن جرير في تفسيره، وتقدم عن البدائع للقاساني أن أبا حنيفة ﵁ رجع إلى قول أبي يوسف ومحمد في المسح على الجوربين في آخر عمره، وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه، ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أنهى الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه اهـ. ورجوع أبي حنيفة ﵁ من فضله وانصافه، وللمجتهدين من تغير الاجتهاد والرجوع إلى ما فيه قوة وسداد ما عرف عنهم أجمعين وعد من مناقبهم، ومن أكبر العبر في هذه القصة قصة رجوع الإمام أبي حنيفة أن يرجع إمام، ويصرح برجوعه، ويأبى ألد الخصوم الرجوع، للحق، ولو تلي عليه من البراهين ما يلين له الحديد، ويصدع الجلاميد. ولا غَرْوَ فالأئمة المجتهدون لهم من اللطف، والكمال ومحاسن الأخلاق، والإنصاف، والاعتراف بالحق ما سارت به الركبان. وليعتبر أيضا بالإمام الشافعي لما رحل من العراق إلى مصر، وأعاد البحث في مذهبه القديم كيف رجع عن كثير من مسائله، وعد ذلك من أسمى فضائله، وسبب ذلك التقوى وإيثار الأخرى فإنها تَزعُ المتقي عن إيثار الهوى والدنيا. وهكذا فعل الإمام أبو حنيفة في رجوعه إلى القول بالمسح على الجوربين. وقد يظن قوم أن التشدد في العزائم ومجافاة الرخص من التقوى، وحاشا لله، كيف وقد قال - ﷺ -: «لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع، والديار، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم». رواه أبو داود. وقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه». رواه أحمد، والطبراني، وهو حديث صحيح. وعنه - ﷺ -: «إن الله تعالى يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه» رواه الطبراني بإسناد ضعيف. وقال - ﷺ -: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته». رواه أحمد، وابن حبان، والبيهقي، عن ابن عمر. وقال - ﷺ -: «هلك المتنطعون». رواه مسلم. نعم يوجد من خيار العباد ذوي الجد والاجتهاد من لا يأخذ إلا بالعزائم، لا زهدا في المأثور، ولا رغبة عن المرخص فيه المبرور، بل تربية للنفس على الأفضل، وأخذا بها إلى الأمثل، والأكمل، وهو ما يسميه الفقهاء بالاحتياط، والخروج من الخلاف إيثارا لما يكون فيه إجماع وائتلاف. وأصله في السنة «أن النبي - ﷺ - كان يقوم الليل حتى تورم قدماه، فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول:»أفلا أكون عبد شكورا«؟. جعلنا الله من عباده الشاكرين، وفقهنا في الدين، وحشرنا مع الذين أنعم عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين والحمد الله رب العالمين. اهـ ما كتبه العلامة محمَّد جمال الدين القاسمي ﵀، ببعض زيادة مما كتبه العلامة الألباني، وهو بحث منقح وتدقيق مصحح، لا يحتاج إلى تعليق، ولا يقبل الاستدراك والتشقيق عند من له إنصاف وتحقيق، والله أعلم.»إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب«.
مصادر المؤلف (٢١)

١. أي يزيد بن زريع، وابن أبي عدي.

٢. قال الجامع: حيث لم أطمئن في كون هذا الباب من المجتبى، لم أجعل له رقم التسلسل ولا للحديث، وإنما شرحته احتياطًا.

٣. القشاعمة جمع قشعَم، كجعفر يأتي لمعان، منها: الرجل المسن، والحرب، والمنية، والداهية.

٤. الكيلجة: مكيال معروف، كما في القاموس.

٥. قلت: ظاهره أن التاسومة غير الحذاء، وما في النهاية يدل على أنهما شيء واحد.

٦. نص الحديث: عن ثوبان قال: (بعث رسول الله - ﷺ - سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي - ﷺ - شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين).

٧. قال العلامة الألباني قلت: وابن خزيمة أيضا في صحيحه رقم ١٩٨ طبع دار القلم في بيروت، وكذا ابن أبي شيبة في المصنف ١ - ١٨٨ والطحاوي في مشكل الآثار ١ - ٩٨ - طبع القاهرة اهـ. من هامش الرسالة.

٨. هكذا في نسخة ابن القيم، والذي في غيره أن النسائي: ما نعلم أحدا تابع أبا قيس.

٩. هذا من كلام العلامة أحمد شاكر.

١٠. قال العلامة الألباني قلت: لعل هذا القول سبق قلم من العلامة أحمد شاكر ﵀، فإنه ليس في أثر أنس المذكور هذا القيد أو الشرط، بل هو أعم من ذلك، بدليل أن الصوف لا يمنع وصول الماء إلى القدم كما هو معلوم بالتجربة فأرى أن الصواب حذف هذا القول من سياق كلام العلامة ﵀، لأنه لا دليل عليه كما سبق، ولانه أليق بموضرع رسالة العلامة القاسمي رحمه الله تعالى الذي اختار جواز المسح على الجورب الرقيق وهو الحق وهذا القول ينافيه كما لا يخفى.

١١. القائل هو القاسمي.

١٢. بالزاي كزبير: تابعي أدرك الجاهلية. اهـ ق.

١٣. براء ثم زاي كجعفر، تابعي. اهـ ق.

١٤. قال العلامة الألباني: وهذا الإمكان متحقق، فقد ذكر البخاري أن راشد بن سعد شهد صفين مع معاوية، ومن المعلوم أن وقعة صفين كانت سنة ٣٦ ووفاة ثوبان سنة ٥٤ فقد عاصره ١٨ سنة وإذا تذكرنا أن العلماء وثقوه دون خلاف يذكر، وأنه لم يرم بالتدليس، ينتج من ذلك أن الإسناد متصل، وأن إعلاله بالإنقطاع مردود لأنه قائم على مذهب من يشترط في الإتصال ثبوت السماع. وهو مرجوح كما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى ومما يقوي ما ذكر أن البخاري أثبت سماع راشد من ثوبان كما تقدم في كلام أحمد شاكر رحمه الله تعالى، وذلك دليل قاطع على لقيه إياه؛ لأن البخاري رحمه الله تعالى، من القائلين بإشتراط ثبوت (*) السماع في الإتصال وأنه لا تكفي فيه المعاصرة، فتأمل. اهـ كلام الألباني.

١٥. قال المحدث العلامة ناصر الدين الألباني حفظه الله: قلت هذا الوجه لا يستقيم إلا لو كان الترمذي وابن حبان من الأئمة المتثبتين في التصحيح مثل الإمام أحمد ومسلم وغيرهما ممن ضعفوا الحديث، ففي هذه الحالة تصح المعارضة، ويسلم الجواب من الإعتراض لتأخر الترمذي عنهم. لكنهما متساهلان فلا يعتمد عليهما، فالجواب ضعيف، لكن الحديث صحيح الإسناد وما أعلوه به مردود كما تقدم في بيان الشيخ أحمد شاكر، فقد أجاد كل الإجادة. اهـ كلام الألباني بإختصار. ص ٣٠.

١٦. يريد الحافظ ابن حجر العسقلاني.

١٧. ص ١١٣.

١٨. بضم الجيم وتخفيف اللام.

١٩. أي جمع قطعة منه.

٢٠. ص ٤٩.

٢١. قال القاسمي ﵀: اللفائف يشملها عموم حديث ثوبان المتقدم أنه ﵇ «أمرهم بالمسح على التساخين» وقد أسلفنا أن التساخين لغة كل ما يسخن به القدم فتذكر اهـ.