١٥٢ - بَابُ غَسْلِ الجُنُبِ يَدَيْهِ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهُماَ الإِنَاءَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية غسل اليدين للجنب قبل إدخالهما في الإناء الذي يغتسل منه.
٢٤٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ وُضِعَ لَهُ الإِنَاءُ، فَيَصُبُّ عَلَى يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ، حَتَّى إِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الإِنَاءِ ثُمَّ صَبَّ بِالْيُمْنَى، وَغَسَلَ فَرْجَهُ بِالْيُسْرَى حَتَّى إِذَا فَرَغَ صَبَّ بِالْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ مِلْءَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جَسَدِهِ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرهاوي ثقة حافظ من -١١ - مات سنة -٢٦١ - انفرد المصنف بالرواية عنه. وتقدم في ٣٨/ ٤٢.
٢ - (حسين) بن علي بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ ثقة عابد -٩ - تقدم في ٧٤/ ٩١.
٣ - (زائدة) بن قُدَامَة الثقفي أبو الصَّلْت الكوفي ثقة ثبت -٧ - تقدم في ٧٤/ ٩١.
٤ - (عطاء بن السائب) بن مالك، ويقال زيد، ويقال: يزيد، الثقفي، أبو السائب، ويقال: أبو زيد، ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو محمَّد، الكوفي. رَوَى عن أبيه، وأنس، وربما أدخل بينهما يزيد بن أبان، وعبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حريث المخزومي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي ظبيان حصين بن جندب، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسالم البَرَّاد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وعنه إسماعيل بن أبي خالد من أقرانه، وسليمان التيمي، والأعمش، وابن جريج، والحمادان، والسفيانان، وشعبة، وزائدة، ومسعر، وابن علية، وآخرون.
قال علي، عن سفيان، عن بعض أصحابه: كان أبو إسحاق يسأل عن عطاء بن السائب؟ فيقول: إنه من البقايا، وقال حماد بن زيد: أتينا أيوب، فقال: اذهبوا إلى عطاء بن السائب قدم من الكوفة، وهو ثقة. وقال ابن علية: قال لي شعبة: ما حدثك عطاء بن السائب، عن رجال زاذان، وميسرة، وأبي البختري؛ فلا تكتبه، وما حدثك عن رجل بعينه فأكتبه، وقال علي، عن يحيى بن سعيد: ما سمعت أحدًا من الناس
يقول في حديثه القديم شيئًا، وما حدث سفيان وشعبة عنه فصحيح إلا حديثين كان شعبة يقول سمعتهما منه بآخره، عن زاذان، وقال أبو قطن عن شعبة: ثلاثة في القلب منهم هاجس عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، ورجل آخر. وقال أحمد بن سنان عن ابن مهدي: ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد: ليث أحسنهم حالا عندي. وقال عثمان بن أبي شيبة، عن جرير: كان يزيد أحسنهم استقامة في الحديث، ثم عطاء. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة رجل صالح. وقال أبوطالب، عن أحمد: من سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا سفيان، وشعبة، وسمع منه حديثًا جرير، وخالد، وإسماعيل، وعلي بن عاصم، وكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها. قال: وقال وهيب: لما قدم عطاء البصرة قال كتبت عن عبيدة ثلاثين حديثًا، ولم يسمع من عبيدة شيئًا، وهذا اختلاط شديد. وقال أبو داود: وقال شعبة: حدثنا عطاء بن السائب وكان نسيًا، وقال ابن معين: لم يسمع عطاء بن السائب من يعلى بن مرة. وقال ابن معين: عطاء بن السائب اختلط، وما سمع منه جرير، وذووه ليس من صحيح حديثه، وقد سمع منه أبو عوانة في الصحيح والاختلاط جميعا، ولا يحتج بحديثه، وقال أحمد بن أبي نجيح عن ابن معين: ليث بن أبي سليم ضعيف مثل عطاء، وجميعُ من سمع من عطاء سمع منه في الاختلاط إلا
شعبة، والثوري، وقال ابن عدي: من سمع منه بعد الاختلاط في أحاديثه بعض النكرة، وقال العجلي: كان شيخا ثقة قديمًا، روى عن ابن أبي أوفى، ومن سمع منه قديمًا فهو صحيح الحديث: منهم الثوري، فأما من سمع منه بآخره فهو مضطرب الحديث: منهم هشيم، وخالد الواسطي إلا أن عطاء بآخره كان يلقن إذا لقنوه في الحديث؛ لأنه كان غير صالح
الكتاب، وأبوه تابعي ثقة، وقال أبو حاتم: كان محله الصدق قبل أن يختلط صالح مستقيم الحديث، ثم بآخره تغير حفظه، في حفظه تخاليط كثيرة، وقديم السماع من عطاء: سفيان، وشعبة، وفي حديث البصريين عنه تخاليط كثيرة؛ لأنه قدم عليهم في آخر عمره، وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء كان يرويها عن التابعين، ورفعها إلى الصحابة، وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم إلا أنه تغير، ورواية حماد بن زيد وشعبة وسفيان عنه جيدة، وقال الحميدي عن ابن عيينة: كنت سمعت عطاء بن السائب قديمًا، ثم قد علينا قدمة فسمعته يحدث ببعض ما كنت سمعت، فخلط فيه، فاتقيته، واعتزلته. وقال أبو النعمان، عن يحيى القطان: سمع منه حماد بن زيد قبل أن يتغير. قال ابن سعد وغيره: مات سنة [١٣٧]، ونحوها، روى له البخاري حديثًاواحدًا متابعة في ذكر الحوض.
قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات فقال: قد قيل: إنه سمع من أنس، ولم يصح ذلك عندي، مات سنة -٣٦ - وكان اختلط بآخره، ولم يفحش حتى يستحق أن يعدل به عن مسلك العدول بعد تقدم صحة بيانه في الروايات، وقال القراب في وفاته اختلاف، قيل: سنة -٦ - وقيل سنة -٣ - وقيل سنة -٤ - وقال الدارقطني: دخل عطاء البصرة مرتين، فسماع أيوب، وحماد بن سلمة في الرحلة الأولى صحيح.
وقال الحاكم: تغير بآخره، وقال في السؤالات: تركوه، كذا قال، ولعله أراد بالترك ما يتعلق بحديثه في الاختلاط، وقال الساجي: صدوق ثقة، لم يتكلم الناس في حديثه القديم. وقال البخاري في تاريخه: قال علي: سماع خالد بن عبد الله، من عطاء بن السائب بآخره، وسماع حماد بن زيد منه صحيح. وقال العقيلي: تغير حفظه، وسماع حماد بن زيد منه قبل التغير. وقال العقيلي أيضا: وسماع حماد
ابن سلمة بعد الاختلاط، كذا نقله عنه ابن القطان، ثم وقفت على ترجمته في العقيلي فنقل عن الحسن بن علي الحلواني، عن علي بن المديني، قال: قال وهيب: قدم علينا عطاء بن السائب، فقلت: كم حملت عن عَبيدَة -يعني السلماني- قال أربعين حديثا، قال علي: وليس عنده عن عبيدة حرف واحد، فقلت على مَ يحمل ذلك؟ قال على الاختلاط، وقال علي: وكان أبو عوانة حمل عنه قبل أن يختلط، ثم حمل عنه بعد فكان لا يعقل ذا من ذا، وكان حماد بن سلمة انتهى. قال الحافظ: فاستفدنا من هذه القصة أن رواية وهيب، وحماد، وأبي عوانة عنه في جملة ما يدخل في الاختلاط، وقال عبد الحق: سماع ابن جريج منه بعد الاختلاط، وقال الحربي في العلل: بلغني أن شعبة قال: إذا حدث عن رجل واحد فهو ثقة، وإذا جمع بين اثنين فاتقه، وقال الطبراني: ثقة اختلط في آخر عمره فما رواه عنه المتقدمون فهو صحيح مثل سفيان، وشعبة، وزهير، وزائدة. وقال العجلي: جائز الحديث إلا أنه كان يلقن بآخره. وقال ابن سعد: كان ثقة، وقد روى عنه المتقدمون، وقد كان تغير حفظه بآخره واختلط. توفي سنة ٣٦.
وقال ابن الجارود في الضعفاء: حديث سفيان، وشعبة، وحماد بن سلمة عنه جيد، وحديث جرير، وأشباه جرير ليس بذاك، وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة حجة، وما روى عنه سفيان وشعبة، وحماد بن سلمة سماع قديم، وكان عطاء تغير بآخره، ورواية جرير، وابن فضيل، وطبقتهم ضعيفة، وقال في موضع آخر: إذا حدث عنه سفيان وشعبة فإن حديثه مقام الحجة. وقال الدارقطني في العلل: اختلط ولم يحجوا به في الصحيح، ولا يحتج من حديثه إلا بما رواه أكابر، شعبة، والثوري، ووهيب، ونظراؤهم، وأما ابن علية، والمتأخرون ففي حديثهم عنه نظر.
قال الحافظ: فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثوري وشعبة وزهيرًا، وزائدة، وحماد بن زيد، وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم، والظاهر أنه سمع منه مرتين مرة مع أيوب كما يومئ إليه كلام الدارقطني، ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة، وسمع منه مع جرير وذويه. والله أعلم. أخرج له البخاري حديثًا واحدًا متابعة، والباقون إلا مسلمًا. اهـ «تت» ج ٧ ص ٢٠٣ - ٢٠٧.
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ١/ ١.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته ثقات اتفقوا على التخريج لهم إلا شيخه فانفرد هو به، وعطاء فأخرج له (خ) متابعة حديثا واحدا في ذكر الحوض، ولم يخرج له (م) أصلا وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة من المكثرين السبعة، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال على الراجح على تفصيل تقدم. وفيه عطاء بن السائب من المختلطين إلا أن زائدة روى عنه قبل الاختلاط فحديثه صحيح. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا اغتسل) أي أراد الاغتسال، كما تقدم نظيره غير مرة، من وقوع الفعل بعد إذا ماضيا ويراد القصد والإرادة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وحديث: «كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (من الجنابة) أي بسببها، فـ«من» سببية، وتقدم
تفسير الجنابة والاغتسال (وضع له) بالبناء للمفعول (الإناء) بالرفع نائب فاعل «وُضع» أي الإناء الذي فيه ماء للاغتسال، فالمراد بوضع الإناء وضع إناء فيه ماء؛ لأن الغسل إنما يكون من الماء، وتقدم معنى الإناء (فيصب) بضم الصاد من باب نصر، أي يُفرغ (على يديه) من الماء (قبل أن يدخلهما) أي اليدين (الإناء) أي الإناء الموضوع له، لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأولى، كما قال السيوطي ﵀ في عُقُود الجُمَان:
ثُمَّ منَ القَوَاعِدِ المُشْتَهرَهْ … إذَا أتَتْ نَكرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإنْ يُعَرَّف ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا المُعَرَّفَانِ
شَاهدُهَا الذي رَوَيْنَا مُسْنَدَا … لَنْ يَغْلبَ اليُسْرَيْن عُسْرٌ أبَدَا
وفيه مشروعية غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وقد تقدم البحث فيه في ١/ ١.
(حتى إذا غسل يديه) غاية للصب، وسيأتي في الباب التالي أنه غسلهما ثلاثا (أدخل يده اليمني في الإناء) أي الإناء الموضوع له، والكلام فيه كالكلام في سابقه، وإنما أدخل اليمنى ليغترف بها الماء (ثم
صب) الماء (باليمنى فغسل فرجه باليسرى) أي اليد اليسرى، وفيه أن صب الماء يكون باليمنى، وغسل الفرج باليسرى تكريما لليمين، وفي الرواية الآتية «فيغسل ما على فخذيه»، وفي أخرى «فيغسل فرجه وما أصابه، والمراد أنه يغسل ذكره وما حوله وما على فخذيه من أثر المني مبالغة في التنظيف (حتى إذا فرغ) من غسل فرجه (صب) الماء (باليمنى على اليسرى فغسلهما) ثلاثا كما يأتي في الرواية الآتية (ثم تمضمض) أي أدخل الماء في فمه فحركه (واستنشق) أي جعل الماء في أنفه، وجذبه إليه بريح
الأنف، وقد تقدم تحقيق معنى المضمضة، والاستنشاق مستوفى في باب المضمضة والاستنشاق ٦٨/ ٨٤ (ثم يصب على رأسه ملء كفيه) بكسر
فسكون، أي ما يملؤهما من الماء، قال في المصباح: وملؤه بالكسر: ما يملؤه، وجمعه أملاء، مثل حمل وأحمال اهـ. والمعنى أنه يصب على رأسه من الماء ما يملء كفيه (ثلاث مرات) مفعول مطلق لـ«يصب»، أي صبا ثلاث مرات، وفيه استحباب غسل الرأس ثلاث مرات، ولم يذكر في هذه الرواية أنه توضأ قبل الغسل، وقد صح عنها في الروايات الآتية ذكرها، فيحمل هذا على اختصار بعض الرواه، ويحتمل أن الاختصار منها، فذكرت هنا بعض أفعال الغسل دون البعض لعلمها بأن السائل يعلم ذلك (ثم يفيض على جسده) أي يصب الماء على سائر جسده، فالمراد ما عدا الرأس، لما في الرواية الآتية، «ثم يفيض على سائر جسده». وفيه أن غسل سائر الجسد لا يشرع فيه التثليث. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٥٢/ ٢٤٣، وفي ١٥٣/ ٢٤٤، وفي ١٥٤/ ٢٤٥، وفي ١٥٥/ ٢٤٦، وفي الكبرى -١٣٩/ ٢٤٤ - بالسند والمتن الآتي -١٥٤/ ٢٤٥ - .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: هذا الحديث عن طريق أبي سلمة من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزي في تحفته، وأخرجه (خ) عن طريق عروة عنها، كما يأتي للمصنف في ١٥٦/ ٢٤٧.
المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وكونه ثلاث مرات، ومشروعية الاستنجاء باليد اليسرى، وصب الماء باليمنى، ومشروعية المضمضة والاستنشاق ثلاثًا، وقد تقدم حكمهما في ٦٨/ ٨٤، واستحباب صب الماء على الرأس ثلاثًا، وتعميم سائر البدن بالغسل مرة واحدة. والله تعالى أعلم.
١٥٣ - بَابُ ذِكْرِ عَدَدِ غَسْلِ اليَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالهِمِاَ الإنَاءَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كمية غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء لأجل الاغتراف. ٢٤٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ غُسْلِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُفْرِغُ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ، ثُمَّ يُفْرِغُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
كلهم تقدموا في السند الماضي إلا اثنين:
١ - (يزيد) بن هارون بن وادي، ويقال: زاذان بن ثابت السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، قيل: أصله من بخارى. روى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وعاصم
الأحول، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي مالك الأشجعي، ويحيى بن
سعيد الأنصاري، وحريز بن عثمان، وابن عون، وداود بن أبي هند، وحسين المعلم، ومحمد بن إسحاق، وشعبة، والثوري، وخلق.
وعنه بقية بن الوليد، ومات قبله، وآدم بن أبي اياس، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، وأحمد بن سليمان، وآخرون.
قال أحمد: كان حافظًا للحديث صحيح الحديث عن حجاج بن أرطاة، قاهرًا لها حافظًا. وقال ابن المديني: هو من الثقات، وقال في موضع آخر: ما رأيت أحفظ منه، وقال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان متعبدًا حسن الصلاة جدّا، وكان يصلي الضحى ستة عشرة ركعة بها من الجودة غير قليل، وكان قد عَميَ، وقال أبو زرعة عن أبي بكر بن أبي شيبة: ما رأيت أتقن حفظًا من يزيد.
قال أبوزرعة: والإتقان أكثر من حفظ السرد، وقال أبو حاتم: ثقة إمام صدوق لا يسأل عن مثله. وقال عمرو بن عون، عن هشيم: ما بالبصريين مثل يزيد، وقال أحمد بن سنان، عن عفان: أخذ يزيد عن حماد حفظًا، وهي صحاح، بها من الاستواء غير قليل ومَدَحَهَا وقال أيضا: ما رأيت عالمًا، قط أحسن صلاة منه كأنه أسطوانة لم يكن يفتر عن صلاة الليل والنهار، وكان هو وهشيم معروفين بطول الصلاة، وقال يحيى بن يحيى: كان بالعراق أربعة من الحفاظ، فذكره فيهم، وأشار إلى أنه أحفظ من وكيع، وقال مؤمل بن إهاب: سمعت يزيد يقول: ما دلست قط إلا حديثًا واحدًا عن عوف، فما بورك لي فيه، وقال محمَّد بن قدامة الجوهري: سمعته يقول: أحفظ خمسة وعشرين ألف إسناد، ولا فخر. وقال علي بن شعيب: سمعته يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بإسناده ولا فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألف حديث لا أسْألُ عنها،
وقال يحيى بن أبي طالب: كان يقال: إن في مجلسه سبعين ألف رجل، وقال يعقوب بن سفيان عن محمَّد بن فضيل البزار: ولد يزيد سنة ١١٧، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ولد سنة ١٨، وكان يقول: طلبت العلم، وحصين حي، وقد نسي، وربما ابتدأني الجريري بالحديث، وكان قد أنكر. مات في خلافة المأمون في غرة ربيع الآخر سنة ٢٠٦، وفيها أرخه غير واحد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من خيار عباد الله تعالى ممن يحفظ حديثه، وكان قد كف في آخر عمره، وقال زكريا بن يحيى: كنا نسمع أن يؤيد من أحسن أصحابنا صلاة، وأعلمهم بالسنة، وذكر ابن أبي خيثمة في تاريخه أنه كاتب أبي شيبة القاضي جد أبي بكر بن أبي شيبة، قال وسمعت أبي -يعني أبا خيثمة زهير بن حرب- يقول: كان يعاب على يزيد حين ذهب بصره ربما إذا سئل عن حديث لا يعرفه، فيأمر جاريته فتحفظه من كتابه.
قال: وسمعت يحيى بن معين يقول: يزيد ليس من أصحاب الحديث، لأنه لا يميز ولا يبالي عمن روى، وقال الفضل بن زياد: قيل لأحمد: يزيد بن هارون له فقه؟ قال: نعم ما كان أفطنه، وأذكاه، وأفهمه، قيل له: فابن علية؟ قال: كان له فقه، لا أعلم، إني لم أخبره خبري يؤيد، ما كان أجمع أمر يزيد صاحب صلاة حافظ متقن للحديث صوانه، وحسن مذهب، وقال الزعفراني: ما رأيت خيرا من يزيد، وقال زياد بن أيوب: ما رأيت له كتابًا قط ولا حديثًا إلا حفظًا، وقال أحمد بن الطيب: سمعت يؤيد يقول: في هارون -يعني مستمليه- بلغني أنك تريد أن تُدخل عليَّ في حديثي فاجهد جهدك لا أرعى الله تعالى عليك إن رعيت أحفظ ثلاثة وعشرين ألف حديث. وقال الحسن ابن عرفة: قلت ليزيد بن هارون: ما فعلت تلك العينان الجميلتان؟ قال: ذهب بهما بكاء الأسحار، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، وكان يعد من
الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، وقال ابن قانع: ثقة مأمون. أخرج له الجماعة. اهـ. «تت» ج ١١ ص ٣٦٦ - ٣٦٩.
٢ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري ثقة ثبت حجة -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦.
قال الجامع عفا الله عنه: لطائف الإسناد، وشرح الحديث، والمسائل المتعلقة به تقدمت في الباب السابق فلا نطيل الكتاب بإعادتها. وقوله (يفرغ) وهو من الإفراغ رباعيًا ومعناه يصب، وقوله (يفيض) هو من الإفاضة رباعيًا أيضًا، ومعناه يصب أيضًا.
ومحل الترجمة قولها: «ثلاثًا». إذ يستفاد منه أن عدد غسل اليدين ثلاث مرات. والله أعلم.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».