عنده، لما وَقَع منه - ﷺ - في إجابته مشورة موسى في سؤال التخفيف، وفيه فضيلة الاستحياء، وبذل النصيحة لمن يحتاجُ إليها وإن لم يُسْتَشَرِ الناصحُ في ذلك. والله ولي التوفيق وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٤٤٩ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ حَزْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَرَضَ اللهُ ﷿ عَلَى أُمَّتِى خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى ﵇ فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ لِى مُوسَى: فَرَاجِعْ رَبَّكَ ﷿، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي ﷿ فَوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي ﷿، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي ﷿«.
رجال الإسناد: ستة
١ - (يونس بن عبد الأعلى) بن مَيْسَرة الصَّدَفيُّ أبو موسى المصري، ثقة، مات سنة ٢٦٤، عن ٩٦ سنة، من صغارَ [١٠]، أخرج له مسلم والنسائي وابن ماجه.
٢ - (ابن وهب) عبد الله، أبو محمد المصري، ثقة ثبت حافظ، من [٩]، تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيليُّ أبو يزيد، ثقة، من كبار [٧]، تقدم في ٩/ ٩.
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٥ - (أنس بن مالك) أبو حمزة الصحابي ﵁ تقدم في ٦/ ٦.
٦ - (ابن حزم) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النَّجَّاري المدني القاضي، ثقة عابد، من [٥]، تقدم في ١١٨/ ١٦٣. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأن الثلاثة الأولين مصريون، والباقون مدنيون، وفيه أنس بن مالك أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن شهاب) الزهري، أنه قال: (قال أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي ﵁، وهذا يحتمل أن يكون رواه أنس عن أبي ذر، كما جزم به أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون سمعه من النبي - ﷺ - بلا واسطة. أفاده في الفتح (و) أبو بكر بن محمد بن عمرو (بن حزم) وروايته مرسلة، لأنه تابعي.
ومقول «قال» قوله: (قال رسول الله - ﷺ -: فرض الله ﷿ على أمتي خمسين صلاة) وفي الرواية السابقة؛ «فرض الله عليَّ خمسين صلاة»، فيحتمل أن يقال: في كل من الروايتين اختصار، أو يقال: ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة وبالعكس، إلا ما يستثنى من خصائصه. قاله في الفتح جـ ١ ص ٥٥١.
قال الجامع: الاحتمال الأول هو الأولى، لأن الرواية الآتية تبين ذلك «وكم فرض الله عليك وعلى أمتك …» الحديث.
(فرجعت بذلك) أي بما فرض علي (حتى أمُرَّ) بنصب أمُرَّ، لأنه مستقبل، كما قال ابن مالك:
وَبَعْدَ حَتَّى حَالًا أوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ المُسْتَقْبَلَا
(بموسى علية السلام) متعلق بـ«أمُرَّ» (فقال) موسى (ما) استفهامية (فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين
صلاة) في كل يوم وليلة (قال لي موسى: فراجع ربك ﷿، فإِن أمتك لا تطيق ذلك) الفاء للتعليل، والجملة تعليلية للمراجعة، (فراجعت ربي ﷿) في التخفيف (فوضع) أي أسقط (شطرها) وفي الرواية السابقة «فجعلها أربعين» أي حط عشرة، وفي رواية ثابت عن أنس «فحط عني خمسًا» قال ابن المُنَيِّر: ذِكْرُ الشطر أعم من كونه وقع في دفعة واحدة.
وقال الحافظ: وكذا العشر، فكأنه وضع العشرَ في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، أو المراد الشطر في هذا الحديث البعض، وقد حَقَّقَت روايةُ ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدة يتعين حمل باقي الروايات عليها. اهـ فتح الباري جـ ١ ص ٥٥١.
(فرجعت إِلى موسى، فأخبرته) بما وضع (فقال) موسى (راجع ربك، فإِن أمتك لا تطيق ذلك) قال: (فراجعت ربي ﷿ فقال): أي بعد المراجعة التاسعة؛ لأن الراجح أن الحط كان في كل مرة خمسًا، فتكون عدة المراجعات تسعًا. والله أعلم.
(هي خمس) عددًا باعتبار الفعل (وهي خمسون) اعتدادًا باعتبار الثواب. واستدل به على عدم فرضية ما زاد على الصلوات الخمس، كالوتر، وعلى دخول النسخ في الإنشاءات، ولو كانت مؤكدة، خلافًا لقوم فيما أكد، وعلى جواز النسخ قبل الفعل.
قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه ﷿ نسخ الخمسين بالخمس
قبل أن تُصَلَّى، ثم تفضل عليهم بأن أكمل لهم الثواب. وتعقبه ابن المُنَيِّر فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشُّرَّاحِ، وهوُ مُشْكِلٌ على من أثْبَتَ النَّسخَ قبل الفعل كالأشاعرة، أو مَنَعَه كالمعتزلة؛ لكونهم اتفقوا جميعًا على أن النَّسْخَ لا يتصور قبل البلاغ، وحديثُ الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ، فهو مشكل عليهم جميعًا. قال: وهذه نكتةٌ مُبْتَكَرَة.
قال الحافظ: إن أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ إلى الأمة فَمُسَلَّم، لكن قد يُقَالُ: ليس هو بالنسبة إليهم نَسْخًا، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي - ﷺ -، لأنه كُلِّفَ بذلك قطعًا ثم نُسِخَ بعد أن بُلِّغَهُ، وقبل أن يفعل، فالمسألة صحيحة التصوير في حقه - ﷺ -. والله أعلم اهـ «فتح» جـ ١ ص ٥٥٢.
(لا يبدل القولُ لَدَيَّ) أي القول بكونها خمسًا، لا مطلقُ القول، فلا يكون هذا دليلًا لمن أنكر النسخ، على أنه قد يُرَدُّ عليهم بأنَّ النسخَ بيانُ انتهاءِ الحكم، فلا يلزم منه تبديل القول.
(فرجعت إِلى موسى) ﵇ (فقال) بعد أن أخبره بأنه جعلها خمسًا (راجع ربك) في التخفيف أيضًا (فقلت: قد استحييت من ربى ﷿) من مراجعته بعد قوله: «لا يُبَدَّلُ القولُ لَدَيَّ».
وقال السندي ﵀: هذه الرواية تدل على أنه منعه الحياء عن