١٠ - بَابُ ثَوَابِ مَنْ أقَام الصَّلاةَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ثواب الشخص الذي أقام الصلاة.
وإقامة الشيء: إدامة فعله، والمحافظة عليه، وتَوْفيَةُ حقه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] أي توفون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦].
ولم يأمر الله تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مدح حيثما مدحَ، إلا بلفظ الإقامة، تنبيهًا أن المقصود منها توفية شرائطها، لا الإتيان بهيئتها، نحو ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ في غير موضع ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]. قاله الراغب الأصفهاني في «مفردات القرآن»
ص ٦٩٢، ٦٩٣. والله تعالى أعلم.
٤٦٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي صَفْوَانَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي
الْجَنَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَعْبُدُ اللهَ، وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ. ذَرْهَا» كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي) البصري، ثقة، من [١١].
وفي «تت»: محمد بن عثمان بن أبي صفوان بن مروان بن عثمان ابن أبي العاص الثقفي، أبو عبد الله، وقيل: أبو صفوان البصري، وقيل في نسبه غير ذلك.
قال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ٢٥٠، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ٢٥٢. أخرج له الترمذي، والنسائي. اهـ.
٢ - (بهز بن أسد) العمي، أبو الأسود البصري، ثقة ثبت، توفي بعد سنة ٢٠٠، من [٩]، وتقدم في ٢٤/ ٢٨.
٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي، ثم البصري، ثقة حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (محمد بن عثمان بن عبد الله) بن موهب التيمي مولاهم،
ثقة، من [٦]، ويقال: الصواب: عمرو، وقيل: هو أخوه.
وفي «تت»: مولى آل طلحة، روى عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب أن رجلًا، قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة … الحديث، رواه شعبة عنه، وعن أبيه عثمان جميعًا عن موسى، قال البخاري: أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، وإنما هو عمرو بن عثمان، وهكذا رواه القطان، وابن نمير، وغير واحد عن عمرو بن عثمان، عن موسى، وذكر أبو يحيى أن محمدًا هذا أخ لعمرو. فالله أعلم. أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي. اهـ. «تت».
وفي «الفتح» بعد ذكر ما تقدم عن البخاري: ما نصه: وجزم في التاريخ بذلك، وكذا قال مسلم في شيوخ شعبة، والدارقطني في العلل، وآخرون: المحفوظ: عمرو بن عثمان، وقال النووي: اتفقوا على أنه وَهَمٌ من شعبة، وأن الصواب: عمرو. والله أعلم. اهـ. «فتح» جـ ٣ ص٣١١، ٣١٢.
٥ - (عثمان بن عبد الله) بن مِوْهَب بفتح الهاء -التيمي مولاهم المدني الأعرج، وقد ينسب إلى جده، ثقة، من [٤].
وفي «تت»: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو الأعرج، مولى آل طلحة، وَثَّقَهُ ابن معين، وأبو داود، والنسائي، ويعقوب بن شيبة، والعجلي، وابن حبان، وقال: مات سنة ١٦٠ وفيها أرخه ابن سعد،
وخليفة بن خيَّاط، وابن قانع. روى له الجماعة إلا أبا داود. اهـ.
٦ - (موسى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي، أبو عيسى، أو أبو محمد، المدني نزيل الكوفة، ثقة جليل، ويقال: ولد في عهد النبي - ﷺ -، وأمُّهُ خَوْلَة بنت القَعْقَاعِ بن مَعْبَدِ بنِ زُرَارَةَ. من [٢].
وفي «تت»: قال ابن سعد: قال الواقدي: رأيت مَنْ قبَلنَا وأهلَ بيته يكنونه أبا عيسى، وكان كثير الحديث. وقال الزبير بن بَكَّار: كان من وجوه آل طلحة، وقال المرُّوذِيّ عن أحمد: ليس به بأس، وقال العجلي: تابعي ثقة، وكان خيارًا، وقال مرة: كوفي ثقة رجل صالح.
وقال أبو حاتم: يقال: إنه أفضل ولد طلحة بعد محمد، كان يسمى في زمانه المهدي. وقال ابن خراش: كان من أجلاء المسلمين، ويقال: إنه شهد الجمل مع أبيه، وأطلقه عليّ بعد أن أسِرَ، ويقال: إنه فَرَّ من الكوفة إلى البصرة لمَّا ظَهَرَ المختار بن أبي عبيد، وعن عبد الملك بن عمير، قال: كان فصحاء الناس أربعة، فذكره فيهم.
وروى العقدي عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى قال: صحبت عثمان اثنتي عشرة سنة. وقال الهيثم، وابن سعد، وغير واحد: مات سنة ١٠٣، وقال أبو عبيد: مات سنة ثلاث، أو أربع. وقال أبو نعيم، وأحمد: مات سنة ١٠٤ ويقال: سنة ١٠٦. قال ابن
عساكر: يقال: إنه ولد في عهد رسول الله - ﷺ -، وهو سماه. اهـ «تت»
جـ ١٠ ص ٣٥٠ - ٣٥١. روى له الجماعة.
٧ - (أبي أيوب) الأنصاري خالد بن زيد بن كُلَيب الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٢٠/ ٢٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات.
ومنها: أن شعبة وبهزًا، وموسى، وأبا أيوب ممن اتفق الستة بالتخريج لهم، وأن شيخه ممن انفرد به هو وأبو داود، ومحمد بن عثمان من رجال البخاري ومسلم والنسائي، وأبوه عثمان من رجال البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ومنها: أن شيخه، ومحمد بن عثمان، وأباه عثمان، وموسى بن طلحة، هذا الباب أول محل ذكرهم من هذا الكتاب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي أيوب) خالد بن زيد الأنصاري من كبار الصحابة ﵁، مات غازيًا بالروم سنة ٥٠، وقيل: بعدها (أن رجلًا) هذا الرجل حَكَى ابنُ قتيبة في غريب الحديث له أنه أبو أيوب الراوي، وغَلَّطه في ذلك بعضهم، فقال: إنما هو راوي الحديث.
قال الحافظ ﵀: وفي التغليط نظر، إذ لا مانع أن يُبِهمَ الراوي نفسه لغرض له، ولا يقال: يَبْعُدُ، لوصفه في رواية أبي هريرة التي بعد هذه بكونه أعرابيًا، لأنا نقول: لا مانع من تعدد القصة، فيكون
السائل في حديث أبي أيوب هو نفسه، لقوله: أن رجلًا، والسائل في حديث أبي هريرة أعرابي آخر، قد سُمِّيَ فيما رواه البغوي، وابن السكن، والطبراني في «الكبير»، وأبو مسلم الكجي في «السنن» من طريق محمد بن جُحَادَة وغيره، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري أن أباه حدثه، قال:
انطلقت إلى الكوفة، فدخلت المسجد، فاذا رجل من قيس يقال له: ابن المنتفق، وهو يقول: وُصِفَ لي رسولُ الله - ﷺ - ـ، فطلبته، فلقيته بعرفات، فزاحمت عليه، فقيل لي: إليك عنه، فقال: «دعوا الرجل، أرَبٌ مَّا لهُ»، قال: فزاحمت عليه حتى خَلَصْتُ إليه، فأخذت بخطام راحلته، فما غَيَّرَ عَلَيَّ.
قال: شيئين أسألك عنهما: ما ينجيني من النار، وما يدخلني الجنة؟ قال: فنظر إلى السماء، ثم أقبل عليّ بوجهه الكريم، فقال: «لئن كنت أوجزتَ المسألةَ، لقد أعظمت وطَوَّلت فاعقل عليّ، اعبد الله، لا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأدِّ الزكاةَ المفروضة، وصُمْ رَمَضَانَ».
وأخرجه البخاري في «التاريخ» من طريق يونس بن أبي إسحاق عن المغيرة بن عبد الله اليشكري، عن أبيه، قال: غَدَوْتُ، فإذا رجل يحدثهم، قال: وقال جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن المغيرة بن عبد الله، قال: سأل أعرابي النبي - ﷺ -، ثم ذكر الاختلاف فيه
عن الأعمش، وأن بعضهم قال فيه: عن المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، والصواب: المغيرة بن عبد الله اليشكري، وزعم الصيرفي أن اسم ابن المنتفق هذا لقيط بن صَبِرَة وافد بني المُنْتَفِق. فالله أعلم.
وقد يؤخذ من هذه الرواية أن السائل في حديث أبي هريرة هو السائل في حديث أبي أيوب، لأن سياقه شبيه بالقصة التي ذكرها أبو هريرة، لكن قوله في هذه الرواية: «أرَبٌ ما له»، في رواية أبي أيوب دون أبي هريرة، وكذا حديث أبي أيوب وقع عند مسلم من رواية عبد الله بن نمير، عن عمرو بن عثمان بلفظ «أن أعرابيًا عَرَضَ لرسول الله - ﷺ -، وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته، ثم قال: يا رسول الله أخبرني …» فذكره، وهذا شبيه بقصة سؤال ابن المنتفق. وأيضًا فأبو أيوب لا يقول عن نفسه: «أن أعرابيًا». والله أعلم
وقد وقع نحو هذا السؤال لصخر بن القعقاع الباهلي، في حديث الطبراني أيضًا من طريق قَزَعَة بن سُوَيد الباهلي: حدثني أبي، حدثني خالي، واسمه صخر بن القعقاع، قال: لقيت النبي - ﷺ - بين عرفة ومزدلفة، فأخذتُ بخطام ناقته، فقلت: يا رسول الله ما يقربني من الجنة، ويباعدني من النار … فذكر الحديث، وإسناده حسن. اهـ.
«فتح» جـ ٣ ص ٣١٠، ٣١١.
(قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة) برفع «يدخلني»، والجملة في محل جر صفة لعمل، ويجوز جزمه بتقدير «إن عملته»، أو على أنه جواب الأمر.
وفي عمدة القاري: الجزم فيه على جواب الأمر غير مستقيم، لأنه إذا جُعِلَ جوابَ الأمر يبقى قوله «بعمل» غير موصوف، والنكرة غير الموصوفة لا تفيد، كذا قاله صاحب المظهر شارح المصابيح.
قال العيني ﵀: التنكير في «بعمل» للتفخيم، أو التنويع، أي بعمل عظيم، أو معتبر في الشرع، أو نقول إذا صح الجزم فيه: إن جزاء الشرط محذوف، تقديره: أخبرني بعمل إن عملتُهُ يدخلني الجنة، فالجملة الشرطية بأسرها صفة لعمل، فافهم. اهـ. «عمدة» جـ ٨ ص ٢٣٩.
ويدخلني من الإدخال، أي يدخلني الله به، أو يدخلني ذلك العمل عل الإسناد المجازي. قاله السندي. زاد في رواية البخاري في «كتاب الأدب» فقال القوم: ما له، ما له؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أرب ما له»، وهو بفتح الهمزة والراء منونًا، أي حاجة، و«ما» زائدة للتأكيد، كأنه قال: له حاجة مَّا.
وقال ابن الجوزي: المعنى له حاجة مهمة مفيدة جاءت به، لأنه عَلِمَ بالسؤال أنَّ له حاجةً، ورُوِيَ «أرِبَ» بلفظ الماضي، يقال: أرِبَ الرجَلُ في الأمر إذا بلغ فيه جُهْدَه، قالهَ النضر بن شميل، وعن الأصمعي: أرِبَ في الشيء صار ماهرًا فيه، فهو أرِيب، وكأنه تَعَجَّبَ من حُسْن
فطنته، والاهتداء إلى موضع حاجته، ويؤيده قوله في رواية مسلم: فقال النبي - ﷺ -: «لقد وُفِّقَ، أو هُدِيَ». اهـ. فتح بتصرف جـ ٣ ص ٣١١.
(تعبد الله) أي توحده، فهو بتقدير حرف مصدري، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وقول الشاعر (من الطويل):
ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى … وأنْ أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
أو الفعل مُنَزَّل مَنزِلَةَ المصدر، كقولهم: تَسْمَعُ بالمُعَيْديّ خَيْرٌ مِنْ أنْ تَرَاهُ. أو خبر بمعنى الأمر، أي: اعبد الله.
والعبادة يحتمل أن تكون بمعنى التوحيد، فيكون قوله (ولا تشرك به شيئا) تفسيرًا وتأكيدًا له، ويحتمل أن تكون بمعني الطاعة مطلقًا، فتكون الجملة بعده لبيان الإخلاص وترك الرياء، وعلى هذا فعطف قوله «وتقيم الصلاة …» إلخ تخصيص بعد تعميم.
وقال البدر العيني ﵀: قوله «تعبد الله» أي توحده، وفسره بقوله: «ولا تشرك به شيئًا»، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] أي ليوحدوني.
والتحقيق هنا أن العبادة: الطاعة مع خضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار بوحدانيته، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها، لإدخالها في الإسلام، وإنها لم تكن دخلت في العبادة، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقًا، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها، فعلى هذا يكون عطف الصلاة
وغيرها من باب عطف الخاص على العام تنبيهًا على شرفه وَمَزِيَّتِهِ.
وإنما ذكر قوله: «ولا تشرك به شيئًا»، بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدون الله سبحانه في الصورة، ويعبدون معه أوثانًا، يزعمون أنها شركاء، فَنَفَى هذا. اهـ. عمدة جـ ٨ ص ٢٤٠.
(وتقيم الصلاة) أي تديم فعْلَهَا وتحافظ عليها على الوجه المطلوب، وتَقَدَّمَ أوّلَ الباب ما قاله الراغب الأصفهاني في معنى إقامة الصلاة. والمراد الصلاة المكتوبة، لما في رواية البخاري، «وتقيم الصلاة المكتوبة» (وتؤتي الزكاة) أي تعطي الزكاة مستحقَّها، فالمفعول الثاني محذوف، والمراد به الزكاة المفروضة، لما في رواية البخاري «وتُؤَدِّي الزكاة المفروضة» (وتصل الرحم) من وَصَلَ يَصِلُ صِلَةً، من باب وَعَدَ. ومعنى صلةِ الرَّحِمِ: مشاركةُ ذوي القربى في الخيرات، قاله العيني.
وَقال الحافظ: قوله: «وتصل الرحم» أي تُوَاسِي ذوي القرابة في الخيرات، وقال النووي: معناه أن تحُسنَ إلى أقاربكَ ذوي رحمك بما تيسر على حسب حالك وحالهم من إنفاق، أو سلام، أو طاعة، أو غير ذلك.
وخَصَّ هذه الخصلة من بين خلال الخير نظرًا إلى حال السائل؛ كأنه كان لا يصل رَحمَهُ، فأمره به، لأنه المهم بالنسبة إليه، ويؤخذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحض عليها بحسب حال المخاطب، وافتقاره للتنبيه عليها أكثَر مما سواها، إما لمشقتها عليه، وإما لتساهله في أمرها.
اهـ. «فتح» جـ ٣ ص ٣١١.
وقال القرطبي: إنما لم يخبرهم بالتطوع لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم للتخفيف، لئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم لها، فتسهل عليهم. اهـ «عمدة» جـ ٨ ص ٢٤٠.
(ذرها) أي اترك الناقة تمشي وهو أمر من وَذرْتُهُ أذَرهُ: إذا تَرَكْتَهُ، قالوا: وأمَاتَت العرب ماضيَه ومصدره، فإذا أريدًا لماضي قيل: تَرَكَ، وربما استُعمِلَ الماضي على قِلَّةٍ، ولا يستعمل منه اسم الفاعل، قاله في «المصباح».
وفي «ق»: ذَرْهُ: أي دَعْهُ، يَذَرُ تَرْكًا، ولا تقل: وَذْرًا، وأصله: وذرَهُ يَذَرُهُ، كَوَسعُهُ يَسَعُهُ، لكن ما نطقوا بماضيه، ولا بمصدره، ولا باسَم الفاعل، أوَ قيل: وذِرْتُهُ شَاذَّا. اهـ.
والمعنى أنه - ﷺ - أمر الرجل أن يترك ناقته، لأنه كان حَبَسَهَا لأجل
السؤال (كأنه) - ﷺ - (كان) راكبًا (على راحلته)، وهذا الكلام من
بعض الرواة؛ موسى، أو من دونه، يريد أن قوله. «ذَرْهَا»، يدل على كونه راكبًا على الراحلة، لكونه منعها عن المسير لأجل أن يسأل عن الأمر الذي يُدْخِلُهُ الجنة.
و«كأن» هنا للتشبيه، كما هو معناها عند الجمهور، أو للظن، كما رأى بعض النحاة، أي أظنه راكبًا على راحلته، ويحتمل أنها للتحقيق
على رأي الكوفيين، على حد قول الشاعر (من الوافر):
فَأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا … كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَامُ
أي لأن الأرض ليس بها هشام. انظر التفاصيل في «مغني اللبيب» لابن هشام جـ ١ ص١٦١، ١٦٢.
وعلى هذا الاحتمال الأخير فالظاهر أن قائل «كأنه كان على راحلته» هو أبو أيوب ﵁، أي إنما قال له «ذَرْهَا» لأنه كان راكبًا على راحلته، فمنعها من سيرها، فكأنه يقول له: قد قضيتَ حاجتك، فاترك الناقة تُوَاصِلُ سَيْرَهَا. والله أعلم.
وقال العيني: قوله: «ذرها» أي اترك الر احلة ودَعْهَا، كأن الرجل كان على الراحلة حين سأل المسألة. وفَهِمَ رسولُ الله - ﷺ - استعجالَهُ، فَلمَّا حَصَّلَ مقصودَهُ من الجواب قال له: دَعِ الراحلةَ تمَشِي إلى منزلك، إذ لم يَبْقَ لك حاجة فيما قصدته، أو كان - ﷺ - راكبًا وهو كان آخذًا بزمام راحلته، فقال بعد الجواب: دع زِمَامَ الراحلة. اهـ. «عمدة» جـ ١٨ ص ١٢٧.
قال الجامع: الاحتمال الأول مما ذكر العيني بعيد، بل الاحتمال الثاني هو الأولى، كما سبق تقريره، ومما يبين ذلك ما تقدم في بعض طرق الحديث أن السائل أخَذَ بخطامِ ناقته - ﷺ -. فتبصر. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، ونعم الوكيل.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه المصنف هنا في «المجتبى» (٤٦٨)، وفي «الكبرى» في «الصلاة» أيضًا (٣٢٨)، وفي «الكبرى» في «العلم» (٥٨٨٠) بالسند المذكور هنا. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم، فأخرجه البخاري في «الزكاة»، عن حفص ابن عمر، عن شعبة، عن محمد بن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب، عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب ﵁. وقال: أخشى أن يكون غير محفوظ، إنما هو عمرو.
وفي «الأدب»، عن أبي الوليد، عن شعبة، عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب، ولم يُسَمَّ-، عن موسى … وعن عبد الرحمن بن بِشْر، عن بَهْزِ بنِ أسَد، عن شعبة عن ابن عثمان بن عبد الله -وأبيه عثمان- كلاهما عن موسى.
وأخرجه مسلم في «الإيمان» عن محمد بن عبد الله بن نمُير، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن موسى … وعن محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر - كلاهما عن بهز، عن شعبة، عن محمد بن عثمان، وأبيه عثمان، عن موسى … وعن يحيى بن يحيى، وأبي بكر ابن أبي شيبة - كلاهما عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن موسى. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو بيان ثواب من أقام الصلاة، حيث إن أداءها على الوجه المطلوب من موجبات الجنة.
ومنها: ما كان عليه الصحابة من شدة رغبتهم إلى الجنة، وبحثهم عما يكون سببًا في دخولها، وهذا هو الواجب على العاقل، فلا ينبغي أن يشغل نفسه بغير ذلك، فإن دخولها هو الفوز العظيم ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
ومنها: بيان قدر التوحيد، وأنه أساس الأعمال كلها.
ومنها: بيان فرضية الصلاة والزكاة، وبيان فضلهما.
ومنها: بيان فضل صلة الرحم، وأنها من أسباب دخول الجنة، وأن قطعها من الكبائر المانعة عن دخولها؛ فقد أخرج الشيخان من حديث جبير بن مطعم ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يدخل الجنة قاطع»، يعني قاطع رحم.
ومنها: جواز الإفتاء، وهو على الدابة، وقد عقد البخاري في صحيحه في كتاب العلم، فقال: «باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها»؛ فأخرج حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله - ﷺ - وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه … الحديث. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.