HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٤٧٣

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ عَبِيدَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص159
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٢٣٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٦ ص٢٧٧
والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع، عن أبي يونس مولى عائشة ﵂. الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي؛ فأخرجه مسلم في «الصلاة» عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي، والترمذي في «التفسير» عن قتيبة، وعن إسحاق بن موسى، عن مَعْنِ بن عيسى- كلهم عن مالك به. والله تعالى أعلم. الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو وجوب المحافظة على صلاة العصر، والظاهر أن المصنف يرى أن الوسطى هي العصر، وأن العطف فيه للتفسير، ومنها: كون الصحابة يعتنون بكتابة المصحف، ومنها: أن من عرف شيئًا خفي على غيره ينبغي له التنبيه عليه، ومنها: أنه استَدَلَّ به من قال إن الوسطى غير العصر، وسيأتي تحقيق ذلك في الحديث التالي إن شاء الله تعالى، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ». رجال الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني ثم البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٦، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام العَتَكِي الواسطي البصري، الإمام الحجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (قتادة) بن دِعَامَةَ السَّدُوسي البصري أبو الخطاب، ثقة ثبت، من [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أبو حسان) الأعرج الأجْرَدُ البصري، مشهور بكنيته، واسمه مسلم بن عبد الله، صدوق رمي برأي الخوارج، قتل سنة ١٣٠، من [٤]. قال الأثرم عن أحمد: مستقيم الحديث، أو متقارب الحديث، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن المديني: من رَوَى عن أبي حسان غير قتادة؟ قال: لا أعلم. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الآجري عن أبي داود: سمي الأجرد لأنه كان يمشي على عَقِبِه خَرَجَ مع الخوارج. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، ويقال: إنه كان يرى رأي الخوارج. وقال ابن عبد البر: الأجردُ الذي يمشي على ظهر قدميه وقدماه مُلْتَوِيَتَان، وهو عندهم ثقة في حديثه، إلا أنه رُوِي عن قتادة، قال: سمعت أَبا حسان الأعرج، وكان حَرُوريًا، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. قُتِلَ يوم الحَرَّة سنة ١٣٠ روى له البخاري تعليقًا، والباقون. اهـ. جـ ١٢ ص ٧٢. ٦ - (عَبِيدَة) -بفتح العين وكسر الباء- ابن عمرو السّلماني المُرَادي، أبو عمرو الكوفي، تابعي مخضرم، ثقة ثبت، توفي سنة ٧٢ أو بعدها، والصحيح أنه مات قبل سنة ٧٠، من [٢]. أسلم قبل وفاة النبي - ﷺ - بسنتين، ولم يَلْقَه. قال الشعبي: كان شُرَيح أعلم بالقضاء. وكان عَبيدَةَ يوازيه، وقال أشْعَثُ عن ابن سيرين: أدركتُ الكوفة، وبها أربعةَ يُعَدُّ في الفقه، فمن بدأ بالحارث ثَنَّى بعَبِيدَةَ، أو العكس، ثم علقمة الثالث، وشريح الرابع، ثم يقول: وإن أربعة أحسنهم شريح لخيار. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، جاهلي أسلم قبل وفاة النبي - ﷺ - بسنتين، ولم يَرَهُ، وكان من أصحاب علي، وعبد الله، وكان ابن سيرين من أرْوَى الناس عنه، قال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه الأمر كَتَبَ إلى عَبِيدَةَ، ويروى عن ابن سيرين: ما رأيت رجلا أشدَّ تَوَقِّيًا منه، وكل شيء روى عن إبراهيم عن عَبِيدَة سوى رأيه فإنه عن عبد الله إلا حديثًا واحدًا. وقال محمد بن سعد: قال محمد بن عُمَر: هاجر عَبِيدَة زَمَنَ عمر. وقال ابن معين: كان عيسى بن يونس يقول: السَّلَمَاني مفتوحة، وعدَّه علي بن المديني في الفقهاء من أصحاب ابن مسعود. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: علقمة أحب إليك، أو عبيدة؟ فلم يُخَيِّرْ. قال عثمان: هما ثقتان. وقال ابن المديني، والفَلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين، عن عَبِيدَة، عن علي. وقال العجلي: كل شيء رَوَى محمد عن عَبِيدَة سوى رأيه فهو عن علي، وكل شيء روى عن إبراهيم فذكر مثل ما تقدم. مات سنة ٢، وقيل: (٧٣)، وقيل: (٧٤)، قال الحافظ: وصحح هذا ابن حبان في «الثقات»، وقال البخاري في «تاريخه»: حدثنا ابن بشار، ثنا ابن مهدي، ثنا شعبة، عن ابن حصين، قال أوصى عبيدة أن يصلي عليه الأسود خَشِيَ أن يصلي عليه المختار، فبادَرَ، فصلَّى عليه. وهذا إسناد صحيح، رواه ابن سعد أيضًا عن أبي داود، عن شعبة، ومقتضاه أن عبيدة مات قبل سنة (٦٠) بمدة، لأن المختار قتل سنة (٦٧) بلا خلاف. اهـ. روى له الجماعة. تت جـ ٧ ص ٨٤، ٨٥. ٧ - (علي) بن أبي طالب أبو الحسن الخليفة الراشد ﵁، تقدم في ٧٤/ ٩١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، إلا أبا حسان فصدوق. ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة بالإخراج لهم، إلا أبا حسان، فعلق له البخاري وأخرج له الباقون. ومنها: أنهم بصريون، إلا عليًا وعَبِيدَة، فكوفيان. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ قتادة، وأبو حسان، وعبيدة. ومنها: أن أبا حسان وعبيدة، هذا البابُ أوّلُ محل ذكرهم من الكتاب. ومنها: أن عليًا أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ أجمعين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن علي) بن أبي طالب ﵁ (عن النبي - ﷺ -) أنه (قال) يوم الخندق وهو يومُ الأحزاب، وكان في شوال سنة أربع من الهجرة، كما قال موسى بن عُقْبَةَ، واختاره البخاري، وقيل: سنة خمس، وعليه كثيرون. سُمِّيَت الغزوةُ بالخندق لأجل الخندق الذي حُفِرَ بأمره - ﷺ - حولَ المدينة لَمَّا أشار به سلمانُ الفارسيُّ ﵁، فإنه من مكائد الفُرْس دون العرب، وعمِلَ فيه النبيُّ - ﷺ - بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فإنهم قَاسَوا في حَفْرِهِ شدائدَ، منها شدةُ الجوع والبرد، وكثرةُ الحفر، والتعب، وأقاموا في عمل الحفر عشرين ليلة، أو خمسة عشر يومًا، أو أربعًا وعشرين، أو أشهرًا، على أقوال. وسميت بالأحزاب لاجتماع طَوَائِفَ من المشركين، قريشٍ، وغطفانَ، وبني أسد، وبني سليم، وبني سعد، واليهود على حرب المسلمين، وهم كانوا ثلاثة آلاف، والمشركون عشرة آلاف، وقيل: أربعة وعشرين ألفًا. اهـ. «مرعاة» جـ ٢ ص ٣٣٩. (شَغَلُونا) أي منعونا، يقال: شَغَلَه الأمر شَغلًا، من باب نَفَع، فالأمر شَاغِل، وهو مَشْغُول، والاسم الشُّغُل -بضم الشين، وتضم الغين، وتسكن للتخفيف - وشُغِلْتُ به بالبناء للمفعول: تَلَهَّيت به. كذا في المصباح، وأشغله بالألف لغة رديئة. كما قاله ابن منظور. وفي «ق» الشُّغْلُ -بالضم، وبضمتين، وبالفتح، وبفتحتين-: ضِدُّ الفراغ، جمعه أشْغَال، وشُغُول. اهـ. (عن الصلاة الوسطى) بتعريف «الصلاة»، و«الوُسطى» صفة، وفي نسخة «عن صلاة الوسطى» بالتنكير وإضافتها إلى الوسطى، قال النووي في شرح مسلم: وهو من باب قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وفيه المذهبان المعروفان؛ مذهب الكوفيين جواز إضافة الموصوف إلى صفته، ومذهب البصريين منعه، ويقدرون فيه محذوفًا، وتقديره هنا، عن صلاة الصلاة الوسطى، أي عن فعِل الصلاة الوسطى. اهـ. جـ ٤ ص ١٢٩. وقد تقدم البحث في معنى الوسطى في الحديث الماضي. فارجع إليه تستفد. (حتى غربت الشمس) غايةٌ لشغلهم عن الصلاة، يعني أنهم شغلوهم عن صلاة العصر إلى غروب الشمس، فما صَلَّوْهَا إلا بعده. وللبخاري عن طريق ابن سيرين، عن عَبيدَة، عن علي: «حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأَ الله قبورهم وبيوتهم -أو أجوافهم- نارًا»، زاد مسلم عن طريق شُتَير بن شَكَل، عن علي: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر»، وزاد في آخره «ثم صلاها بين المغرب والعشاء» وله عن ابن مسعود نحوُ حديث علي، وللترمذي والنسائي من طريق زِرّ بن حُبَيش عن علي مثله. ولمسلم أيضًا من طريق أبي حَسَّان الأعرج عن عَبيدَة، عن علي، فذكر الحديث بلفظ «كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس» يعني العصر. وَرَوَى أحمدُ والترمذي من حديث سَمُرَةَ رَفَعَهُ قال: «صلاةُ الوُسْطَى صلاةُ العصر». ورَوَى ابنُ جرير من حديث أبي هريرة رَفَعَهُ: «الصلاة الوسطى صلاة العصر»، ومن طريق كُهَيل بن حرملة سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى؟ فقال: اختلفنا فيها، ونحن بفناء بيت رسول الله - ﷺ -، وفينا أبو هاشم بن عتبة، فقال: أنا أعْلَمُ لكم، فقام، فاستأذن على رسول الله - ﷺ -، ثم خرج إلينا، فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر، ومن طريق عبد العزيز بن مروان أنه أرسل إلى رجل فقال: أيّ شيء سمعتَ من رسول الله - ﷺ - في الصلاة الوسطى؟ فقال: أرسلني أبو بكر، وعمر أسأله، وأنا غلام صغير؟ فقال: «هي العصر». ومن حديث أبي مالك الأشعري رَفَعَهُ: «الصلاة الوسطى صلاة العصر». وروى الترمذي، وابن حِبَّان من حديث ابن مسعود مثله. ورَوَى ابنُ جرير من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان في مصحف عائشة: «حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر». ورَوَى ابنُ المنذر من طريق مِقْسمٍ عن ابن عباس، قال: «شَغَلَ الأحزابُ النبيَّ - ﷺ - يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى». وأخرج أحمد من حديث أم سلمة، وأبي أيوب، وأبي سعيد، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃ من قولهم إنها صلاة العصر. وسيأتي تمام البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث علي -﵁- هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا برقم (٤٧٣) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي حسَّان الأعرج، عن عَبِيدَة السَّلِماني عن علي ﵁. وفي «الكبرى» في «التفسير» برقم (١١٠٤٥) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن مسلم بن صُبَيح، عن شُتَير بن شَكَل، عن علي ﵁. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، فأخرجه البخاري في «الجهاد» عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس -وفي «المغازي» عن إسحاق، عن رَوْح بن عُبَادَةَ، وفي «الدعوات» عن محمد بن المثنى، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، وفي «التفسير» عن عبد الله بن محمد، عن يزيد بن هارون وعن عبد الرحمن بن بِشْر، عن يحيى بن سعيد- خمستهم عن هشام بن حَسَّانَ، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدَة، عنه. وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة- وعن محمد بن أبي بكر المُقَدَّمِيِّ، عن يحيى بن سعيد القَطَّان - وعن إسحاق بن إبراهيم، عن المُعْتَمِر- ثَلاثتهم عن هشام بن حَسَّانَ، به. وعن محمد بن المثنى، وبُندَار، كلاهما عن غُندَر، عن شعبة، وعن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عَرُوبَةَ - كلاهما عن قتادة، عن أبي حَسَّان الأعرج، عن عَبيدَة، عن علي ﵁. وأخرجه أبو داود في «الصلاة» عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، ويزيد بن هارون، كلاهما عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي ﵁. وأخرجه الترمذي في «التفسير» عن هَنَّاد بن السَّرِيِّ، عن عَبْدَةَ بن سُلَيمان، عن سعيد بن أبي عروبة، به. وقال: حسن صحيح. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو وجوب المحافظة على صلاة العصر. ومنها: وقوع إيذاء الكافر للمسلم في الدنيا التي هي دار أكدار. ومنها: جواز حصول الأعراض البشرية التي ليس فيها نقص لأفضل المرسلين عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم. ومنها: جواز الدعاء على الظالم بما يليق به. ومنها: أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر. ومنها: أن النبي - ﷺ - وأصحابه أخَّرُوا صلاة العصر حتى خرج وقتها، لاشتغالهم بالعدو. والله أعلم. تنبيه: حديث علي ﵁ يقتضي أن الأحزاب شَغَلُوا النبي - ﷺ - عن العصر فقط، وأخرج أحمد والنسائي من حديث أبي سعيد: «أنهم شَغَلُوه - ﷺ - عن الظهر والعصر والمغرب، وصَلَّوا بعد هويّ من الليل، وذلك قبل أن يُنَزلَ اللهُ في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وأخرج الترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود ﵁«أنهم شغلوه عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله». فإن قيل: كيف يُجمَعُ بين هذا الاختلاف؟ قلت: قد جَمَعَ النووي ﵀ بأن وَقْعَة الخَنْدَق دامت أيامًا، فكان هذا في بعض الأيام، وذلك في بعضها الآخر. وقوله في حديث ابن مسعود:«عن أربع صلوات»، فيه تجوز، لأن العشاء ما خرج وقتها، أو يُحْمَل على تأخيرها عن وقتها المعتاد، ويدل عليه قوله«حتى ذهب من الليل ما شاء الله». ثم إن هذا التأخير لهذه الصلوات كان عن عمد، لاشتغاله بالعدو فكان عذرًا، ويحتمل أن يكون نسيانًا، والأول هو الظاهر، لقوله في حديث أبي سعيد:«قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف». وأما بعد نزول صلاة الخوف فلا يجوز هذا التأخير، بل يصلون صلاة الخوف على حسب الحال، رجالا أو ركبانا . والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في معنى الصلاة الوسطى: قد اختلف السلف في المراد بالصلاة الوسطى على أقوال: الأول: أنها الصبح، وبه قال أبو أمامة، وأنس، وجابر، وأبو العالية، وعُبَيد بن عُمَير، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم، نقله عنهم ابن أبي حاتم، وهو أحد قولي ابن عمر، وابن عباس، ونقله مالك والترمذي عنهما، ونقله مالك بلاغًا عن علي، والمعروف عنه خلافه. ورَوَى ابنُ جرير من طريق عوف الأعرابي، عن أَبي رَجَاء العُطَارديّ، قال: «صليت خلف ابن عباس الصبح، فقَنَتَ فيها، ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمِرْنَا أن نقوم فيها قانتين» وأخرجه أيضًا من وجه آخر عنه، وعن ابن عمر، ومن طريق أبي العالية «صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة في زمن عمر صلاة الغداة، فقلت لهم: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هي هذه الصلاة». وهو قول مالك، والشافعي فيما نص عليه في الأمِّ، واحتجوا له بأن فيها القنوت، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وبأنها لا تقصر في السفر، وبأنها بين صلاتي جهر، وصلاتي سر. وأجيب بأن ما استدلوا به لا يصلح لمعارضة ما ثبت من الأحاديث الصحيحة الصريحة بأنها العصر؛ ولذا قال النووي في شرح المهذب: الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار. وقال صاحب الحاوي: نصَّ الشافعي ﵀ أنها الصبح، وصحت الأحاديث أنها العصر، ومذهبه اتباع الحديث، فصار مذهبه أنها العصر، ولا يكون في المسألة قولان، كما وَهِمَ بعض أصحابنا. اهـ القول الثاني: أنها الظهر، وبه قال زيد بن ثابت، أخرجه أبو داود من حديثه، قال: «كان النبي - ﷺ - يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشد على أصحاب رسول الله - ﷺ - منها، فنزلت»حافظوا على الصلوات«الآية. وجاء عن أبي سعيد وعائشة القول بأنها الظهر، أخرجه ابن المنذر، وغيره، ورَوَى مالكٌ في«الموطأ»عن زيد بن ثابت الجزم بأنها الظهر، وبه قال أبو حنيفة في رواية، ورَوَى الطيالسي من طريق زُهْرَةَ بن مَعْبَد، قال: كنا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة، فسألوه عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي الظهر«. ورواه أحمد من وجه آخر، وزاد: «كان النبي - ﷺ - يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان، والناس في قائلتهم، وفي تجارتهم، فنزلت». القول الثالث: أنها العصر، وبه قال علي بن أبي طالب ﵁، فقد رَوَى الترمذي والمصنف من طريق زِر بن حُبَيش، قال: «قلنا لعبيدة: سل عَلِيًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله؟ فقال: كنا نُرَى أنها الصبح، حتى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يوم الأحزاب:«شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر»انتهى. قال الحافظ ﵀: وهذه الرواية تَدْفَعُ دَعْوَى من زَعَمَ أن قوله:«صلاة العصر»، مدرج من تفسير بعض الرواة، وهي نص في أن كونها العصر من كلام النبي - ﷺ -، وأن شبهة من قال: إنها الصبح قوية، لكن كونها العصر هو المعتمد. وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد، والذي صار إليه معظم الشافعية، لصحة الحديث فيه. قال الترمذي: هو قول أكثر علماء الصحابة. وقال الماوردي: هو قول جمهور التابعين. وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكية: ابن حبيب، وابن العربي، وابن عَطِيَّة، ويؤيده أيضًا ما رواه مسلم عن البراء بن عازب: «نزلت حافظوا على الصلوات، وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخت، فنزلت حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى»، فقال رجل: فهي إذن صلاة العصر، فقال: أخبرتك كيف نزلت«. القول الرابع: أنها المغرب، نقله ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس، قال:«صلاة الوسطى هي المغرب»، وبه قال قَبِيصَةُ بن ذُؤَيب، أخرجه ابن جرير، وحجتهم أنها معتدلة في عدد الركعات، وأنها لا تقصر في الأسفار، وأن العمل مَضى على المُبَادَرَةِ إليها، والتعجيل لها في أول ما تغرب الشمس، وأن قبلها صلاتا سر، وبعدها صلاتا جهر. القول الخامس: أنها جميع الصلوات، وهو آخر ما صححه ابن أبي حاتم، أخرجه أيضًا بإسناد حسن عن نافع، قال:«سُئِلَ ابنُ عمر؟ فقال: هي كلهن، فحافظوا عليهن»، وبه قال معاذ بن جبل، واحتج له بأن قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ يتناول الفرائض، والنوافل، فعطف عليه الوسطى، وأريد بها كل الفرائض تأكيدًا لها، واختار هذا القول ابن عبد البر. القول السادس: أنها الجمعة، ذكره ابن حبيب من المالكية، واحتج بما اختصت به من الاجتماع والخطبة، وصححه القاضي حسين في صلاة الخوف من تعليقه، ورجحه أبو شامة. القول السابع: أنها الظهر في الأيام، والجمعة يوم الجمعة. القول الثامن: العشاء؛ نقله ابن التين، والقرطبي، واحتج له بأنها بين صلاتين، لا تُقْصَرَانِ، ولأنها تقع عند النوم، فلذلك أمِرَ بالمحافظة عليها، واختاره الواحدي. القول التاسع: الصبح، والعشاء، للحديث الصحيح في أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، وبه قال الأبهري من المالكية. القول العاشر: الصبح والعصر، لقوة الأدلة في أن كلا منهما قيل: إنه الوسطى، فظاهر القرآن الصبح، ونص السنة العصر. القول الحادي عشر: صلاة الجماعة. القول الثاني عشر: الوتر، وصنف فيه عَلَمُ الدين السخاوي جزءًا، ورجحه القاضي تقي الدين الأخنائي، واحتج له في جزء، قال الحافظ: رأيته بخطه. القول الثالث عشر: صلاة الخوف. القول الرابع عشر: صلاة عيد الأضحى. القول الخامس عشر: صلاة عيد الفطر. القول السادس عشر: صلاة الضحى. القول السابع عشر: واحدة من الخمس غير معينة، قاله الربيع بن خُثَيْم، وسعيد بن جبير، وشريح القاضي، وهو اختيار إمام الحرمين من الشافعية، ذكره في النهاية؛ قال: كما أخفيت ليلة القدر. القول الثامن عشر: أنها الصبح، أو العصر على الترديد، وهو غير القول المتقدم الجازم بأن كلا منهما يقال له: الصلاة الوسطى. القول التاسع عشر: التوقف، فقد رَوَى ابنُ جرير بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه. القول العشرون: صلاة الليل، قال الحافظ: وجدته عندي، وذَهِلْت الآن عن معرفة قائله. وأقوى شُبْهَة لمن زعم أنها غير العصر مع صحة الحديث حديثُ البراء الذي تقدم لمسلم، فإنه يشعر بأنها أبهمت بعد ما عُيِّنَت، كذا قاله القرطبي، قال: وصار إلى أنها أبهمت جماعة من العلماء المتأخرين، قال: وهو الصحيح، لتعارض الأدلة، وعسر الترجيح. قال الحافظ: وفي دعوى أنها أبهمت، ثم عينت من حديث البراء نظر؛ بل فيه أنها عينت، ثم وصفت، ولهذا قال الرجل: فهي إذن العصرُ، ولم ينكر عليه البراء، نعم جواب البراء يشعر بالتوقف لما نظر فيه من الاحتمال، وهذا لا يدفع التصريح بها في حديث علي. ومن حجتهم أيضًا حديث عائشة المذكور في الباب، ففيه «وصلاة العصر» بالعطف، وروي مالك عن عَمْرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة، فقالت: إذا بلغتَ هذه الآية، فآذِنِّي، فَأمْلَتْ علي: «حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاةَ العصر». وأخرجه ابن جرير من وجه آخر حسن عن عمرو بن رافع. وروى ابن المنذر من طريق عبيد الله بن رافع: «أمرتني أم سلمة أن أكتب لها مصحفًا» فذكر مثل حديث عمرو بن رافع سواء، ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر أن حفصة أمرت إنسانًا أن يكتب لها مصحفًا نحوه، ومن طريق نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفًا، فذكر مثله، وزاد: «كما سمعت رسول الله - ﷺ - يقولها». قال نافع: فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو. فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة، فتكون صلاة العصر غير صلاة الوسطى. وأجيب بأن حديث علي، ومن وافقه أصح إسنادًا، وأصرح، وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها «وهي العصر»، فيحتمل أن تكون الواو زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيدة بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر» بغير واو، أو هي عاطفة، لكن عطف صفة، لا عطف ذات، وبأن قوله «والصلاة الوسطى والعصر لم يقرأ بها أحد، ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولا،»والعصر«، ثم نزلت ثانيا بدلها»والصلاة الوسطى« فجمع الراوي بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال، فكيف يكون مقدمًا على النص الصريح بأنها صلاة العصر. قال الحافظ صلاح الدين العلائي ﵀: حاصل أدلة من قال: إنها غير صلاة العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع: أحدهما: تنصيص بعض الصحابة، وهو معارض بمثله ممن قال منهم: إنها العصر، ويترجح قول العصر بالنص الصريح المرفوع، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره، فتبقى حجة المرفوع قائمة. ثانيها: معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحث على المواظبة على الصبح والعشاء، وهو معارض بما هو أقوى منه، وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر. ثالثها: ما جاء عن عائشة، وحفصة من قراءة «حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر» فإن العطف يقتضي المغايرة، وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد، وهو ممتنع، وكونه ينزل منزلة خبر الواحد مختلف فيه، سلمنا، لكن لا يصلح معارضا للمنصوص صريحًا، وأيضا فليس العطف صريحا في اقتضاء المغايرة، لوروده في نسق الصفات، كقوله تعالى: ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] انتهى كلام العلائي ملخصًا اهـ. «فتح» جـ ٨ ص ٤٣ - ٤٥. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذُكِرَ أن أرجح الأقوال قول من قال: إنها العصر، لقوة دليله، كما تحرر من ملخص كلام الحافظ العلائي ﵀. والله أعلم. قال في الفتح: وجمع الدمياطي في ذلك جزءًا مشهورًا سماه «كشف الغطاء عن الصلاة الوسطى»، فبلغ تسعة عشر قولًا، ثم ساقها كما تقدم. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (٢)

١. السلماني: بفتح السين وسكون اللام، وقيل: بفتحها أيضًا: نسبة إلى سلمان حي من مراد، وبطن من همدان وتميم، قاله في اللب جـ ٢ ص ٢٣.

٢. انظر المنهل جـ ٣ ص ٣٢٧.