HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٥٢٢

أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَزْدِيَّ ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ قَتَادَةُ يَرْفَعُهُ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا لَا يَرْفَعُهُ، قَالَ: «وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَنْتَصِفِ اللَّيْلُ، وَوَقْتُ الصُّبْحِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص176
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ١ ص ٢٦٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٧ ص٣٤
١٥ - آخِرُ وَقْتِ الْمَعْرِبِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على آخر وقت صلاة المغرب. ٥٢٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ الأَزْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ قَتَادَةُ يَرْفَعُهُ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا لَا يَرْفَعُهُ، قَالَ: «وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَنْتَصِفِ اللَّيْلُ، وَوَقْتُ الصُّبْحِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ». رجال الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن علي) بن بَحْر بن كُنَيز -بنون وزاي- أبو حَفْص الفَلاس الصَّيْرَفي الباهلي البصري ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٩، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي البصري، ثقة حافظ، غَلِطَ في أحاديث، توفي سنة ٢٠٤، من [٩]، أخرج له البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة، تقدم في ٣٤٣. ٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بِسْطَامَ الواسطي، ثم البصري، ثقة حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (قتادة) بن دِعامَةَ بن قتادة السَّدُوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال: وُلِدَ أكْمَهَ، وهو رأس الطبقة [٤]، توفي سنة بضع عشرة ومائة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أبو أيوب الأزدي) المَرَاغي العَتَكِيّ البصري، اسمه يحيى، ويقال: حبيب بن مالك، ثقة، من [٣]. يقال: إن المراغي نسبة إلى قبيلة من الأزد، ويقال: إلى موضع بناحية عمان. رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وسَمُرَة بن جُندُب، وأبي هريرة، وابن عباس، وجُوَيرية بنت الحارث. وعنه ثابت البناني، وقتادة، وأبو عمران الجَوْني، وأسلم العجلي، وأبو الواصل عبد الحميد بن واصل، قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: توفي في ولاية الحجاج على العراق، وقال خليفة: مات بعد سنة ٨٠، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال ابن سعد في الطبقة الثانية: كان ثقة مأمونًا. أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه. ٦ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد ابن سَعْد بن سَهْم السهمي أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة لَيَالِيَ الحَرَّة على الأصح بالطائف على الراجح، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله ثقات، اتفقوا عليهم، إلا أبا أيوب الأزدي، فما أخرج له الترمذي. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: قتادة، عن أبي أيوب الأزدي. ومنها: أن أبا أيوب، هذا الباب أول محل ذكره من الكتاب. ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة المذكورين في قول صاحب الألفية: وَالْبَحْرُ وَاَبْنَا عمَرٍ وَعَمْرِو … وَابنُ الزّبَيرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي دُونَ ابنِ مَسْعُودٍ لهُمْ عبَادِلَهْ … وَغَلَّطوا من غَيْرَ هذا مَال لَهْ شرح الحديث (عن عبد الله بن عمرو) ﵄ (قال شعبة) بن الحجاج (كان قتادة) بن دعامة (يرفعه) أي يرفع هذا الحديث إلى النبي - ﷺ - (أحيانًا) جمع حين، أي في بعض الأوقات (وأحيانًا لا يرفعه) ولمسلم من طريق أبي عامر العقدي، ويحيى بن أبي بُكَير، قال شعبة: رفعه مرة، ولم يرفعه مرتين. والمعنى أن قتادة رَوَى هذا الحديث عدَّةَ مرات، ففي بعضها يرويه مرفوعًا، وفي بعضها موقوفًا، ومثل هذا لا يضر في صحة الحديث، كما سيأتي تحقيقه في المسائل إن شاء الله تعالى. (قال) النبي - ﷺ - (وقت صلاة الظهر: ما لم تحضر العصر) «ما» مصدرية ظرفية، كما في قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] أصله: مدة عدم حضور العصر، فحذف الظرف، وخلفته «ما» وصلتها، كما جاز في المصدر الصريح، نحو جئتك صلاةَ العصر، وآتيك قُدُومَ الحاج، قاله العلامة ابن هشام في مغنيه جـ ٢ ص ٦ بحاشية الأمير، فـ«وقت» متبدأ خبره «ما لم تحضر العصر»، تقديره: وقت صلاة الظهر كائن مدة عدم حضور وقت العصر. وفي رواية لمسلم «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر»، فقوله: «ما لم يحضر العصر» بيان، وتأكيد لقوله: «وكان ظل الرجل كطوله». وقوله: «إذا زالت الشمس» بيان لأول وقتها. وقوله: «وكان ظل الرجل كطوله» بيان لآخر وقتها، والمعنى أن وقت الظهر يدخل بزوال الشمس، ويستمر إلى أن يصير ظل الرجل مثل طوله. وهذا الحديث يدل على أنه لا فاصلة بين وقت الظهر والعصر، ولا اشتراك بينهما، بل متى خرج وقت الظهر دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر، وأما حديث جبريل الذي يدل على الاشتراك، فقد تقدم الجواب عنه، ويدل أيضًا على أنه لا كراهة في تأخير الظهر إلى آخر الوقت. (ووقت العصر ما لم تصفرِّ الشمسُ) مبتدأ وخبر، و«تصفرّ»- بكسر الراء، ويجوز فتحها بفتح الراء، ويجوز كسرها، يعني أنه يدخل وقت العصر بما تقدم، ويستمر من غير كراهة مدة عدم اصفرار الشمس، فإذا اصفرت صار وقتَ كراهة، وتكون أيضًا أداءً حتى تغرب الشمس، للحديث السابق «ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر». وفي هذا الحديث رَدّ على أبي سعيد الإصطخري رحمه الله تعالى في قوله: إذا صار ظل الشيء مثليه صارت العصر قضاء. قاله النووي في شرح مسلم جـ ٥ ص ١١٠. (ووقت المغرب ما لم يسقط) أي لم يغب (ثور الشفق) بفتح الثاء المثلثة، وسكون الواو: أي انتشاره، وثوران حمرته، من ثَارَ الشيءُ يَثُور: إذا انتشر، وارتفع. قال ابن منظور ﵀: والثَّوْرُ: حُمْرَةُ الشفق الثائرةُ فيه، وفي الحديث «صلاة العشاء الآخرة: إذا سقط ثور الشفق» وهو انتشار الشفَقِ، وثَوَرَانُهُ: حُمْرَتُهُ، ومُعْظَمُهُ، ويقال: قد ثَارَ يَثُور، ثَوْراَ، وثَوَرَانًا: إذَا انتشر في الأفق، وارتفع، فإذا غاب حلت العشاء الآخرة، وقال في المَغْرِب: ما لم يسقط ثور الشفق، اهـ. لسان العرب جـ ١ ص ٥٢١. ولأبي داود «فور الشفق» بالفاء المفتوحة، أي بقية حمرة الشمس، في الأفق الغربي، وسمي فورًا، لسُطُوعه وحمرته. قال العراقي: صحفه بعضهم بالنون، ولو صحت الرواية لكان له وجه. اهـ المنهل جـ ٣ ص ٣٠٣. وفيه رد على من يقول: إن للمغرب وقتًا واحد، وهو عقيب غروب الشمس بقدر ما يتطهر، ويستر عورته، ويؤذن، ويقيم، وسيأتي تحقيق الكلام فيه في المسائل إن شاء الله تعالى. (ووقت العشاء ما لم ينتصف الليل) وإعرابه كسابقه، يعني أن وقت صلاة العشاء يدخل بغروب الشفق، ثم يمتد إلى نصف الليل. وفيه دليل على أن آخر وقت العشاء نصف الليل، وقد ثبت في الحديث الآخر تحديده بثلث الليل، لكن أحاديث النصف صحيحة، فيجب العمل بها. واحتج به أبو سعيد الإصطخري على أن وقت العشاء إلى نصف الليل فقط، وعند غيره محمولا على بيان وقت الاختيار، وأما وقت الجواز، فيمتذ إلى طلوع الفجر، لما رَوَى أبو قتادة مرفوعًا «إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». قال الحافظ ﵀: عموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح، فللإصطخري أن يقول: إنه مخصوص بالحديث المذكور، وغيره من الأحاديث في العشاء، قال: ولم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثًا صريحًا يثبت اهـ: فتح الباري جـ ٢ ص ٦٢. قال الجامع: سيأتي تحقيق الخلاف مع ترجيح رأي الإصطخري ومن تبعه في محله إن شاء الله تعالى. (ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس) يعني أن وقت صلاة الفجر يدخل بطلوع الفجر، ويستمر مدة عدم طلوع الشمس. وهذا بالإجماع، الا ما رُوِي عن ابن القاسم، وبعض أصحاب الشافعي من أن آخر وقت الفجر الإسفار، كما قاله ابن رشد في «بدايته» جـ ١ ص ٩٧ وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٢٢) وفي «الكبرى» (١٥٠٠) عن عمرو بن علي، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم وأبو داود، فأخرجه مسلم في «الصلاة» عن عبيد الله ابن معاذ، عن أبيه- وعن زهير بن حرب، عن أبي عامر العَقَدي- وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي بُكَير- ثلاثتهم عن شعبة- وعن أبي غَسَّان مالك بن عبد الواحد المسْمَعيّ، ومحمد بن المثنى، كلاهما عن مُعَاذ بن هشام، عن أبيه- وعنَ أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي، عن عبد الصمد، عن همام- وعن أحمد بن يوسف الأزدي، عن عمر بن عبد الله بن رَزين، عن إبراهيم بن طَهْمَان، عن حجاج بت حجاج- أربعتهم عن قتَادة، عن أبي أيوب عنه. وفي حديث العَقَدِي، وابن أبي بكير، قال شعبة: رفعه مرة، ولم يرفعه مرتين. وأخرجه أبو داود فيه عن عبيد الله بن معاذ به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو بيان آخر المغرب، وهو غروب الشفق الأحمر وهذا هو القول المختار، كما يأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ومنها: بيان آخر وقت الظهر، وأنه لا فصل بين الظهر والعصر، ولا اشتراك بينهما على الراجح، كما مر بيانه. ومنها: بيان آخر وقت العصر، وهو اصفرار الشمس، وهذا هو وقت الاختيار، على الراجح، كما مر في بابه. ومنها: بيان آخر وقت العشاء، وهو نصف الليل، على المختار، كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى. ومنها: بيان آخر وقت الصبح، وهو طلوع الشمس، وهذا بالإجماع، إلا قولًا لا يعتد به، كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة: في ذكر مذاهب العلماء في آخر وقت المغرب: اختلفوا في المغرب هل لها وقت مُوَسَّع كسائر الصلوات، أو لا؟ فذهب قوم إلى أن وقتها واحد، غير موسع، وهذا هو أشهر الروايات عن مالك، والشافعي. وذهب قوم إلى أن وقتها موسع، وهو ما بين غروب الشمس إلى غروب الشفق. وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وأبو ثور، وداود، وقد روي هذا القول عن مالك، والشافعي. وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حديث إمامة جبريل في ذلك لحديث عبد الله بن عمرو، وذلك أن في حديث إمامة جبريل أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد، وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: «ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق»، فمن رجح حديث إمامة جبريل جعل لها وقتًا واحدًا، ومن رجح حديث عبد الله جعل لها وقتًا موسعًا، وحديث عبد الله أخرجه مسلم، ولم يخرج الشيخان حديث إمامة جبريل، وفي معنى حديث عبد الله بن عمرو حديثُ بريدة الأسلمي، أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف (٥١٩) قالوا حديث بريدة أولى، لأنه كان بالمدينة عند سؤال السائل له عن أوقات الصلوات، وحديثُ جبريل كان في أول الفرض بمكة. أفاده ابن رشد في «بدايته» جـ ١ ص ٩٥ - ٩٦. قال الجامع: وفي قوله: «كان بمكة» نظر، يأتي تحقيقه قريبًا. وقال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: أما حكم المسألة، فأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وتكامل غروبها، وهذا لا خلاف فيه، نقل ابن المنذر، وخلائق لا يحصون الإجماعَ فيه ، قال أصحابنا: والاعتبار سقوط قرصها بكماله، وذلك ظاهر في الصحراء، قال الشيخ أبو حامد، والأصحاب: ولا نَظَرَ بعد تكامل الغروب إلى بقاء شعاعها، بل يدخل وقتها مع بقائه، وأما في العمران، وقُلَلِ الجبال، فالاعتبار بأن لا يُرَى شيء من شعاعها على الجدران، وقُلَلِ الجبال. وأما آخر وقت المغرب فالمشهور في مذهبنا أن لها وقتًا واحدًا، وهو أول الوقت، والصحيح أن لها وقتين يمتد ثانيهما إلى غروب الشفق. وممن قال بالوقتين أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق، وداود، وابن المنذر. وممن قال بوقت واحد الأوزاعي، ونقله أبو علي السنجي في «شرح التلخيص» عن أبي يوسف، ومحمد ، وأكثر العلماء. وعن مالك ثلاث روايات: الصحيحة منها، وهي المشهورة في كتب أصحابه وأصحابنا: إنه ليس لها إلا وقت واحد، ولم ينقل ابن المنذر عنه غيرها. والثانية: وقتان إلى مغيب الشفق. والثالثة: يبقى إلى طلوع الفجر، ونقله ابن المنذر عن طاوس، وعطاء. قال ﵀: نص الشافعي ﵀ في كتبه المشهورة -الجديدة والقديمة- أنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو أول الوقت، ونقل أبو ثور عن الشافعي أن لها وقتين، الثاني منهما ينتهي إلى مغيب الشفق. هكذا نقله عنه القاضي أبو الطيب، وغيره. قال القاضي: والذي نص عليه الشافعي في كتبه أنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو أول الوقت، وقال صاحب الحاوي: حكى أبو ثور عن الشافعي في القديم: أن لها وقتين، يمتد ثانيهما إلى مغيب الشفق، وقال: فمن أصحابنا من جعله قولًا ثانيًا، قال: وأنكره جمهورهم، لأن الزعفراني، وهو أثبت أصحاب القديم حكَى عن الشافعي أن للمغرب وقتًا واحدًا. واختلف أصحابنا المنصفون في المسألة على طريقين: أحدهما: القطع بأن لها وقتًا واحدًا فقط، وبهذا قطع صاحب المهذب، والمحاملي، وآخرون من العراقيين، ونقله صاحب الحاوي عن الجمهور. والثاني: على قولين: أحدهما هذا، والثاني يمتد إلى مغيب الشفق، وله أن يبدأ بالصلاة في كل وقت من هذا الزمان، وبهذا الطريق قطع أبو إسحاق في التنبيه، وجماعات من العراقيين، وجماهير الخراسانيين، وهو الصحيح، لأن أبا ثور ثقة إمام، ونقل الثقة مقبول، ولا يضره كون غيره لم ينقله، ولا كونه لم يوجد في كتب الشافعي، وهذا مما لا شك فيه. فعلى هذا الطريق اختلف في أصح القولين، فصحح جمهور الأصحاب القول الجديد، وهو أنه ليس لها إلا وقت واحد، وصحح جماعة القديم، وهو أن لها وقتين، وممن صححه من أصحابنا أبو بكر ابن خزيمة، وأبو سليمان الخطابي، وأبو بكر البيهقي، والغزالي في إحياء علوم الدين، وفي درسه، والبغوي في التهذيب، ونقله الروياني في الحلية عن أبي ثور، والمزنيِّ، وابن المنذر، وأبي عبد الله الزبيري، قال: وهو المختار، وصححه أيضًا العجلي، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح. قال النووي: قلت: هذا القول هو الصحيح، لأحاديث صحيحة: منها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله - ﷺ - قال: «وقت المغرب ما لم يَغب الشَّفَقُ»، وفي رواية «وقت المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقطَ الشَفق»، وفي رواية: «وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق» رواه مسلم بهذه الألفاظ كلها. وعن أبي موسى الأشعري في بيان النبي - ﷺ - مواقيت الصلاة، قال: «ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق»، رواه مسلم، وهو الآتي للمصنف (٥٢٣). وعن بريدة: «أن النبي - ﷺ - صلى المغرب في اليوم الثاني قبل أن يغيب الشفق» رواه مسلم، ومضى للمصنف (٥١٩) وعن أبي قتادة «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى» رواه مسلم. قال: فإذا عُرِفَت الأحاديثُ الصحيحةُ تعين القول به جزمًا، لأن الشافعي نص عليه في القديم، كما نقله أبو ثور، وعلق القول به في «الإملاء» على ثبوت الحديث، وقد ثبت الحديث، بل أحاديث، و«الإملاء» من كتب الشافعي الجديدة، فيكون منصوصًا عليه في القديم، والجديد، وهذا كله مع القاعدة العامة التي أوصى بها الشافعي ﵀ أنه إذا صح الحديث على خلاف قوله، يُتركُ قوله، ويُعمَل بالحديث، وأن مذهبه ما صح فيه الحديث، وقد صح الحديث، ولا معارض له، ولم يتركه الشافعي إلا لعدم ثبوته عنده، ولهذا علق القول به في الإملاء على ثبوت الحديث. وبالله التوفيق. وأما حديث صلاة جبريل ﵇ في اليومين في وقت واحد، فجوابه من ثلاثة أوجه: أحسنها، وأصحها: أنه إنما أراد بيان وقت الاختيار، لا وقت الجواز، فهكذا هو في أكثر الصلوات، وهي العصر، والعشاء، والصبح، وكذا المغرب. والثاني: أن حديث جبريل مقدم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث متأخرة بالمدينة، فوجب تقديمها في العمل. قال الجامع عفا اللة عنه: هذا الوجه ضعيف، لأن حديث جبريل من جملة من رواه أبو هريرة وجابر بن عبد الله، كما تقدم، وهما من أهل المدينة، وقد قدمنا أن الراجح تعدد القصة، فلا يمكن أن يكون منسوخًا، بل الوجه الأول هو الصواب في الجواب، ويليه الوجه الثالث الآتي، فتبصر. والله أعلم. والثالث: أن هذه الأحاديث أقوى من حديث جبريل، لوجهين: أحدهما أن رواتها أكثر. والثاني أنها أصح إسنادًا، ولهذا خرجها ممسلم في صحيحه، دون حديث جبريل، وهذا لا شك فيه. فحصل أن الصحيح المختار أن للمغرب وقتين: يمتد ما بينهما إلى مغيب الشفق، ويجوز ابتداؤها في كل وقت من هذا. فعلى هذا لها ثلاثة أوقات: وقت فضيلة واختيار؛ وهو أول الوقت. والثاني: وقت جواز؛ وهو ما لم يغب الشفق. والثالث: وقت عذر؛ وهو وقت العشاء في حق من جمع لسفر أو مطر. وقد نقل أبو عيسى الترمذي عن العلماء كافة، من الصحابة فمن بعدهم، كراهة تأخير المغرب. اهـ. مجموع، بنوع اختصار جـ ٣ ص ٢٩ - ٣١. قال الجامع عفا الله عنه: فاتضح بهذا كله كون أرجح المذاهب هو مذهب من قال بأن آخر وقت المغرب هو غروب الشفق الأحمر، لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك، وإنما أطلت في نقل كلام النووي ﵀، لكونه تحقيقًا بليغًا في عدم التعصب لقول الإمام الشافعي المنصوص عليه في كثير من كتبه واتفق عليه معظم أصحابه، أنه لا وقت لها إلا واحد. فرأيت هذا الإمام أعطى المسألة حقها، ولم يُحَابِ فيها، واعتذر عن إمامه بعدم صحة الحديث عنده، أو بأن ما روي عنه من موافقة الجمهور هو الصحيح. وهكذا يجب على المسلم أن يكون مع الحق حيثما كان، ولا يهاب إلا الحق، وإن خالفه جل الناس، ويعتذر عن الأئمة الذين خالفوه بوجه من وجوه الأعذار الصحيحة، وياليت أصحاب المذاهب اتبعوا هذا، فإن هذا هو منشأ ائتلاف كلمتهم وتوحيد صفوفهم، وكونهم يدًا واحدة على أعداء الإسلام، ولا يتفرقون تفرق أهل الأهواء الزائغة، وهذا هو وصيةُ الأئمة لأتباعهم، وليس وصيةً للشافعي فقط، إلا أن أتباعهم ما عملوا بوصاياهم إلا من وفقه الله، قاتل الله التعصب. ولله در العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني ﵀، حيث يقول (من الطويل): عَلامَ جَعَلْتُمْ أيُّها النَّاسُ دِيننَا … لأرْبَعَةٍ لا شَكَّ فِي فَضْلِهِمْ عِنْدِي هُمُ عُلَمَاءُ الدِّينِ شَرْقًا وَمَغْربًا … وَنُورُ عُيُونِ الْفَضْلِ وَالْحَق وَالزُّهْدِ وَلَكِنَّهمْ كالنَّاسِ لَيْسَ كلامُهُمْ … دَلِيلًا وَلا تَقْلِيدُهُمْ فِي غَدٍ يُنْجِي وَلا زَعَمُوا -حَاشَاهُمْ- أنَّ قَوْلَهُمُ … دَلِيلٌ فَيَسْتَهْدِي بِهِ كُلُّ مُسْتَهْدِي بَلَى صَرَّحُوا أنَّا نُقَابِلُ قَوْلَهُمْ … إذَا خَالَفَ الْمَنْصُوصَ بالْقَدْحِ وَالرَّدِّ اللهم أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. آمين. المسألة السادسة: في قوله: «ما لم تصفر الشمس» حكاية مَلِيحَة أحببت إيرادها هنا لكونها ظريفة، مستحسنة، مشتملة على أحكام حركات الفعل المضارع المضعف الآخِرِ، وأمره، لكثرة تكرره في الأحاديث، مثل هذا الحديث: قال العلامة ابن حمدون ﵀ في «حاشيته» على شرح المكودي لألفية ابن مالك في «باب الإدغام»، ما نصه: (تتمة) حكاية جرت عادتهم بذكرها هنا، لمناسبتها، نَقَلَها صاحبُ «الأنيس المطرب» عن الفقيه البوعصامي في ترجمته، وذلك أن بعضهم سأل الفقيه المذكور عن حركة آخر الفعل المضارع المجزوم المضعف الآخر، وعن الأمر منه، نحو لم يَشُدّ، وشُدّ؟ فقال: إن لهذه المسألة قصةً اتفقت للراعي ﵀ مع بعض أصحابه. قال الراعي: كان لي صاحب في خواص الملك، فسألني يومًا عن الفعل المضارع المجزوم المضعف، وعن الأمر منه؟ فلما شرعت في الجواب، فَهِمتُ منه، كأنه إنما سألني مختبرًا ما عندي، وأنه غير محتاج إلى جوابي، فسكت عنه، فأعاد السؤال مرارًا، فحلفت يمينًا مغلظة أن لا أخبره حتى ينزل من موضع عال، هو به، ويقعد على الأرض وسط المدرسة من غير حائل بينه، وبين الأرض، ويخضع لي، كما يخضع الصبي لمؤدبه، وإلا فهؤلاء العلماء فيهم كفاية عني في هذه المسألة وغيرها. فردد ﵀ الأمر في نفسه مرارًا، وأطرق، ثم قال: لا بأس بالذل في طلب العلم، فإنه عِزّ على الحقيقة، ثم فعل ما طُلب منه، والطَّلَبَةُ ينظرون. فقلت: يا عبد الله لم تجئني هذه المسألة رَخِيصَة، وسأحدثك كيف استوفيتها: اعلم أني رحلت يومًا لشيخنا وسيدنا أبي الحسن علي بن محمد الأندلسي الغُرْنَاطي ﵀، وكان فقيرًا مُقِلًا، وكان أبوه، وأخوه يعيشان من نقل الحطب على حمارين لهما، وكان أبي تاجرًا في سوق القُمَاش. فكنت أخدم الشيخ خدمة العبيد الناصحين، فأتيت له صبيحة يوم بارد، فقلت: هل من حاجة؟ قال: نعم، ليس عندنا ماء، ثم أخرج إليّ سَطلًا من نحاس وقُلَّة يسعان أربعين رطلًا من الماء، والماء من بيته على مسافة بعيدة، فأتيت بنحو اثني عشر نَقْلَة حتى امتلأ الزِّير ، وجميع أواني الدار. ثم سلمت عليه، وأردت الخروج، وأنا في غاية التعب، قد ابْتَلَّتْ ثيابي، وامتلأت بالطين، وأنا أرتعد من البرد، فلما رأى ما بي، قال: اقعد حتى أعطيك مسألة جليلة، فقعدت معه. فقال: ذكر صاحب الدار المكنون إنه وصل رجل إلى أشبيلية يقصد قراءة الحديث على أبي بكر الحافظ، فلما قرأ عليه قوله - ﷺ -: «ما لم تصفر الشمس»، وفي الحلقة جماعة من الطلبة، فيهم أبو بكر الشلوبين، فقال الشيخ: كيف تضبطون الراء من قوله: «ما لم تصفر الشمس»، فقالوا بأجمعهم بالفتح، ما عدا أبا بكر، فإنه بقي ساكتًا. فأنشد الشيخ: أورَدَها سَعدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ … مَا هَكَذَا يا سَعْدُ تورَدُ الإِبلْ ثم التفت إلى أبي بكر، وقال: ما تقول أنت؟ فقال: إن العرب على ثلاث فِرَقٍ، مُتْبِعُون، وكاسرون، وفاتحون. فالمتبعون، يتبعون الحرف المضعف لحركة الحرف الذي قبله؛ فإن كانت ضمة ضموه، نحو: لم يردُّ، ورُدُّ، وإن كانت فتحة، أو ألفًا فتحوا، نحو: لم يَعَضَّ، وعَضَّ، وقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وإن كانت كسرة كسروه، نحو لم يفرّ، وفرّ يا عمرو، إلا في ثلاث مواضع، فإنهم لا يتبعون لما قبله: أحدهما: إذا اتصل بالفعل ضمير مذكر غائب، فإن المتبعين إنما يتبعون لحركة الضمير، فيقولون: لم يَفِرُّهُ، وفِرُّهُ، بضم الراء فيهما، ولم يَعَضُّهُ، بضم الضاد، وعليه يخرج قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إن قلنا: إن «لا ناهية»، لا نافية. ثانيها: إذا اتصل بالفعل ضمير مؤنث غائب، نحو رُدَّهَا، ولم يَرُدَّهَا، وفرها، بفتح الحرف المدغم فيه اتباعًا لحركة الهاء، وإنما أتبعوا حركة الهاء في الموضعين لخفة الهاء، فلم يعتدوا بها فاصلًا، فكأن الضمةَ باشرت واو الصلة، والفتحةَ باشرت ألف الصلة. ثالثها: إن لقي آخرَ الفعل ساكنٌ من كلمة أخرى، لامُ تعريف، أو غيرُها، فيرجع المتبعون هنا للكسر، نحو غُضِّ الطرفَ، وعليه يقال: «ما لم تصفرِّ الشمس» بكسر الراء، لا غير. والفرقة الثانية: الكاسرون؛ يَكسرُون آخرَ الفعل مطلقًا على أصل التقاء الساكنين، فيقولون: ردِّ زيدًا، ولم يردّ، بكسر الدال فيهما، فعلى هذه اللغة، إنما يقال: «ما لم تصفرّ» بالكسر أيضًا، وهذه اللغة لغة كعب، ونمير. والفرقة الثالثة: الفاتحون، وهم على قسمين: فُصَحاء، وغير فصحاء، فالفصحاء ينتقلون إلى الكسر إذا عارضهم ساكن من كلمة أخرى، فيقولون مُدِّ الحبل، وشُدِّ الرَّحْلَ، بكسر المدغم فيه منها، فيقال حينئذ: «ما لم تصفر» بالكسر أيضًا، وغير الفصحاء لا يزالون على أصلهم من الفتح، ولو لقي آخرَ الفعل ساكنٌ؛ وعليه فيقال: «ما لم تصفرَّ» بفتح الراء، وعليه فجميع العرب يكسرون آخر الفعل إذا لقيه ساكن، إلا غير الفصحاء، ممن لغتهم الفتح، فإنهم يفتحونه. فلما فرغ الشلوبين، أنشد الشيخ (من الخفيف): ذُو المَعَالِي فَلْيَعْلُوَنْ مَنْ تعالَى … هَكذَا هَكَذا وإِلاَّ فلَا لَا وقد نظم هذا التفصيل العلامة القاضي الولي الصالح أبو العباس سيدي أحمد بن الحاج، فقال (من الرجز): إِنْ جُزِمَ الْفِعْلُ الَّذِي قَدْ شُدِّدَا … آخِرُهُ كَلا تُضَرَّ أَحَدَا
مصادر المؤلف (٦)

١. بالتصغير.

٢. سيأتي الكلام في ضبط هذه الراء في «المسألة السادسة».

٣. وقد تقدم نقل مخالفة الشيعة في ذلك، ولكن لم يعدوه لضعفه.

٤. لكن المعروف عنهما أنهما يقولان بقول الجمهور. والله أعلم.

٥. الزِّيرُ بالكسر: الدَّنُّ. اهـ «ق».

٦. هكذا الدار ولعله الدُّرّ المكنون.